ظلت فاطمه مشدوهه لعدة دقائق فور تلقيها لرسالة حازم، والذى بعثها ظنا منه أن الخط مازال مع أسماء. فاطمه بهمس: اه يا حيوان. تنهدت ثم نظرت إلى باب الحجرة، فمن حسن الحظ وربما من سوءه أنها بمفردها في الحجرة، وأن كل من أسماء ويارا ومها قد ذهبوا للتسوق لأن فاطمه ليست من هواة التسوق. أسرعت فاطمه لغلق الباب بالمفتاح من الداخل، ثم ذهبت إلى شرفة الحجرة وقامت بالضغط على زر الاتصال.
كان حازم في حجراته يشاهد ما نهى الله عنه عندما وجد رقم أسماء يضيء شاشته بالاتصال. حازم محدثا نفسه: ههه يا حرام اترعبت. ثم قام بالرد. حازم: حبيبة هارتى من جوا. فاطمه بتماسك: اتق الله بأي، عاوز ايه تانى؟ لم يفرق حازم بين صوت أسماء وأختها، حيث أنهما يشبهان بعضهما بدرجة كبيرة في الصوت كمعظم الأخوات. حازم: تؤتؤ. هي دي وحشتني يا سمسمه. أدركت فاطمه أن حازم لم يتعرف صوتها، وقررت أن تكمل معه المكالمة على هذا الأساس.
فاطمه: لا محدش وحشني. وابعد عني. حازم: ابعد عنك إزاي. دا أنا من وقت ما عرفت ترتيبك وأنك هتتعينى في الكاست بتاع الجامعة وأنا حاسس بالفخر. فاطمه بتحفز: على أساس إن حضرتك كنت بتشرح لي. حازم بضحكة عالية: ااه هو من ناحية كنت بشرح لك، فانا فعلاً كنت بشرح لك اللي أهم من المنهج. لم تتوقع فاطمه أن يكون حازم بمثل هذا المجون، ولكنها تماسكت قائلة: لو سمحت. هو كان أمر وانتهى. أرجوك ملوش لزوم لأي إهانة.
حازم ببراءة مصطنعة: إهانة إيه بس يا سمسم. دا أنت اللي في القلب. فاطمه بفارغ صبرها: اللهم طولك يا روح. سيبيني في حالي. بأي. أنا تبت. افهم. لم تدرك فاطمه أن صوتها وجملتها قد اخترقت أذن عمر في الحجرة المجاورة، والذي كان يتناول قهوته بينما حلا نائمة. اقترب عمر من النافذة وهو مصدوم ليخترقه صوت فاطمه وهي تقول: اه اديتك صور بجسمي وشعري، لكن دلوقتى خلاص أنا عرفت إني كنت غلط. حازم: بقلك إيه، قلتلك أخدتي التمن.
فاطمه: تمام. أخدت التمن. خلاص خلصنا الصفقة. حازم: هو أنا عاوز منك حاجة. أنا بمسّي بس. فاطمه: ولا تمسي ولا تصبحي. ثم حالفها سوء الحظ عندما وجدت نفسها لا إرادياً تقول له: وبعدين أنا هتخطب قريب جداً لواحد مهم. ولو انت مبعدتش من نفسك هو هيبعدك غصب عنك. يااه. لسوء الحظ فقد ظن عمر أنها تقصده وابتسم ابتسامة الغاضب، وما أقساها من ابتسامة. حازم: يا ستي ألف مبروك. المهم هتتعيني إمتى؟ فاطمه: مش شغلك. وإياك تتصل تاني.
حازم: طيب مش تديني رقم البأف كنت اتصلت قلتله مبروك عليك. هه. طب والله محظوظ وابن محظوظة. دا أنا مش بشبع من صورك لحد دلوقتي. فاطمه بتماسك: اشبع بيها. متفبركة. ووريني هتعمل إيه. حازم: أسلوبك متغير أوي يا أسماء!! فاطمه: اه فعلاً اتغيرت وهتغير أكتر. وابعد عشان مصلحتك. أغلقت فاطمه الخط في وجه حازم، الذي قال محدثاً نفسه: البت دي متغيره كده ليه؟ دول مكانوش تلت شهور سبنا بعض فيهم.
أما عند فاطمه فقد دخلت من شرفة الحجرة تستغفر ربها، ولم تدرك أن عمر قد سمع حديثها مع حازم وظن بها ما ظنه. في الهاتف. سالى: والله هيموت عليها. رايح جاى معاها. ثم استطردت بمكر: ولا حلا شوية وهتقلها يا ماما. ياسمين بغل: على جثتي. عمر بتاعي أنا وبس. سالى بتسلية: بصراحة أنا مش عارفة هو عاجبه فيها إيه؟ ياسمين: أنا هخليه يرجعني بأي طريقة. وفاطمه دي همحيها من قصادي خالص. سالى: أنتم قصادكم قد إيه في الرحلة؟
سالى: لسه احنا في تالت يوم. فاضل لسه ٤ أيام. الرحلة أسبوع. ياسمين: عاوزاكي تجيبي لي تقرير رسمي عنهم. فاهمه. سالى: طبعاً يا مدام ياسمين. أنا تحت أمرك. والله أنا لا بتفسح ولا بهتم بنفسي خالص عشان أجيب لك أخبارهم. ياسمين بضجر: وأنا عند وعدي. لو جبتيلي كل أخبار الرحلة دي ليكي مني تذكرة ٣ أيام للغردقة وهتكفل بكل مصاريفك هناك. سالى بفرحة: ربنا ميحرمني منك أبداً.
كان مقرر للرحلة أسبوعاً كاملاً ومر ثلاثة أيام. فقد كانت مكالمة حازم لفاطمه في اليوم الثالث من الرحلة. ومر اليوم الرابع والخامس وعمر يتلاشى فاطمه تماماً، مما أصابها بالحزن، ولكن لم تبالي ظاهرياً واستمرت في الاستمتاع بالرحلة. في آخر اليوم الخامس فوجئت فاطمه برسالة على هاتفها من عمر مفادها الآتي: هو الراجل اللي عاوز يشوف شعر واحدة محجبة يعمل إيه؟ نظرت فاطمه إلى الرسالة في تعجب، ثم قالت بصوت عالٍ
إلى حد ما: إيه الرسالة الغريبة دي؟ التفتت يارا إليها قائلة: في إيه؟ لم تكن فاطمه تحب أن تخبر يارا برسائل عمر لها، لكنها اضطرت لإخبارها حيث أن يارا سمعت جملتها الاستفهاميه. فاطمه بتنهيدة: إيه. أصل عمر باعت لي رسالة غريبة أوي. يارا: بعتها لك فين إن شاء الله؟ فاطمه بحذر: عالواتس. يارا: وهو أصلاً بيبعت لك ليه؟ إيه هنخيب يا فاطمه!! فاطمه: عندك حق. أنا مش هرد عليه عشان يفهم إني مش عاوزاه يبعت تاني. يارا: وباعت لك إيه بأي؟
فاطمه: كاتب لي هو الراجل لما يحب يشوف شعر واحدة محجبة يعمل إيه؟ يارا وقد أظهرت فرحاً بالرسالة: يا غبية يا بطة. دا عرض جواز. فاطمه: نعم!! اللي هو إزاي؟ يارا: يعني واحدة محجبة مين هيشوفها غير محارمها. ومنهم زوجها طبعاً. وهو مش من محارمك يبقي بيعرض الجواز. فاطمه: لا لا مش حساها كده. معرفش ليه حساها حاجة غريبة ورسالة وراها غرض تاني. يارا: بصي ابعتي له رسالة فيها كلمة واحدة. يتجوزها. فاطمه: لا أنا هتكسف منه.
يارا: يا بنتي هو انتوا هتتكلموا صوت. دي رسالة. اجمدي كده. دا عمر دا أي واحدة تتمناه. نظرت فاطمه في تردد إلى يارا ثم إلى هاتفها، ثم وجدت نفسها تضغط على حروف الكلمة التي أوصتها بها يارا وتبعث بها لعمر. ضغطت فاطمه زر الإرسال، ثم نظرت إلى يارا قائلة: الله يسامحك. هوريه وشي إزاي. هل اختبرت كيد الرجال ومكرهم من قبل؟
كان عمر لا يشبه الكثير من رجال جيله، فهو الهادئ المتزن، وأيضاً هو لا يرضى إلا بعقاب مماثل للفعل. وفي عرف الحسينى الخيانة والغدر عقابهم ليس بالهين. فقد قرر أن يعاقب فاطمه عقاب غير هين، فليس بامرأة مهما بلغت أن تخدع عمر الحسينى، بل سيكون المكر عليها وليس منها. استقبل عمر رسالة فاطمه بهدوء وابتسم ابتسامة الغاضب وهمس محدثاً نفسه: معلش يا فاطمه مكنتش أحب تقعي تحت ضرسى، بس انتي اللي بدأتي. ومظنش هتتحملي.
مر شهر على العودة من الإسكندرية، كان عمر لا يكف عن تلميحه بالإعجاب لفاطمه، وهي تستقبل كل تلميحاته بفرحة منتقصة. في منزل الراوي. كانت تنظر لفاطمه بابتسامة: يا قلبي يا بطة. زفرت فاطمه قائلة: أنا مش عارفة إيه جراله. دا لو حد غبي غباء السنين هيفهم إنه معجب بيا. رايح جاى قصاد أي حد يلمح لي. والنهارده توصل بيه الجرأة إنه يلمح لي في الاجتماع قصاد الكل. أنا حمدت ربنا إن يوسف وعلي كانوا في مأمورية برا الشركة.
يارا: يالهوي دا وقع عالاخر. فاطمه: صدقيني لو قلت لك إني حاسة بحاجة غريبة. حاسة بقلبي مقبوض معرفش ليه. يارا: يا بنتي تفائلي خير مش كده. فاطمه: الله المستعان. في الجامعة تحديداً في كلية الصيدلة، كانت أسماء قد استلمت عملها كمعيدة منذ ما يقرب الأسبوعين، وكانت قد تحدثت مع دكتور آدم، والذي سعد جداً بوجودها معه في نفس مكان العمل نظراً لمشاعره تجاهها. كانت أسماء تقف مع دكتور آدم هي ومجموعة ممن تم تعيينهم.
آدم: يا جماعة المراجع دي مهمة جداً للمذاكرة من ناحية إنكم هتقدروا تثبتوا نفسكم قصاد الطلبة بشرح وافي وكمان هتعرفوا تذاكروا كويس للماستر. تدخلت إحدى المعيدات قائلة: بجد يا دكتور آدم إحنا مش عارفين نشكر حضرتك إزاي. أنت حد ممتاز. آدم وهو يغض بصره: أنتم إخواتي ومفيش بين الإخوات شكر. انفض الجمع. حين استجمع آدم شجاعته ونادى باسم أسماء. آدم: دكتورة أسماء. وقفت أسماء والتفتت إليه في تساؤل: أيوه يا دكتور.
ارتبك آدم لوهلة، فهو لم يسبق له التدخل فيما لا يخصه، ثم قال: كنت حابب أطمن عليكي من آخر موقف كنا فيه مع بعض. نظرت إليه أسماء وهي صامتة، فظن أنها قد نست، فأجابها: موقفك مع حازم. لم تكن أسماء نست بالطبع، ولكنها كانت قد تناست، فقالت له: الحمد لله. موقف وانتهى. آدم بود ظاهر: الحمد لله. صدقيني كده أفضل كتير. حازم مينفعكيش. أنت طاهرة من بيت طاهر. أغلقت أسماء عينيها بقوة وشعرت باختناق، ثم قالت له: الحمد لله.
لاحظ آدم تغير تعابير وجه أسماء، فحدثها بهدوء: أنا آسف لو كنت فكرتك. أسماء: لا أبداً. أنا منستش. جزاك الله خيراً عالسؤال. تركت أسماء آدم بعد استئذانها منه، وما إن ابتعدت حتى قال: اللهم اجعلها من نصيبي يا رب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!