كانت ترتدي زي الفلاحين وتقوم بعملية العجن، وهي مرحلة من مراحل الخبز. كانت مرهقة جداً من تلك العملية، إنها حقاً صعبة. لقد اعتادت على الحياة السهلة بجوار أحمد، ما الذي أتى بها للعذاب مرة أخرى. دخل مراد هو ووالدته عليها، فقد اشتاق إليها جداً، كما أنه لا يصدق نفسه أنها تقوم بالخبز. لذا دخل محفزاً حتى يراها، وعندما رآها على المجور (إناء الخبز) وكانت ترتدي الزي الصعيدي وملامح وجهها مملوءة بالعجين، أخذ يضحك بهستيرية عليها.
فتفاجأت براءة منه ونظرت له بنظرة غل وحقد، ثم قامت بإلقاء العجين على وجهه بعد أن شكلته كوراً. ثم أخذت تضحك بهستيريا هي أيضاً. ولكن عكر صفوها تلك السيدة الصعيدية، صفية (أم مراد) حيث قالت: "انت اتلحست في دماغك ولا إيه؟ ترمي العجين على سيادة الظابط؟ ده أنا ولدي لما يمشي في البلد تتهز له الشنبات، هتيجي انت يا مفعوصة وتقللي من قيمته؟ فاخفضت براءة رأسها باحترام مزيف وهي تقول: "آسفة، مش هكررها تاني."
فذهبت السيدة صفية وتركتهما معاً. واستمرت براءة في الخليج، وعندما تأكدت أن صفية ذهبت، أخذت تقلدها باستهزاء: "ده أنا ولدي لما يمشي في البلد تتهز له الشنبات، هتيجي انت يا مفعوصة وتقللي من قيمته؟ طب اهو." وقامت بإلقاء العجين عليه. فنهرها مراد وهو يقول: "هو سكتناله هيدخل بحماره ولا إيه؟ ما تتلمي." فقالت معارضة: "ما انت اللي بتضحك عليا، مش كفاية مرمية في آخر بلاد المسلمين، وأمك اللي مفكراني خدامة أخبز وأغسل؟
أنا تعبت بصراحة، عايزة أرجع القاهرة. الريف صعب." فقال مراد: "يا سلام، الريف صعب؟ مش كنت مبهورة بيها أول ما جيتي وكنت عايزة تستقري؟ فقالت براءة: "ده في البداية لما كنت بتعامل كضيفة، لكن انتوا حياتكم صعبة، بتصحوا من الفجر، وخبز وغسيل وبهائم. وأنا تعبت وجسمي بصراحة خد على الدلع. رجعني لأحمد أبو س ايدك، إن شاء الله يسلخني أنا موافقة، أهون من هنا."
غضب مراد منها، ما كان يخاف منه قد حدث، فها هي تحن لأحمد وحياة أحمد. فنهرها قائلاً: "انت اتجننتي ولا إيه؟ أحمد لو شافك هيفرمك، وأنا مش هعرف أحميك منه، لأنك ببساطة خلاص خدتي براءة، فأنت حرة." فقالت براءة: "يا سيدي، أنا موافقة. رجعني لية بس، أنا تعبت هنا، وبصراحة معرفتش أودعه أو أسلم عليه. هو أكيد هيسامحني، أنا عارفاه قلبه طيب."
فقال لها: "مش هيحصل. انت انتحلتي شخصية أخته وعيشيته في وهم. ده مش بعيد يقتلك. وحتى لو سامحك زي ما بتقولي، هياخدك تعيشي معاه وهيقفل عليكي، وهتعيشي في سجن حرفياً، لأنه باختصار بقى مجنون بأخته وأنت شبهها. اسمعيني يا براءة، هنا أحسنلك، انت مش هتستحملي السجن ده." فقالت
براءة وهي تذرف الدموع: "ما أنا عايشة في سجن أهو معاك هنا. لا، ده مش سجن، بس ده سجن مع الأشغال الشاقة، كده كده مش هتفرق. وبعدين أحمد ممكن يكون مجنون بأخته، لكن مش هيأذيني. بالله عليك طلعني من هنا، أنا تعبت، أنا مستعدة أستحمل أي حاجة هناك، ومستعدة أستحمل أحمد وتحكماته، بس اطلع أشم هوا." فقال مراد بعد تفكير: "في حل واحد يضمن لك حريتك، وإن أحمد ما يأذيكيش، وإنك ترجعي القاهرة تاني." فقالت براءة بسرعة: "بسرعة ناولني عليه."
فقال: "تتجوزيني." ضحكت براءة باستهزاء، أتعبت قلب مراد وزادته وجعاً: "اتتجوزك؟ انت مستحيل. ده أنا وانت ناقر ونقير، غير ده كله أمك اللي شايفاك ملاك. مستحيل، ومن سابع المستحيلات. ده أنا أكون حكمت على نفسي بالموت. حياتي هتبقى هنا تحت رحمة أمك، أخبز وأغسل وأطبخ وما أشمش ريحة الهوا. لا لا، رجعني للإعدام أسهل."
قال لها مراد بهدوء تفكير: "حياتك مش هتكون هنا، أنا هتجوزك وهسافر القاهرة، وهو مستحيل يطالب بأي شيء له علاقة بيكي، لأنك هتبقي مراتي." فكرت
براءة بتفكير عميق وقالت: "مع احترامي الكبير ليك يا مراد ولعملك، بس أنا مبحبكش. آه، بحترمك وبشوفك أكتر من أخ، بس أنا آسفة، انت مدخلتش هنا علشان أعرف أستقر معاك. وأحمد ممكن يطالب بالموضوع ده مرة مرتين ويسكت، لكن انت هتفضل جوزي مدى العمر، وأنا مش هستحمل أعيش مع حد من غير مشاعر. آسفة، أتمناك حياة مع حد غيري." فكر مراد قليلاً
وقال: "أنا مش هتجوزك مدى الحياة، دي مجرد ورقة جواز على ورق زي ما بيقولوا، وهنفضل زي الأخوات مش أكتر، لغاية ما نطمن من ناحية أحمد. ها، إيه رأيك؟ كان مراد ينتظر منها الموافقة بفارغ صبر، فهذه هي فرصته الأخيرة، وهو سيستطيع فيما بعد أن يجعلها تحبه، ولكن يجب أن يفيدها بعقد حتى لا يخطفها منه أحمد. قالت بعد تفكير: "موافقة، بس زي ما قلت، كتب كتاب بس." تهلل وجهه فرحاً، ولم
يستطع التحدث غير أنه قال: "كتب كتاب بس." وغادر إلى والدته يحتضنها ويقبلها. فقالت له: "مالك يا ولدي؟ في إيه؟ يكونشي اترقيت؟ فقال لها: "أكتر وأكتر، براءة وافقت تتجوزني." فقالت له: "ومالك ملوق كده يا ولدي؟ اتقل، ميصحش كده. للبت تركبك وتدلدل رجليها." فقال لها باستنكار: "كفاية عليها قساوتك انت يا أما بقى؟ هي دي وصيتي ليك؟ قلت لك عايزها تحب البلد والعيشة فيها، كرهتيها في ريحة الصعيد كله."
فقالت صفية: "الحق، كنت عايزة أختبرها، وبعدين ما هي كده كده وافقت." فقال لها: "لا يا ماما، ما وافقتش بالساهل، وبعدين هي مش هتقدر تعيش هنا بعد اللي شافته، فهنرجع مصر تاني." فقالت وهي تضرب على صدرها: "إيه؟ هتاخدك مني؟ بت البندر خلاص؟ مش هشوفك تاني." فقال لها: "آه يا أما، مش هتاخدني ولا حاجة. كل فترة هاجي أزورك، وبعدين انت وشطارتك، لو عرفتي تحببيها في البلد، يمكن هي تقول نعيش هنا على طول، ساعتها هتلاقيني كل يوم هنا."
نظرت له صفية بغضب وهي تضرب خديها وتقول: "يا حزني يا صفية، ولدك هيمشيه مرته." كان مراد يضحك بابتسامته المعتادة وهو يقول: "يا ستي خليها تمشيني بس، اتجوزها." أغاظت والدته، فالقت عليه حذاءها. ...............................................
قبل يومين من كتب الكتاب، حيث كانت البلد على قدم وساق بهذا الحدث العظيم. فمراد يعتبر من أكبر عائلة في البلد، وكان بيت مراد مزيناً بزينة الأفراح الرائعة، غير زغاريد النساء التي تملأ البلدة.
صوت الجرس يملأ البيت، فتنزعج براءة من هذا الصوت وتفتح هي البيت، وتجد أحمد أمامها في كامل أناقته. وكانت هي ترتدي الزي الصعيدي. كانت عيناها تتحدث بالكثير، ولكن كانت براءة خائفة أن يفعل بها شيئاً، فما كان منها إلا أن هرولت للداخل، وهو هرول خلفها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!