كنت أسير بين الموظفين بفخر ونفسي أصرخ: لقد تخلصت من الميثاق! القانون اللي سانتا اخترعاه عشان تدوسوا على رقبتكم، وخدني الغرور ومشيت وسطهم مزهو وأنا بدخن سيجارة. ونسيت إني كنت واحد منهم من مدة بسيطة، وكنت برتعش لما أشوف سانتا، وأحط إيدي على قلبي لحسن تكلمني. مقدرش أتهم شخص منهم بالجبن، الأوضاع اللي بتمر بيها البلد خلت كل الناس البسيطة بتجري ورا أرزاقها وبتتحمل إهانات كتير عشان لقمة العيش.
قعدت أشرب فنجان قهوة وتخيلت نفسي روبن هود، وإني ببعض الإصرار والمثابرة يمكنني أغير ميثاق الفيلا. وضربت كف على كف. الدنيا دي غريبة، كل ما تمسك فيها تتخلى عنك، ولما تديها ضهرك تحترمك. ليس تماماً، لكن نوع ما بالتأكيد. سانتا بتكرهني، وسيليا أكتر. أنا متلهف أعرف هيعملوا فيا إيه ومعاملتهم هتكون شكلها إيه؟ أنا مش مضطر أتحمل كتير. اللي في دماغي نفذته، ولما أشعر بضغط، هستقيل ومش هرجع هنا تاني.
وأنا خارج من صالة الأكل ناحية غرفتي، كان باب المكتبة مفتوح ولمحت سيليا بتبص عليّ، لكنها مكنتش غضبانه أو منزعجة. شاورتلي بإيدها ونزلت المكتبة. غيرت طريقي ناحية المكتبة. نزلت درج السلم. سيليا كانت قاعدة بتبص عليّ. قالت: تعالي، اقعد. مرت بي لحظة شك قبل ما أقعد، وتوقعت إنها هتوبخني أو تعاقبني، وإن انتقامها بدأ. ابتسمت سيليا، ابتسامة مخضرة جميلة، وكأن الصبح شقشق والعصافير غردت وخرير نبع ماء قريب حظي أذني.
"إنت عرفت إزاي إن الشاب في النادي هيعمل كده؟ حطيت كفة إيدي على ركبتي. "كان واضح يا هانم، حركاته كانت متوقعة. أنا شاب زيه، ولو في نفس إمكانياته وموقفه، مش ممكن أشوف قمر زيك وما أحاولش أقرب منه. صراحة يا هانم، أنا كنت بتوقع نفسي وإيه اللي كنت ممكن أعمله لو كنت مكانه، كنت بقرا نفسي."
استمرت ابتسامة سيليا الرقيقة. ولأنكم معايا من أول القصة لازم تعرفوا إن ابتسامة سيليا غير عادية، وإنها تشبه تفجر سلة زهور في وجهك ساعة صبحية باردة والندى يقطر من العشب. وسمحت لنفسي إني أتأمل عينيها ووجهها كأني أهم برسمها. واختفت ضجة المطعم والأوباش والكهرباء والعالم من حولي، وتحولت كل كتب المكتبة لحراس يحملون شعلات مضيئة يحيطون بي أنا وسيليا ونحن جالسون في حديقة مفتوحة تطل على نهر.
وعدت لوجه سيليا بقسماته الدقيقة مرة أخرى. "أنا آسف إني صفعتك يا سيليا هانم. أنا عايز حضرتك تعرفي إن الضرب مش من طبعي وأني بلجأ ليه في حالات نادرة لما ملاقيش كلمة تقدر تعبر عن إهانة تعرضت ليها." مررت سيليا يدها على خدها المصفوع، وتألمت أنا!! تألمت لأني قمت بضربها. تألمت لأني ضربت هذا الوجه الجميل الذي يشع ضياء. تألمت لأنني لست كفؤ لها. تألمت لأنني لا أستطيع أن أحادثها إنسان لإنسان، ند لند بما يطوف بداخلي.
قلت: "أنا لازم أستأذن بعد إذنك يا سيليا هانم." "خليكي، استني شوية. إنت دايمًا عصبي كده؟ يا أخي اللي يشوفك في النادي والعربية يقول إنك اشتريتني. أنا كنت مصدومة جدًا وأنا بسمع أوامرك ونبرتك السلطوية القوية، بتعمل كده دايمًا؟ قلت: "لو شخص مهم ليا أعمل كده وأكتر. أقولك سر يا هانم؟ "قول يا سيدي قول! وشعرت بحلاوة الحكي، وذابت كل الفوارق بيننا. في علاقاتي لا أقبل إلا أن أكون مسيطر. "تصعبت سيليا: كل الرجالة كده، إيه الغريب؟
ولعت سيجارة ضاربًا بكل المحاذير عرض الحائط. "أنا مختلف يا هانم عن غيري." "مختلف؟ كيف مختلف؟ "أنا يا هانم بلا فخر أنزع أحقيتي بالسيطرة ولا أفرضها. لازم أخلي الشخص اللي معايا يسلم بقيادتي وسيادتي ويقتنع بيها ويشعر أنني أستحقها، بل ويطلبها مني." "إنت مغرور جدًا." "مش غرور، أنا قلتلك سر مش أكتر." "سيليا هانم؟ "نعم يا إسماعيل! "ما أنتم بتتكلموا زينا أهو وبتعرفوا تتحاوروا، لازمتها إيه تذلوا اللي خلفونا بالأوامر والمواثيق؟
" وغيرت نبرتي لنبرة مضحكة وأنا بسخر وبقلد عبد المعين. "لو الهانم صبحت عليك لازم ترد، لو مردتش هتترفد. لو رديت هتترفد. مفيش موظف هنا كمل ٦ شهور أبدًا." "الصراحة قوانينكم مجحفة يا هانم وظالمة." قالت سيليا: "لكن إنت كملت ٩ شهور أهو ومحدش رفدك. وكمان محدش تلككلك ولا حاجة."
"كنت محظوظ يا هانم. هقولك سر تاني، أنا كنت بهرب من أختك المتسلطة سانتا. كنت برتب وردياتي بعيد عن وشها. ياهانم، أنا حفرت نفق عشان أدفن نفسي فيه، ودا اللي خلاني أكمل المدة دي." ولاحظت إن عينيها برقت عندما سمعت كلمة نفق، وظنت إني شخص مجنون يخترع أي هراء ليجذبها. همست: "ياه، أنا اتكلمت كتير يا سيليا هانم ولازم أنام وأحضر نفسي لتلكيكات وعصبية سانتا هانم بكره."
ومشيت وأنا مانع نفسي أتلف وأبص عليها. بيقولوا إن اللي يتلف ويبص على بنت أكتر من سبع مرات بتكون من نصيبه، وأنا عارف نصيبي. لكن أنا بصيت ألف مرة في خيالي لحد ما رقبتي وجعتني وقبضت على ملامح سيليا عشان تنام الليلة بين عيوني. ***
بعد ما الحارس مشى، سانتا مقدرتش تقعد في المكتبة، لم تطيق البقاء ولا لحظة. تمنت إنها هي اللي كانت في النادي مش أختها سيليا، وتألمت إن الحارس كان بيناديها باسم سيليا. وتوجعت أكتر لأن كل الموظفين بيكرهوا سانتا. في الماضي دا مكنش مسبب ليها أي قلق إن حد يكرهها، لكن اللحظات اللي فاتت شعرت بضيق.
كان نفسها ينطق اسمها بطريقته المضحكة. وقعدت تفكر هي سيليا أختها ليه كذبت عليه وقالت على لسانها هي، سانتا، إن سيليا هتخرج في نزهة وخلي بالك منها؟ في طريقها لغرفتها شعرت بحلاوة في بلعومها وكأن كل الكلمات اللي سمعتها وقالتها كانت بطعم الكرز. وتذكرت إنها من زمن طويل جدًا لم تخوض حديث شيق لتلك الدرجة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!