نظرت جودي إلى أسماء وهي تستمع بملل إلى حديثها المعتاد عن الزوج، وأنها من الممكن أن تتزوج مرة أخرى، وأنها ما زالت في عز شبابها، وإن لديها فرصة لتعيش حياتها مرة أخرى. تثاءبت جودي وهي تنظر إلى أسماء التي أنهت أخيرًا كلامها. أسماء بابتسامة أمل: ها، إيه رأيك؟ جودي بهدوء: لا...
بصي يا ماما أنا مش هتجوز تاني. وأنا عارفة إنك خايفة عليا وعايزة مصلحتي. بس أنا مش هقدر أدي الزوج اللي متقدم حقه، وهبقى خاينة في نظر نفسي لما أبقى معاه وأفكر في إسلام. حتى لو هو مش عارف، بس ساعتها هشوف نفسي خاينة، وأنا ما بكرهش قد الخيانة. أسماء بهدوء: مع الأيام هتنسي إسلام وتحبي اللي هيكون جوزك.
جودي: عمر الأيام ما تنسي سنين حب عشتها مع إسلام، وأنتم أكثر الشاهدين على الحب دا. حب الطفولة والمراهقة والشباب، ومش حد يقدر إنه ياخد مكانه.
نظرت أسماء إلى جودي بخيبة أمل، فجودي عنيدة جدًا، لكنها احترمت إخلاصها لابنها إسلام وتمسكها به كل تلك المدة، حتى بعد وفاته لم تتخل عنه وتقبل أن تتزوج، بالأخص أن زواجهم كان لمدة ثلاثة أعوام وبعدها توفي إسلام. الذي بسبب موته أفاقت من سهوة الدنيا، فهي كانت تهمل أولادها وكانت تسافر للحفلات. لكن بعد أن توفي ولدها وهي بعيدة عن المنزل ودفن وهي لم تره، شعرت بالخزي من نفسها، فهي لو كانت معهم لكانت على الأقل قد ودعته أو على الأقل كانت قد جلست معه وعاشت بعض الذكريات التي تتذكرها وهو غائب، لكن هي لم تفعل ذلك. هكذا الإنسان لا يعلم قيمة الشخص إلا عند رحيله. فهي بعد رحيله اهتمت بأولادها مروان وسمر وهي تحاول مساعدتهم وتغدقهم بحنانها الذي حرمتهم منه وهم أطفال.
نزلت دمعة ندم من عينيها عندما تذكرت ما كانت عليه سابقًا، رفعت يدها لتزيح تلك الدمعة، وجدت يدًا حنونة تمسحها، نظرت إلى جودي التي تبتسم في وجهها بمودة، تشكر الله الذي أنعم عليها بمثل جودي، فهي كانت تسمع أن زوجة الابن تأتي وتأخذ ابنها منها وتجعل الابن يكره أسرته. لكن وجدت أن تلك الفكرة المتداولة بين الناس خطأ. فالمحبة إن أعطيتها تأخذها. هكذا كانت جودي في أول يوم لها في المنزل. أظهرت لهم مدى حبها لها، كانت تعاملها على
أنها والدتها، ووضعت انطباعًا حسنًا لها ولم تتغير المعاملة رغم أنها كانت تعاملها بطريقة فظة في البداية. لكن جودي كانت تقابلها بمودة وحب وكانت دومًا تخبرها أنها مثل والدتها التي حرمت منها، فأنعمها الله بها حتى أحبتها وأصبحت المعاملة بينهم كالمعاملة بين الأم وابنتها. فيكفي أنها كانت تحاول أن تبرر أفعالها لولدها بأنها سهوة دنيا. تتذكر في يوم كانت تجلس فيه غرفتها حتى دخل عليها إسلام وهي تتحدث في الهاتف وأخبرها أن جودي
حامل وأحب أن يشركها فرحته، لكن هي ماذا فعلت؟
دخل إسلام إلى والدته، ثم جلس أمامها وقال بهدوء: عاملة إيه يا أمي؟ نظرت إليه بهدوء وقالت: بخير يا حبيبي، أنت اللي عامل إيه؟ إسلام بسعادة قال: ماما هتبقى جدة قريب. نظرت إليه أسماء بهدوء وقالت: هي جودي حامل؟ إسلام وهو ينظر إلى والدته بخيبة أمل قال بهدوء: أيوه. أسماء بلا مبالاة: ألف مبروك. نظر إسلام إلى أسماء بعض الوقت ثم وقف وخرج من الغرفة بهدوء وذهب إلى غرفته.
خرجت من شرودها على يد جودي التي تحتويها وتمسح دموعها التي تنزل على وجنتها. في قصر العمري، نظرت يمن إلى ذلك الوضع الذي أمامها وهي لا تصدق أن فهد وبدر بينهم علاقة. هي تعلم أن فهد من الممكن أن يفعلها، لكن لا يفعلها في القصر الذي تحكمه القوانين التي فرضها جدهم الأكبر عليهم، لكن بدر!
تلك الفتاة التي لا يظهر من جسدها أي شيء أو حتى شعرة، ولا تتحدث غير الكلام الحسن بغض النظر عن الأسلوب، تلك الفتاة التي تصحو الفجر لتصلي، والتي جاءت في يوم تطلب منها كتاب الله لقرائته، ووبختهم على عدم وجود واحد في المنزل، والتي كانت تذكرهم بموعد الصلاة حتى لا يسهو عنها. أغلقت الباب ثم ذهبت باتجاه فهد وقالت بهدوء وهي تحاول ألا تظلمهم بشيء: فهد، يا فهد. فتح فهد عينه ونظر إلى من تقف أمامه وقال
بصوت متحشر من آثار النوم: يمن، خير يا حبيبتي. نظرت يمن إلى بدر التي تنام بسلام على جسد أخيها وقالت بهدوء وهي تشاور على بدر: عايزة توضيح. نظر فهد إلى بدر ثم مشى يده على وجنتها ويبعد شعرها عن وجهها، ثم قبّل خدها وهو لا يهتم بمن تقف أمامه وتنظر إليهم بخجل وقال بهدوء: تمام، اتفضلي على غرفتك على ما أجي.
نظرت يمن إلى فهد بخجل من أفعاله، ثم خرجت من الغرفة وهي تفكر في هدوء، وكأنها قبضت عليهم وهم في ذلك الوضع، وكأن الذي حصل عادي بالنسبة له. بعد خروج يمن من الغرفة، نظر فهد إلى بدر وهو يمشي يده على شعرها، ثم انحنى وقبّل خدها وقال بهدوء: حبيبي. لم تجب بدر عليه، بل تشبثت به أكثر. ابتسم فهد على فعلتها ثم حاول أن يفك يدها، ثم أبعدها عنه ووقف ووضع الغطاء عليها ثم انحنى وقبّلها ورحل.
في الغرفة الخاصة بيمن، دخل عليها فهد الذي جلس على السرير بهدوء استفز يمن كثيرًا. نظرت يمن إلى فهد وقالت: أنت واخد الموضوع ببساطة كده إزاي؟ فهد وهو ينظر إليها ببرود قال: بدر مراتي. يمن بتفاجؤ واستغراب: مراتي إيه؟ فهد: مراتي، أم ابني. ثم وقف ووضع يده على كتف أخته وقال: ما فيش أحسن من التوضيح ده، سلام. يمن باستغراب: فهد، استنى، إزاي ده؟
شار لها فهد بيده ثم خرج من الغرفة وذهب إلى غرفته ودخل إلى المرحاض وجهز نفسه ورحل إلى الشركة. دخلت يمن إلى غرفة بدر وبدأت في إيقاظها. يمن: بدر قومي. لم ترد عليها بدر. يمن وهي تنفخ خدها قالت: لا بقى أنا مش هسيبك غير لما أعرف إزاي أنتِ مرات فهد. انحنت إلى الأسفل ثم قالت بصوت مرتفع: بدر! اصحي! انفزعت بدر وقالت: في إيه؟ نظرت إلى يمن التي تقف أمامها وهي تضع يدها على
خصرها وتهز قدمها وقالت: أنا عايزة توضيح حالًا، اه، وقبل أن تنهي كلامها وجدت الوسادة في منتصف وجهها. بدر: ينفع كده؟ شكلك حد يصحي حد كده. يمن بتذمر: ما أنتِ عاملة زي الدب في النوم. بدر: عايزة إيه؟ نظرت يمن إلى ما ترتديه بدر، وجدته رداء الاستحمام. فنظرت إليها وقالت: أنتِ نايمة بروب الحمام ليه؟
نظرت بدر إلى ما ترتديه ثم تذكرت ما حصل أمس. حمدت الله في داخلها أن فهد خرج من الغرفة قبل دخول يمن. قطع شرودها سؤال يمن الذي جعلها تحبس أنفاسها. يمن بخبث استكملت حديثها: وفهد كان نايم جنبك كده ليه؟ ابتلعت بدر ريقها وقالت بتوتر خوفًا من رد فعل يمن: أنا... أنا... إن... يمن: والله عرفت إن أنتِ... بدر وهي تبلع ريقها: فهد يبقى جوزي. يمن بهدوء: أيوه بقى، أنا عايزة أعرف إمتى إزاي. نظرت بدر إلى تعابير وجه يمن التي
اعتقدت أنها ستكون متفاجئة: يوم ما جيت على البيت. يمن: يعني أنتم متجوزين من زمان؟ بدر بهدوء: أيوه. يمن: لا أنا عايزة أعرف كل حاجة. بدر لتغير الموضوع: الأول أعرف أنتِ كنتِ جاية ليه؟ يمن: عشان آدم رن عليا الصبح وعزمني على الغدا في مطعم وكنت جاية أسألك أروح ولا إيه. بدر بهدوء: روحي، اعرفي هو عايز إيه، ما تنسيش إنه ما يعرفش إنك بتحبيه. يمن بهدوء: بس أنا خايفة. بدر: ليه بس؟
يمن: خايفة من إنه يتكلم عن حبيبته دي، والله ساعتها ممكن أكسر المحل فوق رأسه، أنا مش هستحمل وجع تاني. بدر بهدوء: ولا أنا بهزر، توكلي على الله، عسى خير. يمن بهدوء: أول ما أرجع هتقوليلي كل حاجة. بدر: ماشي بس روحي. عند شهد التي دخلت إلى مكتب حربي. شهد بهدوء: السلام عليكم. رد حربي السلام ونظر إلى شهد بتمعن ثم قال: وعليكم السلام. شهد بعاملية: ممكن حضرتك تقولي هشتغل إيه هنا؟
حربي ببرود: هتكوني السكرتيرة الخاصة بيَّ. بعد أن أنهى حديثه ضغط على زر جاء بعدها سكرتيرة مكتبه وقال: خذي الآنسة شهد عرفيها هتعمل إيه. هزت السكرتيرة رأسها ثم قالت بجدية: تمام يا فندم. ممكن تتفضلي معيَّ يا آنسة. رحلت شهد مع السكرتيرة والتي كان اسمها سما. بدأت سما في تعليم شهد بعض الأشياء البسيطة. دخل مروان إلى مكتبه ثم جلس شاردًا. مر بعض الوقت ثم أخرج هاتفه وقرر أن يتصل بجودي.
كانت جودي تجلس شاردة بعض الوقت بعد ذهاب أسماء التي أخذت معها فهد الصغير يجلس معها بعض الوقت في منزلهم. قطع شرودها رنين هاتف، نظرت إلى المتصل وجدته مروان، فتحت الاتصال وقالت بهدوء: السلام عليكم. مروان وهو يسمع صوتها غاب بعض الوقت في الرد. مروان: وعليكم السلام. جودي بهدوء: خير، حصل حاجة؟ مروان بهدوء: ممكن أقابلك؟ جودي باستغراب قالت: إيه السبب؟ مروان بهدوء: موضوع مهم.
جودي: تمام، لو فاضي دلوقتي أنا موجودة في مطعم على النيل اسمه... تقدر إنك تيجي. مروان: تمام. عند آدم الذي كان يجلس في مطعم منتظر قدوم يمن. نظر إلى مدخل المطعم وجدها تدخل بطلتها الخاطفة للأنفاس. يمن وهي تبتسم لآدم قالت: صباح الخير. آدم بابتسامة: يا صباح الجمال اللي خاطف للأنفاس. تورّد وجه يمن بخجل وقالت: عامل إيه؟ آدم بهدوء: بخير. يمن بهدوء: دائمًا، ممكن أعرف أنت جايبني هنا ليه؟ آدم بابتسامة: عادي، وحشتيني فطلبت أشوفك.
ابتسمت يمن بخجل وقالت: وحشتك؟ آدم بهدوء: طبعًا، مالك مستغربة ليه؟ يمن: لا عادي، طلبت أكل ولا لسه؟ آدم: طلبت وجاي دلوقتي.
في قصر العمري بالأخص في غرفة بدر التي كانت متوترة أتخبر يمن كل شيء أم لا. رنت على فهد لتخبره وهي لا تعلم أنه يعلم وأنه من أخبر يمن. وهي تمسك الهاتف وجدت رسالة وصلت من الرقم المجهول. فتحتها فوجدت فيديو لجودي وهي تجلس في مطعم على النيل ثم فجأة وجدت رجالًا ملتفين حولها وأخرجوا أسلحتهم وبدأوا في إطلاق الرصاص وصوت صراخ عالٍ لناس كثر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!