نهار يوم جديد. معاذ راح شغله وهو واخد قراره خلاص ودخل للمدير، وبدل مايتم رفده، قدم هو استقالته بنفسه وساب الشركه وخرج. خرج طبعاً مهموم وزعلان لأنه تقريباً كده خسر كل حاجة، بس من جواه راضي عن اللي عمله وإنه مبسوط إنه ترك شيء ابتغاء مرضاة الله، وكان على يقين إن ربنا هيعوضه بأفضل منه. نزل يتمشى شوية ومحبش يرجع البيت ولا يعرف والدته عشان متزعلش، قرر يقعد شوية مع نفسه في أي كافيه.
وهو قاعد افتكر لما دخل مهموم في يوم على مريم. رجع بالزمن لورا شوية وسرح بخياله. مريم: مالك مهموم كده ليه؟ معاذ: حاسس إن الفلوس مفيهاش بركة خالص يا مريم، الواحد بيقبض مرتبه بيخلص وهو راجع. مريم بابتسامة: بتطلع صدقات يا معاذ. معاذ: صدقات إيه؟ هو أنا لاقي أكل؟ مريم: مش شرط تكون غني عشان تطلع صدقات، يقول صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة". معاذ: طب والصدقة دي هتعملي إيه؟ مريم: يقول الله
جل جلاله في الحديث القدسي: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) شوف الفرق بنفسك بين الصنف الأول والصنف التاني. الأول شخص أعطى واتقى فربنا قال إيه؟ "فسنيسره لليسرى" يعني هييسر الله أموره ويفتح له أبواب الرزق ويخلف الله عليه أضعافاً مضاعفة.
أما الثاني شخص بخل واستغنى، جزاته إيه بقى؟ "فسنيسره للعسرى" يعني يلاقيها بتضيق عليه من كل مكان، لو مكنش في الدنيا يبقى في الآخرة. معاذ: هي الصدقة مهمة أوي كده؟ مريم: طبعاً، ده ربنا بيقول في كتابه: "وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)
يعني شوف الموت جه أهو والشخص خلاص في طلوع الروح، تفتكر يقول لربنا: طب سبني أصلي ركعتين؟ طب سبني أقرأ القرآن؟ لأ، ده بيقول: "رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من المحسنين"، يعني لو تسبني بس أتصدق يا رب. معاذ: طب يا بنتي، هتصدق ازاي وأنا معييش؟ مريم: الصدقة غير مقصورة على المال فقط. أحد الصحابة لما النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصدقة، مكنش عنده أي شيء، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أين المتصدق البارحة؟
فجاء الرجل ذاك وقال له: يا رسول الله، أنا معنديش حاجة أتصدق بيها، فقال: "وبما تصدقت البارحة؟ فقال: تصدقت بعرضي. عرضه هنا ليس الزوجة، بل هو يقصد أي أذى يصيبه من الناس، يعني مسامح اللي آذاني واللي اغتاني واللي كذب عليا، تصدقت بعرضي لوجه الله، واعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم صدق. معاذ كان مركز معاها.
مريم: المشكلة إن الناس فاهمة إن الواحد لما يقول "تصدق" يعني أدفع مليون جنيه، لأ، ده اللي معاه هو اللي يدفع. أنت لو مش معاك، خدلك طبق صغير واملاه ميه وحطه في البلكونة للطيور تشرب منه، خد شوية رز وارميهم على جنب للطيور تاكل منهم، تصدق بدعائك لأخيك بظهر الغيب، تصدق بابتسامتك في وجه أخيك، تصدق بجبر الخاطر، تصدق بقزازة ميه خدها معاك وانت خارج ولما تلاقي عامل نظافة مثلاً بيشتغل في الحر حطها جنبه. والرسول
صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصدقات هي سقيه الماء". دي كلها صدقة وزيها زي اللي دفع مليون، لأن كل واحد بيتحاسب حسب مقدرته على الإنفاق. معاذ: يعني اللي تصدق بمليون زي اللي تصدق بجنيه؟ معقولة يا مريم؟ مريم: ماهو يا ابني اللي دفع مليون عنده ملايين، واللي دفع جنيه معندوش غير عشرة جنيه، فكل واحد على حسب قدرته. أهم حاجة متضيعش على نفسك فرصة الصدقة، ومتفتكرش إن فلوسك هتنقص، لأ، الرسول
صلى الله عليه وسلم قال: "ما نقص مال من صدقة". وبعدين مسكت إيده وقالت: وصيتي يا معاذ، لو في يوم لقيت نفسك مدايق أو مكروب، تصدق. صدقني، الصدقة بتفتح لك أبواب النعيم في الدنيا والآخرة. أوعى تستنى تكون مرتاح أو مبسوط عشان تتصدق، لأ، في أي وقت حتى لو وقت ضيقة. قال الله تعالى: "الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
كما قال: ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم. كان قاعد سرحان، فجأة فاق من شروده على صوت حد بيقوله. "يا أستاذ، يا أستاذ، تشرب إيه؟ معاذ أخد مفاتيحه من على الترابيزة وقال: "لا، خلاص مش عايز أشرب حاجة." وخرج من الكافيه، ركب عربيته وراح على بيته.
دخل على أوضته وطلع مبلغ كان شايله على جنب، حوالي ألف جنيه. والدته لما شافته دخل أوضته بسرعة، دخلت وراه، لقيته بيعد الفلوس، فقالت له: "إيه خير يا ابني، في إيه؟ معاذ: "ولا حاجة يا ماما، أنا بس كنت بشوف معايا كام عشان عايز أعمل حاجة." والدته: "حاجة إيه؟ أنت لو محتاج فلوس أنا معايا." معاذ: "لأ لأ، أنا بس كنت ناوي أطلع صدقة بنية إن ربنا يفك كربي." والدته: "تصدق؟ معاذ: "أيوا."
والدته: "طب هو أنت شايف إن ده وقت صدقات وأنت داخل على جواز؟ معاذ: "لأ، ماهو أنا مقولتلكمش، خلاص رفضت الجواز." والدته بصدمة: "يلهووي! إزاي ده حصل؟ معاذ: "نصيب بقى، مش مهم. المهم دلوقتي إني سبت الشغل وحالتي ما يعلم بها إلا ربنا." والدته بذهول: "يلهووي! سبت الشغل كمان؟ معاذ: "أنا عارف إن الأخبار دي تقيلة عليكي، بس هعمل إيه؟ اللي حصل حصل." والدته: "بعد كل المصايب دي رايح تطلع صدقة؟ طب سيب الفلوس، أنت أكيد هتحتاجها."
معاذ ابتسم لها وقال: "مريم كانت دايماً تقولي جملة جميلة أوي، فأنا هقولهالك: ليست دارنا ولا ديارنا، كل ما فيها متعب وكل من فيها متعب." "لبيك إن العيش عيشُ الآخرة." وقام حط الفلوس في جيبه وخرج. والدته وهي تقلب كفيها: "ابني اتجنن خلاص، لا حول ولا قوة إلا بالله." خرج معاذ ومعاه الفلوس، دخل على سوبر ماركت وبدأ يعمل كام كرتونة فيها رز ومكرونة وزيت ولوازم للبيت. كانوا حوالي تلات كراتين.
أخدهم ودفع الحساب وراح على بيوت عارف إن أهلها يتامى، وخبط على كل باب وحط الكرتونة قدامه. رجع بيته وهو بيردد الآية اللي بتقول: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) البر يعني الجنة. نام الليلة دي وهو منشرح الصدر وكان مبسوط جداً، رغم إنه مكنش في جيبه جنيه واحد، بس هو كان واثق إن الله لن يضيعه.
طلع النهار على صوت رنة موبايله، وكان صاحبه محمد اللي كلمه قبل كده في المسجد هو المتصل. معاذ اتعجب لما لقاه بيرن، رد عليه وقال: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." محمد: "إيه، أنت لسه نايم ولا إيه؟ معاذ: "مانت عارف، مبقاش في شغل، هصحى بدري ليه؟ محمد: "طب مبقاش في شغل ننام يعني؟ معاذ: "لأ، بس أنا واخد النهارده إجازة، الواحد يريح شوية وكده، ومن بكرة هنزل أدور على شغل بإذن الله." محمد: "طب والـ...
يجبلك شغل كويس جداً وفرصة متتعوضش؟ معاذ اتعدل من نومه وقال: "شغل! شغل إيه؟ محمد: "تعالى بس نتقابل وأفهمك على كل حاجة." معاذ: "دلوقتي؟ محمد: "بقولك فرصة وأنا مش عايزها تروح عليك، وبعدين أنا مش قايلك: لن يضيعنا الله؟ معاذ بفرح: "ونعم بالله." قفل معاه وقام بسرعة لبس هدومه. والدته: "رايح فين يا ابني على الصبح كده؟ معاذ بابتسامة وفرح: "شكلها هتفرج يا أمي، ادعيلي بس."
راح معاذ يقابل محمد وحكاله على الشغل الجديد، بس كان فيه مشكلة إن الشغل ده بره مصر وهيُسافر. معاذ: "أنا بصراحة مكنتش حاطط في دماغي إني ممكن أسافر وأسيب أهلي في يوم." محمد: "هو مش مروان أخوك كبير؟ معاذ: "أيوا كبير وكل حاجة، بس برضه ميقدروش يستغنوا عني." محمد: "مانت هتنزل إجازات يا ابني، وبعدين أنت هتبعتلهم مصاريفهم وهيعيشوا أحسن عيشة، زي ما قولتلك المرتب مغري جداً." معاذ بتردد: "هفكر وأرد عليك." رجع لوالدته، دخل وقعد.
والدته: "إيه يا ابني، طمني عملت إيه؟ معاذ: "جايلي شغل بمرتب حلو جداً." والدته بفرح: "الحمد لله يا حبيبي." معاذ: "بس للأسف بره مصر." والدته: "وإيه يعني بره مصر؟ ما ابن خالتك أم أحمد مسافر وما شاء الله معيشهم عيشة زي الفل، وبنى بيت واتنين وتلاتة." معاذ كان مستغرب ردة فعلها، قال: "يعني أنتِ موافقة عادي؟ والدته: "آه يا ابني، فيها إيه يعني؟ ماتروح تشوف مصلحتك، هتفضل قاعد جنبي؟
معاذ فرح من كلامها لأنه كان خايف تقوله متروحش. دخل أوضته يغير هدومه، وكلم محمد صاحبه وقاله إنه موافق. رنا رجعت من مدرستها، لقت والدتها بتقولها: "معاذ أخوكي هيسافر." رمت شنطتها على الأرض وراحتله أوضته، فتحت الباب وقفت متنحة. معاذ وهو بيظبط ورق مهم عنده قالها: "إيه مالك؟ في حاجة؟ رنا: "أنت هتسافر؟ ولا ماما بتهزر؟ معاذ: "لأ، هسافر." رنا قربت منه بحزن وقالت: "هتسافر وتسيبنا؟ معاذ قام من مكانه ومسك
إيدها وقالها بابتسامة: "دلوقتي أنا مش خايف عليكي، أنا عارف كويس إنك بقيتي عارفة الصح من الغلط. وطول ما مريم معاكي أنا مطمئن." رنا بدموع: "طب وهتسيب مريم هي كمان عادي؟ معاذ: "يمكن لما أمشي فترة وأرجع، تكون قدرت تسامحني وأقدر أقف قدامها وأواجهها." رنا بدموع: "معتقدش ده."
معاذ: "بصي يا رنا، أنا حالياً مسلم كل أموري لله، وطالما ربنا قدر ليا السفر يبقى أكيد خير. أنا كل اللي هعمله إني هصلي استخارة، ولو الموضوع فيه خير ربنا يوفقني ليه، فيه شر يبعدني عنه." رنا سابت معاذ ودخلت أوضتها وقعدت تعيط، مسكت فونها وكلمت مريم. مريم اتخضت لما لقيتها بتعيط، قالت بصدمة: "مالك يا رنا؟ أنتِ كويسة؟ رنا ببكاء: "معاذ هيسافر يا مريم." مريم بذهول: "يسافر فين؟ مش فاهمة حاجة."
رنا: "هيسافر يشتغل بره مصر، أرجوكي ارجعيله." مريم: "ارجع إيه؟ ده بدل ما تقوليلي يطلقني قبل ما يمشي! رنا ببكاء: "بقى ده كل همك يا مريم؟ ليه قاسية عليه كده؟ أرجوكي اسمعيه مرة واحدة بس." مريم بحزن: "خايفة يا رنا، أنتِ ليه مش حاسة بيا؟ رنا: "أرجوكي فرصة واحدة بس." مريم بتنهيدة حزن: "أنا آسفة، مش هينفع. حاولي تخليه يطلقني قبل ما يمشي." وقفت الموبايل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!