وانا راجع من الفرح شوفتها من بعيد بترمى نفسها قدام عربيتي. جملة قالها الشاب اللي خبط إسراء بعربيته بدون قصد منه، ولكن هي قصدت تموت نفسها عمدًا. كان الشاب بيتكلم بضيق وهو بيقول للظابط: أنا نزلت فورًا أخدتها وجريت بيها على أقرب مستشفى، وما كانش معاها غير تليفونها. رنيت على أرقام كتير وفي الآخر والدها اللي رد، وجه فورًا على المستشفى. سأله الظابط: عندك أقوال تانية؟ رد الشاب بجمود: لا يا فندم، ده كل اللي حصل.
رد الظابط: إحنا هنسحب من حضرتك البطاقة والرخص لحد ما المجني عليها تفوق وتبرقك من التهمة، وهنقفل المحضر على كده. رد الشاب بضيق: يا فندم أنا مش مذنب، هي اللي رمت نفسها قدام عربيتي. ولو كنت أنا اللي قاصد أذيها مكنتش جريت بيها على المستشفى.
رد الظابط: إحنا ما قولناش قاصد، بس ده إهمال منك واللي حصل ده يعتبر جريمة. ولحد ما الأستاذة تفوق ساعتها هنقرر يا تتحبس يا إما هتسترجع متعلقاتك الشخصية، ده غير إن كل صلاحياتك في البلد أو خارج البلد هتتوقف لحد نهاية القضية. طلع الشاب من أوضة الظابط بقله حيلة وهو بيفتكر ملامح إسراء بعد ما رمت نفسها قدام عربيته، وبيسترجع اللي حصل.
لما كان ماشي بالعربية وبيتكلم في الفون بعصبية، وفجأة شافها نزلت من على الرصيف ومشت في نص الشارع كأنها مغيبة عن الواقع. وفضل يدوس كلاكسات ولكن لا حياة لمن تنادي، لحد ما بصتله وعيونها منفوخة من العياط وهدومها متبهدلة ونظراتها خالية من التعبير. وفجأة غمضت عينيها وجرت ناحية عربيته بكل قوتها، وهنا حصلت الحادثة.
رجع الشاب من شروده وهو بيأنب نفسه وجواه إحساس بعدم سيطرته على الوضع، وفلت أعصابه في الوقت ده خلاه يدوس فرامل في الوقت الغلط، وممكن يكون نهى حياتها من غير ما يحس. *** وصل خالد وكارما ومليكة ويوسف ودلال على المستشفى واتجهوا لأوضة العمليات، وكل واحد فيهم باين على وشه الهلع والفزع. لحد ما شافوا العمدة واقف قدام باب العمليات ومغمض عينه وضغط على إيده بقوة وقلبه موجوع على بنته. لحد ما سمع صوته ابنه يوسف بقلق:
إيه اللي حصل يا بابا؟! فتح العمدة عينه فاخزلته دموعه وهو بيبص لولاده بحزن وقال: أختكم بتموت. كان خالد ويوسف بيبصوا لوالدهم بخوف وغضب، أما كارما ومليكة واقفين منتبهين لكلامهم ولكن القلق باين على وشوشهم. أما دلال فاقربت من العمدة واتكلمت بضيق: طب فهمنا يا أخويا إيه اللي حصل... ماهي رجعت البيت وكانت كويسة، هو آه كان شكلها غريب بس طلعت على أوضتها. قاطعها العمدة وهو بيسألها بتركيز: يعني إنتي شوفتيها؟
ردت دلال: أيوه شوفتها واتكلمت معاها كمان، بس مشوفتهاش وهي طالعة تاني. زعق وقالها: ليه كنتي فين يا هاااانم؟! بصت دلال لخالد اللي كان بيبص على والده بضيق ورجعت بصت للعمدة وردت بلجلجة: آآ... كنت نمت... أصلها رجعت متأخر وقالتلي كانت سهرانه مع صحابها، وبعد كده مشوفتهاش تاني. اتكلم يوسف بقلق: إنت عرفت إزاي اللي حصلها يا بابا؟ رد العمدة بخنقة: واحد اتصل بيا وقالي إنها رمت نفسها قدام عربيته وجابها وجه على هنا.
زعق خالد: هو مين ده... ورااااح فين بسلامته؟ رد العمدة: بيقدم إفادته في القسم. اتحرك خالد بعصبية، فاتقدم العمدة خطوات ومسك إيده بقوة وهو بيقوله بحدة: إنت رايح فين... الولد ملهوش ذنب. رد خالد بعصبية: وإيه اللي يخليك متأكد؟ رد العمدة: عشان اتبرع لأختك بدمه وفضل معاها للآخر ومخافش إنه يقدم إفادته، وكان معايا في كل إجراء هنا. اتكلم يوسف: يعني قصدك إن إسراء هي اللي مذنب. زعق العمدة وقال بحرقة: أختك ضحية... عارف ضحية مين...
ضحية إهمالكم... وأنا معاكم... واللي زاد وغطى خطيبها اللي همحيه من على وش الدنيا. زعق خالد وقال: هو إيه اللي حصل بالظبط ماتفهمنا!! طلع العمدة فون إسراء من جيبه وعطاه لخالد وهو بيقوله: إقرأ الرسالة دي بصوت عالي. بص خالد في الفون وشاف إن دي رسالة إسراء بعتاها لخطيبها قبل ما تنتحر، فاقرأ بضيق:
(إنت عمرك ما حبيبتني يا حازم وكان كل همك تحصل على جسمي، ولما رفضت مهتمتش إني بعاني، بالعكس لقيتك بتخيرني يا تسلمي نفسي يا تسيبني وحيدة في الدنيا... ده أنا حكيتلك همي وقولتلك إن ماليش غيرك وانت طلعت أناني أوي واخترت إنك تسيبني زي ما أهلي سابوني... بس أنا حبيتك أوي وكان نفسي أكمل معاك، بس إنت متستاهلش الحب ده، عشان كده أنا مش مسامحاك، ولو ربنا كتبلي النهاردة عمر جديد برضه مش هسامحك)
اتفاجئ البنات من الرسالة وكانوا حاطين إيديهم على بقهم من الصدمة، وبيقول بصمت. أما يوسف وخالد غلى الدم في عروقهم وهما باصين لوالدهم اللي بيقولها بدموع الحرقة: شوفتوا أختكم وصلت لإيه... أختكم بتموت ومحدش كان حاسس بيها وبوجعها، فقررت تنهي حياتها عشان ملقتش حد جمبها... مقضينها لعب وتفاهة ومش شايفين الغلبانة اللي بتعاني من الوحدة.
حط يوسف إيده على راسه وبيحركها على جبهته بقوة وهو بيحاول يتحكم في أعصابه، أما خالد كان بياخد نفسه بصعوبة من كتر الغليان اللي في جسمه، لحد ما قال بهدوء مميت: أنا مش هخلي حتة في جسمه سليمة. زعق العمدة وقال: برضه هتسيب أختك وتروح تبلطج صح. رد يوسف بعصبية: حقها ومش هنسيبه. زعق العمدة وقال: وإنتوا كنتوا فين وحقها بيضيع. زعق خالد وقال بسخرية: مش ده وقت العتاب يا حضرة العمدة.
وبص لأخوه ويوسف وطلعوا من المستشفى بأقصى سرعة عندهم، كأنهم بيحاربوا الهوا ونظراتهم مش بتبشر بالخير. أما مليكة فكرت لثواني وبصت لكارما وقالت بهمس: تعالى. وفعلاً اتحركوا ورا الشباب بسرعة، أما العمدة كان بيبصلهم بدموع وفجأة قعد على الكرسي بهمدان وقهر. فاقربت منه دلال بشفقة وقالت: اهدأ يا حبيبي وخليك على صحتك، وإن شاء الله إسراء هتقوم بالسلامة. ما كانش سامع كلامها ورسالة بنته بتتعاد في عقله، فابيزيد حرقان قلبه. ولكن
رجع بص لها وقال بدموع: ادعيلها... دي طيبة أوي ومتستاهلش اللي حصلها. بصت له بشفقة وفضلت تواسيه. *** ندت مليكة بأعلى صوتها: يوسف استناااااااا. وفعلاً وقف يوسف وبصلهم هو وخالد اللي سأل بعصبية: إنتوا إيه اللي جابكم، روحوا على البيت لحد ما الحكاية دي تخلص. ردت مليكة بسرعة: وهي الحكاية هتخلص بالهمجية. رد يوسف بغضب: متدخليش.
بصت له وردت بحدة: هو إنتوا مسمعتوش أبوكم قالكم إيه، وإن أختكم محتاجلكم تقوموا رايحين عاملين جريمة تتسجنوا بسببها وأختكم تفضل بعيدة عنكم العمر كله. بصولها بضيق، فاتكلمت كارما بخوف: مليكة معاها حق... إنتوا دلوقتي هتروحوا تاخدوا حق أختكم بإيديكم وهتطلعوا الغل اللي جواكم، بس مش هتستفادوا حاجة. وبعدين
بصت لجوزها وقالت بجدية: فاكر الناس اللي اتهجموا علينا في شقتي وقتها أنا قولتلك إن فاض بيهم من اللي جابر عمله فيهم، بس طريقتهم غلط خلتهم يتحبسوا مع إن معاهم حق... وهو ده اللي هتعملوه بالظبط. كملت مليكة على كلام كارما بحدة وقالت: إنتوا لو فكرتوا شوية بس بالعقل هتعرفوا تاخدوا حق إسراء من غير همجية. رد خالد بعصبية ومعارضة: ده كلام حريم وعمالين تضيعوا في وقتنا وخلاص. اتحرك يوسف بعصبية وقال وهو باصص لمليكة بسخرية:
شوف مين بيتكلم عن العقل... يلا بينا يا خالد. جرت مليكة ووقفت قدام يوسف ومكنش فاصل بينهم غير سنتي، وهي باصة لعيونه وقالت: أنا عارفة إن قلوبكم محروقة على أختكم، بس إنتوا كده بتبعدوا عنها أكتر... لو تفتكر إنك كنت بتأذيني من غير ما حد يعرف وبطلعني في الآخر أنا اللي غلطانة... طب ما زي ما بتشغل عقلك معايا شغل عقلك في المشكلة اللي إنتوا فيها.
فضل يوسف يبصلها لثواني بتركيز، أما خالد اتحرك وركب عربيته متجاهل كلامهم وماشي ورا عصبيته. فاجرت كارما وزعقت: أختكم محتاجلكم، متسيبوهاش ولو بتحبوها بجد اركنوا عصبيتكم على جنب وفكروا في طريقة تانية تاخدوا بيها حقها... متسيبوهاش زي كل مرة، هي المرة دي محتاجلكم غير أي مرة فاتت. بصلها خالد من إزاز العربية بتركيز، وفجأة شاف يوسف بيركب في العربية جنبه وبيقوله بغضب: يلاااا سوووق.
بعد خالد نظرة عن كارما وفعلاً ساق عربيته، أما يوسف كان بيبص لمليكة في مراية العربية لحد ما اختفت من قدامه، وكل واحد فيهم بيحس إن النار اللي جواه بتهدى وبيتعاد كلام البنات في دماغه. أما مليكة بصت لكارما بقله حيلة وقالت لها بضيق: عندهم كمية عِند مش طبيعية. فضلت كارما تبص للا شيء وهي بتقول: إسراء صعبانة عليا أوي. ردت مليكة بحزن: وأنا كمان والله، ورغم إنهم مقتنعوش بكلامنا بس على الأقل خطيبها الو*** ده هياكل علقة محترمة.
ردت كارما بحزن: ربنا يستر. *** فجأة داس خالد على الفرامل، فاتفاجئ يوسف وبصله باستغراب ولقاه بيقول له: أنا عندي فكرة. سأله يوسف: فكرت في إيه؟! رد خالد بمكر: هحبسه بطريقة متخطرش على باله. سأله يوسف: إزاي؟ رد خالد بمكر: هحطله حشيش في بيته، ولما يجيلى القسم هاخد حقي بإيدي وهخلي اللي ما يشتري يتفرج عليه. ابتسم يوسف وقاله: لعيب... وعجبتني الفكرة. *** خرج الدكتور من أوضة العمليات وبص للعمدة وقال بجدية:
حمدلله على سلامتها يا عمدة... العملية نجحت. وأخيراً نار قلبه هدت والابتسامة ظهرت على وشه، أما دلال فازغرطت وهي بتقول: يافرج الله. والبنات بصوا لبعض والابتسامة مزينة وشهم، لحد ما سمعوا الدكتور بيقول: هي حالياً تحت تأثير المخدر، ولما تفوق هنشوف تأثير العملية عليها. رد الدكتور: الحمدلله إن كتب لها عمر جديد، ولكن العملية مكنتش سهلة وأكيد ليها مضاعفات مش هتبان غير لما تفوق، ولعه خير بإذن الله. ***
في آخر اليوم بدأت إسراء تفوق، ولما فتحت عيونها شافت والدها ومراته وحريم أخواتها الاتنين حواليها، فابصت لهم لثواني لحد ما سمعت والدها بيقول بلهفة: إنتي فوقتي ياحبيبتي... طمنيني عنك... إنتي بخير... حاسة بإيه قولي لي. فضل يكلمها، ولكن كانت بتبص له بصمت وبيتعاد في بالها كل اللي حصل معاها لحد اللحظة دي، وفجأة نزلت دموعها ولكن وشها خالي من التعبير. لحد ما والدها مسح دموعها بحنية وقال: متعيطيش يا روح قلب أبوكي...
أنا جنبك... وما فيش حاجة في الدنيا تستاهل دمعة منك. فضلت على حالتها من غير ما تتكلم، فادب القلق قلب العمدة، ولما الدكتور دخل يفحصها، سأله العمدة بلهفة: هي مالها يا دكتور مبتردش ليه؟ قرب منها الدكتور وبدأ يستجوبها، ولكن لا حياة لمن تنادي. وبعد عدة فحوصات أدرك إنها فقدت النطق، أثناء صدمة الجميع. فأصرخ العمدة بقهر وحرقة قلب: يعني بنتي مش هتتكلم تاااااني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!