ركض "نصار" و"راشد" خلفه لمحاولة إنقاذه، لكنهما تسمرا حين وجه فوهة سلاح ناري وقال بوعيد: –محدش يقرب لها عشان محدش يزعل على عمره. حاول "نصار" تهدئته، ومن الجهة الأخرى كان "راشد" يحاول التسلسل ليقبض على السلاح الناري. وبين هذا وذاك، استطاعت الفرار من بين يده، وقبل أن تصل لبر الأمان أطلق رصاصة توسطت كتفها الأيسر من الخلف. فسقطت بين يدي "نصار". كانت عيناه تكاد تخرجان من مكانهما وهو يراها غارقة في دمائها. ابتسمت
له قبل أن تغلق عيناها: –هتفتح لي التربة يا نصـ.. هزها بعنف وهو يقول بصدمة: –فتحي عينك، وصال فتحي عينك. جحظت أعين "حسين" وهو يراها غارقة في دمائها. كاد أن يهرب لكن قبض عليه "راشد" ودفعه لإحدى الغرف. أما "نصار" فحملها بين ذراعيه متجهًا حيث المركز الطبي القريب من منزله ليخرج تلك الرصاصة من جسدها. لحق به والده وجده. تسألوا بلهفة: –خير يا ولدي؟ عاملة إيه دلوقتي؟ هز "نصار" رأسه علامة النفي ثم قال:
–لسه محدش رد عليّ يا جدي، بيحاولوا يخرجوا الرصاصة. –ربنا يجدم الخير يا ولدي إن شاء الله. بعد مرور ساعة تقريبًا، خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو ينزع الكمامة عن وجهه وقال بجدية وعملية: –الحمد لله خرجنا الرصاصة. تنفس الجميع الصعداء حمدًا لله. ثم سأل الجد بهدوء: –وهي عاملة إيه دلوقتي؟ –احمدوا ربنا إنكتب لها عمر جديد، يومين وتبقى زينة إن شاء الله. بس فيه حاجة كنت عايز أعرفها لكم. سأل والد نصار قائلًا: –خير يا دكتور؟
–خير إن شاء الله. دي جريمة شروع في قتل ولازم الحكومة تاخد خبر. دي القوانين و.. قاطعه "نصار" وقال بهدوء: –ولا جريمة ولا حاجة يا دكتور، دي كانت فرح عندنا والرصاصة صابتها بالغلط يعني. رد الجد مؤكدًا حديث حفيده: –كيف ما قال نصار كده يا دكتور، رصاصة بالغلط. في المساء، كانت "وداد" جالسة داخل غرفة "وصال" بالمشفى. تنظر لها وهي في سبات عميق في عالم آخر. لا تدري بمن يراقبها. عادت ببصرها لزوجها وقالت بخفوت:
–هما فين أهلها وإزاي سايبينها كده؟ وإيه اللي خلى مرت عمك تيجي تقول لك تاخدهم وياك يوم الجنازة؟ رد "نصار" بنبرة حائرة: –مخابرش صدقيني مخابرش. كل اللي قالته جت إنه اتجوز غصب عن أبوه الله يرحمه ورجع من تاني لشرب المخدرات من تاني. وبعدها انشغلت في شغل المزرعة وطلبات غيث اللي مبتخلصش. تابع بخفوت قائلًا: –أنا هسيبك دلوقتي وأبقى أتابعك بالتليفون. وإن احتاجتي أي حاجة هاجيكي طوالي. –روح متحملش همي وكـ.. –عطـ.. شـ.. انة عطـ..
قالتها "وصال" وهي مازالت مغمضة العينين. انتبهت زوجة نصار لها. ابتسمت وقالت بسعادة: –الحمد لله أهي فاجت أهي. أما أروح أنادي على الممرضة. رد "نصار" وقال بهدوء: –لا خليكي أنتِ وأنا هروح. –لا عيب تلاقيهم نايمين. خليك أنت وأنا هرجع طوالي. ما إن خرجت زوجته، نظر لها وقال بخفوت: –فين أهلك؟ وإيه حكايتك وياهاد عمي؟ وصلت تساؤلاته لمسامعها. حدثته بنبرة منهكة قائلة: –أنا السبب أنا السبـ.. سألها "نصار" قائلًا: –كيف يعني؟
–اتهمته اتهـ… تردد بخفوت قائلًا: –اتهمتي كيف يعني؟ ظلت تردد عبارتها وتحمل نفسها ذنبًا لا يعرفه. ويود أن يعرف في أقرب فرصة. ولجت الممرضة وبدأت تتفقدها. ثم طلبت منه أن يغادر لتغير لها على جرحها. نفذ طلبها وغادر من الغرفة والمركز بأكمله. عاد لابن عمه الذي فقد السيطرة تمامًا بعد ما حدث. وقعت زوجته. أمر رجاله بتقييده وترحيله لإحدى المصحات النفسية والمعالجة للإدمان. ليأخذ أولى خطواته في طريقه الجديد. بعد مرور ثلاثة أيام.
–اسكت يا غيث. والله أنا بتلتي جاية مجعدتش. والدنيا فوق دماغ أخوك لما خلاص يا حبيبي، قال يا بوووي. أردفت "وداد" عبارتها وهي تجوب الشرفة ذهابًا وإيابًا. بينما كانت "وصال" تتناول وجبتها بنفور إثر المضادات الحيوية ومفعولها. خرجت من الشرفة وقالت بتحذير: –كُلي وكلك كله. خلي جرحك يطيب بجى ونخرجه من اهنه.
عادت للشرفة لتتابع حديثها من شقيق زوجها. سردت لها يوم الحادث وما بعده. هي على تواصل دائم معه. تعتبره أخًا لها وهو كذلك. أنهت المكالمة سريعة من وجهة نظرها. وولجت لتلك العنيدة لتتشاجر معها كالعادة. جلست على حافة الفراش وقالت: –نصار كلمني وقال إن حسين بيتعالج. سألتها بفرحة: –بجد؟ والله؟ –أيوه والله. رفعت "وصال" للسماء وقالت بسعادة: –ربنا يبارك لك يا نصار يا ابن.. نظرت لها ثم قالت باسمة: –هي حماتك اسمها إيه؟
–قدرية. اسمها قدرية. –ربنا يبارك لك يا نصار يا بن قدرية. يا قادر يا كريم ويرزق الذرية الصالحة يارب. ردت "وداد" قائلة بعتاب: –اخس عليكي. وأنا مليش دعوة حلوة كيف دعوتك لنصار كده؟ –أنتِ؟ ده أنتِ لو فضلت عمري كله أدعي على كل لحظة وقفتيها معايا هتحتاج على عمري عمر ومش هيكفي. سألتها "وصال" بفضول وقالت: –ألا قولي لي يا دودو. هو أنتِ ونصار متجوزين بقالكم قد إيه؟ –بقى لنا سنة وتلات شهور وعشر أيام. –حاسباهم باليوم والشهر كمان؟
–أيوه. ما هو ده عمري. –اتعرفتوا على بعض إزاي؟ –أبويا وأبوه صحاب من زمان. كانوا دايما ييجوا ياخدوا من عندنا المواشي. وأبوه شافني مرة جاله هاخدها لولدي. وجه نصار وقلبي طل عليه قبل عيني. ومن يومها وأنا عشقته وهو كمان عشقني ويتمنى لي الرضا. أرضى. ردت "وصال" قائلة: –يا اختي قولي ما شاء الله. الحاجات دي بتتحسد. ابتسمت لها ثم قالت بنبرة ماكرة: –وأنتِ بقى يا وصال اتجوزتي حسين كيف؟ سكتت مليًا قبل أن ترد على سؤالها بكل صدق:
–أنا متجوزتش حسين. أنا رميت بلايا عليه. سألتها "وداد" قائلة: –كيف يعني؟ ضحكت ثم غيرت مجرى الحديث وقالت: –ما هو كلامه كل ما يشوفني يقولي أنتِ مش نعمة أنتِ بلاء وبلاء كبير كمان. بعد مرور أسبوعين.
عادت الحياة لمجرها الطبيعي لدى الجميع. وعادت "وصال" المنزل من جديد. قضت معظم يومها في الغرفة وحيدة. لا تفعل شيئًا سوى التقلب في الفراش تارة، ومشاهدة التلفاز مرة أخرى. كانت تشعر بالملل الشديد. ألقت المجلة جنبًا وهي تزفر بضيق شديد. نهضت من الفراش متجهة حيث باب حجرتها. ما إن فتحته تقابلت مع "نصار". ابتسم لها ثم قال: –كيفك دلوقتي؟ –الحمد لله أحسن كتير. بس زهقانة. اتفرجت على كل حاجة في التليفزيون وبردو الوقت مش راضي يعدي.
يسألها بتعجب قائلًا: –اومال فين المجلات اللي جبتهالك؟ –خلصتهم كلهم. رد باسمًا وهو يقول: –وه؟! وبرضك زهقانة؟ تنفست بعمق ثم قالت: –اومال فين وداد؟ مش باينة من الصبح؟ –في بيت أبوها النهاردة الخميس. يومها لما الليل يتمسى هروح أجيبها. كاد أن يغادر الرواق لكنها استوقفته قائلة: –عاوزة أزور حسين يا نصار. توقف "نصار" ثم عاد لها وقال: –الزيارة دلوقتي ممنوعة. بس هخلي الدكتور يرتب لك معاد في أقرب وقت. حاجة تاني؟ –لا شكرًا.
ما إن وقعت عيناها على والدة حسين. اعتذرت من "نصار" وهرعت تجاهها. كادت أن توصد باب غرفتها لكنها منعتها وهي تقول: –عاوزة أتكلم معاكي. –مفيش بيني وبينك كلام. ولجت "وصال" وهي تتوسلها قائلة: –من فضلك اسمعيني. محتاجة أتكلم معاك. ردت والدة حسين قائلة: –هتتكلمي؟ تقولي إيه؟ مين تاني مرمتيش بلاكي عليه وقلتي إنه عينه منك؟ ردت "وصال" بنبرة صادقة تملؤها الندم: –والله العظيم ما كنت. كل اللي حصل ده غصبني والله هـ… قاطعتها قائلة:
–امشي يا بنتي الله يسهلك. كفاية لحد كده. ملكيش دعوة بينا. ردت "وصال" قائلة: –ابنك بيتعالج وهيرجع أحسن من الأول إن شاء الله. –ابني!! هو فين ابني؟ ابني اللي كل الناس كانت بتحلف بحياته وأخلاقه. جه أخوكي في يوم وليلة جره للمخدرات وأبوه.. تابعت حديثها وهي تشدد على كلماتها:
–الراجل الطيب أمام الجامع عالجه مرة واتنين وتلاتة. ولما ربنا نصره غيث ابن عمه جاب له عقد عمل. واليوم اللي كان خلاص بيلم حاجته جيتي أنتِ وعملتي اللي عملتيه معاه. اقتربت "وصال" منها مختضنة يدها وهي تتحدث بنبرة صادقة: –كل ده هيرجع أحسن من الأول صدقيني. أنا قلت لمرات نصار تكلم غيث سلفها ويشوف عقد عمل تاني. وإن شاء الله يلاقي. الله يخليكي سامحيني. أنا عملت اللي عملته ده من دماغي. تابعت بنبرة حزينة وقالت:
–أنا لا أب ولا أم ولا حتى أخ عدل. ملقتش اللي يقولي ده صح ودا غلط. ده عيب ودا ما يصحش. نزعت والدة حسين يدها بعنف قائلة: –وإحنا مالنا؟ أنتِ زي الزرع الشيطاني. ذنبنا إحنا إيه في كده؟ تجري رجل الناس معاكي ليه في قرفك أنتِ واخوكي. ختمت حديثها قائلة: –امشي اطلعي برا. مش طايقة أشوف وشك. منك لله. ربنا يحرق قلبك زي ما حرقتي قلبي على ضنايا.
دفعتها بقوة لتسقط أرضًا. تأوهت وهي تتحامل على نفسها لتقف. كان "نصار" يشاهد مناقشتهما عن كثب. فهم جزء من القصة وتبقى جزء مفقود بالنسبة له. ربما سيظهر بعد ذلك. بعد مرور أسبوع. لم يحدث شيئًا جديد يذكر سوى زيارة "وصال" لزوجها. كان شاحب الوجه، ضعيف البنية، شارد الذهن. كانت تراقب حالته جيدًا. ابتسمت وهي تربت على فخذه وقالت: –الدكتور طمني وقال إنـ.. باعد فخذه عن يدها. فهمت أنه لا يريد لمستها البسيطة. طالعها في صمت تام.
بينما تابعت هي وقالت: –بكرة ربنا يكتب لك الشفا إن شاء الله وترجع أحسن من الأول ونعيش مع بعض. لم يرد على حديثها. كل ما فعله هو الصمت التام. لم تستسلم فقالت بحماس:
–عمك وجدك كتبوا لك حتة أرض باسمك. هي صحيح مش كبيرة بس أهو تكفي الغرض. ناخدها ونعملها مشروع حلو. موقعها حبوه أوي يا حسين. نصار خدني أنا ومراته وشوفناها. ما بين مزرعة أخو غيث وأرض نصار. هي في النص وفي الوش كده راشد يعني. ولاد عمك محاوطينك يا حسين وهيبقوا سندك بعد ربنا. هما كتبوا بس لسه هتتسجل بيع وشرا يوم الخميس إن شاء الله. –خديها يا وصال. خليهم يكتبوها باسمك.
أردف "حسين" عبارته ليعلن عن وجوده أخيرًا. نظرت بدهشة وذهول شديد. سألته بفضول: –ليه يا حسين؟ بلع لعابه وقال بنبرة تملؤها الحزن والقهر: –دي تمن سكوتك. –سكاتي؟ سكاتي على إيه يا حسين؟ طالعها لمدة دقيقتين في صمت تام ثم قال بحرج: –هتاخديها في المقابل مش هتجيبي سيرة عجزي معايا لحد يا وصال. ردت "وصال" بعتاب قائلة: –اخس عليك يا حسين. ليه بتقول كده؟ يشهد عليّ ربنا ما جبت سيرة زي دي لحد أبدًا يا حسين. ده إحنا ستر وغطا على بعض.
تابعت "وصال" بتفاؤل: –بكرة ربنا يتمم شفاك علـ… –أنا عاجز يا وصال. عاجز. طالما ماليش في الستات ولا الجواز. يعني أنا حتى لو خفيت من الإدمان هتبقى زي البيت الوقف. لا طايلة سما ولا طايلة أرض. أردف "حسين" عبارته بحزن وقهر شديد. بينما تسمرت زوجته في مكانها. مرت أكثر من دقيقة كاملة عليها محاولة أن تستوعب صدمتها. استفاقت من صدمتها نوعًا ما قائلة بحزن عميق: –هكمل معاك. ما هو أنا مليش مكان تاني أروح له.
–وتظلمي نفسك معايا ليه وأنتِ لسه في عز شبابك؟ ابتسمت رغم مرارة حلقها: –الدنيا مبتديش كل حاجة للبني آدم يا حسين. سقطت دمعة من عينيها وهي تقول: –وبعدين مين عالم مش يمكن تيجي من عند ربنا ويشفيك. –إزاي بقى؟ –ربك رب معجزات. وبعدين الطب ملخاش حاجة إلا واخترعوا دوا واتنين وعشرة. رد "حسين" بحزن شديد: –ودي عجز الطب والدوا عنها جوه وبره مصر. شوفي حالك مع حد تاني. وحتة الأرض دي هتبقى هدية طلاقك يا وصـ…
ردت بعصبية وهي تقف عن المقعد الخشبي وقالت بنبرة متحشرجة إثر البكاء المكتوم: –ما قلت لك مش هطلق يا حسين. هي شغلانة ولا إيه؟ هسيبك وهبقى أرجع لك لما الدكاترة يوافقوا لي على زيارة جديدة. داخل سيارة نصار. كانت مستندة بيدها خدها. شاردة في اللاشيء. حاول أن يحدثها لكنها في عالم آخر. لكنه قرر أن يعيد سؤاله عليها قائلًا: –حسين جالك إنه عايز يكتب الأرض باسمك؟ –آه قالي.
قالتها "وصال" بنبرة خافتة. تلك النبرة تعبر عن زهدها في الحياة. لم يعد يفرق معها شيء حتى الآن. هي تحت تأثير الصدمة. حدثها بهدوء: –طب خلي بالك بقى عشان حاسس إن مسعد عينه مني. نظرت له وقالت: –إيه في مرات عمك يا نصار؟ رد بهدوء وقال: –هي تبان لك طيبة. بس سماوية مبتنساش أبدًا. انتبهت له بكل حواسها ثم قالت: –طب وعمك الله يرحمه؟ –عمي الله يرحمه كان غلبان. لا بيهش ولا بينش. –وعياله مسعد وحسين؟! نظر لها وقال:
–لو عجربة وبخت سمها وهو بخ سمة العجربة تموت من سمة! ردت مؤكدة على كلامه بخفوت: –كان قلبي حاسس. نظرت له حين ذكر اسم زوجها وقال: –جوزك طيب وجدع كيف عمي. بس شارب سم أخوه وأبوه وبيظهره في الوقت المناسب. إنما مسعد لا. بيحب كل حاجة لروحه وبس. برضك بيحب حسين. خلينا نقول الحج. بعد مرور عشرة أيام.
كانت مفروشة سريرها بجسدها. حاولت أن تغفو قليلًا كي يهدأ بالها من التفكير. طرقات خفيفة بالكاد تسمعها وصلت لمسامعها. عقدت ما بين حاجبيها وهي تنظر في المنبه الموضوع على الكومود. وجدتها الساعة الثانية بعد منتصف الليل. نهضت من الفراش وهي ترتدي ردائها الأسود لتستر جسدها جيدًا. ثم فتحت باب الغرفة. حركت رأسها بتساؤل: –خير يا مسعد؟ في إيه؟ سألها بهدوء قائلًا: –إيه اللي خلاكي تروحي لحسين؟
–أنت جاي الساعة اتنين بالليل تقولي رحتي لحسين ليه؟ –ردي على قد السؤال. –حاضر يا مسعد. رحت عشان بزور جوزي. فيها حاجة دي كمان؟ أصدر صوتًا نافرة من حلقه تبعها لفظًا بذيئًا مما جعل عيناها تكاد تخرجان من مكانهما. لم تتحمل إهانته الوقحة تلك. رفعت سبابتها في وجهه وهي تقول بتحذير واضح: –الزم حدك وإياك تتكلم معايا تاني بالأسلوب ده. أنتـ… قاطعها بغيظ شديد قائلًا من بين أسنانه:
–إياكي أنتِ رجلك تخطي المصحة تاني. ابعدي سمك عن أخويا. يمين عظيم لو لمحتك مرة تانية بتروحي له لأدبحك. ابتسمت له ثم قالت: –هروح يا مسعد. وطول ما أنا مراته محدش هيقدر يمنعني من زيارته. ولـ… كاد أن يقبض على عنقها ليـ ـقتلها لكنه توقف حين ناداه الجد بصوته المرتفع قليلًا: –مسعد بتعمل إيه عندك؟ ابتسم لها قبل أن يستدير ليفك أولى أزرار قميصه ويمسح بطرف إبهامه شفتيه وهو يستدير ليرد على جده قائلًا:
–أبدًا يا جدي. كنت بسألها عن حسين أخويا. –وهو السؤال ده ما يحلش غير الساعة اتنين بعد نص الليل؟! قالها "نصار" وهو يلج من باب المنزل. رمقها بإشمئزاز ثم عاد ببصره لابن عمه وقال: –بعد كده لما تحب تسأل تبجى تسأل في النهار وسط الناس. رد "مسعد" وقال: –أعملها إيه؟ جيت أسألها أول ما جت. قالت لي تعبانة. أبقى أكلمك بليل. بصيت لقيتها بتقولي تعال عاوزة أقولك حاجة على حسين. اتسعت عيناها بصدمة وهي تقول: –كداب!
قسما بربي كداب. ده هو اللي خبط عليا وقال لي متروحيش لحسين تاني. والله العظيم ده اللي حصل! رد "مسعد" وهو يشيح بنظراته يمينًا ويسارًا قائلًا: –ابتدينا رمي البلا بقى. عاد بنظراته لها وقال بغمزة من عيناه: –إيه يا صولا؟ مش قلنا نبطل شقاوة بقى ورمي البلا. هدر "نصار" بصوته الجهوري وقال: –مسعد بطل حديثك الماسخ ده وامشي على أوضتك. تابع بإشمئزاز وهو يقول: –وأنتِ اقفلي بابك عليكي واحترمي غياب جوزك. يلا بلا قلة حيا. ردت "وصال"
بنبرة غاضبة قائلة: –قلة الحيا دي تقولها لواحدة شفتها في وضع مش تمام. مش واحدة قافلة عليها باب أوضتها والأذى جالها لحد عندها! ومش أنت اللي هتقولي احترم غياب جوزي ولا لأ. الحمد لله أنا محترمة غصب عنك وعن أي حد. ابتسم الجد وقال بهدوء: –ادخلي جوه يا وصال ومتفتحيش بابك تاني لحد غير لما تتأكدي مين اللي على الباب. –حاضر يا جدي. عن إذنك.
بص يا حسين أنا حاولت كتير متكلمش في الموضوع بس كده كتير. البت زي ما يكون ما صدقت ترميك في المصحة. ده أنت دخلتها من هنا وهي ماشية مع نصار على حل شعرها من هنا. والبجحة بتقول لي محدش له حاجة عندي. أردف "مسعد" عبارته الطويلة يشرح لأخيه آخر أخبار زوجته. كان في عالمًا آخر. على الرغم أنه يستمع له جيدًا إلا أنه لا يرد نهائيًا على حديثه. إلى أن ألقى ما في جعبته وهو يقول: –بتقولي عدم المؤاخذة يعني يا حسين؟
أنا باخد اللي أخوكي معرفش ياخدها. التفت له وقال بتلعثم: –قصدك إيه؟ رد "مسعد" وقال: –شوف أنت بقى. تابع بهدوء قبل أن يغادر: –طلقها يا خويا طلقها. دي من يوم ما دخلت بيتنا والخراب جاي في رجليها. في آخر ساعات الليل نفس اليوم. كان يقف أمام فراشها واضعًا مشرطًا صغيرًا أسفل عنقها وقال بخفوت: –مش أنا يا وصال قلت لك إن كتبت حتة الأرض باسمك مقابل سكوتك؟ ليه مصممة تختميها معايا بموتك؟ تابع باسمًا:
–اهو أنا دلوقتي هموتك ومش هاخد فيكي يوم واحد. عارفة ليه؟ عشان هرجع المصحة والناس كلها هتشهد إني في المصحة. يبقى إزاي قتـ… قاطعه صوت طرقات خفيفة على بابها تبعها صوت "نصار" وهو يقول: –وصال افتحي يا وصال بسرعة. ابتسم "حسين" وقال بخفوت: –الله! ده كلام مسعد صح بقى! حركت رأسها علامة النفي وعيناها مليئة بالدموع. وضع سبابته على شفتيه وقال: –ششش خلاص وقتـ… انفتح الباب فجأة بعدما كسره "نصار" بقدمه. لوح "حسين" بيده وقال بعتاب:
–ليه يا ابن عمي؟ ليه الضربة تيجي منك؟ تغدر بيا يا نصار. رد "نصار" قائلًا: –أغدر إيه يا مخبل؟ أنت هلم اللي في يدك ده وامشي معايا على المصحة. حرك رأسه علامة النفي وقال: –مش قبل ما أنتقم لشرفي اللي دوستوا عليه يا كلاب. فلتت من قبضته يده بعد ما ضربته في فم معدته. ركضت تجاه "نصار" الذي دفعها للخارج وقال: –امشي عند وداد بسرعة. كادت أن تخرج من الغرفة لكنها اصطدمت بالجد الذي ربت على كتفها وقال:
–اسم الله عليكي يا بتي. استري نفسك. دفعها للخارج لتدخل غرفة "وداد". لكنها لم تستطع الوصول بعد ما قبض على يدها "مسعد" وقال: –على فين؟ مش تقفي تحصدي زرعتك يا مرات أخويا؟ نظرت خلفها وجدت زوجها يركضها تجاهها وأخيه قابضًا على يدها. حاولت فك يدها من قبضته وهي تتوسله لكن لا حياة لمن تنادي. رفع "حسين" المشرط ليغرزه في قلبها مباشرةً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!