الفصل 2 | من 24 فصل

رواية بوديجارد الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
25
كلمة
1,419
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

كانت سانتا هانم في غرفتها تفكر، الحارس هذا كيف يقدر يتحاشى لقائها؟ سانتا الأمر شغلني جداً لحد ما شكيت إن سكرتيري عبد المعين له يد في الموضوع ده، لكن عبد المعين أقسم لي إنه ما يعرفش حاجة، وإنه ما شافش وش الحارس ده من يوم ما اداله المكافأة. ما كانش ممكن أطرده من غير سبب، دي مش طبيعتي ولا ده اللي أنا عايزاه، لكن ابتعاده عن طريقي بالشكل ده ما كانش طبيعي. شهر كامل ما لمحتش وشه؟

ما فيش أي شخص في العالم ممكن يلوي دراعي. أنا دايماً اللي بختار وبقرر، أنا اللي بحدد مين يقعد ومين يمشي، لكن أنا مضطرة أمشي على القواعد اللي أنا وضعتها بنفسي، واللي للأسف كل ما الحارس ده هيستمر أكتر في الشغل امتيازاته هتكبر لحد ما نوصل. وشعرت بالغضب. لا، مش ممكن ده يحصل، ولا اسمح له يوصل للمرحلة دي. إن شخص تافه زيه مقدرش أرفده. القواعد؟

واللي الحارس بيستخدمها بذكاء باهر. مش ممكن أرفده تعسفي، مش هحترم نفسي. لقيت فجأة شعور جوايا بينادي باللحظة اللي أقل له فيها: "انت مطرود بره لأنك كسرت القواعد". لكن الحارس كأنه فص ملح وداب. موجود ومش موجود. أنا اتأكدت من دفتر الحضور والانصراف بنفسي، والموضوع بقى بايخ أوي، إني أحط نفسي في عناد مع شخص شغال عندي، مجرد حارس؟! والخدم بدأوا ياخدوا بالهم.

الخدم اللي أنا بغيرهم زي شرابات قدامي. وفكرت إني آمر عبد المعين إنه يدي الحارس ورديات حراسة معينة بأمر مني، لكنها كانت فكرة خسيسة وكسر للقواعد، ودا مش ممكن يحصل. ياه يا سانتا، هي وصلت للدرجة دي؟ انتي بتفكري في حتتة حارس؟ دا لسه في المنطقة الصفراء، فيه أخضر وأحمر وانتي حيلك مش بتخلص. كنت مبسوط جداً، خطتي ماشية بنجاح كبير. شهر كامل ما شفتش وشها.

شهر كامل ما شعرتش بالتعاسة أو الخوف منها. القلق اللي كان راكبني راح بعيد عني، وبقيت سعيد وفرحان وواخد حذري كويس. وتمنيت إن الهانم تكبر دماغها وتسيبني آكل عيش، لكن كان واضح إنه حلم مستحيل. هذه القصيرة الماكرة دماغها صغيرة جداً لدرجة مروعة، إنها تعمل عقلها بعقل موظف بسيط؟

وبدأت أقنع نفسي إني مكبر الموضوع وإن سانتا هانم خلاص نسيتني، لكن عبد المعين في لقاء عابر بيني وبينه كان ممتعض جداً، كأنه مضايق إني لسه ما اتطردتش لحد دلوقتي. حسيت بكده من كلامه، وإن ده مسبب له مشاكل كمان، لكن إيده مقيدة، ما يقدرش يعمل لي أي حاجة. كلام عبد المعين خلاني أعيد تفكيري. لازم أجهز نفسي للقادم، أصله مش معقول هفضل عمري كله شغال في القصر من غير ما الهانم ما تشوفني.

كان عندي أكتر من فكرة. إني أستغل وقتي في تطوير ذاتي لحد ما أبقى صالح لسوق العمل بره في حال طردتني الهانم. لازم أتعلم لغة، اتنين، تلاتة. وخدتني الأحلام لبعيد لحد إني اشتريت كتب تنمية بشرية وروايات تطوير الذات، وأخضعت نفسي لسيستم قاسي جداً من الدراسة العميقة في الفلسفة والمنطق والعلوم والتاريخ والأدب بشتى أنواعه. وكان كل يوم بيعدي وأنا شغال في القصر من غير ما أطرد، جائزة ليا. وقت إضافي.

وبدأت أدرس علم النفس عشان أعرف أتعامل مع شخصية مبهمة زي شخصية الهانم. وقبل ما تسألني أو تسأل نفسك، يعني أنا شغال في الجنة، إيه المشكلة إني أترفد أو أطرد؟ أكيد هلاقي شغل تاني. عايز أقولك سر، سر واحد صغير. كل شهر بقضيه في القصر، مرتبى بيزيد بصورة تضاعفية رهيبة. تصور من خمسة آلاف جنيه أنا داخل على 18 ألف جنيه، غير الحوافز الإضافية والمكافآت اللي بتزيد كل يوم تقريباً. والله كل ما أروح أقبض المرتب ألاقي عليه زيادة.

وبعد ما أخضعت الموضوع للدراسة وقسمت المرتب على 30 يوم، لقيت زيادة مغرية مهولة. أنا متأكد إن الموضوع بقى بالنسبة ليك ممل وإن قصتي ما فيهاش جديد. عندك حق، لكن انت مضطر تمشي معايا ببطء السلحفاة. بص يا سيدي، أنا بقالي منيو طعام خاص بيا، ما كنتش باكل من النوعية اللي بياكلها باقي الحراس أو الخدم.

وأصبح لي طاولة خاصة بيا، وغرفة عايش فيها بمفردي. عدد ساعات شغلي تقلصت لحد ما وصلت 8 ساعات، وسمح لي بأيام ما أخد عطلة مدفوعة الأجر. وتركت لحيتي بعد ما زهقت من الحلاقة كل يوم، وبدأ حديث يدور بين الموظفين لما يشوفوني. كانوا يبصوا لي بفخر. دا الحارس اللي قدر يقف في وش الهانم وصمد لحد دلوقتي من غير ما يطرد.

الموظفين اللي كانوا حانقين على سانتا وقوانينها المجحفة لقوا فيه أيقونة وأمل، وبقيت مثل أعلى ليهم. من غير ما أشعر تحولت لفارس، أمل ماشي على الأقدام داخل ربوع القصر. الموظف اللي كان عارف إنه هيترفد بعد أسبوع شاف بعينه إن ما فيش مستحيل، وإن فيه شخص لسه باقي من أكتر من شهر. سمح لي بدخول مكتبة سانتا الخاصة يوم في الشهر، والتسكع في الحديقة براحتي.

لكن أنا ما كنتش بستمتع بالامتيازات دي، أنا كل اللي كان مهم بالنسبة لي مشوفش وش سانتا نهائياً أبداً. عدى نص شهر كمان، وكان لازم أختلق حركة تشعر سانتا إني مش حويط، وإن كل حاجة ماشية معايا بالصدفة. كان لازم أبعد عن عقلها إن ليه جواسيس داخل الفيلا. من أجل ذلك، في يوم جمعة، وده كان يوم الإجازة بتاعتي، طلعت من مخبئي، جحري، وظهرت للعلن، وسمحت لسانتا إنها تشوفني أكتر من مرة.

وقربت منها جداً، ما كانش بيفصلني عنها سوى متر واحد. كنت مذاكر الميثاق كويس جداً وعارف إنها ما تقدرش تتعرض لي أو تطردني يوم إجازتي. ولو اتكلمت معايا هتكلم معاها عادي، ما فيش أدنى مشكلة. لكن سانتا ما عبرتنيش، مع إني خدت بالي من نظرة رميتها بها من طرف عينها، نظرة كلها حقد وغل وغيظ. وكانت كل ما تلف وشها تلاقيني واقف قريب منها، بضحك، شارد. بسماجة وتقال. دمّي لو كان شخص غبي هيفهم إني كنت بظهر نفسي إني كنت موجود.

وأول ما ساعات عملي بدأت، اختفيت زي فار المجاري. وبدأت أحب اللعبة. طبعاً عندك فضول تعرف مرتب كام اللي يستدعي مني أعمل كل ده وأتحمل الغم ده كله. لازم أقولك إن الميثاق العاشر يمنع منع بات إني أذكر مرتب لو المح به، وإني أي ذكر لقيمة المرتب معناه إني طردت نفسي من القصر. وأنا عارف إنكم متتصبوش في بقكم فولة، عشان كده يكفي إنك تعرف إن مرتبى كان مجزي جداً جداً كأني شغال في الخارج.

وفي اليوم اللي تميت فيه شهرين عمل، سانتا هانم أعلنت عن اجتماع لكل الموظفين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...