مر شهر آخر، وكما هو عمر، يزداد في تلميحاته وجمله الموحية، فيزداد قلب فاطمة تعلقًا به، وتزداد روحها في ذات الوقت انقباضًا. في شركة الحسيني، كانت فاطمة تقف منتظرة توقيع عمر على بعض الأوراق. وقع عمر الأوراق ثم نظر إلى فاطمة، والتي ارتبكت من نظراته ولم تلحظ النظرة الساخرة في عينيه. عمر: هو انتي بترتبكي ليه كل أما أبصلك؟ سأل عمر سؤاله في بساطة متناهية.
وجدتها فاطمة فرصة سانحة لكي تخبره بضرورة غض البصر، لأنها لاحظت نظراته المطولة لها والتي تسوؤها إلى حد الأرق. فاطمة: بصراحة يعني وبدون زعل، حضرتك المفترض أصلًا متبصش كده. عمر وهو يرفع حاجبيه عاليًا، قام من مجلسه ليدور حول المكتب ووقف خلف فاطمة القابعة في سكون أمام المكتب، ثم اقترب من أذنها قائلاً بهمس: علميني أبصلك إزاي وأنا بتعلم بسرعة الصاروخ، مش هتعبك خاااالص.
كانت لهجة عمر تحمل مزيجًا من العبث والغرور لم تحتمله فاطمة، فابتعدت هاتفه: لو سمحت كده مينفعش. عمر وهو يواصل اقترابه من الجميلة الخائنة بنظرة: إيه بس يا فاطمة أنا عملتلك حاجة. كادت فاطمة تخبره أنها تهلك بقربه، أنها لا تحتاج لأكثر من سماع صوته لتنهار كل حصونها، لكنها صمتت. عمر بمكر: هتنتظري المفاجأة؟ فاطمة باستفهام: مفاجأة؟ عمر: اها. هعلن حاجة مهمة أوي.
ثم اتبع بهمسه ذات مغزى: حاجة خاصة بيا أنا وحد كمان. بس ياااارب ترضى. دق قلب فاطمة، تمنت لو تحملها قدماها لأقرب كرسي فيريحها من عناء الاضطراب. فاطمة: آه طيب خير طبعًا. عمر: بكرة عاوزك تكوني كوين عشان المفاجأة. فاطمة بهمس مضطرب: ليه؟ عمر: انتي بس حضري نفسك وهقولك بعدها. فاطمة وهي تومئ بالموافقة: حاضر. عمر: برافو يا فاطمة. دي أحسن حاجة بتعجبني فيكي. *** في شركة حازم للأدوية،
خالد: وانت مالك تتعين متتعينش. تتجوز متتجوزش. في إيه يا حازم مش كفاية بأي؟ حازم: مش عارف يا خالد بس أول ما قالتلي إنها هتتخطب حسيت إن في حاجة كبيرة هتروح مني. حاجة كبيرة أوي. البت كانت رقيقة كده ومحترمة وأنا اللي لفيت لفة سودة عشان تتهاون كده معايا. خالد: اتقدملها. حازم: هو انت بتطلع مخك من دماغك وبعدين تفكر. بقولك قالتلي هتتخطب.
خالد: والله انت اللي معندكش مخ من الأساس. انت بتقول اهو هتتخطب. ها.. يعني لسه. الحق واتوكل على الله. حازم: عملتلي بلوك عالواتس والفون. خالد: ممم والفيس؟ حازم: مش عارف. استنى كده. قام حازم بفتح هاتفه وبحث عن صفحة أسماء على مواقع التواصل الاجتماعي، فوجدها أيضًا قد وضعته على قائمة الحظر. حازم بحزن: لا شرحه. خالد: خلاص كلمها من رقمك التاني واتقدملها عشان تثبت حسن نيتك.
حازم: قشطة يا خلود. يبقى اديني سكة بأي عشان هكلمها. هي ومبحبش حد يشوفني وأنا بكلم حد من حريمي. خالد بتهكم: حريمك!! ههه. وربنا شكلها هتديك فوق دماغك لما تعرف إن الله حق. حازم وهو يرفع حاجبيه: مين دي يااض؟ انت متعرفش إمكانياتي. دا أنا اللي أشاورلها تيجي تجري. بطلوا حقد بأي. خرج خالد مع دعوة لحازم بالهداية، أما حازم فقام بالاتصال بأسماء من هاتف لا تعلم رقمه.
كانت أسماء في مكتب دكتور آدم يتحدث معها بشأن المراجع التي يجب عليها أن تلتمسها كمصادر لمعلوماتها، عندما رن الهاتف. أسماء: طيب ممكن بس أرد عالـفون. آدم بضحك: لا مش ممكن. أسماء: لا بجد والله. آدم بهدوء وهو يومئ برأسه: متطوليش عشان المحاضرات. أجابته أسماء بإيماءة مماثلة وهي تقوم بفتح الخط لتكون المفاجأة من نصيب آدم عند سماعها تهتف باسم حازم. أسماء وهي تهاتف حازم: أيوه خير.
حازم: أسماء ممكن نتقابل. أنا فعلًا محتاج أتكلم معاكي. أسماء: مفيش كلام، انتهى خلاص. حازم: أسماء أرجوكي أنا فعلًا محتاج أتكلم معاكي. أسماء: وأنا مش محتاجة. حازم: أنا هقابلك وأحذف صورك كلها قصاد عينك من كل الأجهزة اللي معايا. أسماء: والمفروض إني أصدق؟ حازم بمزاح: ورحمة جدتي هعمل كده.
أسماء، مثلها مثل بني جنسها، لم تكن لتضيع هذه الفرصة الزائفة للاطمئنان، رغم أنها في قرارة نفسها تدرك أنه كاذب. صمتت ولم ترد على حديثه، فما كان منها إلا أن أجابته قائلة: تمام هشوف مواعيدي وأرد عليك. حازم: طيب هكلمك تاني. أسماء بهدوء: الله المستعان. ربنا ييسر الأمور. استاء آدم جدًا من تصرف أسماء وأنها لم تنهِ الأمر بشدة مع حازم. آدم: دكتورة ممكن أقولك حاجة؟ أسماء: طبعًا. آدم: اللي انتي بتعمليه غلط.
أسماء بتوتر: بمعنى إيه يا دكتور آدم؟ آدم: بمعنى إنك مينفعش تقابلي حازم. كفاية أوي اللي عمله. بلغ توتر أسماء مداه، فقد اعتقدت أن حازم قد أظهر الصور ونشرها، ولكنها حافظت على ثباتها الظاهري وتساءلت في تغابي: حضرتك تقصد إيه؟ آدم بنفاذ صبر: أقصد إنه كفاية إنه يهينك قصاد الموظفين في الشركة. والله في سماه لو انتي أختي لكنت بهدلتك ومرمطت بكرامته الأرض لأنها مش سايبة. أسماء بحزن: لو كان يوسف أخويا موجود كان بهدله.
لم يشأ آدم أن يذكر لها ما دار بينه وبين حازم من حديث وما قاله حازم من أقاويل حولها، ولكن قرر أن يلمح لها. آدم: المفترض إن المثل بيقول الباب اللي تجيلك منه الريح سده واستريح. أسماء: أكيد بس أنا هشوف هو عاوز إيه. آدم: ميغور باللي يعوزه. نظرت أسماء إليه متعجبة على انفعاله، فما كان منه إلا أن قال: حازم حد مشبوه والكل عارف كده. ليه تشبهي نفسك وتقابليه. صمتت أسماء ولم تبدِ أي رد، فما كان منه إلا أن أنهى الأمر بقوله:
طيب نرجع لموضوعنا الأساسي يا دكتر. *** في منزل الراوي. يارا: يا نهار أسود ومهبب ومطين. أسماء: يوووه يارا بقلك إيه. أسماء عارفة كل حاجة. أنا بقلك دلوقتي عشان تقوليلي أقابله ولا لأ. يارا وكأنها لم تستمع لما قالته أسماء: هانت عليكِ روحك يا أسماء تعملي كده. أسماء: يارا أوعي تقولي ليوسف. يوسف شديد. يارا: الله يكون في عونك يا فاطمة. دي كانت متحملة جبل لوحدها. أسماء: يااااارا يوسف لو عرف هيدبحني. نظرت يارا إليها ثم قالت:
اطمني مش هقوله يا أسماء لأني عارفة رد فعله هيكون إزاي. أسماء: طيب شوري عليا. يارا: لازم تعرفي هو عاوز إيه. أسماء: يعني أروح؟ يارا: هتروحي بس مش لوحدك. أنا هاجي معاكي. أسماء: أهم حاجة محدش يعرف. *** في حجرتها تجلس صامتة تمامًا تتصفح إحدى مواقع التجميل في الشبكة العنكبوتية، عندما دخلت يارا إليها. حاولت يارا ودخلت إليها تستدعي مرحًا زائفًا. يارا: بتعملي إيه؟ ها؟ اعترفي. فاطمة: الموقع دا حلو أوي بيعلم الميكياج كويس.
يارا: والله ما بالميكياج. فاطمة بانكسار: عندك حق. ثم تابعت بسخرية مريرة قائلة: الشكل عمره ما بيتغير. يارا وقد أشْفقت لحالها: فاطمة والله ما بالشكل. فاطمة بيأس: دا كلام الإنشاء. لكن وقت الجد مغيش اللام دا. يارا وقد أرادت تغيير الموضوع: أخبار عمر إيه؟ فاطمة وقد ابتسمت: كل خير. تفتكري بيحبني؟ يارا: طبعًااا. كل أفعاله في إسكندرية تدل على كده. دا غير اللي انتي بتحكيه كمان في الشركة. فاطمة: ربنا يستر من بكرة.
نظرت يارا إليها مستفهمة، فقصت عليها فاطمة ما كان بينها وبين عمر اليوم، وأيضًا بخبرتها بأمر المفاجأة التي ينتويها. قفزت يارا من الفرح قائلة: بجد بجد يا فاطمة. انتي لازم تكوني كوين بجد. فاطمة: أنا مش هحط ميكياج بره. مهو متهبلتش للدرجة اللي تخليني أكون لابسة خمار وأحط ميكياج. يارا: يا بنتي حد جاب سيرة الميكياج دلوقتي. بصي هجبلك عباية من بتوعي الجداد تلبسيها بكرة وهجبلك الخمار بتاعها. فاطمة وقد
ترددت بين الرفض والموافقة: لا يا يارا ملوش لزوم. هروح بحاجة من بتوعي. يارا: لا لا لا. حاجاتك قديمة معظمها. لازم تروحي كده حاجة آخر شياكة. فاطمة: هتكسف. يارا: ليه بأي؟؟ فاطمة: كده هيفهم إني فاهمه. هتكسف والله. يارا: بقولك إيه اسمعي كلامي وإنتي تكسبى. فاطمة بامتنان: جزاك الله خيرًا يا يارا. ربنا ميحرمني منك أبدًا. ***
في اليوم التالي كانت فاطمة تبدو في أبهى حالاتها بعدما استعارت من يارا عباءة ترتديها. كانت تبدو جميلة ورقيقة، فما خرجت من باب الحجرة إلا وقابلها أخوها بصفير قائلاً: إيه الرقة دي يا بطة. فاطمة بخجل: تسلملي يا جو. يوسف: لا بجد العباية هتاكلِك أكل. منتهى الرقة والشياكة. فاطمة: البركة في يارا. جاءت يارا من المطبخ أثر سماع اسمها تحمل أطباق الإفطار قائلة: بتجيبوا سيرتي ليه؟ ثم صمتت عندما شاهدت
فاطمة واقتربت منها قائلة: بسم الله ما شاء الله. سكر يا فاطمة. خجلت فاطمة من كلام يارا فردت قائلة: إن شاء الله أول ما هاجي هغسلها هي والخمار وأنشرهم وأكويهم وأرجعهم لك. يارا: والله ما هاخدهم. فاطمة: لا يا يارا مش هينفع. يارا وقد أكملت دون ملاحظة نظرة يوسف الفخورة بها: بقولك إيه والله ما هايرجعوا. هو انتي مش أختي. دا انتِ ادتيني حاجات أما جيت أتجوز من جهازك اللي انتي شايلاله كتير جدًا. يبقى تاخديها وإنتي ساكتة.
فاطمة وهي تنظر ليوسف نظرة مستفهمة فأشار لها بالموافقة. يارا بغيظ: هو انت محتاجة الإذن من أخوكي يعني عشان تاخديها. ضحكت فاطمة بفرح ثم دخلت لحجرتها كي تحضر حقيبة يدها. أما يارا فقد نظرت إلى يوسف الذي ينظر لها بإعجاب قائلة بمزاح: إيه بأي؟ قام يوسف واقترب منها مقبلاً جبينها ثم قال: بحبك. *** في شركة الحسيني.
دخل عمر إلى الشركة كالعادة في قمة تألقه ثم اتجه إلى مكتبه وبالضرورة سيرى كلا من فاطمة وسالي كسكرتيرات لمكتبه. كانت فاطمة في قمة توترها كمن يذاكر لامتحانات سيؤديها، حتى إن سالي لاحظت. سالي: في حاجة يا فاطمة؟ شكلك مش على بعضك. فاطمة: لا مفيش. سالي: انتي واثقة؟ فاطمة: آه الحمد لله. جزاك الله خيرًا عالسؤال. لم تكد فاطمة تنهي جملتها حتى دخل عمر إلى المكتب فاخفضت رأسها في خجل. عمر: سلام عليكم.
فاطمة وسالي في وقت واحد: عليكم السلام. نظر عمر إلى فاطمة قائلاً: البريد يا فاطمة. ثم دخل مكتبه. أما فاطمة فقامت بتجميع كل الأوراق التي طلبها ثم دخلت إليه. في حين همست سالي: شكل في حاجة هتحصل. دخلت فاطمة إلى المكتب فوجدت عمر يتفحصها من أسفل لأعلى. عمر بهدوء: لبس جميل. فاطمة بخجل: جزاك الله خيرًا. كان عمر ينظر لها نظرة غريبة تحير من يراه، وكان ذلك يقلق فاطمة. عمر: الساعة ١٢ تجمعى السكرتارية هقول خبر يفرح الكل.
ارتبكت فاطمة ثم ردت: حاضر. اجتمع عمر بطاقم السكرتارية الخاص به وكانت فاطمة بالطبع ضمنهم، وفي النهاية فوجئت فاطمة به يقول: طيب يا جماعة في عندي خبر حلو. بما إنكم دايمًا أقرب ناس ليا في الشركة. دق قلب فاطمة بعنف، وكان عمر ينظر إليها وهو يتحدث. عمر: أنا قررت. أرجع تاني لطائفة المتجوزين. هتف الحضور في سعادة، أما فاطمة فقد تجسدت السعادة في ملامحها ونظرت إليه في بهجة. أما هو فكانت ملامحه جامدة لا تعبر عن أي فرح، وأكمل:
والعروسة كلكم عارفينها؟ إلى هذا الحد كانت فاطمة تود الهرب، فقد نظر البعض إليها نتيجة أفعال عمر معها طيلة الفترة الماضية. أما هي فكانت في أوج سعادتها. أحد الحضور هتف بعمر: مين يا بشمهندس المحظوظة؟ عمر وهو ينظر لفاطمة: هه المحظوظة يا جماعة هي ياسمين طليقتي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!