كان لازم أحضر الاجتماع ولقيت نفسي في ورطة، أنا كنت وصلت لمرحلة إن أي حاجة بتعملها سانتا هانم بتكون قصداني بيها. راح الموظفين يجتمعون داخل حديقة القصر، وجوه مصفرة تفوح منها رائحة الخوف والترقب. كنت أول شخص وصلت أرض الاجتماع، قعدت مع عمي سعيد البستاني ناخد وندي في أي كلام فارغ لأن علاقتي بيه مكنتش قوية، لكن الراجل استلطفني وقعد يحكي لي عن ذكرياته في القصر أيام زمان وحسسني إنه كان عايش من أيام الملك فاروق.
الصراحة مكنتش على بعضي ومش مركز مع عمي سعيد، لكن في لحظات شعرت إن عم سعيد فاقد الذاكرة أو عنده زهايمر لأنه كان بيغلط في اسم سانتا وهو بيحكي عن بعض المواقف ويقول "بيري" أو "سيليا". ورغم إن كلهم بالنسبة لي فتيات قصيرات متغطرسات حقيرات ولعينات، إلى إني عديت كل الهزي ده ولم أقاطع كلامه، فقد كان في نبرة عمي سعيد سجى يذكرني بجدّي المرحوم أحمد الذي كان يتوقع لي مستقبل باهر ولا أعرف من أين أتت تلك الفكرة الحمقاء.
تجمعت الناس كلها واضطريت أستأذن من عم سعيد عشان أقف في انتظار الهانم اللي كانت متعودة تتأخر عشر دقايق أو ربع ساعة على بال ما الموظفين الجداد يستووا على نار هادية. اخترت أقف جنب عم سعيد في آخر صف. الراجل سنه كبير وكان محتاج حد يستند عليه أحيانًا.
وصلت سانتا هانم في كامل أناقتها وبهائها، ولاحظت إنها غيرت قصة شعرها، واعتمدت قصة شعر "بيكي" القصيرة المتمردة التي تعطي الإناث شعور بالقوة والتحرر. وحذاء ماركة شانيل لونه لبني. أعجبني. وساعة سواتش سوداء سويسرية الصنع، وسوار رفيع عليه نقش ورد في ساعدها الأيمن. وبالطبع لم تتخلى عن نظارتها اللي بتخفي بيها عيونها واللي أعتقد إنها عسلية. يفوح منها عطر "سكاندل جولد".
وقفت سانتا هانم مستندة على ساق مع ارتعاشة طفيفة في كتفها الأيسر. وقفت الهانم ذهاء دقيقة تنظر على الموظفين بشموخ ملكة نحل اعتادت أن تقتل ذكور الخلية. رحبت بالموظفين الجدد، وهنأت الموظفين القدامى، الملتزمين بالتعليمات لحد الآن! وقالت: "إن كل موظف مجتهد أكيد هياخد حقه وسيحظى بدعمها المطلق حتى النهاية. وإنها تتمنى من كل قلبها بصدق التوفيق لكل الموظفين وأن عمرها ما تمنت إنها تقطع عيش حد، لكن القواعد هي اللي بتفرض نفسها."
كنت مركز في كل كلمة بتقولها سانتا، وكانت العيون كلها مصوبة ناحيتي زي ما يكونوا منتظرين حدث هام. أو بالأحرى مصيبة هتحصل. وركزت في معالم وش سانتا، وفي لحظات قدرت أحدد نواياها من حركات جسمها. سانتا ناوية تطردني قدام كل الموظفين عشان كده مكنتش بتبص ناحيتي. ولا مرة بصت ناحيتي. تراجعت خطوتين لورا، تلاتة، بقيت آخر شخص في الاجتماع. وقبل ما سانتا هانم تخلص كلامها، تسللت ومشيت.
لاحظ عم سعيد رحيلي ورمقني بنظرة مطولة قبل أن يبتسم. بصت سانتا لمكاني، أنا اختفيت من غير ما تلاحظ، مجرد لحظات كنت بعيد عن نظرها. سانتا مقدرتش تمسك نفسها، أنهت الاجتماع بعصبية وطلبت دفتر حضور الاجتماع ومغادرته. كل الناس كانت ماضية حضور وانصراف ما عدا أنا، حضور فقط. طلبت سانتا هانم من عبد المعين وهي بتصرخ إنه يجبني على مكتبها من تحت الأرض. اتصل بيا عبد المعين وهو بينهت: "انت فين يا أستاذ؟ قلت له: "في غرفتي."
قال: "تعالى بسرعة الهانم عايزاك." غيرت هدومي وطلعت على مكتب سانتا هانم، قابلني الأستاذ عبد المعين على السلم وعلى وشه ابتسامة سمجة بتقول: "أخيراً هخلص منك." وخدني ودخلنا غرفة المكتب في الطابق التاني، وكانت أول مرة أشوف فيها عيون سانتا هانم. عيون عسلية واسعة نقية كما توقعت بعد ما تخلت عن نظارتها الشمسية. حاولت تكون هادية لأنها مش مضطرة تتعصب أصلاً، كلمة واحدة منها تنهي كل حاجة. فتحت الدفتر قدامها
من غير ما تبص ناحيتي: "انت حضرت الاجتماع ومشيت قبل ما أنهي كلمتي، توقيع الانصراف مش موجود." رفعت سانتا هانم وشها اللي بيضحك وهي مبتسمة وقالت: "انت مرفود، قذفت الكلمة من بين شفتيها كأنها ترمي حجر على سطح بحيرة ساكنة. عبد المعين أديه حسابه من فضلك وخليه يمشي." رفعت يدي كعادتي عندما أكون متوتر: "ممكن أعرف حضرتك رفدتينى ليه؟ بصت سانتا في وشي بتركيز: "هو أنا بتكلم أجنبي؟ انت موقعتش انصراف!
قلت: "يا هانم أنا فعلاً موقعتش انصراف، لكن ميثاق العمل اللي حضرتك كتبتيته بنفسك بيقول إن الموظف اللي مر على شغله شهر وأربع أيام من حقه ينصرف من غير توقيع إذا كان اجتماع دوري غير خاص بالعمل. وبما إن حضرتك لم تحددي في عريضة الاجتماع إن كان خاص بالعمل أم مجرد اجتماع دوري للتعارف من موظفي القصر، فمن حقي إن أترك الاجتماع دون طلب إذن." سانتا ارتبكت. هي فعلاً كتبت كده لأنها مكنتش متوقعة إن فيه موظف ممكن يستمر شهر في القصر.
وشها احمر وبصت على عبد المعين اللي كان بيفرك في إيديه مش عارف يعمل إيه. ضيقت سانتا عينيها، وقتلت ابتسامة رأيت ولادتها على شفتيها اللذيذة: "الميثاق بيقول كده فعلاً، شكلك مذاكر كويس؟ وبصت ناحيتي تنتظر ردي، ولما منطقتش قالت: "لكن الميثاق نفسه بيقول إن من حقي إني أنقلك لأي وظيفة أختارها في القصر؟ بيقول كمان إنك مضطر تقبل خدمتي في أي شغل أختاره ليك؟
قلت: "وأنا معنديش أي اعتراض يا فندم، أنا طوع إيدك، أنا موظف عندك وبكن لك كل احترام. لكن... حضرتك بتعاقبني على التزامي الصارم بالتعليمات اللي حضرتك كتبتيها بيدك المباركة؟ نهضت سانتا وحطت إيديها على وسطها وهزت دماغها: "أنت بقى هتبقى خادمي الشخصي، ملتصق بيا زي ضلي، ومش من حقك تعترض على أي أمر آمرك بيها. أي أمر فاهم؟ قلت: "فاهم يا فندم، إحنا كلنا خدامين سيادتك." همست سانتا: "ودلوقتي اتفضل، انصراف لحد ما أطلبك."
طلعت من عندها وأنا بتنفس بصعوبة وسمعت زعيقها وصراخها في عبد المعين. وقلت: "ده هيكون وضعي من دلوقتي ورايح. أسمع صراخ وتهزيق وعصبية ويمكن حاجات تانية."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!