تحميل رواية «بنت القرية» PDF
بقلم ملك كريم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أشرقت الشمس على أحد منازل القرية لتتعامد أشاعتها على قارئة كتاب الله بعد أن أدت فرضها. "صدق الله العظيم." الحمد لله، الساعة 9. يادوب ألحق أسلم على الجيران وأروح المقابر لبابا وماما قبل السفر. يا رب ساعدني واقف جنبي في الحياة الجديدة اللي داخله عليها. ليقطع صوت دعائها الهاتف المنير باسم جدها، نوح الهلالي. ليتحدث بنبرة خشنة جامدة: العربية بالسواق هتكون تحت بيتك الساعة 10.30، فياريت تكوني جاهزة. لترد بنبرتها الهادئة: وعليكم السلام... حاضر، هكون في انتظارها. - ماشي، كويس، سلام. ليغلق الخط. لتقول لنف...
رواية بنت القرية الفصل الأول 1 - بقلم ملك كريم
أشرقت الشمس على أحد منازل القرية لتتعامد أشاعتها على قارئة كتاب الله بعد أن أدت فرضها.
"صدق الله العظيم."
الحمد لله، الساعة 9. يادوب ألحق أسلم على الجيران وأروح المقابر لبابا وماما قبل السفر. يا رب ساعدني واقف جنبي في الحياة الجديدة اللي داخله عليها.
ليقطع صوت دعائها الهاتف المنير باسم جدها، نوح الهلالي.
ليتحدث بنبرة خشنة جامدة: العربية بالسواق هتكون تحت بيتك الساعة 10.30، فياريت تكوني جاهزة.
لترد بنبرتها الهادئة: وعليكم السلام... حاضر، هكون في انتظارها.
- ماشي، كويس، سلام.
ليغلق الخط.
لتقول لنفسها: لمي، هو مش طايقني، عايزني أعيش معاه ليه. ربنا يرحمك يا بابا أنت وماما، الحياة من غيركوا وحشه أوي.
وخرجت للذهاب إلى المقابر ولتوديع جيرانها.
***
في قصر عائلة الهلالي.
الجد نوح بهدوء:
طبعاً كلكوا عارفين أن نور بنت عمكم هاشم هتيجي تعيش معانا هنا من النهاردة. رجاء تتعاملوا معاها كويس، مفهوم؟
أيمن (عم نور):
هي هتوصل على امتى علشان نكون في استقبالها؟
الجد نوح:
إن شاء الله على الساعة 12 الظهر.
معتز (ابن عم نور):
أنا آسف يا جدي، هيكون عندي اجتماع مهم. هسلم عليها لمي أخلص الشغل.
الجد نوح بتفهم:
من غير أسف، عذرك معاك. يلا روح أنت شركتك علشان متتأخرش أكتر من كده.
ثم نظر إلى سيلين:
عرفت إنك واخده إجازة النهاردة من المدرسة.
سيلين (ابنة عم نور الصغرى) بفرح طفولي:
طبعاً أخدت إجازة علشان أستقبل نور. الصراحة أنا مبسوطة أوي، هيكون عندي بنت عم هلعب معاها ونخرج ونفرح وكده يعني.
تحدثت رنيم (ابنة عم نور الكبرى) بسخرية:
وإيه بقى اللي حدفها علينا دي؟ تربية قرية يعني فلاحة، هتعيش معانا إزاي في القصر وهي متعرفش حاجة عن عيشة الطبقة المخملية؟
تابعت والدتها (نرمين):
على قولك، فلاحة.
الجد نوح بغضب:
اخرسي، مش عايز أسمع صوتك، فاهمة؟ وياكي يا رنيم أعرف إنك اتكلمتي معاها بأسلوب مش كويس أو قولتي كلام من الوسخ بتاعك ده، ومش هعيد كلامي تاني، فاهمة؟ ويلا قومي من وشي.
رنيم وهي تمثل البكاء ونهضت باتجاه غرفتها:
بتزعقلي علشان واحدة مشفتهاش غير مرتين في حياتك. أنا زعلانه أوي يا جدو.
أيمن بعصبية:
نرمين، قومي عقلي بنتك بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبكوا. يلااا.... حقك عليا يا بابا، امسحها فيا أنا.
الجد نوح:
خلاص يا أيمن، اللي حصل حصل. تعالى يا سيلين معايا، عايزك في حاجة مهمة.
سيلين وهي تميل رأسها بالموافقة:
حاضر يا جدي.
***
في غرفة رنيم.
رنيم:
شوفتي يا ماما، بيزعقلي علشان واحدة جربوعة فلاحة وبيقولي أنا رنيم الهلالي، كلامي وسخ.
نرمين:
مش عارفة إيه الضجة دي كلها أصلاً، وهي واحدة فلاحة مبتفهمش حاجة.
ثم تابعت بخبث:
بس متقلقيش، إن شاء الله هطفشها من هنا.
رنيم:
يارب يا ماما، ويا ريت في أسرع وقت.
***
الساعة 10.30 في القرية.
الحاجة نوال ببكاء:
هتوحشيني يا نور يا بنتي. ابقي اسألي علينا، متنسيناش.
نور محتضنة الحاجة نوال:
مش هنساكي يا خالتي وهجيلك على طول. كفاية عياط بقى علشان عينيكي.
الحاجة نوال بابتسامة:
حاضر يا بنتي. خلي بالك من نفسك... ولد يا محروس، تعال ساعد الراجل في تنزيل الشنط.
محروس بحزن:
حاضر يا خالتي نوال. والله يا أبلة نور، أنا وباقي عيال البلد زعلانين أوي علشان مش هتقعدي معانا وتدينا دروس تاني.
نور مرت يدها على وجنته لتمسح دموعه:
بس بس، في راجل برضه يعيط؟ مينفعش... والله أنا زعلانه أكتر منكم. هنعمل إيه؟ بس متقلقش، هاجي أقعد معاكم من وقت للتاني، اتفقنا.
عم محمد السواق:
يلا يا هانم علشان منتأخرش على الحاج نوح.
نور:
حاضر، جايه أهو... سلام يا خالتي نوال، سلام يا محروس، أشوفكم على خير.
وصعدت إلى السيارة وتجمعت الدموع في عينيها عندما شاهدت جميع أهل القرية يودعونها، وبكاء الأطفال على فراق أستاذتهم وصديقتهم نور. وبكت على تركها لطفولتها وذكرياتها. مهما كانت صغيرة إلا أنها مهمة بالنسبة لها. وانطلقت السيارة إلى حياة جديدة لا تعلم نور عنها شيئاً.
***
بكيت وهل بكاء القلب يجدي؟
فراق أحبتي وحنين وجدي!!
فما معنى الحياة إذا افترقنا؟؟
وهل يجدي النّحيب فلست أدري!!
فلا التّذكار يرحمني فأنسى
ولا الأشواق تتركني لنومي....................................................................
***
في قصر عائلة القاسم.
ناظر إلى المرآة يداعب شعره الغزير لتزداد وسامته، ويضع من عطره الثمين لتنتشر راحته في جميع أنحاء الغرفة.
ليرتفع صوت طرق الباب.
ليقول بصوته الرجولي الجذاب: ادخل.
تدخل والدته الغرفة، وعندما رأته ظهرت ابتسامة على ثغرها:
هو في حد بيزداد وسامة كل يوم بالشكل ده ولا ابني بس؟
ليبتسم ويقول:
يمكن مثلاً علشان أنا ابن عصمت هانم الدمنهوري.
عصمت:
مش يمكن علشان أنت تميم القاسم... المهم، الساعة داخلة على 11 وأنت لسه في البيت واتأخرت على الشركة.
تميم:
عادي، مفيش شغل كتير. وعندي اجتماع الساعة 12، هروح بدري ليه.
عصمت:
اممم، يلا بينا ننزل تحت، أبوك عايزك في موضوع مهم.
تميم:
يلا بينا يا عصمت هانم.
***
في الأسفل.
منير (والد تميم):
تميم، عملت إيه في المول الجديد بتاعنا إحنا وعيلة الهلالي؟
تميم بجدية:
بالنسبة للمول، النهاردة في اجتماع مع معتز الهلالي وهنتكلم في جميع أبعاد المشروع.
منير:
حلو، ياريت تبلغني بكل جديد بخصوص المشروع ده.
تميم محرك رأسه ليدل على الموافقة:
تمام، كل الورق بخصوص المشروع هيبقى عندك نسخة منها.
ثم وجه نظره لوالدته:
هي بسمة فين؟ ملهاش صوت النهارده.
عصمت:
راحت الجامعة، وراها محاضرة مهمة. هانت آخر سنة ليها وتتخرج.
تميم:
تمام... أنا هروح الشركة علشان الاجتماع. سلام.
منير وعصمت:
سلام.
***
في سيارة نور.
توقفت السيارة أمام قصر عائلة الهلالي.
فنظرت بصدمة طفولية:
واو، هو القصر ده حقيقي ولا خيالي زي الكرتون؟
أبتسم عم محمد السائق على براءتها الطفولية:
أيوا حقيقي يا ست هانم.
وفتحت أبواب القصر لتنطلق السيارة داخل القصر وتزداد دهشة نور كلما اقتربت من الباب الرئيسي.
لتتحدث بنبرة طفولية:
يا عم محمد، أنت متأكد إن هو ده المكان؟ أنا خايفة مش هنزل. ممكن يطردوني، أنا أرجع بيتي بكرامتي أحسن. لا لا، أنا خايفة مش هنزل.
ضحك عم محمد:
يا ست نور، والله هو ده القصر بتاع عيلة الهلالي. متخافيش، محدش هيعملك حاجة. ويلا انزلي علشان وصلنا.
نزلت نور من السيارة وتقدمت بخطوات بطيئة لتقف أمام الباب وتمد يديها ليرن الجرس ويعلن وصول نور.
لتفتح لها الخادمة سعاد لتقول:
إنتي مين؟
لتقول نور بتوتر:
أنا نور هاشم الهلالي.
سعاد بفرحة:
العتب على النظر يا ست هانم. اتفضلي، العيلة كلها مستنية وصولك. اتفضلي معايا.
سارت نور خلف سعاد وهي تتأمل هذا القصر الخيالي بالنسبة لها حتى وصلت لمكان تجمع العائلة.
فوقفت شارده تنظر إلى وجوههم.
ليقطع صوت شرودها الجد نوح:
تعالي يا نور.
تقدمت نور حتى وقفت أمام جدها.
حتى ضمها في حضنه وقال:
شبه أبوكي يا نور، نفس لون عيونه بالظبط (زرقاء ممزوجة ببعض الخضرة).
نور بابتسامة هادئة:
آه، نفس لون عيونه، الله يرحمه.
الجد نوح:
دي رنيم بنت عمك، أكبر منك بسنة.
لتقول:
أهلاً يا رنيم.
رنيم:
أهلاً أهلاً يا نور. معلش أصل مش بحب أحضن ناس أقل مني.
نرمين:
معاكي حق يا رنيم، ناس بيئة.
ليقطع صوتها سيلين:
وأنا سيلين، صغيرة العيلة وآخر العنقود. وأنا ممكن أحضنك عادي، ولا في مشكلة؟
لتبتسم نور:
طبعاً يا قمر، هاتى بوسة بقى، وإنتي سكرة كده.
سيلين بفرح:
ينفع نبقى أصحاب؟
ونظرت لها بعيون طفولية:
ها، ينفع ولا لأ؟
بتضحك نور على مظهرها الطفولي:
أكيد طبعاً ينفع، أنا حبيتك أصلاً.
لتضمها إلى حضنها مرة أخرى.
ليقطع صوتهم أيمن:
مش هتسلمي على عمك ولا إيه؟
لتذهب نور باتجاهه، وعندما رأته عن قرب تجمعت الدموع في عينيها.
وقال أيمن:
هتعيطي ليه دلوقتي؟
نور بابتسامة صغيرة على ثغرها:
حضرتك شبه بابا بالظبط.
أيمن وهو يحتضنها:
آه شبهه، مش إحنا توأم؟ يبقى لازم نكون شبه بعض، ولا إيه؟
نور:
آه، آه أكيد.
الجد نوح:
سعاد، خدي نور على أوضتها فوق تستريح شوية من السفر.
سيلين بفرحة:
أنا هوديها وأقعد معاها شوية.
الجد نوح بهدوء:
مش دلوقتي يا سيلين، سيبيها تستريح شوية وبعد كده اقعدوا مع بعض.
سيلين بغضب طفولي:
خلاص، ماشي. شوية وهجيلك يا نور، اتفقنا.
نور:
اتفقنا يا قمر.
لتنطلق نور مع سعاد حتى تصل إلى غرفتها وتتركها سعاد أمام الغرفة.
لتفتح الباب لتجد أمامها غرفة كبيرة لم تكن في مخيلتها.
لتدور جميع أنحائها.
لتصعد على السرير تقفز عليه كطفلة ثم قالت:
خلاص، أنا كبرت. مينفعش كده، ولا أت نطط شوية مش هيحصل حاجة.
ثم ذهبت لتفتح حقيبتها لتفرغها.
وتزداد دهشتها عندما تفتح الدولاب لتجده مملوء بملابس قيمة للغاية:
الله، إيه الهدوم دي، شكلها حلو جداً.
وظلت نور تلهو وترقص في عالمها الجديد.
***
"مهما كبر سنك سيظل داخلك طفل صغير يريد الخروج ليلهو قليلاً"
***
في الأسفل.
الجد نوح بغضب:
ممكن أفهم إيه اللي عملتيه يا رنيم إنتي وأمك؟
رنيم بحزن مصطنع:
إنت مش شايف يا جدو، شكلها عامل إزاي وأنا لسه حاطة ميك أب وخايفة يبوظ، الصراحة.
لتتابع نرمين:
وأنا لسه لابسة فستان جديد وخايفة أوسخه، الصراحة.
الجد نوح بصوت عالٍ نسبياً:
أيمن، خد مراتك وبنتك وشوفلك صرفة معاهم علشان بعد كده هتصرف تصرف مش هيعجبكوا.
أيمن بعصبية:
تعالوا معايا، أما نشوف أخرتها معاكم إيه... يارب صبرني.
ليخرجوا.
ثم تتجه سيلين إلى جدها لتقول:
ها، يا نوح يا قمر، إنت عجبتك؟
ليهمس الجد في أذنيها:
مش قولتك نوح دي بيني وبينك، مش قدام الكل. وأه يا ستي عجبتيني، وبعد ما تخلصي ليكي مكافأة حلوة.
لتقول سيلين بفرح:
حاضر، مش هقولك نوح غير بينا إحنا الاتنين بس. ومتقلقش، كله هيمشي تمام علشان المفاجأة.
لتتابع بحيرة:
بس هو ليه خلتني أعمل كده؟ كنت عرفت إنت لوحدك وخلاص.
ليرد الجد نوح بحزن:
مقدرش أقولك دلوقتي يا سيلو، بس هتعرفي بعدين.
طبعت سيلين قبلة على وجهه وقالت:
أنا هروح أنا بقى، ربنا يخليك ليا يا قمر.
ليبتسم الجد:
ويخليكي يا قمر.
***
في شركة القاسم.
ينظر تميم للورق أمامه ويجلس معتز أمامه منشغل أيضاً بقراءة الأوراق.
ليقول:
كده المكان هيكون على البحر، بس إزاي مول على البحر؟ مش خطر شوية؟
ليتحدث تميم بجدية:
هو خطر، بس إحنا هنشيل الرمل وتقريباً هنعمل أرض صلبة، فهيكون كويس.
معتز:
أنا فاهم، وكمان منظر البحر هيكون جذاب جداً والناس هتكون مستمتعة. بص، أنا هتفق مع نص الماركات والنص التاني عليك.
تميم:
أوكي. وبعد الاتفاق هنجمع كل مندوبين الماركات هنا ونمضي الورق النهائي، ولا إيه؟
معتز:
بالظبط كده، علشان يبقى كله واضح. مبروك علينا المول الجديد.
تميم:
الله يبارك فيك. من بكرة المهندسين والعمال هيكونوا في الموقع للتنفيذ.
معتز:
على بركة الله. أنا همشي بقى، ورايا شغل لسه في الشركة. عايز حاجة؟
تميم:
لا، شكراً.
ثم خرج معتز متجهاً إلى شركته.
أما تميم ظل يقرأ بعض الورق الخاص بالمشروع.
***
في غرفة نور.
ارتفع صوت طرقات الباب.
لتقول نور: ادخل.
لتفتح سيلين الباب لتتفاجئ ب ....
رواية بنت القرية الفصل الثاني 2 - بقلم ملك كريم
لتفتح سيلين الباب لتتفاجئ بنور وهي تجلس وسط مجموعة كبيرة من الكتب مبعثرة على الأرض.
سيلين بصدمة: يالهوي! إيه كمية الكتب دي كلها؟ أنتي فاتحة مكتبة ولا إيه؟
نور بابتسامة: ولا مكتبة ولا حاجة، دي كتبي ورواياتي. دول حتى شوية صغيرين.
سيلين بصدمة: نعم! شوية صغيرين! الأرض كلها كتب. أنا وصلت لكِ جوة الأوضة بصعوبة من كمية الكتب. وكمان الدولاب فاضي كده ليه؟ والهدوم كلها على السرير.
نور بحيرة طفولية: سيلين، بصي أنا حبيتك وهقول لكِ اللي هعمله، بس تساعديني.
سيلين بفرحة: والله أنا حبيتك أكتر. قولي وأنا رقبتي سدادة.
نور بضحك: رقبتي سدادة! قاعدة مع سرسجي أنا... أنتي عارفة لو حد من طلابي قال الجملة دي كنت عملت فيه إيه؟
سيلين بفضول: أنتي أستاذة وعندك طلاب وكده؟
نور: لا، بس العيال بتوع البلد أصحابي وكده كنت بفهمهم الدروس بتاعتهم مش أكتر.
سيلين: امم. اعملي حسابي أنا هاجيلك أنا كمان تفهميني دروسي الصعبة... ها بقى قولي لي هتعملي إيه؟
نور: من عيني. تعالي أنتي بس وأنا هفهمك كل حاجة. بصي بقى أنا عايزة أحط الكتب بتاعتي في النص اليمين من الدولاب وفي النص الشمال هحط الهدوم.
سيلين بحيرة: وهل الدولاب هيستحمل كمية الكتب دي؟ أنتي عندك كتب أكتر من اللي في المكتبة. دول تقريباً كده 1000 كتاب.
نور بضحك: والله أكتر من 1000، بس الدولاب هيستحمل إن شاء الله. يلا بينا نبدأ.
سيلين: يلا.
***
في غرفة الجلوس بقصر عائلة الهلالي.
الجد نوح: هو معتز اتأخر برا كده ليه؟ الساعة 8 بليل، أول مرة يعني.
أيمن: أكيد الشغل كتير وكمان المشروع الجديد عايز متابعة شخصية منه... أومال نور وسيلين فين؟ مش سامع صوت لهم.
الجد نوح: سيلين فوق عند نور من الصبح، مش عارف بيعملوا إيه.
وأثناء حديثهم سمعوا صوت الجرس الذي يعلن وصول معتز. ليقول أيمن: أهو معتز جه.
دلف معتز إلى الداخل ووجد سعاد.
معتز: ها يا داداه سعاد، عاملة أكل إيه النهارده؟ والله الواحد على لحم بطنه.
لتضحك سعاد: اممم، عاملة ورق عنب تاكل صوابعك وراه.
معتز: حلو أوي... هو مين موجود جوا؟
سعاد حركت يديها على كتفه: خش وانت هتعرف. هروح أنا أحضر لك الأكل.
وتركها معتز وتقدم نحو غرفة الجلوس وألقى التحية على عائلته وأعطى ملفين من الأوراق للجد وللوالد.
معتز: دا ورق بخصوص المشروع الجديد.
الجد نوح بجدية: التنفيذ هيبدأ إمتى؟
معتز: المهندسين هيروحوا بكرة يشوفوا الموقع وهيبدأ الشغل بعد بكرة إن شاء الله... هي بنت عمي فين؟ عايز أسلم عليها وأشوفها والبت سيلين فين هي كمان؟
الجد نوح: همي فوق. يا سعاااد، اطلعي لنور وسيلين قوليلهم يجوا علشان معتز جه.
سعاد: حاضر يا حاج نوح.
***
بالأعلى بغرفة نور.
نور باستفهام: مين معتز؟
سيلين: معتز يبقى أخويا الكبير، يعني ابن عمك.
نور: اااه... طب ثانية واحدة ألبس الحجاب بتاعي وننزل.
وذهبت قليلاً ثم عادت.
نور: أنا كده جاهزة، يلا ننزل.
سيلين بصدمة لمظهرها. كانت نور ترتدي عباءة بلون السماء، أي تشبه عينيها، وعليها حجاب أبيض بسيط جعلها تبدو أكثر بساطة وجمال.
سيلين: أنتي هتقعدي كده تحت؟ مفيش حد غريب لابسة ليه كده؟
نور بابتسامة: لا فيه معتز. معتز مش من محارمي، يعني مينفعش أقعد قدامه بشعري أو حتى ألبس لبس يكشف جسمي. دا حتى مينفعش أسلم عليه.
سيلين باهتمام: والله حتى السلام ممنوع؟ إيه الخنقة دي؟ أنا بعد كده هقول لك يا شيخة نور.
نور بهدوء: ده مش تشدد أو خنقة يا سيلين، ده تنفيذ لكتاب الله وسنة رسوله. والمفروض كل بنت تعمل كده، والرجال كمان مينفعش يلمسوا بنت لا تحل لهم.
سيلين ببراءة طفولية: بجد! أنا بسلم على رجال كتير أصحابنا وكده. أنا كده هخش النار وكمان أنا مش محجبة.
نور بابتسامة: النار مرة واحدة! لا إن شاء الله ربنا يبعدها عنا. بم أنك عرفتي المعلومات دي تنفذيها وتتوبي إلى الله. إن الله غفور رحيم.
سيلين باستفهام: وأتوب إزاي علشان ربنا يسامحني؟
نور: أول حاجة كده هتاخدي عهد على نفسك إنك مش هترجعي للمعصية تاني وتصلي وتدعي لربنا إنه يغفر لكِ ذنوبك وربنا إن شاء الله هيتقبل منك. انتي بتصلي بقى ولا لأ؟
نظرت إليها سيلين بحزن: لا مش بصلي ومش بعرف أصلي أصلاً.
نور ضمنتها في عناق: طيب متزعليش يا قمر، أنا هعلمك كل حاجة. إيه رأيك؟
سيلين بفرح: بجد هتعلميني؟
نور: اه هعلمك.
وكانت سعاد تتابع الحوار بين نور وسيلين والابتسامة الصغيرة تنير وجهها.
سعاد: ربنا ينور طريقك يا بنتي ويزيدك من كرمه وفضله. يلا ننزل علشان منتأخرش.
تحركت نور وبجانبها سيلين متجهين إلى غرفة الجلوس وألقت نور التحية على الجميع. وعند دخولها وقف معتز ومد يديه للسلام. وعندما رأته سيلين وضعت يدها بيده وقالت:
سيلين: معلش يا ميزو، أصل نور مش بتسلم على رجال.
نظر معتز إلى نور وابتسم.
معتز: ربنا يبارك فيكي يا نور. أنا معتز ابن عمك وزي ما أنتي شايفه أنا الحفيد الذكر الوحيد في العيلة دي.
نور: اه اه أنا أخدت بالي.
ليقطع حديثهم صوت نرمين بسخرية.
نرمين: معلش أنا مش بسلم على رجال، إنسانة بيئة مش متحضرة جاية من الغيط. حاجة تقرف.
لتنظر إليها نور بابتسامة صغيرة تعلو ثغرها.
نور: على فكرة أنا مش جايه من الغيط ولا فلاحة علشان حضرتك تتكلمي معايا بالأسلوب ده، واللي أنا بعمله صح. وبما إنه صح ومخالفش شرع ربنا يبقى أنا مش فلاحة.
لتقول نرمين بعصبية: لا يا ماما اسمه فلح علشان أنتي فلاحة جايه من ورا الجموسة. أنتي مش شايفة الشوال اللي أنتي لبساه ولا إيه؟
لتقول نور بثقة وعصبية: أنا ساكتة من بدري احتراما ليكي علشان حضرتك أكبر مني وتبقى مرات عمي. إنما خلاص صفى الكيل. أنا مش فلاحة، أنا متعلمة وفاهمة كويس أوي ومش جايه من ورا الجموسة. أنا أبويا وأمي ربوني تربية عظيمة الحمد لله. وأمي مكنتش بتخليني أعمل أي حاجة في البيت بس أنا كنت الحمد لله بساعدها علشان أمي والجنه تحت أقدام الأمهات. وأبويا مفيش طلب طلبته منه إلا وكان عندي. ودخلت كلية محترمة وكنت بطلع الأولى على الدفعة بإمتياز مع مرتبة الشرف. واللي أنا لبساه اسمه الحجاب الشرعي مش شوال. وبالنسبة للسلام على الرجال، قال رسول الله ﷺ: (إني لا أصافح النساء) وقالت عائشة رضي الله عنها: «والله ما مست يدي رسول الله ﷺ يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام». أظن دي أدلة كافية على الكلام بتاعي.
كان ينظر الجميع إلى تلك الواقفة التي تتحدث بعصبية حتى تحول وجهها الأبيض إلى الأحمر. ونظرة الإعجاب في عيونهم كيف لها أن تتحدث بثقة وفخر هكذا. ولم تستطع نرمين الرد عليها.
وبعد عدة دقائق من الصمت الذي انتشر في أرجاء المكان، ظهر صوت نور.
نور: أنا هطلع أوضتي عن إذنكم.
وبدأت بالتحرك ولكن أوقفها صوت جدها.
الجد نوح: استني يا نور.
لتلتف نور باتجاه الجد.
نور: نعم يا جدي، في حاجة؟
الجد بابتسامة فخر وهو ينظر لعينيها المحمرتين من الغضب: لا يا حبيبتي. أنا كنت هقول إن في حفلة بكرة هنا في القصر بمناسبة إنك هتعيشي هنا علشان الكل يعرف إن حفيدة نوح الهلالي رجعت. وكمان نحتفل بالمشروع الجديد مع عائلة القاسم.
وكادت نور أن تتحدث لتقول معترضة، ولكن أوقفها الجد.
الجد: مش عايز اعتراض. تقدري تتفضلي. ويلا كل واحد على أوضته، مش عايز حد هنا. يلا.
ليتجه الجميع إلى غرفهم ويذهب الجد نوح إلى مكتبه.
***
في أحد منازل قرية من قرى الصعيد كان يتحدث الحاج كارم الشامي مع ابنه عمر عبر الهاتف.
كارم الشامي: هتفضل كده لحد إمتى يا سليم يا ولدي؟ هتتخفى زي الولايا؟
سليم بنفاذ صبر: يا ابوي أنا مش بتخفى زي الولايا. وكل ده غلطتك أنت وجدي وعيلة الشامي كلها خلتوني أهرب وأروح إسكندرية علشان الطار. يرضيك كده؟
كارم: يا ولدي، لو مكنتش خدنا طارنا كانت هتبقى فضيحة وجرسة في البلد. ولا يرضيك يقولوا على عيلة الشامي نسوان لابسة طرح؟
سليم بعصبية: ميرضينيش يا ابوي، بس برضه مينفعش أبقى بقالي سنين مش عارف أشوفك أنت وأمي علشان الطار. ابن *** ده أنا زي الهربان خايف أنزل صورة ليا هنا ولا هنا لحسن حد من عيلة الغريب يشوفها ويقتلوني. أنا زهقت من العيشة كده.
كارم: استحمل شوية يا ولدي، إن شاء الله الموضوع هيتحل وهترجع البلد من تاني يا ولد عيلة الشامي.
سليم بضيق: حاضر يا ابوي، هستحمل. بس لازم تشوف حل في الموضوع ده.
كارم: حاضر يا ولدي.
***
في منزل عائلة القاسم.
منير: أكيد يا بسمة، طبعًا بعد التخرج هتشتغلي في الشركة بتاعتنا، مش كده؟
لتصدمه بردها: لا يا بابا، أنا مش هشتغل في الشركة معاك أو حتى مع تميم.
لتقول عصمت بعصبية: أومال هتقعدي هنا في البيت زيك زي الخدم؟
بسمة بنفاذ صبر: أكيد لا يا ماما، أنا هفتح مكتب محاماة خاص ليا وأساعد الناس الفقيرة اللي مش لاقية محامي يدافع عنهم بسبب قلة الفلوس، يعني بالمجان.
ليأتي صوت تميم بصدمة: بالمجان! وإحنا مالنا بالناس الشحاتة الفقراء؟ أكيد مش موافق طبعًا. أنتي مش تعبانة سنين في الكلية وفي الآخر تروحي تشتغلي بالمجان؟
بسمة بعصبية: لا، هفتح المكتب وهشتغل فيه وهساعد الناس المحتاجة مساعدتي.
ليتابع منير بسعادة: وأنا معاكي يا بسمة وهساعدك للنهاية.
لتبتسم بسمة وتحتضن والدها.
بسمة: ربنا يخليك ليا يا حبيبي وميحرمنيش منك أبداً.
تميم بغضب: لا يا بابا، أنا مش موافق. إزاي يعني ولاد الطبقات الراقية زينا يختلطوا بالفقراء والطبقات المقرفة دي؟ مستحيل، وبسمة هتشتغل في الشركة وخلص الكلام.
لتقول عصمت: معاك حق يا تميم. قال تساعد الفقراء والمحتاجين. إحنا ناقصين قلة قيمة. عايزين أقول لأصحابي إيه؟ بنتي راحت تشتغل في المناطق المهمشة.
بسمة بغضب: هعمل اللي أنا عايزاه. وعلى فكرة الفقراء اللي بتتريقوا عليهم دول ممكن يكونوا أحسن منكم بكتير. وكمان بابا هيقف معايا، يعني مش محتاجة مساعدتكم.
تميم: خلاص كفاية كلام. لسه أصلًا بسمة متخرجتش. لما تتخرج نبقى نشوف. المهم معتز لسه قافل معايا وفي حفلة بكرة بمناسبة رجوع بنت عمه وكمان علشان المشروع الجديد بتاعنا.
منير باستغراب: بنت عمه؟ هو الحاج نوح هو كان عنده أولاد غير أيمن؟
عصمت: تقريبًا نرمين قالت لي مرة إن أيمن كان ليه أخ توأم، فأكيد دي بنته. هي اسمها إيه؟
تميم: لا معرفش، معتز مقليش الاسم.
عصمت: اممم. المهم نستعد بقى علشان إحنا لازم نكون هناك بدري. يلا أنا هطلع أنام. تصبحوا على خير.
منير وتميم وبسمة: وأنتي من أهل الخير.
تميم: اتفضل يا بابا، دا ورق المول.
منير: تمام، أنا هقرأه وأقولك رأيي. تصبح على خير.
تميم: وأنت من أهله.
وانطلق تميم ووالده وبسمه إلى غرفهم للنوم. وفور وصولهم، أُعلن إنتهاء اليوم المليء بالأحداث المثيرة.
***
وأشرقت الشمس من جديد معلنة عن بداية يوم جديد وأحداث جديدة. كان الجميع في حالة حركة مفرطة، إنه يوم الحفل يا سادة، ولم يبقى وقت كثيراً على بدء الحفل.
كانت نور تجلس شريدة تفكر في حياتها الجديدة وكيف سيمر عليها هذا الحفل، إنها لا تحب التجمعات كثيراً. ليقطع شرودها دخول سيلين إلى الغرفة وتحمل بيدها فستاناً.
سيلين: اتفضلي يا نور، الفستان بتاعك علشان الحفلة ومناسب للحجاب.
نور: بس أنا معايا فستان، شكراً مش عايزة.
سيلين: مينفعش يا نور، جدو اللي جاب الفستان، يعني هتلبسيه هتلبسيه. مفيش خيار بديل.
نور باستسلام: حاضر هلبسه. ثم تابعت بضيق... هو فاضل قد إيه والحفلة تبدأ؟
سيلين: ساعة تقريباً... يعني تلحقي تلبسي وتتشيكي علشان أنتي واجهة الحفلة يا قمر.
نور بابتسامة: حاضر، يلا بقى روحي البسي أنتي كمان وأنا هلبس.
خرجت سيلين من الغرفة، ووقفت نور تنظر إلى الفستان. كان باللون الأسود وحجابه بنفس اللون. وبعد عدة دقائق بدأت في الاستعداد.
***
في غرفة رنيم.
رنيم: أنتي متأكدة يا ماما إن تميم هيجي الحفلة؟
نرمين بثقة: طبعًا هيجي الحفلة، أصلاً هي معموله بمناسبة المشروع الجديد. أنا خلاص فكرت في الطريقة اللي هنتخلص بيها من الفلاحة نور.
رنيم: إزاي بقى؟
نرمين بخبث: ركزي معايا.
***
في قصر عائلة القاسم.
منير: كله جاهز علشان نتحرك.
أتى صوت تميم أثناء نزوله من على الدرج وكان يرتدي رداءً رسمياً زاد من وسامته.
تميم: أنا جاهز، وبسمة وماما جاهزين، يبقى نتحرك.
بسمة: أنا هروح من تميم وماما مع بابا، حلو.
تميم: حلو.
وحرك يديه لتضع بسمة يدها بيده ويسيرا معاً للذهاب إلى الحفل.
***
ودقت عقارب الساعة لتعلن عن بدء الحفل، ولكن لم تصل عائلة القاسم إلا بعد بدء الحفل ببعض الوقت. وقبل وصولهم، قدم الجد نوح نور للجميع.
معتز: عائلة القاسم وصلت. إيه يا تميم كل ده تأخير؟
تميم: معلش الطريق كان زحمة.
منير: ازيك يا حاج نوح، أخبارك حضرتك إيه؟
الجد نوح: الحمد لله بخير. أنت عامل إيه؟
منير: الحمد لله بخير. فين الحفيدة علشان نتعرف عليها؟
نظر الجد نوح حوله ليجد نور ولكن لم يراها وقال: هتلاقيها هنا ولا هنا، هتيجي دلوقتي.
وفى هذه الأثناء ارتفع رنين هاتف تميم فاستأذن واتجه إلى الحديقة ومعه كوب من القهوة.
في الحديقة.
كانت تجلس نور تقرأ في كتاب لها بعيداً عن الحفل قليلاً. لتنظر إلى هاتفها.
نور: يالهوي الوقت اتأخر، جدي هيموتني.
وأثناء سيرها تصادم جسد عريض فتسقط القهوة على كتابها وتسقط هي أرضاً وترفع رأسها لـ...
رواية بنت القرية الفصل الثالث 3 - بقلم ملك كريم
في الحديقة، كانت تجلس نور تقرأ في كتاب لها بعيدًا عن الحفل قليلًا.
نظرت إلى هاتفها: "الوقت اتأخر، جدي هيموتني."
وأثناء سيرها، تُصادم جسدًا عريضًا، فتسقط القهوة على كتابها وتسقط هي أرضًا. رفعت رأسها لتجد عيونًا بنية حادة تحدق بها. التفتت إلى فستانها لتقول بصدمة: "يالهوي! الفستان باظ، هعمل إيه أنا دلوقتي؟"
نظرت إلى تميم المحدق بها: "انت إيه؟ مش شايف أهو؟ الفستان باظ مني."
وأمسكت بالكتاب وبدأت الدموع تتجمع في عينيها: "كتابي.. القهوة كلها جت على الكتاب، ليه بس كده يارب؟"
ليمد يديه يساعدها على النهوض: "هاتي إيدك عشان تقومي."
لترد بعصبية: "كتر خيرك، هقوم لوحدي، مش كفاية اللي عملته."
تميم بعصبية: "انتي عبيطة يا ماما؟ انتي اللي غلطانة وماشية زي العامية، وبتحطي الغلط عليا أنا. والله الواحد بيشوف أشكال تقرف على الصبح."
نور بعصبية وصوت باكي: "أولًا أنا مش عامية، وكل ده غصب عني، وأهو الفستان بتاعي باظ.. وكتابي.. تعرف الكتاب ده غالي عندي قد ايه؟ روح يا شيخ منك لله."
وعندما أراد الرد عليها، تركته وذهبت إلى المرحاض لتحاول إزالة آثار القهوة من الفستان.
بعد نصف ساعة.
الجد نوح بغضب: "سيلين، روحي شوفي نور فين، الناس بتسأل عليها."
انطلقت سيلين للبحث عن نور، وأثناء سيرها وجدت نور قادمة.
سيلين: "إيه يا بنتي؟ كنتي مختفية فين كده؟ وإيه اللي حصل للكتاب بتاعك ده؟"
نور بحزن: "واحد رخم كده خبطت فيه والقهوة بتاعته وقعت على الكتاب والفستان بتاعي، بس عرفت أنضف الفستان، بس الكتاب مش عارفة أعمل فيه إيه."
سيلين: "حصل خير.. بس انتي زعلانة ليه دلوقتي؟ الفستان كويس أهو، مش باين عليه حاجة."
نور بحزن: "الكتاب ده آخر كتاب بابا اشتراه ليا، وكان موقع من الكاتب، فعلشان كده.. يلا بقى حصل خير، تعالي نروح عند جدي."
***
في الصعيد.
الحاجة رابحة بنواح: "يا نصيبي الأسود!"
وبدأت في اللطم على وجهها: "أنا عايزة أشوف ابني، اتصرف يا كارم، حرام عليك، كله منك انت وابوك، اتصرف ورجعلي الواد، مليش دعوة."
الحاج كارم: "اقفلي خاشمك يا ولية، عايزاني أعمل إيه يعني؟ أروحله أتحايل عليه زي الولايا؟"
رابحة: "روح يا كارم، علشان خاطر عيالك.. وحياة سليم وسلمى بنتك لتروح، البت مشافتش أخوها من زمان، وأنا عايزة ابني جنبي هنا، روح يا كارم."
كارم: "أروح أقوله إيه؟ معلش يا حاج إبراهيم، ملكش دعوة بالواد ابني، أصل أمه خايفة عليه."
رابحة بغضب: "انتوا اللي قتلتوا أخوه الوحيد، محدش قال ليكم تعملوا كده."
كارم بسخرية: "يا سلام؟ مش عيلة الغريب هي اللي قتلت أبويا؟ عايزاني كنت أقعد زي الست الخايبة، ومخدش حق أبويا؟"
لتدخل سلمى إلى الغرفة: "يا أبويا، في حاجة اسمها حكومة وقضاء وقانون في البلد، كان هيجيب حقك، إنما انت اللي اتسرعت وقتلت أخوه."
كارم: "انتي باين عليكي العلم قصر على مخك، انتي نسيتي إننا صعايدة ودمنا حامي، ومينفعش نسيب دمنا على الأرض."
سلمى: "منستش إننا صعايدة، بس خلاص موضوع الطار ده فات أوانه، ولازم ينتهي."
كارم بعصبية: "خلاص، مش عايز كلام في الموضوع ده دلوقتي.. انتي مسافرة دلوقتي؟"
سلمى: "آه، هروح إسكندرية."
رابحة بفرحة: "هتقابلي أخويا مش كده؟"
سلمى: "آه يا ماما، وهقعد عنده كمان.. سلام بقى عشان متأخرش، عايزين حاجة؟"
رابحة وكارم: "عايزين سلامتك.. خلي بالك من نفسك."
سلمى: "حاضر."
***
بقصر عائلة الهلالي (موقع الحفل).
سارت سيلين متجهة إلى مكان جلوس العائلة، وبجانبها تسير نور. توقفت عند مقعد الجد نوح.
سيلين بفرحة: "أهو يا جدو، جبت الآنسة نور لحد عندك."
الجد نوح بهدوء: "كنتي فين يا نور؟ الحفلة دي المفروض بتاعتك."
نور، وقد ظهرت علامات التوتر على وجهها: "أنا آسفة يا جدي، بس أنا مش بحب جو الحفلات وكده، فكنت في الجنينة بعيد عن الدوشة."
أشار الجد نوح إلى معتز: "معتز، خد نور عند عيلة القاسم عشان كانوا عايزين يشوفوها."
حرك رأسه بالموافقة وسار برفقة نور.
وأثناء ذهابهما.
معتز بابتسامة: "نور، بلاش تتوتري كده، خلاص شوية والحفلة هتخلص."
نور بهدوء: "لا لا، أنا مش متوترة، أنا كويسة.. بس أنا مش بحب التجمعات، فعلشان كده."
معتز: "آه تمام.. بصي، اللي احنا رايحين ليهم دول اسمهم عيلة القاسم، يعتبروا أصدقاء العيلة وشركاء شغل كمان، هعرفك عليهم دلوقتي."
نور: "تمام."
وصل معتز وبجانبه نور إلى مجلس عائلة القاسم، وبدأ معتز الحديث.
معتز: "عمي منير، أعرفك نور بنت عمي."
منير بابتسامة: "أهلاً أهلاً، إزيك يا نور؟ ماشاء الله زي القمر، ليه حق جدك يخبيكي عنا."
نور بابتسامة تعلو ثغرها: "ربنا يخليك يا عمو."
وتابع منير: "دي بقى تبقى بسمة بنتي."
تقدمت بسمة من نور واحتضنتها: "أنا بقى أبقى بسمة بنت الراجل الكبير ده، زي ما هو قال. باين عليكي كده هادية وسكرة وتتحبي، لينا قاعدة مع بعض."
نور بضحك: "هادية مرة واحدة؟ انتي متعرفيش حاجة.. المهم، هستناكي ونقعد مع بعض."
تابعت بسمة: "لا، انتي اللي هتجيلي."
نور بحيرة: "بس أنا مش عارفة طريق بيتكم."
بسمة: "متخافيش، معتز هيجيبك، أو أجي آخدك أنا شخصيًا. اتفقنا؟"
نور بفرحة: "اتفقنا."
تقدمت منها عصمت: "انتي بقى نور؟ مرات عمك نرمين قالتلي إنك متربية في قرية، الكلام ده صح؟"
نور بفخر: "آه فعلًا، كلامها صحيح، أنا متربية في قرية."
عصمت: "آه.. وعلى كده بقى انتي متعلمة؟"
نظر إليها منير نظرة أسكتتها.
وتابع النظر نور: "متأخديش على كلامها يا نور."
نور بهدوء: "لا عادي، أنا اتعودت على الكلام ده."
معتز: "فين تميم باشا؟ مختفي ليه؟"
وأتى صوت تميم من الخلف: "أنا برضه اللي مختفي يا جدع؟ متقولش كده."
معتز محتضنًا تميم: "خلاص يا عم، حقك عليا.. المهم أعرفك نور بنت عمي."
وعندما وقف تميم أمام نور، كانت الصدمة. وتحدث بخبث: "آه نور.."
ومد يديه لمصافحتها: "أهلاً، أنا تميم القاسم."
ولكن بدل أن تمد يد نور، صافحه معتز وقال: "معلش بقى، بنتنا مش بتسلم على شباب."
وغمز لنور، مما جعل وجنتيها تشتد احمرارًا.
وأردفت قائلة: "أهلاً يا أستاذ تميم، اتشرفت بمعرفتك."
تميم بخبث: "وأنا أكتر والله."
وجهت نور نظرها لمعتز وبصوت منخفض: "يلا احنا يا معتز."
حرك رأسه بالموافقة: "نستأذن إحنا يا جماعة."
وتحرك نور ومعتز للذهاب، ولكن أوقفهما صوت بسمة: "هستناكي بكرة يا نور، اتفقنا."
حركت نور رأسها بهدوء دليلًا على الموافقة: "حاضر يا بسمة."
ثم نظرت إلى معتز: "شكرًا يا معتز."
معتز: "شكرًا على إيه؟"
نور: "قصدي على اللي انت عملته مع تميم."
معتز بابتسامة هادئة: "آه.. لا شكرا على إيه؟ انتي أختي يا نور زي سيلين ورنيم، ولازم أحافظ عليكي زيهم بالظبط. ولا انتي مش شايفة إني أخوكي؟"
نور بابتسامة: "أكيد طبعًا، انت أخويا، ربنا يخليك."
معتز: "ويخليكي.. آهو يا جماعة سلمنا على عيلة القاسم، أي أوامر تانية؟"
أيمن: "لا يا أستاذ معتز، تشكر على خدماتك."
معتز بضحك: "والله يا باشا، ده أقل حاجة نقدر نعملها مع حضراتكم."
ضحك الجميع على حديثهم، وانتهى الحفل وعاد الجميع إلى منزله.
***
في مكان آخر بالإسكندرية (عند سليم الشامي).
عبر الهاتف.
سلمى: "الو يا سليم، أنا وصلت للشارع اللي قولتلي عليه، إيه البيت بالظبط؟"
سليم: "بصي، تالت بيت على اليمين، أنا واقف في البلكونة، شوفتيني؟"
سلمى: "آه آه، خلاص، أنا جايه أهو."
وبعد عدة دقائق، وصلت سلمى إلى منزل أخيها وطرقت الباب عدة مرات، ليأتيها صوت أخيها وهو يفتح الباب: "يا ترى مين اللي جايلي في وقت متأخر زي ده؟"
لتقول سلمى ضاحكة: "يا خفيف، هيكون مين يعني؟"
وارتمت في حضن أخيها لتزيل الأشواق العالقة منذ سنوات طوال: "وحشتني أوي يا سليم، البيت وحش من غيرك."
سليم محركًا يديها على حجابها: "وانتي أكتر يا حبيبتي، هنعمل إيه؟ القدر."
سلمى بحزن: "مش القدر يا سليم، أبوك وعيلة الغريب السبب."
ثم تابعت بسعادة: "هنبقى واقفين كده على الباب؟ ولا انت جايب حريم جوه؟"
قام سليم بضربها على مؤخرة رأسها: "خشي خشي، وحشني هزارك."
***
في غرفة نور.
كانت جالسة على فراشها ممسكة بكتابها تحاول إزالة القهوة من عليه: "يارب، ليه الكتاب ده؟ والله لو إلى كتاب تاني مكنتش هزعل عليه.. يلا منه لله، راجل رخم.. لا وكان واقف يتكلم معايا بكل وقاحة، على أساس أنا الغلطانة وهو أصلًا الغلطان.. ولا أنا أنام أحسن بدل ما أنا بكلم نفسي كده."
ووضعت الكتاب بجانبها وغرقت في سبات عميق.
***
في غرفة تميم القاسم.
جالس على فراشه شارد في هذه العيون التي تشبه حجر الزبرجد الأزرق. ثم تابع شروده ضحكات عالية وهو يتذكر حديثها معه عندما سُكبت القهوة عليها.
ثم فاق من شروده وحدث نفسه: "إيه اللي حصلك يا تميم؟"
وأشار إلى قلبه قائلًا: "وانت مالك بتدق كده ليه؟"
"لا لا، مستحيل.. مستحيل."
وبعد حديث طويل يدور بين قلبه وعقله، خلد إلى النوم.
***
تبسّمتْ لي فصارَ الكونُ يبسُمُ لِي
وخاطبتني فذاكَ الكَلْمُ ألحانُ
فلم ترَ العينُ عَينِي مثلهَا أبدًا
كأنْ عُيونِيَ في الجناتِ قد كانُوا
أحببتُهَا مُذْ رأيتُ العينَ والشَّفَةَ
أحببتُهَا مُذْ رَأيتُ الشَّعرَ يزدانُ
شقراءُ بيضاءُ مثلَ العاجِ قامَتُهَا
مثلَ الرُّخاَمِ وسَاقَاهَا لَأَغْصَانُ
لَهَا عُيُونٌ كمثلِ البحرِ تُغْرِقُنِي
خَدٌّ أسيلٌ وساقٌ مِثلُهَا البانُ
يا ليتَ شِعْرِيَ هلْ أنتِ الملائِكَةُ
يا ويحَ قلبِي أَإنسٌ أنتِ أمْ جانُ
إنّ العيونَ التي شافتكِ عاشقةٌ
وإنّ قلبِي لرؤياكُمْ لولهانُ
عطرتِ غُرْفَتَنَا يَا وَرْدَةً عَبَقَتْ
كَأَنَّ رِيحَكِ إكْليلٌ وَرَيْحَانُ
مَا كَانَ وَصْلُكِ الّا مِثْلَمَا الحُلُمِ
لكلِّ شَيْءٍ إذا مَا تَمَّ نُقْصَانُ
***
وها هو صباح جديد وأحداث جديدة بانتظار أبطالنا. فهل ستكون سعيدة أم حزينة؟
استيقظت نور مبكرًا وهي في كامل نشاطها، وأدت فرضها وقرأت وردها، واستعدت للذهاب إلى منزل عائلة القاسم. وخرجت من غرفتها متجهة إلى غرفة الجلوس بعد ارتدائها فستانًا بسيطًا من اللون الأزرق.
***
في غرفة الجلوس بمنزل الهلالي.
الجد نوح: "ما شاء الله، كله خارج. نور رايحة عند بسمة، ومعتز رايح المشروع مع تميم، ونرمين هي ورنيم خارجين مع عصمت، وسيلين في المدرسة. ها يا أيمن؟ مش هتخرج انت كمان؟"
أيمن بضحك: "لا لا، مش هخرج، هقعد في البيت عشان متقعدش لوحدك هنا."
معتز: "يلا يا نور، أوصلك قبل الشغل."
نور: "يلا."
***
في منزل سليم الشامي.
سليم: "يلا علشان أوصلك قبل ما أروح الشركة. انتي هتروحي فين؟"
سلمى: "عارف موقع المول الجديد بتاع شركة القاسم والهلالي."
سليم: "دي الشركة اللي أنا شغال فيها. انتي هتعملي إيه هناك؟"
سلمى: "أنا كنت شغالة في الفرع بتاع الشركة في الصعيد، بس اتنقلت هنا عشان هكون من المهندسين المشرفين على المشروع."
سليم: "آه تمام.. يلا عشان منتأخرش."
***
في سيارة معتز ونور.
معتز: "لمى أخلص شغل، هاجي آخدك. أو لو عايزة تروحي، برضه اتصلي عليا."
وقاطع حديثهم رنين الهاتف، مضاء باسم (تميم القاسم).
أجاب معتز: "الو."
تميم بغضب: "انت فين يا زفت؟ اتأخرت كده ليه وسايب الشغل يضرب يقلب؟ مش انت رايح الموقع النهارده؟ إن..."
معتز: "إيه يا عم، اهدى كده، أنا رايح اهو على الموقع، بس حصل شوية حاجات كده."
تميم بعصبية: "طب اخلص، المهندسين هناك."
معتز محدثًا نور: "انزلي يا نور، احنا وصلنا، هو ده البيت، ادخلي وهتلاقي بسمة جوه."
تميم: "نور!! بسمة!! انت فين؟"
معتز: "بوصل نور عندكوا البيت، أختك بسمة مستنياها، وخلاص هروح الموقع، عايز حاجة؟"
تميم بخبث: "لا شكرا."
"الو، ألغولي كل مواعيدي النهارده، ولو حد سأل عليا، قوليله مش هييجي."
السكرتيرة: "بس يا تميم بيه..."
تميم: "مفيش بس، اعملي اللي قولتلك عليه."
وأغلق الخط وأخذ أشياءه واتجه إلى...
***
نزلت نور من السيارة واتجهت إلى منزل عائلة القاسم، وطرقت الباب عدة مرات حتى فتحت لها بسمة.
بسمة بفرحة: "أهلاً أهلاً، البيت نور والله! اتفضلي يا نور."
نور بابتسامة: "البيت منور بأصحابه.. انتي قاعدة لوحدك ولا إيه؟"
بسمة: "لا، بس مفيش حد في البيت، كله برا، والنهاردة ماما أدّت الخدم إجازة، ف أنا لوحدي.. ادخلي يلا.. وتقدر تقلع الحجاب عادي."
نور: "لا مش هقلعه عشان لو حد جه فجأة ولا حاجة."
بسمة: "براحتك يا قمر."
وقطع حديثهم صوت عصافير بطن بسمة.
ضحكت نور: "انتي جعانة ولا إيه؟"
بسمة بضحك: "الصراحة آه، ومحدش في البيت ومش بعرف أعمل أكل."
نور: "أعملك أنا أكل؟ إيه رأيك؟"
بسمة بفرحة: "بجد؟ أنا هموت من الجوع. بصي المطبخ هناك اهو، ادخلي على ما أجيب حاجة من فوق."
واتجهت نور إلى المطبخ لإعداد طعام لبسمة، ووجدت المطبخ كبيرًا للغاية، وحدثت نفسها: "أول حاجة كده عايزة بيض."
وأحضرته، وكمان عايزة دقيق، ونظرت في الأطراف حتى وجدته: "يالهوي! هو بيعمل إيه فوق أوي كده؟ هجيبه إزاي؟"
وهمت بالبحث عن كرسي حتى وجدت كرسيًا صغيرًا: "يارب الكرسي يستحمل."
وصعدت عليه، ولم تكمل عدة لحظات حتى...
رواية بنت القرية الفصل الرابع 4 - بقلم ملك كريم
اتجهت نور إلى المطبخ لإعداد طعام لبسمة.
وجدت المطبخ كبيرًا للغاية، وحدثت نفسها: "أول حاجة كده عايزة بيض".
أحضرت البيض، ثم قالت: "وكمان عايزة دقيق".
نظرت في الأطراف حتى وجدته، وتساءلت: "يالهوي، هو بيعمل إيه فوق أوي كده؟ هجيبه إزاي؟"
همت بالبحث عن كرسي، حتى وجدت كرسيًا صغيرًا: "يارب الكرسي يستحمل".
صعدت عليه، ولم تكمل عدة لحظات حتى انكسر الكرسي.
كادت أن تسقط أرضًا، ولكن أمسكها بيديه القويتين.
انتشر الصمت في المكان، وظلت العيون تتحدث لبعض الوقت، حتى فاق من شروده على صوتها الضعيف نسبيًا: "نزلني... نزلني".
لينزلها من بين يديه ويقول بصوت متهدج: "إنتي كويسة؟"
ثم تابع بعصبية: "إنتي إزاي تستخدمي الكرسي ده؟ مش شايفة هو ضعيف إزاي؟"
لم تستطع الرد عليه، فقد كانت في موقف لا تحسد عليه.
احمر وجهها من كثرة الخجل.
تميم حرك يديه أمام وجهها لتفوق من شرودها: "أنا... أنا فين وبعمل إيه هنا؟"
ليضحك هو بشدة: "إنتي في المطبخ يا طماطم."
لتقول هي بغضب طفولي: "أنا مش طماطم، أنا اسمي نور، ومتقوليش كده تاني لو سمحت يعني. وثانيًا اتفضل اطلع برا المطبخ لحد ما أخلص."
تميم بابتسامة خبيثة: "بتطرديني من المطبخ بتاعي كمان؟ وفين بسمة؟ واقفة لوحدك ليه؟"
نور بتوتر: "آه لو سمحت اطلع برا، وبسمة معرفش راحت فين."
تميم: "ماشي، أنا هخرج."
وبعد خروج تميم، أخذت نور شهيقًا وزفيرًا قويًا.
وبدأت في عتاب نفسها: "الحمد لله إنه خرج... إيه اللي حصل ده؟ إزاي يشلني؟ يالهوي... كان لازم أعمل فيها ست مطبخ أوي... وبسمة جعانة، أنا هعملها الأكل وأمشي. مش هينفع كده... وهجيب الدقيق إزاي دلوقتي؟"
ليأتي صوته من خلفها: "أنا ممكن أجبهولك."
ليتجمد جسدها كمن سُكب عليه ماء بارد.
وبعد دقائق، يقترب تميم منها ويمد يديه ليمسك الدقيق، ويتحدث بجانب أذنيها بهمس: "اتفضلي يا نور الدقيق أهو."
لتلتفت نور إليه وتتحدث بنبرة خجلة ضعيفة: "أنت إنسان مش محترم على فكرة."
وتركت المطبخ وانطلقت مسرعة متجهة إلى خارج المنزل.
ولكن أوقفها صوت بسمة: "نور... إنتي رايحة فين؟"
نور بصوت حزين ممزوج بالبكاء: "أنا هروح البيت."
لتقترب منها بسمة: "طب بتعيطي ليه دلوقتي؟ وإيه اللي حصل لكل ده؟"
نور بصوت باكي: "محصلش حاجة، أنا هروح، وأخوكي جه، اطلبي أكل من بره، أنا مش هخش المطبخ بتاعك تاني."
لتنظر بسمة إلى تميم وتتحدث بعصبية: "تميم، إنت جيت امتى وعملتلها إيه؟"
حرك تميم يديه باستسلام دلالة على عدم فعل شيء.
تابعت بسمة الحديث: "معلش يا تميم، اطلع الأوضة لحد ما أخلص أنا ونور، يلا لو سمحت."
تميم: "حاضر، هطلع الأوضة، ولو حصل حاجة ابعتيلي."
بسمة: "ماشي."
ثم حركت نظرها باتجاه نور: "تعالي نقعد يا نور، واهدي كده."
واتجهت للجلوس.
بسمة: "ها، إنتي كويسة دلوقتي؟"
حركت نور رأسها بالموافقة.
بسمة: "بصي بقى، أنا اسمي بسمة، آخر سنة كلية حقوق، آخر سنة ليا. وإنتي؟"
نور: "أنا نور، متخرجة من كلية حقوق بقالي سنتين."
بسمة: "امم، هو ممكن أسألك سؤال شخصي؟"
نور: "اتفضلي اسألي."
بسمة: "هو إنتي ليه مكنتيش عايشة معاهم في القصر؟"
نور: "علشان أنا وبابا وماما كنا عايشين في قرية بسيطة لوحدنا، بس بعد وفاتهم جدو أصر إني أعيش معاهم. ده اللي أقدر أقوله حاليًا."
بسمة: "تمام."
وظلت بسمة تتحدث إلى نور كثيرًا من الوقت، وكان يتابعهم تميم من الأعلى.
***
في المول
عصمت: "بس نور اللي قولتيلي عليها دي باين عليها هادية كده، مش خبيثة زي ما بتقولي."
نرمين: "ده وش، إنما هي عقربة زي أمها. لفت على هاشم زمان واتجوزته، وأنا عايزة أطفشها قبل ما تلف على ابني معتز."
عصمت: "اكيد الحاج نوح مش هيسمح بكده."
نرمين بسخرية: "الحاج نوح بيموت فيها بس بيخبى، أنا عارفاه. شايف فيها ابنه اللي اتحرم منه."
رنيم بضيق: "أنا زهقت بقى من الكلام في الموضوع ده، ياريت نتكلم في حاجة تانية."
حركت نرمين يديها على ظهر رنيم: "طيبة زي أمها."
***
في الموقع الخاص بالمشروع
معتز بجدية: "ها، إيه الأخبار؟ هنبدأ امتى في الشغل بقى؟"
أحد المهندسين: "احنا عملنا نظرة على الموقع وحددنا الأماكن، ومن بكرة العمال هيشتغلوا."
معتز: "هايل، تقدروا تمشوا انتوا."
وبعد عدة دقائق، سمع معتز صوتًا أنثويًا خلفه.
اقترب منها معتز مسرعًا: "إنتي كويسة؟"
الفتاة: "آه، رجلي... آآآه، بتوجعني أوي."
معتز: "طب قومي معايا نروح على المستشفى."
الفتاة: "لا لا، شكرًا، مش مهم."
وحاولت النهوض ولكن سقطت مرة أخرى: "آآآه، رجلي مش قادرة."
مد معتز يديه: "اسندي عليا، وأنا هوديكي المستشفى."
استندت الفتاة على ساعدي معتز وركبت السيارة، وذهب بها إلى المستشفى.
***
في قصر عائلة الهلالي (مكتب الجد نوح)
الجد نوح: "ها، عملت إيه يا رفعت؟"
رفعت: "عملت اللي قولتيلي عليه، أنا فتحت الحساب البنكي وحطيت فيه المبلغ اللي حضرتك قولتيلي عليه، وجهزت كل الأوراق المطلوبة، ناقص بس الإمضاء."
الجد نوح: "حلو أوي، وبالنسبة للشركة؟"
رفعت: "الشركة برضه من ضمن الورق، ناقص بس الإمضاء... بس مش ممكن متوافقش على كل اللي إحنا عملناه."
الجد نوح: "بس ده حقها من أبوها، يعني مش بديها صدقة جارية."
رفعت: "أنا عارف الكلام ده، بس قصدي إن حضرتك قولت إنها عزيزة النفس شوية، فممكن ترفض."
الجد نوح: "أنا هقنعها، متقلقيش."
***
بقصر عائلة القاسم
منير: "والله يا نور يا بنتي، أنا حبيتك جدًا وقعدتك حلوة."
نور بابتسامة: "ربنا يخليك والله يا عمو."
بسمة: "إنت تعرف يا بابا إن نور برضه خريجة كلية حقوق، وممكن تساعدني في المشروع اللي بفكر فيه."
منير بفرحة: "حلو أوي، أصلًا فكرة المشروع ممتازة، ولو مش هتحقق ربح مادي هتحقق ربح للناس اللي هنساعدهم."
نور بفرحة: "وأنا هعرض الفكرة على جدي وآخد رأيه... وكمان أقدر أساعدكم جدًا وأقولكم على المكان اللي هنفتح فيه المشروع ده."
ليأتيهم صوت تميم الغاضب من الخلف: "هو أنا مش قولت المشروع ده مش هيتنفذ، ولا هو كتر كلام؟"
بسمة بغضب: "ليه يا تميم؟ مش هننفذ إيه المشكلة في إننا نساعد الفقراء؟"
تميم: "علشان أقل مننا في كل حاجة، مستوى مادي وفكري، دول ناس جهلة أصلًا، يعني منعاملش معاهم."
نور بهدوء: "ومين قالك بقى إن الفقراء جهلة؟ وعندهم تدني فكري؟"
تميم: "أنا اتعاملت مع ناس منهم، كل اللي همهم فلوس، حتى لو كانت من الحرام، وبيبيعوا نفسهم مقابل أي شيء."
نور: "يبقى إنت مش شفتش حد منهم، وأحب أقولك إن أنا متربية مع الناس الفقراء دول، وعلى فكرة بيطلع منهم مهندسين ودكاترة، وبيكونوا أفضل من ناس كتير جدًا... ده نصيبهم في الدنيا، والإنسان مش بيتحاسب قدام ربنا على كمية الفلوس اللي معاه أو هو اتخرج من كلية إيه، لا بيتحاسب على أعماله، وكل الناس قدام ربنا سواسية، مفيش حد أفضل من حد. أحب أكون وصلت فكرتي."
نظر لها منير بفخر: "ربنا ينور طريقك."
تميم بسخرية: "كنت هنتظر إيه منك؟ ما إنتي متربية معاهم، أكيد هتبيعي نفسك مقابل شوية فلوس أرميهم قدامك."
نظرت له نور وقد تجمعت الدموع في عينيها: "إنت إنسان مش سوي، ولا بتعرف تتعايش مع المجتمع اللي حواليك، وأراهنك إن كل اللي إنت فيه ده بسبب الفلوس، وأول ما الفلوس تختفي من حياتك، عمرك مش هتعرف تعمل أي حاجة. وأنا أنظف وأشرف، مش ناس كتير، ولو قتلوني عمري ما أبيع نفسي بالرخيص، أنا كرامتي غالية عندي أوي يا أستاذ تميم، ومسمحلكش أبدًا إنك تيجي عليا أو تكسرني... وأنا غلطانة إني جيت هنا. السلام عليكم."
نظر منير نظرة توعد إلى تميم، وذهب باتجاه نور: "استني يا بنتي، متمشيش وإنتي بالشكل ده، استني، هوصلك بعربيتي."
نور: "شكرًا يا عمو، كتر خيرك، أنا هتصل على معتز ييجي ياخدني."
ليأتي صوت تميم من الخلف: "معتز مش هييجي، وهو طلب مني أوصلك."
نور: "شكرًا، مش عايزة، أنا هروح بتاكسي."
بسمة: "طب أنا هاجي أوصلك، ينفع ولا إيه؟"
نور: "ماشي... بس أنا مش هاجي هنا تاني يا بسمة، إحنا ممكن نتقابل بره أو عندنا في البيت، إنما هنا لا."
بسمة: "حاضر، زي ما تحبي."
وذهبت بسمة مع نور لإعادتها إلى المنزل.
التفت منير إلى تميم وأردف غاضبًا: "إيه اللي إنت قولته ده؟ إزاي تقلها كده؟"
تميم بعناد: "أنا مقولتش حاجة، أنا قولت وجهة نظري، وهي متقبلتهاش، يبقى ده غلطها هي مش غلطي أنا."
منير: "وإنت بقى شايف إن وجهة نظرك دي صح؟"
تميم: "آه طبعًا شايفها صح، وهتشوفوا، أنا اللي هطلع صح."
وترك والده وصعد إلى غرفته.
وجلس على فراشه ليحدث نفسه: "هو أنا إيه اللي حصلي لما شفتها بتعيط كده؟ كأن قلبي وجعني، أول مرة يحصل معايا كده."
ثم مد جسده على الفراش ليهمس مرة أخرى: "يا ترى هتعمل فيا إيه تاني يا نور؟"
***
في المستشفى
معتز: "ها يا دكتور، إيه اللي حصل؟"
الدكتور: "متخافش، ده مجرد التواء مش أكتر، يومين بس متتحركيش وهتبقى كويسة."
معتز: "شكرًا يا دكتور."
ثم نظر إلى الفتاة: "وحضرتك يا مهندسة، ممكن تاخدي إجازة يومين لحد ما تستريحي؟"
الفتاة: "تمام."
ونهضت للذهاب.
معتز: "استني، أنا هوصلك للبيت، مينفعش تمشي لوحدك."
الفتاة: "أخويا هييجي ياخدني، متتعبش نفسك."
معتز: "لا لا، أنا هوصلك، بلاش نقلقه."
الفتاة: "شكرًا، تعبتك معايا."
معتز: "ولا تعب ولا حاجة، وأي حد كان هيعمل كده. يلا علشان منتأخرش."
وانطلق معتز مع الفتاة لإيصالها إلى المنزل، ثم اتجه عائدًا إلى قصر الهلالي.
***
في قصر عائلة الهلالي
دَلفت نور إلى داخل القصر وعلامات الضيق تظهر على وجهها بوضوح.
فاتجهت إلى غرفتها مباشرة، ولكن أوقفها صوت الجد قبل الصعود: "نور، تعالي."
ذهبت نور إلى مجلس الجد، فكان يجلس بمفرده: "نعم يا جدي."
الجد نوح: "مالك كده؟ وشك شكله متضايق، حد عملك حاجة؟"
نور: "لا، محدش عملي حاجة، بس عايزة أنام شوية مش أكتر."
الجد نوح بهدوء: "نور، أنا كنت عايز أتعرف عليكي، يعني أعرف معلومات عنك كجدك، مش أكتر... يعني أنا عارف سيلين مثلًا بتحب إيه وبتكره إيه، بس إنتي لا."
نور: "لو حضرتك تعرف بابا بيحب إيه وبيكره إيه، هتعرف. عن إذن حضرتك، أنا هطلع أستريح فوق شوية."
وبعد صعود نور إلى غرفتها، عاد معتز من الخارج: "إزيك يا جدي؟ هي نور رجعت؟"
الجد نوح: "آه رجعت، مش المفروض إنك كنت هتجيبها؟"
معتز: "آه، بس حصل شوية حاجات كده، فمعرفتش أجيبها. أنا هطلع أنام شوية، عايز مني حاجة؟"
الجد نوح: "لا، شكرًا، اطلع إنت."
وبعد صعود معتز، أتت سيلين من المدرسة ودلفت إلى الداخل تتحدث مع نفسها من كثرة الغضب: "إزيك يا جدو."
الجد نوح: "الحمد لله كويس، وإنتي إيه الأخبار؟ بتتخانقي مع دبان وشك ليه؟"
سيلين: "كل شوية امتحان امتحان، أنا زهقت والله من التعليم ده."
الجد نوح: "معلش، استحملي شوية، لما تدخلي الجامعة هتستريحي."
سيلين: "كله بيقول كده، بس محدش بيستريح... أنا هطلع أنام، عايز حاجة؟"
وصعدت سيلين إلى غرفتها.
الجد نوح بضحك: "العيال باين عليهم اتجننوا كلهم."
***
في الصعيد
عربي الغريب: "شوف يا أبوي، أنا جبتلك فكرة، إنما إيه؟ ناخد تارنا من عيلة الشامي على رواقة."
إبراهيم الغريب: "جبت الحاجات دي منين يا ولد؟"
عربي بثقة: "مينفعش أكشف مصادري، بس أوعدك هجبلك أكتر منهم علشان تبقى فضيحة كبيرة."
إبراهيم: "عفارم عليك يا ولدي، هو ده الكلام. دي مش هتبقى فضيحة، دي جرسة. ده هيمشي ميرفعش عنيه في حد واصل."
عربي: "أحسن، خليهم يشربوا مرار اللي عملوه."
***
وبعد مرور عدة ساعات
في غرفة سيلين
كانت تجلس نور بجانب سيلين لتشرح لها بعض الدروس المعقدة بالنسبة لسيلين.
نور: "ها يا سيلين، فهمتي الحتة دي ولا إيه؟"
سيلين: "آه فهمتها، ما شاء الله عليكي يا نور، أنا هقفل الامتحان ده إن شاء الله."
نور: "بالتوفيق يا قمر، إن شاء الله تحققي اللي نفسك فيه."
سيلين بضحك: "أنا هروح أتنطط على العيال بكرة وأقولهم، مين عنده أستاذة شاطرة زي كده."
نور بضحك: "إنتي مصيبة يا سيلين والله."
وقاطع حديثهم دخول سعاد إلى الغرفة لتقول: "نور هانم، الحاج نوح منتظر حضرتك في المكتب."
نور: "قولنا بلاش نور هانم دي، واسمها نور بس."
سعاد بابتسامة: "حاضر يا نور."
***
في المكتب
طرقت نور الباب حتى سمح لها الجد بالدخول.
جلست نور بالمقعد المقابل لمكتب جدها، وبدأ الجد في الحديث.
الجد نوح: "نور، بصي، أنا عايزك في موضوعين أهم من بعض."
نور بتوتر: "موضوعين وأهم من بعض؟ إيه؟ حصل حاجة؟"
الجد نوح: "متقلقيش كده. بصي، إنتي عارفة إني عندي شركات وأراضي كتير، والكلام ده يعني."
نور: "آه، وبعدين؟"
الجد نوح وقد قدم إليها بعض الأوراق: "وأبوكي كان ليه حاجات كتير باسمه، بس بعد ما ساب البيت ومشي، أنا حولتها لاسمى تاني. والورق ده هتمضي عليه، والحاجات بتاعة أبوكي هترجع باسمك تاني."
نور: "بس أنا مش عايزة الحاجات دي، وأصلًا بقت باسمه، يبقى خلاص مش مهم."
الجد نوح: "لا مهم يا نور، هي أصلًا حاجة أبوكي، وأنا عملت كده علشان أرجعه يعيش معايا في القصر، بس مفيش فايدة، فـ أنا هرجعهم ليكي تاني، أرجوكي وافقي يا نور علشان ميبقاش عليا ذنب."
نظرت إليه نور وأمسكت بالقلم ومضت على الأوراق: "أنا كده عملت اللي عليا علشان متشلش ذنب."
ونهضت للذهاب.
وأوقفها صوت الجد: "مش عايزة تعرفي الموضوع التاني؟"
نور بدون أن تلتفت إليه: "الموضوع الأول كان كده، فـ مش عايزة أعرف الموضوع التاني."
وأمسكت بالباب للخروج.
الجد نوح: "بس الموضوع ده أهم. في واحد اتقدم علشان يتجوزك، وأنا وافقت."
ألتفت إليه نور وكان الصدمة هي المسيطرة عليها في ذلك الوقت.
رواية بنت القرية الفصل الخامس 5 - بقلم ملك كريم
الجد نوح: بس الموضوع ده أهم. في واحد اتقدم علشان يتجوزك وأنا وافقت.
نور: نعم؟ اتجوز؟ أنت بتهزر صح؟
الجد نوح: وهزر معاكي ليه؟ فعلاً في واحد جه اتقدملي وأنا وافقت، وكمان مناسب جداً ليكي. وهييجي بكرة علشان تشوفيه.
نور: إزاي توافق؟ أنت مين علشان تقرر في حياتي؟ أنا ولي أمري مات وأنا المسؤولة عن حياتي، أقر براحتي. ومفيش حد مسموح له ياخد قرار بالنيابة عني. وأنا مش موافقة والجوازة دي مش هتم.
الجد نوح: باين كده إن أبوكي كان مدلعك ولازم تتربي من أول وجديد وأنا اللي هربيكي.
وأمسك بها من حجابها وجرها خلفه خارج غرفة المكتب وسط صرخاتها وبكائها الشديد.
نور: سيبني سيبني حرام عليك سيبني.
تجمع الجميع حولهم.
أيمن: يا بابا سيبها بالله عليك، مينفعش كده، البنت هتموت في إيدك، سيبها.
الجد نوح: ملكش دعوة يا أيمن ومحدش يدخل، فاهمين ولا لأ.
ثم تابع سحبها وسط صرخات الجميع حتى وصل بها إلى غرفتها وألقى بها أرضاً.
الجد نوح: أنتِ هتفضلي محبوسة هنا وهتتعاملي معاملة الكلاب، وهتقابليه بكرة يعني هتقابليه، مفهوم.
وأغلق عليها باب الغرفة بالمفتاح وتركها وذهب.
ثم قال بصوت عالٍ: مفيش ميه أو أكل يخش لها، وعلى الله أعرف إن حد دخلها أو حاول، يبقى نهاره هيبقى أزرق. وفي ضيوف جاين بكرة، استعدوا.
وترك الجميع وسط صدمتهم وذهب.
معتز: هو ليه بيعاملها كده؟ هي عبده عنده؟
أيمن: اهدى يا معتز، إن شاء الله الأمور هتهدى على الصبح. يلا سيبهم يهدوا ونشوف حل بعدين.
في غرفة نوم نور.
كانت ملقاة على الأرض تحاول النهوض لتتجه ناحية السرير لتسقط عليه كالجثة الهامدة وجسدها يتألم لجرها بهذه الطريقة البشعة.
نور: ليه يارب؟ أنا غلبانة ومليش حد يقف معايا في محنتي، يارب ساعدني.
وخلدت إلى النوم ولا تعلم هل لها أن تستيقظ مرة أخرى أم لا.
في منزل سليم الشامي.
كانت تجلس بسمة على الأريكة تمد قدمها المصابة بانتظار عودة أخيها.
وبعد دقائق حتى أتى سليم من الخارج.
سليم: أول مرة أرجع البيت وأنا مبسوط.
سلمى: ربنا يبسطك على طول يا أخويا. إيه أخبار الشغل بتاعك ماشي كويس؟
تقدم سليم للجلوس بجانبها على ذات الأريكة فلامس قدمها.
سليم: الحمد لله، الشغل كويس.
سلمى: اااه حاسب يا سليم.
سليم بفزع: إيه اللي حصل؟ رجلك مالها؟
سلمى: اتلوت مني في الشغل، وكتر خيره حد من هناك ساعدني ووداني المستشفى. والدكتور قال متتحركيش يومين وهتبقي كويسة.
سليم: طب متصلتيش عليا ليه؟ وأنا كنت جيت.
سلمى: محبتش أقلقك يا سليم، والحمد لله بقيت كويسة أهو. المهم هناكل إيه؟ أنا جعانة من الصبح.
سليم بضحك: مفجوعة طول عمرك. أنا هطلب بيتزا، إيه رأيك؟
سلمى: وعايزة شاورما يا سي دوني.
سليم بضحك: والله ما في فايدة فيكي أبداً، حاضر هجيبلك شاورما. أي أوامر تانية؟
سلمى بضحك: اه ياريت يزود توميه علشان بحبها.
سليم: آه صبرني يا رب.
ولقد انتهى اليوم الممتلئ بالأحداث، منها الحزين ومنها السعيد. ولكن أيهما الصواب لا نعلم. وها هي تشرق الكرة الذهبية من جديد لتراقب الأحداث التي ستحدث تحت أشعتها. لتخترق أشعتها غرفة الصغيرة سيلين، لتنهض مبكراً ولاول مرة تتوضأ لتصلي بعدما قامت نور بتعليمها كيفيه الصلاة. شعرت سيلين بإحساس لم تشعر به قط أثناء سجودها، ياله من إحساس رائع.
ثم ارتدت ملابسها، وأيضاً كان يومها الأول في ارتداء الحجاب. لتخرج من غرفتها متجهة إلى غرفة المسكينة نور. وحاولت فتح الباب ولكن تذكرت ما حدث بالأمس. فطَرقت الباب عدة مرات ثم أردفت قائلة:
سيلين: نور أكيد صحيتي. أنا عايزة أقولك إن أنا لبست الحجاب النهاردة وصليت كمان. كان نفسي أوي تشوفيني وأنا رايحة المدرسة أول يوم بالحجاب، بس محصلش نصيب. ربنا معاكي يا نور. جدو بيحبك أوي، أكيد عمل كده من ورا قلبه. هسيبك أنا دلوقتي ولمي أرجع هقولك اللي حصل.
واتجهت سيلين إلى مجلس العائلة لتريهم مظهرها الجديد.
سيلين بفرحة عكس الحزن بداخلها: إيه رأيكم؟ أنا اتحجبت حلو؟
أيمن بفرحة: زي القمر يا حبيبتي.
نرمين: بقيتي شبه الفلاحة اللي فوق.
أيمن بعصبية: نرمين، خلاص كفاية كلام في الموضوع ده بقى.
الجد نوح: وإيه اللي غير رأيك؟ من يومين كنتي بتقولي أنا مش هتحجب، أنا عايزة أستمتع بسني، مش كده برضو؟
سيلين بحزن: نور هي السبب في كل ده.
معتز بابتسامة حزينة: ربنا يبارك فيها. أنا هروح الشركة عشان ورايا شغل واحتمال أتأخر.
الجد نوح ببرود: متتأخرش عشان في ضيوف مهمين هيجوا.
معتز بعصبية: ضيوف مين اللي هيجوا وأنت سايب الغلبانة نور مرمية فوق بالشكل ده؟ مفكرتش إنك جرحتها وأهنتها وبتقول في ضيوف؟ ضيوف إيه وبتاع إيه؟ حرام والله.
الجد نوح ببرود: عريس جاي يتقدم لنور. ها، حد عنده اعتراض؟
أيمن بصدمة: عريس!! حضرتك بتهزر يا بابا؟ عريس إزاي يعني؟ ومين؟ وإزاي شافها أصلاً؟
الجد نوح: أيوه عريس. شافها يوم الحفلة وعجبته واتقدملي وأنا موافق عليه، وهييجي النهاردة.
سيلين بفهم: اااه عشان كده ضربتها إمبارح. حرام ليه تجبروها على الجواز بالشكل ده؟
ثم تابع الجد نوح: والعريس هيكون إسلام الجندي.
معتز بصدمة: إسلام؟ إسلام الجندي!! إزاي يعني؟
ثم تابعت نرمين: قصدك إسلام الجندي، حفيد أختك المرحومة كريمة الهلالي؟ هو رجع من أمريكا؟
الجد نوح: أيوه هو إسلام حفيد أختي كريمة ورجع من أمريكا وشافها وهييجي يتقدم لنور.
أيمن: بس... بس إزاي إسلام؟ أنت متأكد يا بابا؟
الجد نوح: آه متأكد ومش عايز نقاش في الموضوع ده. يلا كل واحد على شغله.
وتركهم وسط حيرة شديدة. كيف له أن يكون بهذه القسوة؟
في فيلا إسلام الجندي.
كان يجلس ممسكاً بيديه صورة وينظر إليها بتعمق شديد والشر يتطاير من عينيه.
إسلام: هجيبلك حقك يا غالية. هجيب حق المرمطة اللي شفتيها في حياتك.
وقطع تفكيره رنين هاتفه باسم (نوح الهلالي).
أمسك إسلام الهاتف وتحدث بابتسامة مزيفة.
إسلام: أهلاً أهلاً، جدي نوح بذاته بيتصل بيا.
الجد نوح بضحك: مش هتبطل كلامك ده أبداً يا إسلام.
إسلام: وأبطل ليه؟ هو حد واخد منها حاجة؟
الجد نوح: المهم، هتيجي النهاردة مش كده؟
إسلام بخبث: أكيد هاجي طبعاً عشان العروسة تتعرف عليا.
الجد نوح: أكيد طبعاً. هتيجي على امتى كده؟
إسلام: ورايا شوية حاجات كده. ممكن أجيلكم على الغداء مثلاً. ولو حصل أي جديد هكلمك.
الجد نوح: تمام. يلا عايز حاجة؟
إسلام: تسلم.
وأُغلق الخط وتابع إسلام النظر في الصورة التي أمامه وهو يتوعد بالانتقام.
في شركة القاسم والهلالي.
تميم بجدية: المهندس اتصل وقال إن الأمور... معتز... معتز أنت معايا؟
معتز بعدما فاق من شروده: آه آه معاك. كنت بتقول إيه؟
تميم: باين أوي إنك مش معايا. في إيه؟ ابني مش مركز ليه؟
معتز بضيق: مفيش حاجة.
تميم: يا سلام. على أساس إني مش فاهمك كويس. قول يبني في إيه وخلصني.
معتز بحزن: جدي جايب عريس لنور ومصر يجوزها. طب تصدق، ضربها امبارح وجرجرها في الأرض زي الحيوانات ورميها في الأوضة ومانع حد يدخلها. أنا مش فاهم. أول مرة يعمل كده. طول عمره حنين.
ثم تابع بعصبية: أنا هتجنن، مش فاهم.
تميم بصدمة: نعم؟ تتجوز!! إزاي يعني ومين بقى العريس؟
معتز بضيق: إسلام الجندي.
تميم بصدمة: نعم يا أخويا! إسلام الجندي؟ وهو ملقاش غير ده عشان تتجوزه؟
معتز: اهو. أنا ردة فعلي كانت زيك كده. وجدي كان بيتكلم بثقة يعني مش بيهزر. وأنت عارف إني مش بطيق إسلام ده ولا حتى أسمع اسمه.
تميم بضيق: أنا ماشي. كمل أنت شغل.
معتز: أنت رايح فين؟
تميم: هروح البيت. زهقت من الشغل. كمل أنت ولو حصل حاجة كلمني.
وانطلق تميم خارج الشركة وركب سيارته واتجه إلى البيت.
كانت سلمى تشاهد التلفاز حتى أضاء هاتفها برقم غريب.
سلمى بحيرة: رقم مين ده؟
ثم تناولت الهاتف.
سلمى: الو.
معتز بتوتر: الو يا آنسة سلمى. أنا معتز الهلالي.
سلمى: آه.. معتز بيه. معلش أصل رقم حضرتك مش متسجل عندي.
معتز: ولا يهمك. المهم رجلك عاملة إيه النهاردة؟
سلمى: الحمد لله أحسن كتير. بس هو حضرتك جبت رقمي منين؟
معتز: من السي في بتاعك.
سلمى: ااااه. أنا آسفة على السؤال الغبي ده.
معتز بضحك: لا لا ولا يهمك. المهم إنك بخير. يلا عشان مطولش عليكي. عايزة حاجة؟
سلمى: شكراً.
وأغلقت سلمى الهاتف. إيه ده؟ هو اللي جابني المستشفى كان معتز الهلالي؟ بس باين عليه طيب والله، مش زي ما بيقولوا عليه.
وقفت سعاد أمام مكتب الحاج نوح تفكر هل تطرق الباب أم لا. وبعد عدة دقائق طرقت الباب فسمعت صوت الحاج نوح يأذن لها بالدخول.
الحاج نوح: جاية ليه يا سعاد؟
سعاد بخوف: يا حاج نوح.. يعني نور نايمة فوق من امبارح ولا أكل ولا شرب. فلو تسمح إنّي أطلع ليها الأكل تاكل. يا عيني زمانها ميتة من الجوع.
الحاج نوح ببرود: لا محدش يطلع ليها فوق.
سعاد: بس...
الحاج نوح: مفيش بس. ويلا اتفضلي شوفي شغلك.
خرجت سعاد مكسورة الخاطر وتفكر في تلك المسكينة التي في الأعلى، لا حول لها ولا قوة.
وبعد عدة ساعات وصل تميم إلى المنزل وكان الغضب هو المسيطر عليه.
تميم: فين بسمة؟
منير: طيب قول السلام عليكم الأول.
تميم بجدية: فين بسمة؟
منير: بسمة فوق في أوضتها.
تحرك تميم مباشرة إلى غرفة بسمة وفتح الباب من دون طرق.
بسمة بغضب: إيه يا عم؟ خبط الأول.
تميم بضيق: تعالي اقعدي. عايزك في موضوع مهم.
بسمة باستفهام: موضوع إيه المهم؟
تميم بجدية: كلمتي نور النهاردة؟
بسمة: بحاول أكلمها من امبارح ومش بترد عليا. وأنا الصراحة خايفة تكون زعلت من اللي أنت عملته امبارح. فكنت هخلص المذاكرة وأروح ليها أشوفها مش بترد ليه.
تميم: اممم. طيب قومي روحي ليها دلوقتي.
بسمة: أروح فين دلوقتي؟ هتلاقيها بتتغدى. شوية كده وهبقى أروح.
تميم بغضب: قومي يا بسمة ألبسي وروحي ليها.
بسمة: طب فهمني إيه اللي حصل بس لكل ده؟
تميم: طيب هحكيلك.
وروى لها تميم ما يعلمه بخصوص نور.
بسمة بصدمة: يالهوي! كل ده حصلها؟ والله نور غلبانة ومتستاهلش كل ده.
تميم: طيب قومي بقى ألبسي عشان نروح.
بسمة: حاضر. انزل أنت تحت هخلص وأجي.
وخرج تميم من الغرفة ليترك بسمة للاستعداد للذهاب إلى منزل نور.
كانت نائمة شارده في ذلك الحلم الجميل الذي يراود خيالها.
نور بفرحة: وحشتوني أوي. هاشم؟
هاشم: وإنتي أكتر يا نور عيني.
صفاء: وحشتيني أوي يا روحي.
نور بحزن: بس أنا زعلانة منكوا أوي.
صفاء: زعلانة ليه يا نور؟
نور: عشان سبتوني للدنيا الوحشة دي. الحياة من غيركم صعبة أوي.
صفاء: مكنش ينفع يا حبيبتي، دي إرادة ربنا، مينفعش نعترض، ولا إيه؟
نور: صح يا ماما. شوفت يا بابا جدو نوح عمل فيا إيه؟ مش أنت قلت لي إنه هيحبني لو جيت قعدت معاه؟ اهو طلع بيكرهني.
هاشم بحنان: جدو مش بيكرهك يا نور. بس أكيد هو شايف حاجة إحنا مش شايفنها.
نور بحزن: بس مكنش ينفع يضربني بالشكل ده يا بابا. أنا اتوجعت أوي.
هاشم: معلش يا حبيبتي. كل حاجة هتبقى حلوة، متخافيش. يلا سلام بقى.
نور بحزن: خدوني معاكم.
صفاء: مينفعش يا نور. إنتي لازم تكوني قوية زي معلمتك.
ثم تابع هاشم: وربنا معاكي وشايفك وحاسس بيكي. متخافيش، كل شيء هيتصلح.
واستيقظت نور. ثم جلست على السرير تضم قدميها إلى صدرها وتبكي بكاء شديد.
وفجأة فُتح باب الغرفة وكانت سعاد وبجانبها سيلين.
ذهبت سيلين مسرعة إلى نور.
سيلين: نور انتي كويسة؟ أنا آسفة معرفتش أعمل حاجة، جدو كان مانع أي حد يدخلك الأوضة.
جلست سعاد بجانب نور وضمتها إلى حضنها.
سعاد: نور بنتي، إنتي كويسة؟ ربنا يعلم إنك زي بنتي وأكتر كمان.
تحدثت نور بصوت ضعيف ممزوج بالبكاء.
نور: أنا كويسة بس جسمي بيوجعني شوية.
سيلين بحزن: ألف سلامة عليكي.
ثم تابعت بفرحة: طب تعرفي أنا صليت النهارده ودعيتلك كتير جداً، وكمان لبست الحجاب، وكل المعلمين والمعلمات بتوعي كانوا فرحانين بيا أوي.
ابتسمت نور بضعف.
نور: بجد يا سيلين؟ أنا فرحت أوي.
سعاد بحزن: يلا يا نور ألبسي هدوم حلوة وانزلي تحت عشان العريس جاي.
زاد بكاء نور.
نور: أنا مش عايزة أنزل. أرجوكي يا داده سعاد وإنتي وسيلين حاولوا تمنعوا الجوازة دي عشان خاطري.
سيلين بحزن: جدو رافض أي حد يناقشه في الموضوع ده.
سعاد: قومي يا نور ربنا يهديكي بدل ما الحاج نوح يطلع. والصراحة مش عارفة ممكن يعمل إيه. قومي يلا عشان خاطري.
ساعدت سيلين نور على النهوض وأخرجت لها ملابس. ووقفت هي وسعاد بانتظارها بالخارج حتى تنتهي من الاستعداد.
بالأسفل كان يجلس الجميع بانتظار مجيء إسلام. وبعد عدة لحظات ارتفع رنين الجرس الذي أعلن وصول إسلام.
الجد نوح: قوم يا معتز افتح الباب.
نهض معتز وعلامات الضيق تظهر على وجهه بشدة ليفتح الباب.
إسلام: أهلاً أهلاً، معتز الهلالي بيفتح لي بنفسه.
معتز بضيق: ازيك يا إسلام؟ عامل إيه؟
إسلام: الحمد لله بخير. وإنت؟
معتز: الحمد لله بخير.
وسار إسلام بجانب معتز حتى وصلوا إلى مجلس العائلة. وقف الجميع لتحية إسلام وتبادلوا السلامات ثم جلسوا.
تحدث إسلام: أومال فين العروسة؟ مش باينة يعني.
نرمين بضحك: مستعجل أنت. هتلاقيها نازلة دلوقتي.
وبعد انتهاء نور من الاستعداد خرجت من الغرفة وجدت سيلين وسعاد بانتظارها فسارت معهما وهي شارده في عالم آخر. وأثناء سيرهما...
رواية بنت القرية الفصل السادس 6 - بقلم ملك كريم
خرجت نور من غرفتها بعد أن انتهت من الاستعداد، ووجدت سيلين وسعاد في انتظارها. سارت معهما وهي شارده في عالم آخر. أثناء سيرهما، أصابها دوار شديد وكادت أن تسقط، ولكن أمسكت بها سيلين.
"نور، انتي كويسة؟"
"آه، بس دوخت شوية مش أكتر."
تابعت نور وسيلين السير إلى مجلس العائلة. عند دخولها، أردف الجد نوح قائلاً: "أهي العروسة جت... تعالي يا نور اقعدي جنب عريسك."
نظرت له نور نظرة سخرية، وجلست على المقعد المجاور لمعتز، ابن عمها. اقترب معتز من نور وقال بهدوء: "انتي كويسة يا نور؟"
"الحمد لله يا معتز، بخير." أجابت نور بابتسامة صغيرة.
الجد نوح بعصبية بسيطة: "قولت تعالي اقعدي جنب عريسك يا نور."
تحدث أيمن: "سيبها على راحتها يا بابا، مش هيحصل حاجة لو قعدت هناك." ثم تابع: "انت عامل إيه يا إسلام؟"
"الحمد لله يا عمي أيمن، أنا كويس... ما شاء الله كبرتي يا سيلين، أنا فاكر آخر مرة شوفتك كنتي لسه صغيرة."
سيلين بضيق: "ما الصغير مسيره يكبر، ولا إيه؟"
الجد نوح: "يلا يا جماعة نسيب العرسان يقعدوا مع بعض شوية."
بدت علامات التوتر تظهر على نور، ونظرت إلى معتز وسيلين الجالسين بجوارها وهمست: "متسبونيش لوحدي."
تحدث معتز بهمس: "متخافيش يا نور، أنا هقف قدام الباب، مش هسيبك لوحدك."
وتابعت سيلين: "وأنا هقف معاه، انتي مش لوحدك، تمام."
وخرجت العائلة، ولم يبق إلا إسلام ونور. اقترب إسلام وجلس بالمقعد أمام نور، ونظر لها بنظرات متفحصة، ثم أردف: "أهلاً يا نور."
أجابت نور بتهكم: "أهلاً." ثم تابعت: "ممكن أطلب من حضرتك طلب؟"
إسلام بحيرة: "طلب إيه؟!"
نور: "حضرتك هتطلع لجدّي وتقوله إنك غيرت رأيك في الجواز وإنك مش عايز تتجوز."
إسلام بضحك: "انتي بتهزري صح؟ أنا مستحيل أعمل كده، أنا اللي طالب الجواز أصلاً."
"بس أنا مش موافقة على الجواز، وأتوقع إنك مش هترضى تتجوز واحدة مجبورة عليك."
"لا، هتجوزها عادي جداً، مفيش مشكلة، وأعملي حسابك بقى، شهر واحد بس وهتكوني في بيتي يا حلوة."
نور بعصبية: "بقولك مش هتجوزني، والجوازة دي مش هتم غصب عنك بقى أو برضاك."
إسلام بسخرية: "وانتي بقى مفكرة تهديدك ده هيخوفني مثلاً؟ أصلاً أنا اتفقت مع جدك إن الجواز بعد شهر، يعني هتجوزك غصب عنك، وأعلى ما في خيلك اركبيه."
وكانت سترد نور، ولكن قاطعها دخول بسمة المفاجئ.
"نور!!"
"بسمة!"
"إزيك يا نور... خضتيني عليكي، إيه يا بنتي مش بتردي عليا من امبارح ليه؟"
نور بحزن: "معلش يا بسمة، كان غصب عني والله."
بسمة: "يعني انتي مش زعلانه عشان اللي حصل لمّا كنتي عندي؟"
نور: "لا لا، متخافيش، مش زعلانه."
وبعد عدة دقائق، دلف تميم إلى غرفة الجلوس وبجواره معتز، وتأتي العائلة من خلفه. نظر تميم إلى أطراف الغرفة، حتى وجد تلك الأميرة الحزينة جالسة بوجه باهت وعينيها الجميلتين منتفختان من كثرة البكاء. شعر بوخز في قلبه عندما رآها في هذه الحالة. وفاق من شروده على صوت إسلام.
"إيه يا تميم، مفيش ازيك ولا إيه؟"
تميم بضيق: "ازيك يا إسلام، عامل إيه؟" ثم تابع: "إيه ناوي تستقر في مصر؟"
"الحمد لله كويس... لا مش هستقر، كلها شهر وهنتجوز أنا ونور، و أسافر أمريكا تاني."
معتز بصدمة: "نعم؟ هتتجوز نور في خلال شهر؟ جدّي، انت موافق على الكلام ده؟"
الجد نوح: "آه موافق."
أيمن بعصبية: "لو سمحت، بما إن الكل موجود وتميم وبسمة مش غرباء... بس الجوازة دي فيها حاجة غريبة، إزاي هتم بالسرعة دي كلها؟ أنا مش فاهم يعني."
إسلام بهدوء: "ولا حاجة غريبة ولا حاجة، انتوا اللي مكبرين الموضوع مش أكتر. أنا شفت نور وحبيتها، واتقدمت، وجدّي وافق، وهنتجوز بسرعة عشان لازم أرجع أمريكا عشان شغلي."
بعدما سمع تميم حديث إسلام الخبيث، تسارعت ضربات قلبه، وكان على وشك ضربه، ولكن وجد يد أخته تمسك به لتمنعه من الحديث.
أردف الجد نوح وهو يوجه نظره لنور: "الخطوبة هتبقى بكرة يا نور، ياريت تجهزي نفسك."
نظرت له نور بحزن، والدموع تنهمر على وجنتيها: "أنا مش موافقة على الجواز، أنا مش عايزة أتجوز، افهموني بقى... أنا مش لعبة تقرروا عن حياتي وأنا أقف أتفرج عليكوا... أنا وافقت إني أجي هنا عشان بابا طلب مني كده قبل ما يموت... بس خلاص، أنا مش هستحمل اللي بيحصل ده، أنا هسيب البيت بكل هدوء زي ما جيت بكل هدوء، ويا ريت محدش يدور عليا، وانسوني زي ما كنتوا ناسيني قبل كده."
وخرجت نور من غرفة الجلوس، ودموعها تشوش رؤيتها، حتى خرجت من باب القصر. ذهب أيمن خلفها مسرعاً هو وباقي العائلة، ما عدا إسلام والجد نوح وزوجته وابنته الجالسات للشماتة من تلك المسكينة.
"نور، استني."
نظرت نور لعمها: "أرجوك يا عمي، متمنعنيش أمشي من هنا... ربنا يعلم إني كنت بعتبرك زي بابا، بس أنا مش هقدر أكمل."
معتز بهدوء: "طيب، محدش هيمنعك، بس قوللي انتي رايحة فين على الأقل."
نور بابتسامة حزينة: "تعرف يا معتز؟ من اليومين اللي قعدتهم هنا، أنا اعتبرتك أخويا وأكتر. أنا كان نفسي يكون ليا أخ، وربنا رزقني بيك. ربنا يخليك لإخواتك... ثم تابعت: "أرض الله واسعة، أنا ليا ناس وأهل مش من دمي بيحبوني، حتى على الأقل مش هيعاملوني بسوء مهما حصل."
ثم نظرت إلى سيلين و بسمة الواقفتين ينظران إليها ببكاء. اقتربت نور من سيلين وأمسكت وجنتيها: "سيلين، انتي عارفة إني بحبك، مش كده؟ عشان خاطري متعيطيش، هطلب منك طلب... أوعي يا سيلين تنسي اللي علمتهولك، أنا زرعت فيكي حاجات حلوة، متتخليش عنها أبداً، وادعيلي في صلاتك، اتفقنا؟"
حركت سيلين رأسها بالموافقة: "اتفقنا يا نور... ثم احتضنتها بشدة: "هتوحشيني أوي يا نور... أنا بدعي ربنا أكون في يوم من الأيام زيك."
نور بابتسامة حزينة: "وهتكوني أفضل مني كمان، بس ادعي ربك وهيحققلك اللي انتي عايزاه."
ثم اتجهت نور إلى بسمة: "بسمة، متعيطيش انتي كمان بقى... أنا اعتبرتك أختي والله... معلش بقى، ملحقتش أقعد معاكي كتير، وبالنسبة للمشروع بتاعك، كمليه، أوعي تتراجعي، الفقراء محتاجين واحدة عندها قلب ورحمة زيك تساعدهم، ماشي يا قمر."
احتضنتها بسمة بشدة: "ماشي يا قمر، ربنا يوفقك يا نور، وينور طريقك يا رب."
كان ينظر إليها تميم بعيون حزينة على مظهرها الحزين، ولكن ماذا يفعل؟ اكتفت نور بالنظر إليه فقط، ثم رحلت نور... رحل هذا الطفل الحزين بقلبه الشريد، رحل عن عالمهم المنافق المملوء بالتعاسة. عادت من حيث أتت إلى عالمها البسيط السعيد، وسط أهل ليسوا من دمها، ولكن أحبوها كابنتهم وأحبتهم كأهلها. قد تكون وحيداً في هذه الدنيا، ويرزقك الله السعادة في أشياءك البسيطة.
.............................................................
يريد الناس أن يكون له عائلة تحبه وتعطيه الأمان، وإن لم يجد الشخص الأمان وسط عائلته، أين سيجده يا ترى؟
.............................................................
أثناء وقوفهما، ارتفع رنين هاتف تميم.
"الو يا صبري، ها جبت المعلومات؟"
"آه يا باشا، جبتها كاملة وبعتها لحضرتك."
"شكراً يا صبري..." فتح تميم الرسائل التي كانت عبارة عن معلومات عن إسلام. "وكانت هنا الصدمة... معتز، تعالي شوف كده."
نظر معتز إلى المعلومات في هاتف تميم: "ينهر أسود! المعلومات دي صحيحة؟"
"صبري لسه باعتهم دلوقتي، وانت عارف معلوماته كلها صح."
دلف معتز وتميم إلى الداخل، فكان يجلس إسلام مع الجد نوح يتحدثون.
معتز بغضب: "إسلام... انت جاي تضحك علينا؟"
إسلام بتعجب: "مش فاهم قصدك إيه."
الجد نوح: "انت بتقول إيه يا معتز؟"
معتز بعصبية مفرطة: "البيه اللي حضرتك كنت عايز تجوزه نور اختي... متجوز ومخلف، ما شاء الله عليه."
إسلام بتوتر: "انت بتقول إيه يا معتز؟ انت اتجننت؟"
معتز بعصبية: "لا، أنا مش مجنون. اتفضل، اقرأ يا جدّي."
الجد نوح بغضب: "كلامه صح يا إسلام، ممكن تفهمني إيه ده؟"
إسلام بغضب: "آه، أنا متجوز ومخلف كمان، وكلامه كله صح... أنا كنت جاي انتقم منك يا نوح يا هلالي، أنا بكرهكم كلكم."
أيمن بغضب: "تنتقم منه في نور ليه؟ عملتلك إيه ها؟ انطلق يا ****."
أخرج إسلام صورة: "طبعاً كلكوا عارفين اللي في الصورة دي تبقى مين؟ تبقى أمي... اللي اتمسح بكرامتها الأرض بسبب ابنك هاشم ومراته، وكان لازم أجيب حق أمي."
الجد نوح: "ابني ومراته عملوا إيه لأمك أصلاً؟"
إسلام بسخرية: "يعني انت مش عارف إن أبويا كان بيعشق صفاء مرات هاشم ابنك، بس ابنك اتجوزها؟"
معتز بعصبية: "برضوا مش فاهم، إيه السبب؟ واحد اتجوز واحدة، فين الكارثة؟"
إسلام: "الكارثة إن أبويا كان بيعامل أمي زي الخدم، وكان بيطلع عليها غضبه من هاشم. وصفاء كانت بتنام كل يوم ودمها سايل، وأنا جيت عشان أرد اللي اتعمل فيها في حفيدة نور... وبنتهم."
الجد نوح بغضب وقد صفعه صفعة شديدة: "وأنا اللي وثقت فيك، وكنت هسلمك بنت من بناتي، طلعت ندل انت ****، ومتستاهلش حتى شعراية من نور الغلبانة اللي أهنتها وضربتها بسبب يا ****."
إسلام بغضب: "والله العظيم لعمل فيها اللي اتعمل في أمي، أنا هخليها تعيط بدل الدموع دم، وتيجوا تتوسلوا تحت رجلي عشان أرحمها، ومش هتعرفوا."
تميم بسخرية: "مش هتلحق يا حلو تعمل حاجة، البوليس مستنيك بره... أصل البيه ماضي على وصلات أمانة كتير أوي ومش مسدد، وكمان القروض بتاع البنوك اللي متتسددتش، يعني هتعفن في السجن، ولا إيه يا أستاذ إسلام الجندي؟"
دخل البوليس إلى المنزل وأمسكوا بإسلام، الذي قال بصوت جوهري: "والله لتروحوا كلكم في داهية على إيدي... هتندموا."
معتز بسخرية وهو ينظر لتميم: "معلش بقى، أصل الصدمة كانت كبيرة عليه، ولا إيه يا أخويا؟"
تميم بضحك: "طبعاً يا حبيب أخويا."
.............................................................
في الصعيد وتحديداً في منزل عائلة الغريب.
عربي الغريب: "أنا بعت الصور لكارم الشامي، أما نشوف بقى هيرفع عينه في الخلق إزاي."
إبراهيم: "والله يا ولدي الفكرة دي أحلى من مليون طار، بس برضو لازم آخد الطار."
عربي: "اعمل اللي تعمله يا أبوي، بس أما نشوف سيد الرجالة هيعمل إيه."
.............................................................
بمنزل عائلة الشامي.
كارم الشامي: "يا فضيحتي يا كارم، يا مصيبة سودة ووقعت على دماغي... انتي يا وليه تعالي هنا."
رابحة: "مالك يا أخويا؟ حصل إيه؟"
أعطى كارم الصور لرابحة: "شوفي الصور يا رابحة، شوفي الفضيحة اللي إحنا فيها."
رابحة بصدمة: "إنهر أسود! هنمشي إزاي في البلد بعد الفضيحة دي؟ مين اللي بعتلك الصور دي يا راجل؟"
كارم: "المرسال بتاع عيلة الغريب... هرفع عيني في البلد إزاي بعد الفضيحة دي..." وتركها واتجه إلى الأعلى.
رابحة: "استنى يا راجل، رايح فين؟"
كارم: "رايح إسكندرية أغسل عاري بإيدي."
.............................................................
في القرية.
محروس بفرحة: "يا أهل البلد، الأستاذة نور رجعت البلد، يا عيال الأستاذة رجعت!"
واجتمع أطفال الحي جميعاً حول نور.
نور بفرحة: "وحشتوني أوي والله يا عيال، عاملين إيه؟"
الأطفال: "الحمد لله كويسين، البلد كانت وحشة من غيرك والله يا أستاذة."
نور بابتسامة: "ها، أخبار الدروس بتاعتكم إيه؟ أوعوا تكونوا قصرتم في حاجة، والله أزعل منكم."
أمنية (أحد الأطفال): "متخافيش يا أستاذة، انتي سايبة رجالة وراكي."
ضحكت نور على حديثهم. وبعد عدة لحظات، سقطت مغشياً عليها.
أمنية: "الحقوا! الأستاذة نور اغمى عليها."
إجتمع رجال الحي والنساء منهم، وحملها النساء حتى صعدوا إلى منزلها المتواضع.
الحاجة نوال: "هاتوا الدكتور بسرعة، البت هتموت مننا، يلا بسرعة."
................................................................
بقصر عائلة القاسم.
منير: "إيه يا بسمة؟ وشك باين عليه إنك معيطة. ثم نظر إلى تميم: "عملتلها إيه؟"
بسمة: "تميم معملش حاجة يا بابا."
منير: "طب إيه اللي حصل؟"
جلست بسمة وجوارها تميم، وقصا ما حدث على والدهم.
منير بصدمة: "كل ده حصل؟ طب ونور دلوقتي حالتها إيه؟ دي أكيد منهارة."
بسمة: "نور سابت البيت ورجعت تاني للمكان اللي كانت عايشة فيه، ومش هترجع تاني... مش عارفة يا بابا، أنا متعاملتش معاها كتير، بس كأني أعرفها من سنين."
منير بحزن: "هي طيبة وقلبها أبيض وتتحب، ومتستاهلش كل اللي حصل فيها ده والله."
وأثناء حديثهم، تركهم تميم وصعد إلى غرفته، وجلس على فراشه وحدث نفسه.
"ليه حصل معاها كل ده؟ هي متستاهلش كل ده والله. شكلها النهاردة كان بيقطع قلبي، ربنا معاها..." ثم تنهد براحة: "باين كده إنك وقعتيني يا نور، بس خلاص فات الأوان، مش هشوفك تاني... يا ريت كنتي فضلت شوية كمان، كان ممكن حاجة تتغير، بس محصلش نصيب..." وخلد إلى النوم بعد يومه المرهق.
.............................................................
في القرية.
الحاجة نوال: "إيه يا دكتورة نور مالها؟"
الدكتورة: "المريضة مش بتاكل بقالها فترة، وده قصر عليها... وأنا علقت لها محلول وهتبقى كويسة إن شاء الله."
الحاجة نوال: "يعني لو أكلت هتبقى كويسة؟"
الدكتورة: "آه، إن شاء الله."
الحاجة نوال: "شكراً يا دكتورة، تعبناكي معانا... هي هتفوق إمتى؟"
الدكتورة: "ولا تعب ولا حاجة، المهم الآنسة نور تكون بخير... هي هتفوق بعد ما المحلول يخلص، ولو حصل حاجة ابعتيلي حد من العيال وأنا هاجي علطول."
الحاجة نوال: "حاضر يا بنتي، ربنا يكتر من أمثالك."
.............................................................
في قصر عائلة الهلالي.
وقف أيمن أمام والده وأردف بعتاب: "شوفت يا بابا؟ اهو ضيعت نور اللي زي الملاك من إيدك، أنا مش عارفة الصراحة انت عملت كل ده ليه."
معتز بحزن: "أهي مشيت ومش هترجع تاني، وهتعيش لوحدها وأهلها موجودين."
الجد نوح: "خلاص، انتوا هتفضلوا تتكلموا كده كتير؟ عايزني أعمل إيه؟ إسلام يعتبر حفيدي واتقدم لنور وأنا شوفته مناسب، مكنتش أعرف إنه ابن *******."
أيمن: "خلاص، اللي حصل حصل، ونور مشيت، وإن شاء الله ترجع لينا تاني."
هرولت سيلين سريعاً إلى الأسفل متجهة إلى غرفة الجلوس.
سيلين بفزع: "الحقوا....."
رواية بنت القرية الفصل السابع 7 - بقلم ملك كريم
هرولت سيلين سريعا إلى الأسفل متجهة إلى غرفة الجلوس.
سيلين بفزع: ألحقوا نور تعبانة قوي.
التفت الجميع إليها وعلامات الصدمة تظهر على وجوههم، فتحدث أيمن: نور تعبانة! عرفتي منين؟ وهي فين دلوقتي؟
سيلين: أنا كنت بتصل عليها عشان أعرف إيه اللي حصل معاها وكده، بس مكنتش بترد. وبعد شوية واحدة ست ردت عليا وقالت لي إنها تعبانة وهيجيبوا لها دكتورة. وسألتها فين أنتوا، قالت لي في بيتها. وبعدين الخط قطع وحتى معرفتش أجيب العنوان.
وجه معتز نظره إلى جده: جدي أكيد حضرتك عارف العنوان مش كده؟
الجد نوح: آه عارفه. أنا هروح على هناك. تعالي معايا يا سيلين، وهمي هيحصلونا.
انطلقت سيارتان من منزل الهلالي، واحدة تحمل الجد نوح وسيلين، والأخرى أيمن ومعتز، ويسيران خلف بعضهما.
***
تحركت جفون نور لتفتحها وتغلقها عدة مرات بسبب شدة الضوء.
الحاجة نوال بفرحة: نور صحت! روحي يا بت يا أمنية هاتِ كوباية الماية دي بسرعة.
ساعدت الحاجة نوال نور على الجلوس لشرب بعض الماء: اشربي شوية الماية دول يا حبيبتي.
ارتوت نور بالماء ثم أردفت قائلة بصوت ضعيف: دماغي مصدعة ودايخة أوي. إيه اللي حصل؟
الحاجة نوال: اغمي عليكي يا بنتي، والدكتورة جت وقالت إنك مش بتاكلي حاجة خالص. ينفع كده يا نور؟
نور بابتسامة صغيرة: معلش يا خالتي نوال، والله كان غصب عني. حقك عليا.
الحاجة نوال: المهم إنك بقيتي كويسة. دلوقتي تاكلي وهتبقي زي الحصان.
وبعد دقائق ارتفعت طرقات الباب، فنهضت أمينة لفتح الباب، فكانت واحدة من الجيران ومعها صينية مغطاة عليها بعض الطعام.
الجارة: خدي يا بت يا أمينة الأكل ده لنور، هي عاملة إيه دلوقتي؟
أمينة: الحمد لله بقت أحسن.
وأغلقت أمينة الباب وذهبت إلى غرفة نور وهي تحمل بيدها الطعام: كله أهو يا أستاذة نور، كلي بقى عشان تتحسني.
أخذت الحاجة نوال الطعام من أمينة ووضعته أمام نور: كلي يا نور. وبدأت في تناول الطعام ولكن ليس بكمية كبيرة.
الحاجة نوال: ده أكل بقى، كلي شوية كمان.
نور: والله مش قادرة أكل أكتر من كده.
***
وبعد عدة ساعات وصلت سيارات عائلة الهلالي لداخل البلد الصغير، وفور وصولهما انطلقت سيلين مسرعة إلى الأعلى ويتبعها الباقي.
طرقت سيلين الباب عدة طرقات حتى فتحت لها أمينة: حضراتكم مين؟
سيلين: هي نور جوه؟
أمينة: آه جوه، اتفضلوا. ثم ارتفع صوتها: البسي الحجاب يا أستاذة نور، فيه رجالة.
اتجهت سيلين إلى غرفتها: نور، إنتي كويسة؟ خوفتيني عليكي.
نور بابتسامة: أنا كويسة يا سيلين، بس إنتي جيتي إزاي؟
سيلين: أنا اتصلت عليكي كتير بس في حد رد عليا وقالي إنك تعبانة، فجيت على طول.
أيمن جلس بالجانب الآخر من السرير واحتضن نور: أنا خوفت يحصلك حاجة. إيه اللي حصل؟
الحاجة نوال: منهم لله الناس اللي كانت عندهم دول. جوعوها ومخلوهاش تاكل لحد ما وقعت من طولها. ناس معندناش ضمير يا أخ والله.
معتز بضحك: يا حاجة، أحب أقولك إن الناس اللي حضرتك بتتكلمي عليهم دول موجودين هنا.
الحاجة نوال: يا مصيبتي! معلش يا ابني، مكنتش أقصد حاجة وحشة، بس برضه ينفع تعملوا فيها كده؟
نظر أيمن إلى والده الواقف أمامه نظرة عتاب، ثم وجه نظره إلى الحاجة نوال: مينفعش يا حاجة، دي غلطتنا إحنا، أسفين.
نور: خلاص يا خالتي، حصل خير. أمينة، خدي خالتي نوال بيتها عشان الأدوية بتاعتنا وخليها تستريح شوية.
الحاجة نوال: خلي بالك من نفسك يا نور، وكلي الأكل كله وإلا هكلم الدكتورة، ماشي؟
نور: حاضر يا خالتي، متخافيش.
وذهبت أمينة ونوال، وتبقى في المنزل عائلة الهلالي فقط. وظل الجد نوح صامتًا لا يتحدث، حتى لم يسأل إن كانت بخير أم لا.
أيمن: إنتي كويسة يا نور ولا ناخدك المستشفى؟
نور: الحمد لله بخير يا عمي، متقلقش.
معتز بضحك: معلش يا نور، مش قادر أمسك نفسي، بس مين الست اللي كانت هنا دي؟
نور بضحك على مظهره: دي خالتي نوال، جارتنا، وتبقى البركة بتاع البلد كلها، وكانت صاحبة بابا وماما، فتعتبر هي اللي مربياني وبتعتبرني زي بنتها.
وأخيرًا تحدث الجد نوح بجمود: السلامة عليكي يا نور.
نور: الله يسلمك يا جدي.
تابع الجد نوح: يلا بينا عشان هترجعي معانا القصر تاني.
نور: لا، أنا مش هرجع معاكوا، أنا هفضل هنا. أنا بحب المكان هنا.
أيمن: بس مينفعش نسيبك هنا لوحدك يا نور، وعيلتك كلها في مكان تاني.
نور: كل اللي هنا أهلي وناسي، ومتخافش عليا وسطيهم، وأنا هبقى مستريحة هنا أكتر. ولو كده أكيد هاجي عندكوا، وإنتوا هتجولي، والود مش هيتقطع.
أيمن: اعملي اللي يريحك يا بنتي.
سيلين: على كده بقى أنا هنطلك هنا كل يوم.
نور بابتسامة: إنتي هتنوري الدنيا كلها.
***
ارتفعت طرقات الباب بطريقة غريبة.
فزع سليم من مكانه: مين اللي جاي دلوقتي وبيخبط بالشكل ده؟
سلمى: مش عارفة، قوم شوف.
توجه سليم ليفتح الباب فوجد والده يقف والشر يتطاير من عينيه: أهلاً يا أستاذ سليم. فين بنت الـ **** التانية؟
سليم بحيرة: إيه اللي حصل يا أبويا، وإيه اللي جابك هنا دلوقتي؟
دلف كارم إلى الداخل واتجه نحو سلمى وأمسك بها من شعرها: جاي أشوف بنت الـ **** اللي جابت لنا العار. والله لأقتلك النهاردة.
سلمى: آآآه، سيبني يا بابا، أنا عملت إيه بس؟ آآآه، رجلي آآآه.
حاول سليم فض الاشتباك: أهدى يا بابا وسيبها عشان هي تعبانة، وإيه اللي حصل وعار إيه اللي بتتكلم عليه؟
أخرج كارم الصور: اتفضل شوف العار بنفسك.
نظر سليم وسلمى إلى الصور، وكانت عبارة عن سلمى ومعها معتز وهو يساندها للذهاب للمستشفى.
سليم: فيها إيه الصور؟ مش فاهم، يعني عار إيه بقى؟
كارم: إنت هتجنني يا سليم؟ إنت مش شايف الراجل ماسكها إزاي؟
تحدثت سلمى بعصبية: ماسكني كده عشان دي (وأشارت على قدمها).
كارم بحيرة: مش فاهم.
سلمى: أنا كنت في الشغل ورجلي اتلوت، واللي في الصورة ده يبقى صاحب الشغل، ولمّا شافني ساعدني ووداني المستشفى. كتر خيره، ده بدل ما أشكرَه جاي تتهمني إني ماشية معاه.
سليم: وكمان اللي في الصور ده معتز. شريك صاحب الشركة اللي بشتغل فيها، ومن أكتر الناس المحترمة اللي ممكن تشوفها أصلاً. ثم تابع: مين اللي جاب الصور دي؟
كارم: عربي الغريب.
سليم بغضب: وإنت صدقته؟ صدقت كده على بنتك؟ إنت عارف إن عربي الغريب ده أصلاً عايز ياخد بتارنا، ومستني غلطة.
كارم بعصبية: عايزني أعمل إيه؟ واحد جاي وبيقولي بنتك ماشية مع واحد وجايب معاه صور. مش عايزني أصدقه؟
سلمى ببكاء: صدقت ده عليا أنا؟ بنتك اللي إنت مربيها. أول مرة أعرف إنك مش عندك ثقة فيا يا بابا.
اقترب منها كارم واحتضنها: سامحيني يا بنتي، أنا لمّا شفت الصور، دمي فار ومكنتش عارف أتصرف. غير إني أجيب سلاحي وأجي على إسكندرية. حقك عليا.
سلمى: مسامحاك يا بابا، بس أتمنى إنك تكون بتثق فيا أكتر من كده. ولو حضرتك يعني عايزني أكلم معتز عشان تصدقني، مفيش مانع عندي.
كارم: لا لا، مش مهم. أنا مصدقك. بس أهل البلد مش هيصدقوني ولا هيصدقوكي، هنعمل فيهم إيه؟
سليم: أنا بقى اللي هتصرف في اللي جاي. المهم دلوقتي، حد عرف إنك جيت إسكندرية؟
كارم: لا، محدش عرف.
سليم: خلاص، إنت ترجع لوحدك وكأن شيئًا لم يكن، وتمشي رافع راسك في البلد، وسيب الباقي عليا.
كارم: هتعمل إيه يا ولدي؟
سليم: هعمل كل خير.
***
تاني يوم في شركة القاسم والهلالي.
في مكتب معتز الهلالي.
السكرتيرة: معتز بيه، فيه واحدة بره عايزة تشوف حضرتك.
معتز ممسكًا ببعض الورق: خليها تتفضل.
دلفت سلمى إلى المكتب: السلام عليكم.
انتبه معتز الصوت وترك الأوراق، وارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغره: وعليكم السلام.
جلست سلمى: أنا آسفة لإزعاج حضرتك، بس أنا جيت عشان أشكرك على اللي عملته معايا.
معتز: شكر إيه بس، أنا عملت اللي عليا مش أكتر. المهم رجلك عاملة إيه دلوقتي؟
سلمى: الحمد لله بخير. وهروح على المشروع النهارده أكمل الشغل، بس قلت أجي أشكرك.
معتز: والله تعبتي نفسك، مكنش ليه لزوم.
سلمى: ولا تعب ولا حاجة. أستأذن أنا بقى، أي أوامر؟
معتز: شكراً. وغادرت سلمى مكتب معتز واتجهت إلى عملها.
ونظر معتز إلى ساعة يديه: أنا نسيت الاجتماع.
ونهض مهرولاً إلى غرفة الاجتماعات.
وجد الاجتماع انتهى، وكان تميم يجلس بالداخل.
تميم: لسه بدري يا أستاذ معتز، كنت فين؟
جلس معتز وأسند رأسه للخلف: كنت مع القمر.
تميم: نعم يا أخويا؟ إنت كويس؟
معتز بابتسامة صافية: أول مرة أبقى كويس كده.
تميم: لا، إنت تفهم الموضوع.
ابتسم معتز: سلمى شوفتها مرتين، مرة في الموقع ومرة هنا في المكتب، وكلمتها مرة بس. خطفت قلبي من أول نظرة، مش عارف إزاي. حاجة كده مفيش زيها. قمر يا أخويا، قمر والله.
تميم بضحك على مظهره: باين عليك وقعت يا صاحبي. بس كانت بتعمل إيه هنا؟
معتز بضحك: الناس كلها بتقع على وشها، بس أنا وقعت على قلبي. بس الوقعة تستاهل. كانت جاية تشكرني على اللي عملته معاها. قمر يا أبا الحاج، قمر.
تميم: خلاص يا عم الحبيب، عرفنا إنها قمر. المهم، عملتوا إيه في موضوع نور بنت عمك؟
معتز: الحمد لله، هي بقت كويسة بس قاعدة في بيتها القديم ومش عايزة ترجع القصر. هي مستريحة هناك.
تميم: طب هات العنوان بتاعها.
معتز باستغراب: عايزاه ليه؟
تميم بتوتر: مفيش، بس بسمة كانت عايزة تروح، فقلت لها هجيبه من معتز.
معتز أمسك ورقة وكتب العنوان: أهو، اتفضل.
***
وبعد مرور شهر، وكانت الأوضاع مستقرة، كانت نور تستمتع بحياتها البسيطة وسط طلابها وجيرانها. وكانت سيلين تأتي لزيارتها يومياً، والعائلة تأتي إليها من حين لآخر. ولم يقابلها تميم خلال هذا الشهر، وحتى بسمة كانت تتحدث معها فقط ولم تذهب إليها بسبب امتحاناتها في الكلية. وتُقابل معتز عدة مرات مع سلمى خلال العمل، ولكن لم يظهر لها أي شيء من مشاعره نحوها.
وتم الحكم على إسلام الجندي بالحبس لمدة 10 سنوات.
***
في قصر عائلة القاسم.
دخلت بسمة إلى المنزل وارتفع صوتها بفرحة: أخيرًا! آخر يوم امتحانات، أخيرًا خلصت تعليم. أنا فرحانة أوي.
عصمت: إيه يا بنتي، صوتك جايب آخر البيت.
بسمة: فرحانة يا ماما، أخيرًا خلصت. وكمان هروح لنور النهارده.
منير: هتروحي لها إزاي؟ إنتي تعرفي مكانها؟
بسمة: البركة في تميم، هو اللي هيوديني، وكمان جاب العنوان من معتز.
تميم: هااا، مستعدة عشان نلحق نروح.
بسمة بفرحة: مستعدة طبعًا، يلا بينا.
وانطلق تميم وبسمة بالسيارة متجهين إلى قرية نور.
***
وبعد مرور عدة ساعات.
وصل تميم وبسمة إلى القرية وصعدوا إلى أحد المنازل.
وطرقوا الباب عدة مرات ولكن لم يفتح أحد. وبعد عدة دقائق فتحت الحاجة نوال الباب: اتفضلوا، عايزين مين؟
بسمة: مش هنا بيت نور الهلالي؟ ولا العنوان غلط؟
الحاجة نوال: آه هو، بس هي مش موجودة.
تميم: أومال راحت فين؟
الحاجة نوال: بصوا، انزلوا تحت ورا البيت ده هتلاقوا جنينة كبيرة وشجر وكده، أكيد هتكون هناك.
بسمة: شكراً.
***
بقصر عائلة الهلالي.
أيمن: اشمعنى النهارده مروحتيش لنور يا سيلين؟
سيلين: أصل بسمة هتروح ليها النهارده. بس والله أقوم أروح أنا كمان.
الجد نوح: والله إنتي مجنونة، مش كنتي بتقولي مش هتروحي؟
سيلين: آه مكنتش هروح، بس دلوقتي هروح وأرخم عليهم. معتز، تيجي معايا؟
معتز: خمس دقايق وتكوني جاهزة. تيجي معانا يا رنيم؟
رنيم: أنا مش بروح الحتت البيئة دي.
معتز: براحتك.
***
في الحديقة.
كانت نور جالسة على جذع شجرة كبيرة تقرأ كتابها. وبعد عدة دقائق سمعت صوتًا مرتفعًا يأتي إليها.
الأطفال بفرحة: أستاذة نور! أستاذة نور! النتيجة ظهرت!
نور بفرحة: بجد؟ وعملتوا إيه؟
محروس: نجحنا كلنا يا أستاذة وجبنا الدرجات النهائية كمان.
أحد الأطفال: من غيرك مش عارفين هنعمل إيه يا أستاذة نور، والله إحنا بنحبك أوي.
نور: ألف مبروك ليكم كلكم، والله أنا بحبكم أكتر. ثم تابعت بحيرة: إنتوا كده عايزين هدايا للنجاح، مش كده؟ محروس.
محروس: نعم يا أستاذة.
نور: خد مفتاح البيت بتاعي، أهو. اطلع هتلاقي شنط كتير كده، هاتها وتعالى يلا بسرعة.
أمينة: ممكن تقبلي الهدية دي منا يا أستاذة؟
أمسكت نور الهدية من أمينة، وكانت عبارة عن أسورة مصنوعة من الخيوط ممزوجة بشكل مميز: شكراً يا قمرات إنتوا.
وبعد دقائق.
محروس: أنا جيت يا أستاذة.
أمسكت نور الهدايا منه وقامت بتوزيعها عليهم جميعًا، ففرح الجميع وظلوا يحتفلون مع بعضهم البعض، ثم رحلوا. وعادت هي مرة أخرى لتقرأ كتابها، لا تدري أن هناك عيونًا تتابعها باشتياق. كان يتابع تميم المشهد، الابتسامة ترتسم على ثغره مما زادته وسامة. وها هو قد رآها بعد مرور شهر، لم يرى وجهها المنير وعينيها الجميلتين.
بسمة: شايف يا تميم الأطفال فرحانين إزاي وهي فرحانة بيهم كأنهم ولادها؟
تميم: آه فعلاً.
ثم اقترب تميم وبسمة منها.
بسمة: نور، أنا جيت.
نهضت نور واحتضنت بسمة: وحشتيني أوي يا بسمة، أخيرًا خلصتي امتحانات.
بسمة: أخيرًا خلصت. أنا فرحانة أوي.
نور: حقك، خلاص بقى خلصتي تعليم. ثم نظرت إلى تميم: إزيك يا أستاذ تميم؟
تميم: الحمد لله بخير. وإنتي؟
نور: الحمد لله. ثم أمسكت يد بسمة: تعالي اقعدي معايا هنا، معلش بقى مفيش كراسي، بس جذع الشجر أفضل بكتير.
جلسوا جميعًا. ثم قالت بسمة: مين اللي كانوا هنا دول بس؟ كنتوا فرحانين أوي.
ابتسمت نور: آه، دول الطلاب بتوعي. النتيجة بتاعتهم ظهرت والكل نجح، فكنا فرحانين وبنوزع هدايا.
تميم: وكل سنة بتعملوا كده؟
نور: آه، طول الوقت بنعمل كده، وكمان بنجمع فلوس من أهل البلد وبنعمل حفلة صغيرة احتفالًا بيهم.
بسمة: والحفلة هتبقى امتى بقى؟
نور: لسه مش عارفين، أول ما نحدد موعد هقولك عشان تيجي. بس إنتي عارفة الكارثة إني مش بحب الحفلات، بروح أحضر خمس دقايق وأجي أقعد هنا تاني أقرأ الكتاب بتاعي.
بسمة: بس الكتاب بتاعك بايظ كده ليه؟ إيه اللي حصله؟
نظرت نور إلى تميم.
***
أحبك يا عابثًا، أنتَ من أخجل القمر بجماله، أنتَ لحن الخلود، أنتَ زهرة براري فاحت بعطرها، أنتَ لي كل الورود، أنتَ من يسكن البحر في عيونه، أنتَ قلب بالعشق يجود، أحبك لأنّك أنتَ، ومن سواكَ في القلب يسود.
رواية بنت القرية الفصل الثامن 8 - بقلم ملك كريم
بسمه: الكتاب بتاعك بايظ كده ليه؟ إيه اللي حصله؟
نظرت نور إلى تميم: مفيش، خبط في حد والقهوة وقعت عليه.
بسمه: طب ارميه وهات واحد غيره، محتفظة بيه ليه؟
أمسكت بسمه الكتاب وابتسمت: لا، مينفعش أرميه. الكتاب ده آخر كتاب بابا اشتراهولي قبل وفاته، الله يرحمه.
بسمه وتميم: الله يرحمه.
نور: ها، قوليلي بقى المكان هنا عجبك؟
بسمه: حقيقي، المكان هنا فوق الروعة وبيدي راحة نفسية.
وأثناء حديثهم، جاءت أمنية مهرولة وتحدثت بفزع: أستاذة نور... أحمد رجع تاني. تعالي بسرعة.
نور بفزع: هو رجع تاني؟ يارب استره.
تحدث تميم باستفهام: مين أحمد ده؟
نهضت نور مسرعة: هقول بعدين. يلا يا أمنية.
وذهبت نور إلى منزل الحاجة نوال مسرعة، ومن خلفها بسمة وتميم.
محروس بغضب وهو واقف أمام الحاجة نوال الساقطة على الأرض: ملكش دعوة بينا. امشي بقى، انت عايز مننا إيه؟
أحمد بسخرية: وسع ياض من قدامي.
وضربه بكف يديه على وجنته فسقط أرضاً وسال الدم من فمه.
وفي تلك اللحظة، دخلت نور: انت تاني يا أحمد؟ إيه حرام عليك؟ انت مش بتزهق؟
أحمد بسخرية: الست نور حصن الدفاع جت كويس. هاتوا المطلوب وأنا أمشي من هنا.
الحاجة نوال ببكاء: يا خسارة تربيتي فيك. ياريتني ما عرفت إني حامل فيك، كنت سقطك بدل السواد اللي فيك ده.
نور بغضب: مفيش فلوس ويلا اطلع برا ورينا عرض كتافك. ولا انت يعني عشان بتيجي ومفيش حد في الحارة يبقى مفكرها سايبة؟ لا يا أستاذ ويلا من هنا.
أمسك أحمد يدها وأردف بعصبية: انتي يا بت... اتكلمي معاها عدل فاهمة؟ وإلا أعمل معاكي حاجة أنا كنت عايزها من زمان... وأتجوزك وتبقى في طوعي.
نور بغضب: سيب إيدي يا حيوان. والله لأوديك في ستين داهية.
ارتفعت يد أحمد لتصفع نور، ولكن فاجأته لكمة قوية أسقطته به أرضاً، فكانت تميم: انت بقى بتلمسها يا روح أمك وعايز تتجوزها؟ والله لأربيك.
وجلس فوقه وهم عليه بالضرب حتى كسر عظامه.
أحمد بتوجع: آآآه... سيبني.
تميم: علشان تفكر بس تلمسها تاني أو تلمس حد من هنا. ويلا قوم بدل ما أكمل ضرب.
نهض أحمد ببطء وخرج من المنزل.
التفت تميم لنور التي كانت تجلس بجانب الحاجة نوال: قومي معايا يا خالتي على أوضتك. تعالي يا بسمة ساعديني.
الحاجة نوال: شوفتي يا نور عمل إيه فيا أنا وابن الغلبان؟ منه لله.
ثم نهضت معهم واتجهوا إلى الغرفة. وبعد عدة دقائق، خلدت الحاجة نوال إلى النوم.
خارج الغرفة، كانت نور جالسة تزيل آثار الدماء من وجه محروس.
محروس: أنا بكرهه يا أستاذة نور. والله لما أكبر لأجيب حقي منه.
نور بابتسامة: بس مهما كان ده والدك يا محروس.
محروس بغضب: والدي ويعمل فيا كده أنا وخالتي نوال؟ دي أمه وأنا ابنه. إيه الجبروت ده. وأمي زمان ماتت بسببه. حرام والله حرام.
نور: حسبي الله ونعم الوكيل فيه. قوم يلا يا محروس خش نام. أنا هكون في بيتي أنا والضيوف ولو حصل حاجة ابقى تعالي.
وذهبت نور إلى منزلها، ومعها تميم وبسمة.
تميم بغضب: مين الحيوان اللي كان هنا ده وبيضربهم ليه؟ وياريت تفهميني كل حاجة.
بسمة: أه يا نور، وكمان ده مد إيده عليكي. فهمينا.
نور بهدوء: ده أحمد ابن الحاجة نوال. من بعد وفاة والده وهو على الحال ده. بيلعب قمار وخمرة وستات، ومضيع فلوسه على الحاجات دي. ومحروس يبقى ابنه من مراته الله يرحمها. ماتت بسببه. كانت بتبقى عيانة وميجبلهاش العلاج. بيجي هنا أول لما فلوسه تخلص علشان ياخد فلوس منها ويضربها ويضرب ابنه زي ما شفتوا كده.
بسمة: طب وانتي داخلك إيه في الموضوع؟ وكمان ده بيقولى يتجوزك.
نور: علشان الحاجة نوال دي تبقى زي أمي، وهي اللي مربياني. فلازم أقف معاها. وهو زمان اتقدم لبابا علشان يتجوزني، بس بابا رفضه. ومن ساعتها بيهددني تهديدات فارغة كده.
تميم بغضب: طب ورجالة الحتة هنا فين مش واقفين معاكوا ليه؟
نور: رجالة البلد بيكونوا في الشغل، واللي بيبقى موجود الرجالة الكبار في السن. وهو بيجي في الأوقات اللي محدش فيها موجود علشان يعمل اللي هو عايزه.
بسمة: بس هو ليه الولد الصغير بيقولها يا خالتي؟ مش هي جدته؟
نور: أه، بس هما مش بيحبوا كلمة جدتي. بيقولوا بتكبرهم في السن. فبنقولها خالتو.
بسمة: اممم، حصل خير. خلونا نغير الموضوع ده. الواحد على لحم بطنه من الصبح. مفيش أكل. ولا انتي هتجوعينا؟
نور بضحك: من عيني. هعملك أكل إنما إيه حكاية.
بسمة: طيب يلا خشي المطبخ وأنا هنزل أشتري حاجة نشربها من المحل اللي تحت وأرجع.
توترت نور وتذكرت ما حدث في منزل عائلة القاسم من قمر، فقالت مسرعة: لا، متنزليش. خليكي هنا. وفي حاجات هنا تتشرب. ملوش لزوم.
شعر تميم بتوترها فابتسم: أه، انزلي يا بسمة وهاتي حاجة نشربها كده. الواحد ريقه نشف.
نور: لا لا، متنزليش. أنا هقوم أعمل عصير.
وذهبت نور مسرعة إلى المطبخ، وحدثت نفسها: الحمد لله بسمة مش هتنزل. وبدأت في إعداد العصير وبعض الطعام.
في الصعيد بمنزل عائلة الغريب.
إبراهيم: بقالنا شهر على الحال ده يا عربي. وأهو ماشي بيتفاخر وسط البلد وكأنه محصلش حاجة. أنا هتجنن.
عربي: أنا مش عارف هعمل إيه فيهم تاني. أنا بفكر مش لاقي أفكار.
إبراهيم: مفيش حل غير أننا ناخد الطار ونقتل ابنه سليم.
عربي: يلا على البركة. بس سليم في إسكندرية. مفكر إننا منعرفش مكانه. بس لو قتلناه في إسكندرية مش هنحرق قلب أبوه عليه.
إبراهيم: مش فاهم قصدك إيه.
عربي بخبث: يعني سليم يجي البلد هنا ويموت قدام أبوه.
إبراهيم: وهتعملها إزاي دي يا أبو المفهومية؟
عربي: هقولك.
في قصر عائلة الهلالي.
الجد نوح: إحنا لازم نرجع نور هنا تاني.
أيمن: ومين السبب في إنها تمشي من الأول؟
الجد نوح بغضب: خلاص بقى. أنا السبب. كانت غلطة. وهي بقالها شهر سايبة البيت. ولازم ترجع. مينفعش تقعد لوحدها كده.
أيمن: بابا، في سؤال شاغل دماغي. ممكن أسأل؟
الجد نوح: سؤال إيه؟
أيمن: ليه نور؟ ليه جبتها تعيش معانا طول عمرها؟ هي وأخويا ومراته عايشين لوحدهم. إيه اللي جد؟
الجد نوح: علشان حفيدتي.
أيمن: ما هاشم كان ابنك.
الجد نوح: بس خرج عن كلامي واتجوز صفاء وأنا مكنتش موافق. وساب البيت وراح عاش لوحده. ومكنش عايز منا حاجة.
أيمن: برضه معرفتش ليه نور.
الجد: علشان أعوض اللي فقدته في هاشم ومراته اللي كنت ظالمها. أنا حاولت أرجعهم هنا أكتر من مرة، بس هاشم رفض. وبعد موت صفاء برضه رفض. وهاشم قبل ما يموت بكام يوم جالي وقال: خلي بالك من بنتي. وهو قالها قبل ما يموت إنها ليها أهل وهتروح تعيش معاهم. أنا مشفتش نور دي غير في صور. كنت ببعت حد من رجالي يصورها. حتى الصور مش بتبقى واضحة. أول مرة شفتها كانت لما جت هنا. كل يوم بكتشف فيها صفات من أمها كتير. طيبتها وقلبها الأبيض. وواخده عناد وعزة نفس أخوك. وعيونه وشكله.
أيمن: طب ليه عملت معاها كده؟ ضربتها واهنتها وكنت هتجوزها غصب؟
الجد نوح: انت مفكر عملت ده برضاي؟ انت أول لما إسلام اتقدملي، لقيت فيه الصفات اللي تتمناها أي بنت. وكمان نعرفه. ولمي فضلت تقول لي: لا مش هتجوزه. وكلام من كده. شفتها هاشم وهو جاي يقول لي: عايز اتجوز صفاء. وقتها مقدرتش أتحكم في تصرفاتي. وإن شاء الله هتسامحني.
أيمن: إن شاء الله كل حاجة هتتصلح.
في منزل نور.
ارتفع رنين الجرس الذي أعلن وصول معتز وسيلين.
نور: أهلاً أهلاً، اتفضلوا.
معتز: أه، وصلنا أخيراً. عايز كوباية ميه ساقعة من إيدك الحلوين دول. تستاهل بوقي.
تميم: تعالى يا أبو ميه ساقعة.
معتز: إيه ده؟ الحبايب كلهم متجمعين. انت بتعمل إيه هنا يا صاحبي؟
تميم: جيت مع بسمة علشان متجيش لوحدها.
نور: أحلى كوباية ميه للأستاذ معتز.
بسمة: تعالوا ننزل نقعد في المكان بتاع الصبح.
نور: تمام. بس استنوا ثانية واحدة.
اتجهت نور لغرفتها وأحضرت ملاءة وأعطتها لمعتز: معلش، حط دي على الأرض علشان جزوع الشجر مش هتكفينا كلنا. وتعالي معايا يا بسمة انتي وسيلين نجيب تسالي من المطبخ.
وبعد ربع ساعة.
معتز بسعادة: أول مرة أبقى سعيد بالشكل ده من فترة. المكان هنا جميل أوي. يا بختك يا نور والله.
تميم: انت هتقر على المكان هنا ولا إيه يا عم؟
معتز بضحك: الصراحة أه. كل ما أجي هنا أكتشف إننا مكنناش عايشين. الحياة هنا بسيطة وجميلة. حقيقي ببقى سعيد جداً وأنا هنا.
نور بابتسامة: ربنا يسعدك على طول.
وأثناء حديثهم، جاء شاب: آنسة نور.
نور: نعم يا محمد؟
محمد: آنسة نور، بابا كان عايز حضرتك شوية في حاجة مهمة قبل ما نسافر.
نهضت نور واتجهت إليه: انتوا خلاص هتسافروا النهارده؟
محمد: أه. وبابا مصر يشوفك قبل السفر. فلو يعني تيجي معايا.
نور بابتسامة: أكيد هاجي. عمي خيرى عزيز عليا. ثم نظرت إليهم: خمس دقايق وهرجع. أوعوا تعملوا حاجة من غيري. ثم أعادت نظرها لمحمد: يلا بينا.
وذهبت مع محمد.
بسمة: ما شاء الله. أهل البلد هنا بيحبوا نور جداً وبيعتبروها بنتهم. ربنا يبارك فيهم.
معتز: لما كنا بنيجي هنا كل خمس دقايق حد ييجي ينادي عليها. وبتعمل لهم حاجتهم بصدر رحب. ربنا يبارك فيها.
عم صبري: مرضتش أمشي قبل مشوفك يا نور.
نور: والله البلد هتبقى وحشة أوي من غيرك يا عمي صبري.
عم صبري: طول ما انتي موجودة البلد هتبقى كويسة يا نور.
نور: محمد قالي إنك عايزني في حاجة مهمة.
عم صبري: أه، كنت عايز أسلم عليكي وأديكي الفلوس دي.
نور: فلوس إيه دي؟
عم صبري: فلوس الحفلة بتاع عيال البلد علشان نجاحهم. معلش بقى مش هعرف أحضر زي كل مرة.
نور: ولا يهمك يا عمي. أنا هصورلك الحفلة كلها وأبعتهالك. إيه رأيك؟
عم صبري: عجبتني الفكرة. هستنى الفيديو. يلا روحي انتي علشان معطلكيش.
نور: حاضر. لا إله إلا الله.
عم صبري: محمد رسول الله.
سليم: جاهزة يا سلمى؟
سلمى: لا يا سليم، متعملش اللي في دماغك. أنا خايفة عليك.
سليم: هما أصلاً عارفين طريقي. يعني في كل الأحوال ممكن يجوا هنا يقتلوني.
سلمى: بس انت هتروح كده للنار برجلك. أنا خايفة يا سليم. إحنا أه بنجهز للموضوع ده من شهر. بس برضه خايفة.
سليم: متخافيش وتوكلي على الله. يلا بينا نمشي على الصعيد.
سلمى: يلا يا سليم.
عادت نور إليهم مرة أخرى: أنا جيت. أوعوا تكونوا عملتوا حاجة من غيري.
سيلين: عيب عليكي. إحنا نقدر برضه.
تميم: كانوا عايزين إيه؟
تفاجأت نور من سؤال تميم: مفيش. عمي صبري مسافر. فكان بيسلم عليا وبيديني فلوس الحفلة اللي هنعملها.
بسمة: أنا هحضر الحفلة دي تمام.
نور: تمام. ابقوا تعالوا كلكم. الحفلة هتعجبكم.
سيلين: يلا نلعب.
معتز: هنلعب إيه؟
سيلين: صراحة.
نور: لا اللعبة دي رخمة.
بسمة: لا جميلة. يلا بقى. الإزازة يا سيلين.
دارت الزجاجة ووقفت بين بسمة وسيلين. السؤال لدى بسمة.
بسمة: إيه أكتر حاجة مفرحاكي آخر فترة؟
سيلين: دخول نور حياتنا. بجد أحلى حاجة حصلت من فترة.
دارت الزجاجة مرة أخرى وتوقفت بين معتز وتميم. السؤال لتميم.
تميم بضحك: عملت إيه مع القمر؟
تنهد معتز براحة: معملتش حاجة. بس ادعيلي انت يا صاحبي. بس الموضوع ده يعدي على خير.
سيلين بفضول: مين هي القمر؟
معتز: لا، موضوع كده هبقى أقولك عليه بعدين.
ودارت الزجاجة مرة أخرى وتوقفت بين بسمة وتميم. السؤال لبسمة.
بسمة: بقالك فترة كده بتعمل تصرفات غريبة. ونظرتك لحاجات كتير اتغيرت. ممكن أعرف السبب؟
تنهد تميم: نجمة دخلت عالمي. نورتُه. صححت حاجات أنا كنت شايفها غلط. يارب النجمة تحس باللي أنا حاسه. وأنا هخطفها ونعيش في مكان لوحدنا أنا وهي وبس.
ارتفعت ضربات قلب نور وكانت تقرع كالطبول. تملكها شعور غريب لم تشعر به من قبل. ثم قطع هذا الشعور حديث معتز: وقعت يا صاحبي ومحدش سمى عليك. وكنت بتتريق على القمر بتاعي. أهو ربنا بعتلك نجمة.
تميم بابتسامة صافية: نجمة ولا أي نجمة. ربنا يجعلها من نصيبي.
بسمة: ومين بقى النجمة اللي خطفت قلب أخويا؟
تميم: لا مش هقولك. خليها في سرك.
ودارت الزجاجة مرة أخرى وتوقفت بين نور وتميم. السؤال لتميم.
تميم: حاسة بحاجة تجاه حد؟ أو حتى شعور غريب؟
تنهدت نور بابتسامة: الصراحة أه. شعور غريب كده مش عارفة أوصفه. والحد ده زي البحر. شكله يجذبك ليه، بس هو عميق أوي ومظلم. ساعات بخاف وساعات لأ. مش عارفة.
سيلين بضحك: ها. كده معانا قمر ونجمة وبحر. حد يزود.
ضحك الجميع. ثم سمعوا أصوات رجال تأتي من خلفهم.
يتوسطهم أحمد: هو الراجل ده اللي عمل فيا كده.
نهض معتز وتميم ووقفوا بجانب بعضهم البعض. والنساء خلفهم.
هجم الرجال على تميم ومعتز وبدأ الشجار. ولكن أتى أحدهم من الخلف وضرب تميم بعصا غليظة على رأسه.
تميم: آآآآآه.
رواية بنت القرية الفصل التاسع 9 - بقلم ملك كريم
هجم الرجال على تميم ومعتز وبدأ الشجار.
أتى أحدهم من الخلف وضرب تميم بعصا غليظة على رأسه.
تميم: ااااااااااه.
ثم سقط مغشى عليه على الأرض.
أحد الرجال: عملت إيه يا متخلف!
أحمد: باخد حقي منه.
الرجل بعصبية: أنت غبي! إحنا اتفقنا نضربه مش نقتله. ده باين عليه مات. والراجل اللي معاه كمان مرمي جنبه. يلا بينا بسرعة قبل ما حد يجي.
وفروا هاربين.
ذهبت بسمة باتجاه أخيها الملقى على الأرض، وكذلك سيلين.
اتصلت نور على سيارة الإسعاف.
بسمة ببكاء: تميم قوم عشان خاطري. قوم.
اتصلوا على الإسعاف.
سيلين: معتز.. أنت سامعني؟ معتززز.
نور ببكاء: أنا اتصلت على الإسعاف، هييجوا بسرعة.
***
وصلت سيارة سليم الشامي إلى وسط بلدته في الصعيد، وخلفه عدد كبير من السيارات المملوءة بالحراس.
مما جعل البلدة تقف رهبة لدخولهما وتجمع أهل البلد حولهم.
حتى توقفت سيارة سليم ونزل منها هو وأخته سلمى.
فازدادت الصدمة. ها هو سليم الشامي عاد مرة أخرى.
تقدم سليم حتى تمركز في المنتصف ممسكاً بيده أخته.
فتحدث بصوت مسموع: أهلاً يا هل البلد. طبعاً مش محتاج أعرف عن نفسي. أنا سليم الشامي، واللي جنبي دي تبقى أختي سلمى الشامي. اللي جه واحد زي عربي الغريب اتهمها في شرفها. أختي تبقى أشرف من البلد دي كلها. وأنا خلاص مبقاش ليا اللي أخاف عليه. وهرجع أعيش هنا. والراجل بس يحاول يقرب من القصر بتاعي، وأنا أخلي رجالتى يخلصوا عليه فوراً.
أعتقد كلامي مفهوم. يلا يا سلمى.
واتجهوا إلى منزلهم.
هرولت رابحة مسرعة لاحتضان ابنها سليم.
رابحة: سليم حبيبي، أنت جيت. وحشتني أوي يا ولدي.
سليم: وأنتِ أكتر يا أمي. عاملة إيه؟
رابحة: الحمد لله. بقيت كويسة أول ما شفتك يا حبيبي.
تحدثت سلمى: آه خلاص، اللي لقى أصحابه نسي أحبابه.
رابحة: وحد ينسى القمر؟ تعالي في حضني يا بنت بطني. يلا عشان الأكل جاهز. عملت كل الأكل اللي بتحبوه.
سليم: أكلك وحشني أوي يا أمي. بدل أكل سلمى اللي يوجع البطن.
سلمى: بقى كده؟ طب مش هعمل لك أكل تاني.
رابحة: أمي هتعمله. مش عايزين منك حاجة.
أخرج سليم لسانه لأخته.
سليم: أمي حبيبتي، ربنا يخليها لي.
سلمى: أنت عيل رخـم. والله ما هعمل لك حاجة تاني. وابقى خلي ماما هي اللي تعمل لك يا حلو.
رابحة: يلا بطلوا خناق، الأكل هيبرد.
***
جاءت سيارة الإسعاف وحملت معتز وتميم.
في المستشفى.
كانت نور جالسة في منتصف المقعد، وتجلس سيلين بجانبها، وعلى الجانب الآخر بسمة.
نور ببكاء شديد: كل ده حصل بسببى. أنا لو مكنتش جيتوا عندي، ماكنش كل ده حصل.
بسمة ببكاء: أهدي يا نور. كل ده قدر، وإن شاء الله هما هيبقوا كويسين.
سيلين: بسببك إزاي؟ ومين الناس دول أصلاً؟
بسمة: كان فيه واحد منهم جاي يضرب نور والحاجة نوال. فتميم ضربه. فهو رجع عشان ينتقم منه.
نور ببكاء: كل ده بسببى. يارب ساعدنا وقومهم بالسلامة يارب.
وقطع حديثهم دخول العائلات إلى المستشفى.
نرمين بغضب: هي فين؟
وذهبت تجاه نور وأمسكت بها من ملابسها.
نرمين: عملتي إيه في ابني يا ***؟ كل ده بسببك. أنتِ عارفة لو حصله حاجة، هقتلك بإيدي. هقتلك.
نور ببكاء: والله أنا ما عملت حاجة. أنا ما عملت حاجة.
عصمت: ممكن تفهمونا إيه اللي حصل؟ انطقوا.
بسمة: إحنا كنا قاعدين أنا ونور وتميم في الجنينة. وبعد شوية بنت جت لنور وقالت إن فيه واحد اسمه أحمد جه. فنور اتخضت وقامت تجري معاها. واحنا رحنا وراها. كان راجل بيضرب ابنه وأمه. فنور تدخلت، حاول يضربها معاهم ويهددها تهديدات غريبة. فتميم ضربه. وبعد كده لما سيلين ومعتز جم، كنا قاعدين في الجنينة لقيناه جاب رجالة كتير. ومعتز وتميم اتخانقوا معاهم. معتز ضربوه كتير قوي وأغمي عليه. وواحد ضرب تميم على دماغه. هو ده كل اللي حصل.
اقترب الحاج نوح من نور وضـمها إلى أحضانه.
الحاج نوح: خلاص يا نور، متعيطيش. إن شاء الله هيقوموا ويبقوا كويسين.
وأثناء حديثهم، خرج الدكتور.
اقترب منهم الطبيب.
الطبيب: أنتوا أهل الحالة، مش كده؟
أيمن: آه. طمنا يا دكتور، هما كويسين؟ وأخبارهم إيه؟
تحدثت سيلين: ده الدكتور اللي أخد مننا معتز. هو عامل إيه؟
الطبيب: المريض حالته كويسة. ويخرج دلوقتي أوضته. هو جسمه فيه كدمات كتير. آثار الضرب. يومين بالكتير وهيتحسن. متقلقوش عليه.
نرمين: طب نقدر ندخله؟
الطبيب: آه، تقدروا تدخلوا عادي. مفيش مشكلة.
وبعدها بدقائق، خرج الطبيب الآخر.
بسمة: تميم عامل إيه يا دكتور؟
الطبيب: الحالة حالتها مستقرة. وهيخش العناية المركزة. لأن فيه ضربة قوية في دماغه. ودي أثرت عليه شوية. فممكن يدخل في غيبوبة أو يصحى، الله أعلم. لسه هنشوف.
منير: طب نقدر ندخله إمتى؟
الطبيب: بعد ما يفوق إن شاء الله. هبلغ حضرتك.
وذهبوا جميعاً داخل غرفة معتز.
جلست نرمين بجانب ابنها معتز.
نرمين: أنت كويس يا حبيبي؟ فيه حاجة بتوجعك؟
معتز بصوت ضعيف: أنا بخير يا أمي. تميم عامل إيه؟ هو فين؟
منير: تميم في العناية المركزة. هو كويس.
معتز: في العناية وكويس؟ أنتوا بتضحكوا عليا؟ هو حصله حاجة ولا إيه؟
أيمن: هنضحك عليك إيه؟ هو كويس. ريح نفسك أنت.
تحدثت نور: ألف سلامة عليك يا معتز. ربنا يقومك بالسلامة.
معتز: الله يسلمك يا نور.
الحاج نوح: ألف سلامة عليك يا بطل. يلا يا جماعة، نسيبه يستريح شوية.
وخرج الجميع من الغرفة.
***
في الصعيد.
كارم: وهنتعمل إيه يا ولدي بعد كده؟
سليم: مش هنعمل حاجة يا بابا. أنا هقعد هنا فترة، وبعد كده هروح شغلي في إسكندرية. وهروح وأجي عادي. ومش هبقى خايف منهم ومن الطار بتاعهم. وبعد اللي حصل النهارده، أتوقع هيخافوا.
رابحة: ولازمته إيه تروح إسكندرية يا ابني؟ خليك هنا واشتغل هنا.
سليم: لا، مينفعش يا أمي. أنا بشتغل حاجة مهمة في إسكندرية. ومينفعش أسيب الشغل هناك. وكمان أنا واخد إجازة يومين. هقعدهم معاكي.
رابحة: اللي يريحك يا ولدي. وفي اليومين دول، نجيب لك عروسة زينة تتجوزها.
سليم: بصي يا أمي، أنا تعبت من الموضوع ده. اعملي اللي يريحك فيه.
سلمى بفرحة: أخويا هيتجوز! أخويا هيتجوز!
سليم: سلمى، نقطينا بسكاتك. أنا هطلع أنام. ولو حصل حاجة، صحوني.
***
في منزل عائلة الغريب.
عربي: شوفت يا أبويا، سليم ولد الشامي كان داخل البلد إزاي؟ ده ولا كأنه رئيس الوزراء.
إبراهيم: أنا قلت نقتله وهو في إسكندرية، أهو نخلص. إنما أنت أصرت نقتله هنا. أهو جاي معاه حراسة تسد عين الشمس. هنتصرف إزاي يا فالح؟
عربي: هدخله أنا بيته وأقتله. ومحدش هيعرف غير لما يطلع عليه النهار.
إبراهيم: وهتخش إزاي تقتله والحراسة في كل مكان؟
عربي: يا أتصرف وأخش، أو أجيب قناص. وأول ما يخرج يصيبه ونخلص بقى.
إبراهيم: اعمل اللي أنت عايزه يا عربي. المهم نخلص. ولو فشلت المرة دي، أنا اللي هتصرف.
***
منير: يلا يا جماعة، الوقت اتأخر. روحوا أنتوا. وأنا هقعد معاهم. ولو حصل حاجة، هكلمكم.
أيمن: أنا هقعد معاك يا منير. والباقي هيروح. القاعدة هنا ملهاش لازمة.
واذهب الجميع إلى المنزل. وتبقى أيمن ومنير بالمشفى.
أيمن: يارب عدّيها على خير.
منير: إن شاء الله. أزمة وهتعدي وهيقوموا بالسلامة.
***
في قصر عائلة الهلالي.
دلفت العائلة إلى الداخل وكان الحزن والصمت يسود.
وكانت نور تصعد إلى غرفتها بتعب شديد.
ولكن أوقفها صوت الجد.
الجد نوح: نور، خلاص من النهارده هترجعي تعيشي هنا.
نور: بس أنا بحب أعيش في بيتي.
الجد نوح: مفيش اعتراض. بعد اللي حصل النهارده، مفيش رجوع هناك تاني.
نور: اللي حضرتك تشوفه يا جدي.
واكملت صعودها إلى غرفتها. واتجهت نحو سريرها مباشرة. وظلت تبكي وتحدث نفسها: كل ده حصل بسببى. بس الحمد لله معتز كويس. إنما تميم لسه مفاقش. واحتمال يخش في غيبوبة. يارب ساعده ووقف معاه. هو قلبه طيب بس بيحاول يخبي ده. يارب ساعده.
وخلدت إلى النوم.
***
وها هو أتى صباح اليوم الثاني.
وقد اخترقت أشعة الشمس نافذة تلك النائمة.
لتستيقظ نور وتؤدي صلاتها وتدعو الله أن يشفي تميم ومعتز.
ثم ارتدت نور ملابسها استعداداً للذهاب إلى المشفى.
في غرفة الجلوس الخاصة بعائلة الهلالي.
سيلين بقلق: محدش طمنك يا جدي؟ بابا اتصلش بيك؟
الجد نوح: أبوك اتصل بيا وقال إن تميم لسه مفاقش ومش عارفين السبب. بس بيقولوا عشان الضربة اللي أخدها على راسه. ومعتز حالته مستقرة وبياخد أدوية عشان جروحه والكدمات تخف أسرع.
سيلين: يارب استرها عليهم. إحنا هنروح إمتى؟
الجد: لما نور تنزل هنمشي.
وأثناء الحديث، دلفت نور إلى الغرفة وقالت: أنا جاهزة. يلا بينا.
وانطلقت السيارة ذاهبة باتجاه المشفى.
***
في إحدى منازل الصعيد.
جلست الحاجة رابحة مع واحدة السيدات بمنزلها.
رابحة: بصي يا حاجة سلوى، أنا جيت لك في أول النهار أهو. عشان أقول لك إننا هنيجي بالليل. عشان العرسان يتعرفوا على بعض.
سلوى: تنوروا يا حاجة.
رابحة: أستأذن أنا بقى. وربنا يكتب اللي فيه الخير.
وذهبت الحاجة رابحة لمنزلها مجدداً.
في منزل عائلة الشامي.
سليم: هي أمي راحت فين على الصبح كده؟
كارم: مش عارف. ممكن تكون بتجيب حاجة من السوق.
وفي هذه الأثناء، أتت الحاجة رابحة.
رابحة: صباح الخير.
الجميع: صباح النور.
سلمى: كنتي فين كده يا ماما؟
رابحة بفرحة: كنت عند عروسة ابني.
سليم بفزع: عروسة ابنك؟ أنتي لحقتي؟ أنا كنت بهزر امبارح. أنا مش عايز أتـجوز.
رابحة: أنا أخدت كلامك جد. وروحت النهارده عرفتهم إننا هنروح بالليل علشان تتعرف على عروستك.
سلمى بفرحة: لولولولولولي! عندنا فرح! أنا هطلع أجهز نفسي بقى.
سليم: هو لازم أروح؟
رابحة: آه. مش أنت العريس يبقى لازم تروح.
كارم: ومين بقى العروسة؟
رابحة: لا، دي بقى خلوها مفاجأة.
***
في المستشفى.
منير بقلق: لا، أنا هتـجنن. إزاي تميم لحد دلوقتي لسه مصحاش؟ أنا خايف يحصله حاجة.
أيمن: أهدى يا منير. هو إن شاء الله هيفوق دلوقتي. متقلقش.
وبعد عدة دقائق، خرجت الممرضة مسرعة من غرفة تميم.
الممرضة: هاتوا الدكتور بسرعة!
عصمت: إيه اللي بيحصل لابني؟ حد يرد عليا.
أتى الطبيب مسرعاً إلى غرفة تميم.
الممرضة: هو كان كويس. ومرة واحدة ابتدى يجيله نوبات زي ما حضرتك شايف يا دكتور.
الطبيب: حطوا مهدئات في المحلول بسرعة.
الممرضة بقلق: دكتور، نبضات قلبه ضعفت جداً.
ثم تابعت: المريض قلبه وقف.
رواية بنت القرية الفصل العاشر 10 - بقلم ملك كريم
الممرضة بقلق: دكتور، نبضات قلبه ضعفت جداً.
ثم تابعت: المريض قلبه وقف.
الدكتور: هاني، جهاز الصدمات بسرعة. واحد... اتنين... تلاتة... صعق.
الممرضة: مفيش استجابة يا دكتور.
الدكتور: خليهم 300. يلا... واحد... اتنين... تلاتة... صعق.
الممرضة: ضربات القلب منتظمة. المريض رجع.
الدكتور: الحمد لله.
وبعد عدة دقائق، فتح تميم عينيه ببطء، ثم أغلقهما، وفتحهما وأغلقهما عدة مرات متكررة.
الممرضة: المريض فاق، والإشارات الحيوية كلها مظبوطة. الحمد لله.
الدكتور: أنا هروح أطمن أهله.
خرج الطبيب عند مجلس العائلة.
منير: طمنا يا دكتور، حصل حاجة؟ هو كويس؟
الدكتور: اهدأ يا أستاذ، هو الحمد لله فاق وكل شيء كويس، مفيش أي خطر.
بسمة وقد احتضنت والدها من الفرحة: أخويا فاق، تميم فاق، الحمد لله.
نور بارتياح: الحمد لله.
عصمت: طب نقدر ندخله إمتى يا دكتور؟
الدكتور: دلوقتي لو تحبوا.
منير: شكراً ليك يا دكتور. يلا يا جماعة نخش نطمن عليه.
دلف الجميع إلى غرفة تميم، ما عدا نور التي ذهبت لتصلي صلاة شكر.
في غرفة تميم.
اقتربت بسمة من تميم: حبيبي، أنت كويس مش كده؟
تميم بضعف: آه الحمد لله. بس أنا بعمل إيه هنا؟
منير: حمد الله على سلامتك يا تميم. أنت جيت هنا علشان تعرضت لحادثة بسيطة كده، بس عدت على خير.
تميم: حادثة؟ أنا مش فاكر حاجة عن الحادثة دي.
بسمة باستغراب: مش فاكر أحمد اللي أنت ضربته لما كنا عند نور؟
تميم: أنا مش فاكر حد بالاسم ده. وفين مراتي؟
الكل باستغراب: مراتك؟ أنت مش متجوز يا تميم.
تميم بضعف: لا متجوز. فين مراتي؟ عملتوا فيها إيه؟
بسمة: تميم يا حبيبي، أنت مش متجوز أصلاً. إزاي بقي بتسأل على مراتك فين؟
تميم بغضب طفيف: بقولكم متجوز.
وقطع حديثهم دخول نور الغرفة.
نور بابتسامة: حمد الله على السلامة يا أستاذ تميم. وأنا آسفة جداً، كل ده حصل بسببي. أنا مكنتش أعرف إن كل ده هيحصل.
تميم بابتسامة ضعيفة: مراتي جت أهي. أومال بتقولوا مش متجوز إزاي.
نور بصدمة: مراتك!!! إزاي؟ أنا مش متجوزة. هو إيه اللي بيحصل هنا؟
أيمن: مش عارفين، ومحدش فاهم حاجة.
في غرفة الطبيب.
الدكتور: الظاهر كده إنه عنده فقدان ذاكرة، وكمان فيه تشوش جامد في دماغه.
منير: يا دكتور، ده بيقول إنه متجوز. إزاي هو أصلاً مش متجوز؟
الدكتور: كل ده تشويش في دماغه بسبب الضربة، فعادي جداً.
منير: إزاي يا دكتور، بقول إنه بيقول إنه متجوز. طب ذنب إيه البنت يحصل فيها كده؟ وكمان أول مرة أسمع حاجة زي كده.
الدكتور: الأمور دي طبيعية جداً يا أستاذ منير، متستغربش.
منير: طب اشمعنا نور بالذات؟ أو إيه أصلاً اللي يتخيل إنه متجوز؟
الدكتور: مفيش تفسير غير إنه بيحبها وكان نفسه يتجوزها، فعقله الباطن صورله كده بعد الحادثة.
منير: طب هنتعامل معاه إزاي أصلاً؟
الدكتور: هتتصرفوا طبيعي جداً، والبنت هتعمل إنها مراته لحد ما يرجع زي الأول.
منير: طب هو هيرجع زي الأول إمتى؟
الدكتور: الله أعلم. محدش يقدر يحدد معاد.
منير: طيب. هو إحنا نقدر نروح بيه، وهنهتم بيه في البيت؟
الدكتور: آه ينفع. أنا هكتبله خروج وتقدروا تروحوا.
منير: شكراً يا دكتور.
في غرفة الانتظار بالمستشفى.
جاء منير وقال ما حدث بينه وبين الطبيب.
نور ببكاء: أنا مش متجوزاه، ومينفعش أعيش معاه في بيت واحد. مستحيل.
منير: أنا عارف إنه مستحيل، بس أنتي لازم تمثلي إنك مراته يا نور، علشان يخف. مفيش حل تاني.
الجد نوح: أنا مستحيل أوافق على الهبل ده. إزاي تعيش معاه في بيت واحد وهمي مش متجوزين؟ مستحيل. انسوا.
أيمن: طب الدكتور مقالش أي طريقة تانية غير دي؟
منير: مع الأسف مفيش غير الحل ده. أنا عندي فكرة.
أيمن: إيه هي؟
منير: أنا بطلب إيد نور منك يا حاج نوح لابني تميم.
تفاجأ الجميع من فعله منير.
الجد نوح: أنا خلاص مش هاخد قرار يخص حياتها. هي أدرى.
نور بهدوء: ممكن أقعد شوية مع نفسي، وبعد كده أرد عليكم.
منير: خدي وقتك يا نور.
ذهبت نور إلى حديقة بجانب المستشفى وجلست بها لتفكر في الكارثة الواقعة بها.
نور لنفسها: يارب ساعدني. أنا السبب في اللي حصله، ولازم أتحمل النتيجة لوحدي. يارب ساعدني.
في الصعيد (منزل العروسة).
كانت رحمة جالسة على الأريكة تنظر إلى الخارج، فسمعت طرقات الباب، ثم دلفت أمها إلى الغرفة.
سلوى: رحمة حبيبتي، عايزة منك في موضوع مهم.
رحمة بهدوء: اتفضلي يا ماما، موضوع إيه؟
سلوى: عارفة مين كان عندنا النهارده؟
رحمة: لا معرفش.
سلوى: دي خالتك رابحة. كانت جايه تطلب إيدك لابنها سليم.
رحمة بصدمة: سليم هيتجوزني أنا؟ أنتي متأكدة يا ماما؟
سلوى: آه متأكدة. وكمان هييجوا النهارده علشان تتعرفوا على بعض. جهزي نفسك بقى يا عروسة.
وخرجت سلوى من الغرفة تاركة رحمة في صدمتها.
رحمة تحدث نفسها: أخيراً سليم هييجي يتجوزني. أنا مش مصدقة. لو تعرف بحبك قد إيه يا سليم. أنا مستنياك من زمان.
عادت نور إليهم مرة أخرى لتخبرهم برأيها، لتتحدث قائلة: أنا موافقة أتجوزه، وده كله حصل بسببي، فلازم أصلحه. بس عندي شوية شروط.
منير: شروط إيه؟
نور: أول حاجة، الجواز ده هيبقى على الورق وبس. وتاني حاجة، بعد ما يرجع زي الأول إن شاء الله، يعني هطلق وأرجع لحياتي الطبيعية. اتفقنا؟
منير بابتسامة: اتفقنا.
الجد نوح: واثقة من قرارك يا نور؟
نور بثقة: آه واثقة منه.
نهضت بسمة لاحتضان نور: أنا مش عارفة أفرح عشان هتبقى مرات أخويا، ولا أزعل عشان كل ده لعبة وهتخلص في يوم من الأيام.
سيلين: بصي، إحنا هنفرح حالياً، وبعد كده نبقى نشوف.
الحاج نوح: هنقنع تميم إزاي إنه يكتب الكتاب وهو أصلاً مقتنع إنه متجوزها؟
منير: هنخلي نور تقوله إن عقد الزواج ضاع، أو عايزين يجددوا كتب الكتاب، أي كلام يعني.
أيمن: طب نور هتروح معانا ولا معاكم؟
منير: هتيجي معانا علشان هي حالياً تعتبر مرات تميم، ومينفعش تسيبه في الحالة دي. وإن شاء الله كتب الكتاب بليل علشان نور متبقاش محرجة.
وتم إعطاء أمر خروج معتز وتميم من المستشفى، وانطلقت سيارات عائلة الهلالي والقاسم للعودة إلى المنزل.
في منزل عائلة الهلالي.
معتز: هي نور مرجعتش معانا ليه وراحت مع عمي منير؟
أيمن: علشان هي خلاص هتعيش معاهم طول.
معتز: أنتوا بتتكلموا بالألغاز ليه؟ حد يفهمني.
سيلين: نور هتتجوز تميم، فهتعيش معاهم علشان هي مراته.
معتز: هو مش المفروض خطوبة والحاجات دي، ولا إيه؟
الجد نوح: باختصار كده، تميم عنده تشوشات في دماغه ومتخيل إنه متجوز نور. ونور هتمثل إنها مراته لحد ما يخف. وطبعاً نور مش هتقعد معاه غير لما يكونوا متجوزين، فكتب الكتاب بليل.
معتز: وبعد كده لما يخف... نور أكيد هتطلق منه صح؟
الجد نوح: الله ينور عليك، هو ده اللي هيحصل. يعني مسرحية بس بجد شوية.
معتز: تمام. فهمت.
في قصر عائلة القاسم.
وصلت سيارة العائلة واستند تميم على والده حتى صعدوا إلى غرفته.
منير: كده مستريح، ولا أحط حاجة ورا ضهرك؟
تميم: لا كده كويس أوي. معلش تعبتك معايا.
منير: تعبك راحة. إحنا هننزل بقى علشان تستريح شوية.
وهموا بالذهاب، وحتى نور كانت ذاهبة، ولكن أوقفها صوت تميم.
تميم: نور، أنتي رايحة فين؟
نور بتوتر: أنا هنزل أقعد تحت معاهم شوية، وبعد كده هطلع تاني.
تميم: امم، طيب روحي.
في غرفة جلوس عائلة القاسم.
عصمت: بصي يا نور، مرات عمك حكتلي كلام كتير عليكي وحش، بس لما شوفتك لقيتك مختلفة تمام عن كلامها، والصراحة حبيتك واستريحتلك. وربنا يشهد عليا، هعاملك الفترة اللي هتقعدي فيها معانا زي بسمة بنتي بالظبط.
نور بابتسامة: ربنا يخليكي يا طنط، وأكون عند حسن ظن حضرتك.
منير: بسمة، هاتي هدوم لنور علشان تغير هدومها لحد ما نشتري هدوم جديدة والهدوم بتاعتها تيجي. نور المفروض دلوقتي تاخد أكل علشان تميم ياكل وياخد الأدوية بتاعته. استحملي لحد كتب الكتاب، وبعد كده الموضوع هيبقى حلال عادي. أنا عارف إنك مش عايزاه يتعامل معاكي وإنتي مش على ذمته، بس معلش تعالي على نفسك. وفي كل الأحوال هو هيبقى جوزك.
نور: حاضر. أنا هاخد الأكل وأطلعله.
وذهبت نور إلى المطبخ وأخذت بعض الطعام وصعدت إلى الغرفة، ودلفت إلى داخلها ووجدت تميم غارقاً في نومه.
وضعت الطعام على الطاولة، وذهبت لإفاقته، ولكن قطع سيرها طرقات الباب.
فتحت نور الباب ببطء.
بسمة: ده حاجة زي دريس كده بكم وطويل، بس بيتي والحجاب بتاعه. دي الحاجة الوحيدة المناسبة عندي.
نور: مش مهم أي حاجة وخلاص. شكراً يا بسمة.
وأغلقت الباب واتجهت إلى الحمام الملحق بالغرفة، وخرجت بعد عدة دقائق.
ووجدت تميم نائم كما هو. اقتربت منه ثم قالت: تميم... تميم اصحى يلا.
تميم بصوت ضعيف: فيه إيه؟
نور: اصحى علشان تاكل وتاخد الدوا.
استيقظ تميم ووجه نظره على تلك الواقفة أمامه، فأبتسم وقال: لو هصحى على وش القمر ده كل يوم، فهنام علطول.
احمرت وجنتا نور من كثرة الخجل، ثم اعتدل في جلسته ووضعت نور أمامه الطعام: اتفضل الأكل.
تميم: هو أنتِ لابسة الحجاب في الأوضة ليه؟
توترت نور: لا مفيش، أنا اتوضيت علشان أصلي، فعلشان كده.
تميم: امم.
ثم بدأ تميم في تناول الطعام، ولكنه تناول القليل منه.
تميم: أنا شبعت.
نظرت نور إلى الأطباق أمامه: أنت مأكلتش حاجة، والمفروض تاكل علشان الأدوية بتاعتك.
تميم: بجد والله مش قادر آكل.
نور: أنا عارفة إنك تعبان لسه، وعشان تخف لازم تاخد الأدوية وتاكل كويس.
تميم: أنا أكلت والله. هات الأدوية أخدهالي علشان أكمل نوم. حقيقي جسمي مكسر أوي.
أحضرت نور الأدوية: اتفضل.
أخذ تميم جميع الأدوية واعتدل للنوم.
تميم: مش هتنامي ولا إيه؟
نور: لا لا، أنا هفضل صاحية. نام أنت.
وبعد عدة دقائق، خلد تميم إلى النوم. ظلت نور جالسة على الأريكة تتأمل الغرفة.
بعد مرور عدة ساعات.
في الصعيد.
كرم: يا سليم، يلا بينا هنتأخر على الناس.
سليم: أنا جيت أهو.
رابحة: زي القمر يا ولدي. ربنا يتمم لك على خير.
وانطلقوا متجهين إلى منزل رحمة وسط حراسة مشددة للغاية.
ارتفعت طرقات الباب لتعلن وصول عائلة الشامي.
فتحت سلوى الباب وقالت بترحاب: أهلاً أهلاً، البيت نور، اتفضلوا.
كرم: منور بأصحابه والله.
سلوى: إزيك يا سليم يا ابني، أخبارك إيه؟
سليم: الحمد لله، أنا بخير. وحضرتك عاملة إيه؟
سلوى: أنا عال العال.
رابحة: أومال فين العروسة؟ مش موجودة ولا إيه؟
ولم تنهِ حديثها حتى دلفت رحمة الغرفة وهي تحمل بيديها بعض العصائر.
سلوى: آخر العروسة جت.
قدمت رحمة العصائر وجلست جانب والدتها.
تحدث الحاج كرم: طبعاً، أنتِ عارفة يا حاجة سلوى، إحنا جاين ليه. إحنا جاين نطلب إيد بنتك رحمة لسليم ابني.
سلوى: أنا عن نفسي، مش هتلاقي واحد زي سليم. ابنتي راجل وشهم ويعتمد عليه. بس برضه الرأي رأيها.
رابحة: وإنتي رأيك إيه يا رحمة؟
رحمة بهدوء: أنا هصلي صلاة استخارة، بعد كده هرد عليكم.
كرم: ربنا يكتب اللي فيه الخير. نسيب العرسان يقعدوا مع بعض شوية.
وخرجوا، وتبقى سليم ورحمة في الغرفة.
جاءت عائلة الهلالي إلى منزل عائلة القاسم لحضور كتب الكتاب.
في غرفة تميم.
تميم: أنا مش فاهم، هنكتب الكتاب تاني ليه؟ مش إحنا متجوزين أصلاً.
نور: معلش، إجراء عادي. ربع ساعة بالكتير وهتطلع تستريح تاني.
تميم: حاضر، هنزل وأمري لله.
بالأسفل.
كان الجميع يجلس بانتظار تميم ونور.
الحاج نوح: أهم جم، يلا يا شيخنا، ابدأ كتب الكتاب.
بدأ المأذون في كتابة الكتاب. وبعد فترة: أمضي هنا يا عروسة، أمضي هنا يا عريس.
ثم أردف قائلاً: بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
سعد الجميع وبدأوا بالتهاني لهما.
وبعد مرور نصف ساعة.
معتز: بقيت جوز أختي يا عم. أوعى تزعلها، والله أشرب مش دمك.
تميم: أنت بتهزر يلا، ما إحنا أصلاً متجوزين.
معتز: آه معلش، نسيت.
منير: اطلع يا تميم فوق، أنت باين عليك تعبان.
تميم: أنا كويس.
أيمن: اطلع يا تميم، اسمع الكلام. أنت مش شايف وشك أصفر إزاي؟ تعالى يا منير نطلعه الأوضة، لحسن باين عليه تعبان أوي.
وصعد أيمن ومنير تميم في الصعود إلى غرفته.
وكانت نور بالأسفل تودع عائلتها حتى ذهبوا جميعاً، وصعدت هي مرة أخرى إلى تميم.
فتحت نور الباب ودلفت إلى الداخل ووجدت.