تحميل رواية براثن اليزيد بقلم ندا حسن pdf
بقلم ندا حسن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خرجت من الغرفة عازمة أمرها على ذلك القرار الذي اتخذته في ثوان معدودة بعد تلك المكالمة التي وردتها من زوجة عمها الجالس مع والدها بغرفة المعيشة الآن. لا تدري ما ذلك الهراء الذي يحدث من حولها ولكن ليس بيدها شيء آخر تفعله سوا ذلك. فهذا ابن عمها وخلاصه بيدها هي فقط وإن كان شخص آخر تستطيع إنقاذه لفعلتها دون تردد ولكن الأمر مريب والتفكير به مرهق كثيراً، لذا أخذت ذلك القرار على عجلة من أمرها حتى لا تعود به وتنهي حياة شخص بريء وبيدها نجاته. ولجت إلى داخل الغرفة لترى والدها وعمها يجلسان سويًا. نظروا إليها...
رواية براثن اليزيد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم وتقبل شهيدهم وأطعم جائعهم وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"سعادة، حزن، وحزن، سعادة
من هنا إلى هنا كل يوم،
وكل ساعة، وكل لحظة،
من سابع سماء سعادة،
إلى سابع أرض حزن"
شهر كامل قد مر عليهم في منزله البعيد كامل البعد عن أهله وأهلها، عن الكلمات والثرثرة من الجميع، بعيد عن كل أفعالهم وأقوالهم، فقط هم الإثنين معًا وليس هناك أحد آخر، وماذا كان؟ لم يكن غير شهر السعادة بالنسبة إليهم، كلاهما أرادوا المكوث هنا إلى بقية الحياة.
شعر "يزيد" أنه أبتعد عن كل شيء يرهقه ويفكر به، كلمات أخيه، والدته، عمه، بعيد عن كل شيء يزعجه ليقابله بجلسته مع من أحبها قلبه، جلسة مليئة بالحب والمشاعر الجياشة، شعر وكأنه لمس السماء بيده وأخذ منها نجمة فريدة من نوعها، أراد لو بقى طوال العمر هنا في هذا المنزل بعيد عن كل شيء فقط يبقى بين يدها وفي الليل بعد يوم طويل به عمل مرهق يخبئ نفسه داخل أحضانها، فقط لو يتحقق ما يريد! سيفعلها.. قريبًا سيفعلها رغمًا عن أنف الجميع فهو لن يستريح بحياته كما تفعل هي معه.
وهي أيضًا لم تقل عنه بشعور السعادة بل تفوقت عليه، أن يبقى معها شهر كامل دون أن يتحدث عن العودة هذا إنجاز عظيم، أن يذهب إلى عمله في الصباح ويعود جالسًا معها إلى اليوم التالي فهذا كَمّ من السعادة المتراكمة، أن يغدق عليها بحنانه وحبه هذا الفرح الذي دق قلبها، وأن يأخذها في كثير من الليالي للسير سويًا فهذا لا تريد بعده شيء، رأت أنه أحب المكوث معها بعيد عن الجميع، رأت الرغبة الملحة بعينيه على الإستقرار هنا ولكن لا تدري ما سبب رفضه، كثير من السعادة مرت عليها في هذا الشهر لنجاح ما كانت تريده وما مر به معها.
دلفت قبله إلى داخل بيتهم المليء بالحب والعطاء، بينما دلف هو خلفها مغلقًا الباب بهدوء، تقدمت إلى الداخل ثم جلست على الأريكة ورفعت قدمها اليمنى على اليسرى وأخذت تفك رباط حذائها ذو الكعب العالي والذي سبب الآلام لقدميها، بعد أن زالته عنها رفعت الأخرى وفعلت المثل ثم عادت بظهرها للخلف وهي تزفر براحة بعد أن جعلت قدميها تستريح من هذا الحذاء الغريب.
نظر إليها مبتسمًا بعد أن وضع مفاتيحه في مزهرية جوار الباب متقدمًا منها بهدوء شديد، جلس جوارها على الأريكة ثم أمسك قدميها الإثنين جاعلها تتمدد جواره واضعًا قدميها على فخذيه وأخذ يدلكهم إليها بهدوء وحنان ناظرًا لها والابتسامة لا تفارق شفتاه.
أردف بهدوء وهو يعمل كما هو متسائلًا بجدية وهو ينظر إليها:
- بتوجعك أوي؟
فتحت عينيها الذي كانت أغلقتهم منذ أن بدأ في تدليك قدميها، تحدثت مجيبة إياه بضيق:
- لأ ارتحت شوية، هو تقريبًا علشان أول مرة ألبسها.
أجابها هو بتهكم وسخرية وهو يضغط على قدميها:
- لأ وأنت الصادقة دا علشان لونها أحمر.
زفرت بهدوء ضاحكة فحديثه ربما صحيح، هتفت وهي تنظر إليه بنصف عين بعد أن أزاحت خصلاتها خلف أذنها:
- عندك حق جيت أفك العقدة بتاعتك قمت اتعقدت أنا.. خصوصًا أخر مرتين ولا لما نزلت بالقميص.
ترك قدميها بعد أن أردفت بهذه الكلمات جاعلة إياه يتذكر ما حدث في الليلتان، الأولى الذي تبعها رفضها له والثانية التي تبعها الإبتعاد عنها لمدة أسبوعين وهذا لم يكن كل شيء، تهجمت ملامحه وظهر الضيق عليه وهو يقول:
- وايه اللي جاب السيرة دي دلوقتي؟
وقف على قدميه ليذهب إلى الداخل بعد أن عادت له ذكريات نظرة شقيقه إليها والذي قد قارب على الشفاء منها، أمسكت يده سريعًا متحدثة بلهفة بعد أن جلست على الأريكة:
- في ايه أنت زعلت؟ أنا مش قصدي حاجه.
سحب يده منها متحدثًا بجدية شديدة وهو يذهب إلى غرفته:
- وهو فيه ايه يزعل.. أنا رايح أغير هدومي.
نظرت إليه وهو يبتعد إلى الداخل، لم تكن تقصد ما تحدثت به فقط كانت بضع كلمات، تعلم أنه لا يريد تذكر تلك المرات وبالأخص عندما رآها شقيقه ولكنها حقًا لم تكن تقصد.
لقد عادوا للتو من عشاء رومانسي كيف لهذا أن يحدث؟ وقفت على قدميها لتذهب خلفه حتى تجعله يلين قليلًا، دلفت إليه الغرفة ووجدته يبدل ملابسه بأخرى بيتية، وقفت خلفه ثم تحدثت بخفوت ونبرة هادئة:
- أنت بجد زعلت؟ يزيد أنت عارف أنه مش قصدي.
استدار إليها بعنف بعد أن استمع لصوتها الخافت البرئ من كل شيء سوى البراءة نفسها، تحدث بحدة وعصبية قائلًا:
- مش قصدك ايه بالظبط أنت عارفه اني مبحبش السيرة دي بتفكرني بالمنظر الرخيص اللي شوفتك فيه.
نظرت إليه بدهشة وذهول، كلماته البغيضة عادت مرة أخرى فقط لقولها أشياء لم تقصدها؟ متى كانت على مظهر رخيص؟ دائمًا يضع الحق فوقها وحتى لو كانت معترفة به، وهو فقط من يحق له أن يخطئ ويعتذر.
نظرت إليه والدموع خلف جفنيها بفعل كلماته السامة التي يقولها دائمًا، استدارت وعادت لنخرج من الغرفة بعد أن وجدت نفسها ستختنق إذا بقيت أكثر من ذلك، بينما هو لعن بداخله فقد كانت كلماته قاسية يعلم ذلك ولكن أيضًا لم يقصد خرجت الكلمات منه سريعًا دون أن يتحقق في ماهيتها.
ألقى القميص على الفراش ثم ذهب خلفها سريعًا يستوقفها، أمسك بذراعها جاعلًا إياها تستدير إليه في منتصف الصالون حيث كانت متوجهة إلى الشرفة، أغمض عينيه بشدة ثم فتحها متحدثًا بآسف:
- أنا آسف مقصدش اللي قولته.
خرجت الدموع من عينيها فور استماعها لحديثه، سحبت يدها منه ثم قالت بحدة وهي ترفع إصبعها السبابة في وجهه:
- أنا عمري ما كنت رخيصة يا أستاذ يا محترم ولا عمري ظهرت لأي حد بمنظر رخيص، دي كانت صدفة واظن الموضوع ده خلص.
وضع يده الإثنين على كتفيها متقدمًا منها وأردف بندم واضح:
- خلاص يا ستي أنا آسف والله متزعليش، بس أنا السيرة دي بتعصبني يا مروة.
أبعدت يده مرة أخرى عنها وتحدثت بجدية شديدة:
- هو أنت كل ما تتعصب تقول أي حاجه مش بتحسب كلامك خالص، وبعدين لما تقول على مراتك كده الغريب يقول ايه.
ظهر الحنان الذي بداخله مخرجًا إياه وهو يمسح دموعها عن وجنتيها:
- قطع لسان أي حد يقول كلمة عليكي وقطع لساني أنا كمان.. خلاص بقى أنا آسف وأدي راسك أبوسها.
أنهى كلماته جاذبًا رأسها إليه ليقبله بحب وهدوء معتذرًا عما بدر منه ثم تحدث مرة أخرى وهو ينظر إليها غامزًا بعينيه ومقصده وقح:
- خلاص بقى يعني بقالنا شهر مفيش خناقات هنتخانق دلوقتي.. أنا آسف يا حياتي ورحمة أبويا الحج في تربته ما كنت أقصد.
نظرت إليه بهدوء تدقق في ملامحه ثم هتفت بجدية وحزن مرة أخرى مقررة أن تقول ما في داخلها:
- يزيد أنت على طول كده في وقت عصبيتك بتقول أي كلام وأي هبل ومتعرفش تأثيره عليا.
رفع كف يدها الأيمن إلى فمه يقبله بحب والآخر مثله بحنان، قبل وجنتها اليمنى ثم اليسرى ومرة أخرى قبل أعلى رأسها متحدثًا بندم:
- أنا آسف قولت.
يارب ينقطع لساني لو قولت حاجة زعلتك تاني.
وبعدين مش كفاية سيباني واقف في البرد ده من غير هدوم!
نظرت إليه وجدته يقف أمامها بسرواله الداخلي فقط فتحدثت سريعًا قائلة بلهفة وجدية:
- إيه ده أنت مجنون! البلكونة مفتوحة هتاخد برد كده.
غمز إليها متحدثًا معها بمرح حتى تنسى كلماته:
- أنت بتستعبطي، ما أنت اللي موقفاني وفرحانة بمنظري.
جعلته يستدير ودفعته متقدمة معه إلى الداخل وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا دلالة على ضيقها منه، فلو تركته أكثر لبرد حقًا فالجو رطب وقد بدأت ليالي الشتاء.
بعد كثير من الوقت الذي استغرقه في تبديل ملابسه بمساعدتها، وعدم جعلها تبدل ملابسها وحدها، فعل كل ذلك فقط حتى يمحي تلك الكلمات التي ألقى بها على مسامعها، ولكن هي لن تمحى بهذه السهولة. استلقى جوارها على الفراش محتضنًا إياها أسفل الغطاء الثقيل يبث الدفء إليها.
تحدث وهو يمرر يده بين خصلات شعرها الحريرية سائلًا إياها باستغراب:
- صحيح نسيت أسألك، هو الكتب اللي اشتريتيها النهاردة دي هتقريها؟
رفعت رأسها تنظر إليه بتركيز، فهذا السؤال غبي للغاية ولما قد نبتاع الكتب إلى لقرائتها؟ أجابته بتهكم وسخرية قائلة:
- وهو المفروض يتعمل بيهم إيه؟ ما أكيد هقرأهم.
ضغط على أنفها بأصابعه بسبب تهكمها عليه وتحدث وهو يعبث بخصلاتها كما كان:
- قصدي أنهم كتير يا حبيبتي.
أعادت رأسها كما كان في أحضانه وتحدثت بحماس قائلة:
- عادي، أنا بحب الكتب جدًا والروايات.
- طب بتقري لمين؟
ارتفعت بجسدها لتكن مقابلة له ثم تحدثت بجدية شديدة وهي تسرد له:
- أحمد خالد توفيق وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم كتير، بس الفترة اللي فاتت عرفت كتاب إلكتروني حلوين أوي زي مروة محمد و...
استمعت إلى ضحكاته الذي افزعتها فقد أتت دون مناسبة لتراه يتحدث قائلًا بسخرية قبل أن تكمل حديثها:
- وبتقري لمروة علشان على اسمك ولا إيه؟
تحدثت بفخر قائلة له:
- منكرش أن ليا الشرف أكون على اسمها، بس أنا بقرأ لها علشان هي كاتبة ممتازة، وعلى فكرة جبت بين الكتب رواية ليها اسمها يكفيك بعادها حلوة أوي نقرأها سوا بقى.
ابتسم بسعادة وهو يراها تتحدث بشغف وحب شديد فتحدث هو قائلًا بابتسامة:
- عيوني ليكي يا حياتي.. يلا بقى ننام علشان أنا فاصل شحن.
ابتسمت بوجهه فاقترب هو منها مقبلًا جبينها محتضنًا إياها دالفًا بها أسفل الغطاء ليذهبوا سويًا في ثبات عميق.
***
بعد مرور شهر آخر.
- يوه يا أخي هات السمنة دي أحط على الصينية.
قالت كلماتها بضيق وهي تطلب منه منذ ربع ساعة أن يأتي إليها بالسمن الموجود في رف مرتفع لا تستطيع أن تصل إليه.
تحدث مجيبًا إياها وهو يبتسم باتساع على ما تفعله:
- مش لما تعملي العجينة الأول يا مجنونة أنتِ.
زفرت بضيق وهي تنظر إليه وإلى ذلك الرف فقد كانت تريد أن تفعل ما يأتي برأسها هي وليس هو.
- يا أخي وأنت مالك؟
جعلها تغضب أكثر عندما رأته يبتسم بسخرية عليها وعلى ثقتها بما تفعل أمامه الآن.
- يا حبيبتي أنا أعرف أن المفروض العجينة تتعمل الأول ونسيبها شوية وبعدين نفردها لما ندهن الصينية، ولا تكونيش بتعملي حاجة غير البيتزا؟
نظرت إليه مرة أخرى بضيق، لقد طفح الكيل منه. نظرت إلى الدقيق أمامها بجدية ثم عادت نظرها إلى زوجها مرة أخرى. ابتسمت بهدوء قائلة:
- طيب خلاص، أنا مكنتش عايزة أعرفك سر الخلطة بس أمري لله هقولك.. تعالى بقى لما أقولك.
تقدم منها وهو مندهش هل هناك سر للبيتزا أيضًا؟ وقف أمامها دون أن يُخوّنها وعندما وقف في ثانيتها كان قد اصطدم الدقيق كله بوجهه.
عادت هي للخلف وهي تضحك بصوتها كله، فقد أهلكها مظهره الذي بدا كالمهرج. ضحكاتها لم تهدأ حيث وضعت يدها على بطنها وخرجت الدموع من عينيها.
بينما هو لم يتخيل أن تفعل به ذلك. احتل الغضب ملامحه ونظر إليها بحدة وعصبية متحدثًا بجدية:
- أنا يتعمل فيا كده يا مروة؟
وضع يده على وجهه يزيل بقايا الدقيق عنه وهو ينظر إليها وهي مازالت تضحك. نظر إليها بخبث بعد رأى واستمع إلى ضحكاتها:
- طيب أنا هعرفك.
تقدم راكضًا منها ليمسك بها ولكنها لم تمهله الفرصة حتى ذهبت راكضة هي الأخرى من أمامه خارجة من المطبخ تركض في أنحاء البيت. وقفت خلف مقاعد السفرة تتحدث إليه بتوتر وهو على الجانب الآخر:
- اهدى يا مجنون عيلة وغلطت، هتعمل عقلك بعقلها؟
ضحك بصوته كله أمامها ثم نظر إليها غامزًا بعينيه متحدثًا بوقاحة:
- عيلة مين يا أم عيلة، أومال امبارح بالليل كنتِ إيه؟
أحمر وجهها وتحدثت بغضب فهو دائمًا يتعمد أن يخجلها وهي تحاول أن تبتعد عن هذه العادة.
- يزيد بطل بقى.
تقدم منها بهدوء وتروي متحدثًا فيما لا يروقها حتى يشتت تفكيرها فيما كان يحدث منذ قليل:
- أعمل إيه بقى ما أصل أنا مراتي قمر.
- يوه.
زفرت بضيق شديد متناسية أنه يقترب منها إلى أن حاوط خصرها رافعًا إياها عن الأرض متحدثًا بانتصار:
- تعالي هنا رايحة فين؟
حاولت الإبتعاد عنه ولكنها لم تستطع. تقدم من الأريكة ثم وضعها عليها معتليها وهو يتحدث بمكر:
- كنا بنقول إيه بقى؟
أجابته وهي تحاول دفعه عنها بقبضة يدها حتى تذهب سريعًا ولكن دون جدوى:
- مكناش بنقول حاجة.
- بذمتك أنا يتعمل فيا كده؟
ضحكت مرة أخرى كما السابق متذكرة مظهره منذ لحظات. أردفت قائلة:
- منظرك كان يهلك من الضحك.
نظر إلى شفتيها التي تسرقه إليها في كل مرة تتحدث أو تبتسم أو أيًا كان ما تفعله. انخفض إليها يقبلها بجنون وكأنه على وشك الموت وهي المنجي له. يقبلها بشغف كبير وكأنها آخر ما تبقى على وجه الأرض. ولم ترفض ذلك هي بل بادلته جنونه الغير طبيعي بصدر رحب متناسية أي شيء آخر.
***
مرة أخرى وأخرى يجتمعون مع بعضهم. من يريدون تدمير كل شيء جميل لأسباب واهية لم يتحققوا منها.
جلست "نجية" أمام ابنها الكبير ثم قالت متسائلة:
- وبعدين؟
أجابها ولدها وهو لا يدري أيضًا ما الذي يجب أن يفعلوه:
- مش عارف.. أنتِ رأيك إيه يا عمي؟
تقدم للأمام وتحدث بعد تفكير قائلًا بجدية شديدة:
- كلمة.. قوله بيقولك عمك لو مرجعتش أعتبر مرتك عرفت بكل حاجة يا ابن الراجحي ويمكن زيادة حبتين.
ظهرت تجاعيد وجه "نجية" وهي تتحدث بكل هذه القسوة:
- اخترنا غلط من الأول.. قولنا يزيد هو اللي هيخلص كل حاجة وأهو داب في عشقها ومش شايف غيرها.
أجابها "فاروق" متحدثًا بجدية:
- البت حلوة يا حجة وأي حد يدوب فيها.
تحدث عمه بصرامة واضحة قائلًا:
- ماهي مرته دلوقتي يعمل اللي هو عايزه مقولناش حاجة، لكن أنه يحبها لا وألف لا.
وقف "فاروق على قدميه متقدمًا إلى الخارج وهو يهتف بجدية:
- أنا هكلمه وهو هيرجع متخافوش حتى لو أتأخر شوية.
وقف الآخر بعده متقدمًا إلى الخارج مثله قائلًا بهدوء اصطنعه:
- هروح أريح شوية.
ثم دلف إلى الخارج وسار في رواق المنزل ليصعد على الدرج متوجهًا إلى غرفته في ذلك المنزل. دلف إلى الغرفة وأغلق الباب من خلفه. أزال عنه جلبابه ووضعه على المقعد بجوار الباب ثم تقدم للداخل بخطوات ثابتة وهادئة. نظراته لا تعبر عن أي شيء فقط نظرة عادية. جلس على الفراش وهو ينظر إلى صور زوجته وابنه المعلقة على الحائط. لطالما كان هادئ وغامض مثل بعض الحروف في الكلمات لا تظهر ولكن متواجدة وتغير المعنى الحرفي لها. هو كان كذلك منذ أن بدأنا بسرد ما حدث من البداية إلى الآن وظهوره قليل. حديثه قليل. كل ما يفعله قليل ولكن أثره كبير للغاية.
وقف على قدميه ثم تقدم من الحائط وأزال الصور المعلقة من عليه. أمسك بصورة ابنه الراحل "زاهر" ثم جلس على الفراش مرة أخرى وهو ينظر إلى الصورة متحدثًا بحزن وكأنه يتحدث مع شخص ما حقيقي:
- إيه رأيك في أبوك؟ فاضل قليل وهاخد حقك وحق أمك.. هاخد حقكم من أي حد شارك في موتكم ولو بالقليل. جدك وأهو مات وعمك مكنش ليه ذنب بس مات هو كمان النصيب الكبير بقى لعيلة طوبار هموتهم واحد ورا التاني.. ويزيد وفاروق اللي بيتمتعوا بتعبي وشقايا اللي أنت كنت أولى بيه يا ابن عمري.. بس متقلقش كله بأوانه... كله بأوانه.
نظر أمامه بعد أن ألقى نظرة سريعة على صورة زوجته الراحلة. نظر إلى الفراغ وقد كانت عينيه مليئة بالحقد والشر الذي لو حاولوا توزيعه على العالم أجمع لفاض منهم وقد كان هذا سببه الحزن المفرط على شريكة حياته وابنه الوحيد. يستحقوا الحزن عليهم إلى بقية حياته ولكن الحزن ليس بتخريب حياة البشر وتدبير المكائد لهم! وكان بالنسبة إليهم عمهم هو والدهم وكبيرهم. كان هو الباقي من عائلتهم الكبيرة ولكن يالا الصدمة عند معرفة ما يفعله بهم!
***
في المساء.
وقف في شرفة بيته ينظر على المارة والسيارات أسفل البناية. يدخن سيجارته بهدوء شديد. ذهنه ليس صافي بل كان شاردًا فيما حدث اليوم.
كلمات شقيقه إليه وتلك القرارات الذي اتخذوها، إن لم يعد ستكون صعبة عليه وحده. ستكون بالموت إليه إن فعلوا ما قاله حقًا. حدة ذكائه ومكره لا تسعفه في حل تلك المعضلة، أو أنه يخاف أن يفشل. كلماته أخيرة وحادة على عقله. عمه وشقيقه لن يتنازلوا، ويعلم أيضًا أنهم يفعلون أي شيء للحصول على ما يريدون. يخاف خسارة من دق قلبه لها بسبب أشياء كالهواء بالنسبة إليه. يخاف خسارة من أصبحت كل شيء له في هذه الحياة. يخاف خسارة حبها. ومن هنا لن يفعل هو أي شيء. يخاف أن يخطئ فتضيع منه إلى الأبد.
دلفت إلى الشرفة منذ لحظات ولم يحرك ساكنًا، فلم يراها من الأساس. هو عقله في مكان آخر منشغل بما وقع على رأسه من انتقام مقيد به.
وضعت يدها على ظهره بعد أن وقفت جواره وتحدثت متسائلة باستغراب:
- إيه ده سرحان في إيه؟
نظر إليها بعدما أخرجته من شروده. نظر إلى صفاء عينيها متنهدًا بإرهاق شديد، وقد كان عقله قارب على الشكوى منه. تحدث بهدوء قائلًا:
- مفيش يا حبيبتي.
نظرت إلى السيجارة بيده وكم كانت تبغض هذه السجائر. تخاف وبشدة على صحته، تعلم أن تأثيرها لن يظهر الآن بل سيظهر في المستقبل. قدمت يدها لتأخذها من بين يده، ولكنها سريعًا وضعها في اليد الأخرى متحدثًا بجدية:
- أرجوكي بلاش تاخدي مني السجاير بعد كده وهي في إيدي. ويا ريت لو متخديهاش خالص.
أردفت بانزعاج وضيق منه ومن أفعاله الغير محسوبة:
- قولتلك قبل كده إنها غلط ومش بحب أشوفك بتدخن.
زفر بضيق هو الآخر، وقد كان يتمسك بآخر ذرة هدوء يتحلى بها، فهو لا يستطيع أن يتحدث أو أن يفعل أي شيء بصورة طبيعية. تحدث بغضب قائلًا وهو يشير إلى الداخل بيده:
- مش بتحبي تشوفيني وأنا بدخن، يبقى ادخلي جوا وسيبيني بقى.
اقتربت منه بهدوء وقد علمت أنه منزعج من شيء ما، فلم يكن هكذا أبدًا دون أسباب. وضعت يدها الإثنين على وجنتيه وتحدثت بهدوء متسائلة:
- مالك يا حبيبي في إيه؟
ألقى السيجارة على الأرضية ودعسها بقدمه، ثم وضع يديه الإثنين فوق يدي "مروة" وتحدث بجدية قائلًا:
- مروة، إحنا لازم نرجع.
سحبت يديها من أسفل يده وعادت إلى الخلف خطوة، وقد هوى قلبها بين أقدامها فلا تريد العودة أبدًا. هل ستعود بعد أن اعتادت على هذه الحياة؟ ستذهب إلى الضوضاء بقدميها وهي في يدها أن تستقر في الهدوء. تحدثت متسائلة بجدية:
- ليه؟ ما إحنا كده كويسين.
أقترب هو منها بعد أن علم ما جال بخاطرها، وضع يديه على أكتافها متحدثًا برجاء:
- أرجوكي يا مروة بلاش كلام في الموضوع ده، أنا مش ناقص. إحنا لازم نرجع البلد ومن غير نقاش، أظن عملت اللي أنتِ عايزاه وأزيد كمان.
استغربت حديثه، ومن قبل استغربت أفعاله، فسألته مرة أخرى غير السابقة:
- مالك في إيه؟ حاسة إن فيه حاجة.
أبتعد عن مرمى عينيها متحدثًا وهو يراوغ:
- عندي مشكلة في الشغل شغلاني شوية.. متشغليش بالك أنتِ، هتتحل. المهم حضري نفسك علشان نرجع.
جعلته ينظر إليها مرة أخرى وتحدثت بهدوء ولين مترجية إياه حتى يرضخ لها:
- طب أسبوع واحد بس.
أبتعد تاركًا إياها وتحدث هو الآخر بجدية رافضًا طلبها:
- مروة لأ، كده كتير أوي.
لحقته تنظر إليه بحب ولين قائلة:
- علشان خاطري.. أسبوع واحد بس، هو ده كتير عليا؟
تركها ودلف إلى الداخل متحدثًا بجدية:
- ماشي يا مروة، هو أسبوع واحد.
بعد أسبوع
فكر كثيرًا وكثيرًا ثم توصل إلى حل يعتقد أنه سينجح في فعله. نعم سينجح. هو لن يتحدث مع أي منهم ولن يفعل أي شيء يؤذي زوجته. لن يستغلها. ولن يعطي لهم شيئًا من أمواله. سيصمت ولن يتحدث إلى أن يبدأ أحد منهم معه الحديث، حينها سيرفض واضعًا إياهم أمام الأمر الواقع وسيخرج كل ما كنه قلبه وسيفعل كما يفعلون معه من تهديد وغيره. كل ما يستطيع فعله سيفعله. وبعدها يصارح زوجته بكل شيء ويبدأ مرة أخرى غير الأولى على وضوح تام. سيقول لها سبب الزواج الحقيقي الذي تساءلت عنه مسبقًا. وسيحاول أن يجعلها تلين له وتستمع إلى قلبه الذي يصرخ حبًا بها.
حاولت دفعه بيدها ولكن هو ثابت أمامها، محاصرًا إياها بيده الموضوعة على الحائط خلفها. يبتسم بزهو وغرور بينما هي الغضب يجتاحها، ولكن تحدثت بهدوء قائلة:
- يزيد بطل بقى الله.
ابتسم بسعادة وهو يجيبها قائلًا بمرح:
- أبطل إيه، مش لما تتعاقبي الأول.
وضعت يدها على وجنته وتحدثت بهدوء ولين ماكر يخرج من امرأة:
- طب أنا عندي فكرة أحسن. بما إننا هنرجع بكرة، تعالى نشغل فيلم حلو كده ونسمعه سوا مع شوية فشار ونودع البيت.
أقترب منها ليتحدث بجانب أذنها بنبرة خبيثة وماكرة:
- فشار إيه وفيلم إيه، مش بتقولي هنودع يبقى نودع بذمة وحاجة تليق بيا.
دفعته بقبضة يدها في صدره ثم تحدثت بجدية وهي تبتعد عنه إلى الخارج:
- بقولك إيه، هنسمع فيلم يعني هنسمع فيلم، بس كده. يلا حضر الدنيا وأنا هعمل فشار.
خرجت من الغرفة وتركته يضحك خلفها. يضحك على هذه السعادة التي كُتبت لا عليه منذ وجودها. تقدم من الكومود بجوار الفراش ثم فتح أحد أدرجه ليأخذ منه فلاشه كان بها بعض الأفلام الجيدة. بحث عنها بين محتويات الدرج ولم يجدها. أغلقه ثم فتح آخر وبالفعل وجدها، التقطها منه ثم أغلقه ووقف على قدميه ليذهب يفعل كما قالت له.
ولكن جذبه شيء داخل محتويات هذا الدرج! استدار مرة أخرى ومن ثم فتحه ليخرج ما وقعت عليه عينيه بالخطأ. نظر إليه بين يديه بذهول تام بعد أن علم ما هو وتأكد من الذي مدون عليه. احتلت الصدمة كيانه وجمدت أطرافه. هل حقًا هذا لها؟ ماذا تفعل به؟ لما لم تتحدث عنه قبلًا أو تأخذ رأيه فيما تريد فعله؟
ألا يحق له أن يعلم؟ يعلم ماذا، فهو لو يعلم لم يكن يتركها تفعل ذلك رغمًا عنها وعن الجميع. نظر إليه مرة أخرى ولكن قد تحولت الصدمة إلى غضب عارم وحزن شديد. غضب لو تركه سيحرق الأخضر واليابس وحزن تلبسه منذ أن جال بخاطره أنها لا تريد الآن، أو ربما لا تريد أبدًا. ولكن في كل الحالات أخطأت وعليها أن تعلم ذلك على طريقته.
دلت إلى الغرفة ووجدته يعطيها ظهره ينظر إلى شيء ما في يده ربما. تحدثت متسائلة بجدية ومرح:
- ما يلا ياعم زيزو، الله دا أنا خلصت.
استدار إليها وقد علمت من تلك النظرة القاتمة بعينيه أن هناك شيئًا قد حدث. تحدثت مرة أخرى متسائلة وهي تقترب منه:
- مالك في إيه؟
رفع ما بيده ثم سألها بنبرة خالية من أي شيء سوى البرود:
- بتاع مين ده؟
نظرت إلى ما بيده ثم أجابته بجدية شديدة ولم يأتي بخلدها ما دار داخل عقله من كلمات وخطط وأفعال:
- بتاعي.
أخذ نفس بعد أن استمع لإجابتها الصريحة وزفره بصوت مسموع. ثم تحدث مرة أخرى متسائلًا وعينيه تزداد قتامه:
- أنتِ عارفه إيه اللي في إيدي ده؟
- حبوب.
وضعت البنزين جوار النيران ولا تريد أن تشتعل إلى السماء! أكمل هو ما لم تقوله بغضب وعصبية وهو يلقي الشريط الذي بيده بوجهها بحدة شديدة:
- منع الحمل!
رواية براثن اليزيد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندا حسن
قلبه يؤلمه بشدة وعقله لا يستطيع التفكير.
فقط كل ما يفكر به ويتوقعه هو الأسوأ.
والأسوأ، بينما قهرها منه هذه المرة غير كل المرات السابقة.
لا تعلم كيف عليها أن تظهر ذلك وما الذي ستفعله معه.
لكنها حقا حزينة للغاية منه ومن أفعاله.
وضعت البنزين جوار النيران ولا تريد أن تشتعل إلى السماء!
أكمل هو ما لم تقوله بغضب وعصبية وهو يلقي الشريط الذي بيده بوجهها بحدة شديدة:
- منع الحمل...
نظرت إلى الشريط الذي أتى بوجهها بحدة ثم استقر على الأرضية.
عقلها لا يستوعب ما الذي حدث له في ثوان؟ هكذا.
أنه دواء لم تستعمله قط منذ أن تزوجت بالفعل منه.
منذ ما يقارب ثلاث شهور وأكثر.
رفعت نظرها إليه مره أخرى وجدته يقترب منها بعصبية وحركات هوجاء.
فعادت للخلف خطوة بخوف ظاهري مرتسم على ملامحها.
قبض هو على معصم يدها متسائلا بصوت عال وعصبية شديدة:
- ما تردي وتقولي أنها حبوب منع الحمل ولا فكراني أهبل هتكدبي عليا؟
ها قد عدنا إلى العصبية ومن ثم إلى الكلمات المسمومة التي لا يعلم معناها سوى بعد فوات الأوان.
وأحيانا لا يعلم أبدا.
تحدثت بهدوء حتى تمتص غضبه ويدها مازالت بين يده الذي تشتد عليها:
- لأ مش هكدب عليك يا يزيد لأني متعودتش أعمل كده.
دي فعلا حبوب منع حمل لكن أنا مستعملتهاش خالص.
ترك يدها وأخذ نفس عميق محاولا أن يتحلى بالهدوء حتى لا يفقد السيطرة على نفسه في وسط غضبه ويفعل ما لا يريده.
سألها بجدية شديدة:
- جيباهم منين الحبوب دي؟
أجابته هي الأخرى بجدية وصدق تحلت به ليصله بالعكس:
- كانوا في بيتي يا يزيد.
جبتهم في وسط حاجتي بالغلط.
من هنا داهمت عقله فكرة أنها تكذب وتكذب.
من في بيتهم سيأخذ مثل هذا الدواء؟
تحدث بتهكم صريح وكلمات غير محسوبة:
- وكانوا في بيتكم بيعملوا ايه؟
مين عندكم بياخد مانع للحمل يا هانم يا ترى أختك بقى؟
صرخت به بعصبية هي الأخرى عندما لامس حديثه بالسوء شقيقتها الكبرى.
أنه أغبى شخص رأته بحياتها وقت عصبيته وغضبه:
- احترم نفسك يا يزيد وكفاية لحد كده.
قبض على يدها الاثنين دافعا إياها لتصطدم بالحائط خلفها بشدة جعلتها تتأوه بألم شديد حدث بفعل دفعته.
تحدث بصوت يشابه الفحيح أمام وجهها:
- اومال عايزاني أقول ايه؟
أفهم ايه أنا من كلامك ده.
يا إما بتوعك وبتكدبي عليا يا إما بتوع أختك مهو مش معقول اللي بتقوليه ده.
أردفت بجدية وهي تنظر داخل عينيه الذي تكذبها في كل مرة يصدق بها غضبه الذي يسيطر عليه:
- بتوعي يا يزيد كنت بستعملهم قبل ما اتجوزك وبعد ما اتجوزنا كمان بفترة ده كان في بيتنا.
ولما جيت عندك خليت يسرى تجبلي غيره من عندكم في البلد وتقدر تسألها لأنها عارفه كويس أنا كنت باخده ليه.
لما روحنا البيت عندنا وأنا بجيب حاجتي جبته بالغلط علشان كنت مستعجلة ولما جيت هنا شوفته وسيبته مكانه.
أنا من وقت ما اتجوزنا بجد وأنا عمري ما أخدت حاجه.
صمتت لبرهة وهي تنظر إليه ثم تكونت الدموع في عينيها وتسألت بجدية:
- هو أنت مفكر إني باخد وسيلة علشان مخلفش منك مثلا؟
تسأل هو الآخر قائلا بجدية كما فعلت مضيقا ما بين حاجبيه:
- وهو في بنت بتاخد حاجه زي كده قبل الجواز بردو؟
نظرت إلى الأسفل وهي ترى تكذيبه لها واضح بعينيه وكأنها تنسج قصص من داخل عقلها.
لقد ألمها ذلك كثيرا إذ إين الثقة التي بينهم والتي يتحدث عنها دائما.
أجابته بهدوء قائلة:
- أيوه فيه يا يزيد نادر لما حد ياخده وأنا كنت من النادرين دول.
الآلم اللي غصبني اخده بإذن من الدكتورة.
ترك يدها وعاد للخلف خطوة متسائلا باستغراب مضيقا ما بين حاجبيه بشدة:
- نفترض إن كلامك صح.
ليه مفيش حمل لغاية دلوقتي؟
رفعت نظرها إليه بعد أن احتلت الصدمة كيانها من سؤاله الغبي.
سيطرت الدهشة على ملامحها فهو مؤكد أصابه الجنون:
- أنت شكلك اتجننت فعلا هو ده سؤال؟
ده شيء بتاع ربنا.
استدار وهو يتنفس بصوت مسموع وواضح فقد أتى على أعصابه كثيرا حتى لا تنفلت منه.
تحدث بشك صريح وهو يوليها ظهره:
- بتاع ربنا وماله لكن أنت اللي مش عايزه وعلشان كده بتاخدي الحبوب دي.
ذهبت إليه وقد فاض بها حقا إلى متى ستظل تبرر له ما يحدث وما حدث وكل شيء.
وقفت قبالته وتحدثت بعصبية هي الآن جاعلة نفسها تخرج ما تكنه:
- أنت مالك بقى في ايه بجد؟
ليه كل ما نكون كويسين تخلق حاجه من العدم وتبوظ الدنيا على دماغنا؟
أنا سبق وقولتلك إني فعلا عايزه اخلف منك.
استكانت وأكملت ما بدأته بغضب وجعلته يذهب لليلن والخفوت:
- أنا بحبك ومش شايفة حد في حياتي غيرك.
عايزه اخلف منك النهاردة قبل بكره بس ده مش بأيدي.
والله من يوم ما اعترفت بحبي ليك وأنا ما أخدت من الحبوب دي خالص صدقني.
لا يعلم ما الذي عليه قوله الآن.
حديثها لمس قلبه ولكنه لا يصدقها.
يشعر أنها بالفعل تستخدم وسيلة حتى لا تنجب منه أطفال.
تحدث بهدوء هو الآخر قائلا:
- طيب يا مروة يبقى تعالي بكره قبل ما نسافر نروح لدكتورة تكشف عليكي ونشوف لو في مشكلة طلما بتقولي أنك مش بتاخدي حاجه.
سألته باستنكار وهي تتراجع للخلف مبتعدة عنه:
- أنت عايزاني أروح لدكتورة اقولها أنا متجوزه بقالي كام شهر يتعدوا على الصوابع ومخلفتش؟
دي هتتريق عليا.
جذبها من يدها إليه لتصطدم بصدره العريض وتحدث هو بغضب وهو يضغط على يدها فقد فاض به هو الآخر:
- بقولك ايه بلاش استعباط بقى هنروح يعني هنروح ولا أنت خايفه من حاجه؟
سألته بخفوت وهي تحاول سحب يدها منه:
- أنت ليه وقت عصبيتك أو لما بيحصل أي موقف بتنسى كل حاجه حلوة بينا؟
ضغط على يدها أكثر عندما وجدها تحاول سحبها بالقوة وتحدث وهو يقترب من وجهها ببرود شديد وكأنه لا يوجد به حياه:
- أنا مش بنسى أي حاجه بس أنا جاهل في الكلام ده وهبقى قاسي وناسي فعلا لحد ما أعرف الصح في كلامك لأني عايز اخلف والخلفه دي منك أنت مش من حد تاني سوا كان براضاكي ولا غصب عنك.
ترك يدها وذهب ناحية الكومود بجوار الفراش.
أخذ من عليه علبة سجائره ثم خرج من الغرفة إلى شرفة الصالون ليبقى وحده يفكر في حديثها الغير مفهوم بالنسبة إليه.
فكيف تأخذ مثل هذه الأشياء قبل الزواج؟
أليست لها أغراض معروفة؟
نعم حديثها مترابط ولكن هو لا يصدقه.
لا يدلف عقله بتاتا ودائرة الشك حولها هل من الممكن أن تكون حقا لا تريد؟..
بينما هي جلست على الفراش مذهولة مما حدث.
ولما لا فهو هكذا دائما يتناسى كل شيء في غضبه.
ولكن هو لا يثق بها.
لا يصدق حديثها.
يعتقد أنها لا تريد أطفال منه.
وهي على النقيض تماما.
لقد اعترفت بحبها له وسط تلك الدوامة وقالت ما تريده وإلى الآن لا يصدقها..
سحبها من أفكارها صوت هاتفه الموضوع على الكومود بجوار الفراش والذي أعلن عن وصول مكالمة ما وقد استغربت كثيرا فالوقت الآن تعدى منتصف الليل.
اتكأت بيدها على الفراش لتنظر وترى من المتصل وقدر رأتها فعلا.
أنها تلك البغيضة على قلبها "ريهام" كادت أن تأخذ الهاتف وتجيبها معنفه إياها على اتصالها في هذا الوقت المتأخر من الليل ولكنه دلف إلى الغرفة قبل أن تأخذه بيدها وأخذه هو وذهب مره أخرى إلى الشرفة ليتحدث به.
عاد بعد وقت قليل إلى الغرفة مرة أخرى متقدما من الدولاب الذي فتحه وأخرج منه بنطال أسود وقميص من نفس اللون.
وجدته يزيل عنه بنطاله البيتي ويبدله بالآخر وفعل المثل مع القميص ثم أخذ جاكت معلق خلف باب الغرفة لونه أسود أيضا وارتداه على ملابسه وأخذ يجمع في أشيائه الشخصية تحت نظرها.
لم تستطيع التحمل أكثر من ذلك وهي تنتظر أن يقول ما الذي يفعله أو إلى أين هو ذاهب ولكن دون جدوى.
تحدثت متسائلة باستغراب بعد أن وقفت على قدميها:
- أنت رايح فين دلوقتي؟
- خارج.
تقدمت منه بهدوء شديد وداخلها يشتعل وهي تعلم أنه ذاهب إلى تلك البغيضة:
- ما أنا واخده بالي أنك خارج.
رايح فين يا يزيد في وقت زي ده؟
ابتسم بسخرية وهو يمشط شعره أمام المرآة ثم أجابها بفتور قائلا:
- ده شيء مايخصكيش.
ذهبت لتجلس على الفراش بهدوء شديد أسندت ظهرها إلى ظهر الفراش ثم تحدثت ببرود وفتور كما فعل معها الآن:
- تمام.
لما تلاقي واحد غريب مسمياه صاحبي زيك كده بيكلمني في نص الليل وانزله هبقى أقولك مايخصكش.
نظر إليها عبر المرآة بعينيه الذي تمتاز بنظرة الصقر.
ترك الفرشاة وتقدم منها اتكأ على الفراش بقدمه اليسرى وتحدث أمامها بهدوء:
- عدي الليلة يا مروة.
عديها علشان وديني أنا على أخري والناهية هتبقى وحشة.
تحدثت مرة أخرى وهي مازالت مستمرة في الهدوء:
- مش فاكر يوم ما تامر دخل عليا الأوضة عملت إيه، ده يبقى زي أخويا بالظبط مش حد غريب زي الهانم اللي رايح تقابلها دلوقتي.
يبغضه بشدة، لا يكره رجل بحياته مثله. صرخ بها بصوت عالٍ وقد قارب حقًا على الانفجار:
- أنت عايزه إيه في يومك ده؟ والله شكله هيبقى طين على دماغك.
صرخت هي الأخرى بصوت عالٍ مثله وقد تملكتها العصبية مرة أخرى:
- عايزاني أحترمني وتحترم وجودي زي ما بعمل معاك بالظبط يا أستاذ، ولا هو الاحترام للزبالة بتاعتك بس؟
رفع يده وكاد أن يهوي بها على وجنتها ليصفعها ويجعلها تعود إلى رشدها، فقد علا صوتها مرة أخرى بالإضافة إلى كلمات ليس لها داعي، ولكن قد تذكر ذلك الوعد الذي قطعه لها بأنه لن يرفع يده عليها مرة أخرى.
أخفض يده ونظر إليها بغضب، ثم وقف على قدميه وتقدم إلى خارج الغرفة، ثم إلى خارج المنزل بأكمله. وتركها وحدها، وعندما أدركت ذلك جعلت دموع عينيها تخرج لتونس وحدتها وأفكارها.
***
يجلس مقابل لها في مكان عام يدلف إليه الكثير من الأشخاص، وحتى إن كان في مثل ذلك الوقت المتأخرة من الليل. تنظر له بعينين خبيثة وماكرة إلى حد لم يصل إليه أحد. لا تحبه ولا تريده، ولكن ماذا إذا كانت النفس مريضة؟
هو صديق عمل بالنسبة إليها، لا يناسبها ليكون زوج، فقط يناسبها للتباهي به. معروف داخل أنحاء البلد من هو "يزيد الراجحي"، ذلك الشاب في مقتبل العمر الذي حقق كثيرًا في مجال صناعة الأخشاب. تتباهى باسمه وبكونه رفيقها. تحضر معه الاجتماعات الهامة، تذهب معه إلى أماكن معروفة. فقط هذا ما تريده، ولكن لما ذلك الخبث بعينيها؟ لما حركاتها الماكرة تجاه زوجته؟
ربما لأنها دخيلة بينهم وشخص جديد في حياته يقضي معظم الوقت معه. أو ربما لأنها تأخذ أكبر من حجمها أو لأنها اقتربت إليه أكثر منها! أو ربما لأنها مريضة! من يفعل ذلك غير مريض نفسي غير متزن يريد أن يؤذي أشخاص لم يفعلوا له شيء في يوم من الأيام.
تحدث بهدوء وجدية قائلًا وهو يشير إلى الأوراق أمامه بعد أن وقع عليها:
- فيه حاجة تاني عايزة تتوقعي؟
سحبت الأوراق من أمامه بيدها بهدوء ونعومة والابتسامة تزين ثغرها، ثم تحدثت قائلة:
- لأ كده تمام.
عاد بظهره للخلف بعد أن تنهد بضيق شديد يظهر على ملامحه، متسائلًا بجدية:
- إيه اللي خلاكي تستني على الورق ده؟ ما أنا كنت في المصنع الصبح.
اقتربت هي إلى الأمام وتحدثت بهدوء ولين بعد أن تشابكت يدها على الطاولة:
- كنت سبتهم في البيت ونسيتهم وشوفتهم قبل ما أكلمك على طول، قولت الحقك قبل ما تسافر.
أومأ إليها بهدوء. تقدم إلى الأمام ورفع فنجان القهوة بين يده يرتشف منه بهدوء، وداخله هناك براكين ثائرة. في عقله شيء يود أن يقوله لها أو هو سؤال يود أن يعرف إجابته، ولكن هو متردد، لا يريدها أن تفهم بشكل خاطئ أو أن يصل إليها ما حدث بطريقة ما، فهذا السؤال والإجابة عليه ليس بهذه السهولة أبدًا.
ترك القهوة من يده، ثم أخرج سيجارة من العلبة الذي أمامه على الطاولة بجوار هاتفه ووضعها بفمه دون أن يشعلها، فهذا المكان ممنوع التدخين به. أخذ نفسًا عميقًا وهو يراها ترتشف من عصير البرتقال بهدوء. ثم حسم أمره على التحدث.
أمسك بالسيجارة بيده والأخرى عبثت بخصلاته من الخلف. ثم تحدث قائلًا بتساؤل:
- عايز أسألك عن حاجة بس يعني...
تنحنح بحرج شديد، بينما هي تركت الكوب من يدها سريعًا وتسائلت قائلة:
- حاجة إيه؟ قول على طول مالك؟
وضع السيجارة باليد الأخرى وتحدث وهو يحاول ألا يتراجع، فهو يود معرفة الحقيقة حتى يرى إن كان قد أخطأ. وعلى كل حال هي فتاة، وإن علمت حتى بالفهم ما حدث لتعلم إذا سألها وهو عاقد ما بين حاجبيه بشدة:
- هو في واحدة ممكن تاخد حبوب منع الحمل قبل الجواز؟ يعني تكون مش متجوزة وبتاخد الحبوب دي لأسباب تانية؟
استنكرت الحديث ونظرت إليه باستغراب، ثم أدارته برأسها. لما يسأل عن شيء كهذا؟ ابتسمت بهدوء شديد، ثم قالت بجدية وهي تأكد حديثها:
- لأ طبعًا، أنت قلت أهو حبوب منع الحمل، إذا هي بتمنع الحمل فقط، يعني مالهاش أي أسباب تانية بتتاخد علشانها. وكمان دي كارثة لو بنت بتاخدها، إزاي يعني؟ لأ طبعًا مفيش واحدة هتعمل كده إلا لو مش عايزة تخلف.
نظر إليها بجدية. الضغط يزداد عليه، هذه فتاة ولا تعلم ما الذي حدث. إذا كان هو لا يعلم هذه الأمور، فهي مؤكد تعلم. تنفس بعمق مرة أخرى دون أن يضيق صدره، فهو قد اكتفى لليوم.
وقف على قدميه، ثم أخرج من جيبه بعض النقود ووضعهم على الطاولة وتحدث قائلًا:
- أنا لازم أمشي، مروة لوحدها. تحبي أوصلك، الوقت متأخر؟
- لأ لأ، أنا شوية وهمشي، وبعدين معايا العربية.
لم يصر عليها، فهو من الأساس كان يريد أن ينقله أحد إلى منزله. ذهب إلى الخارج وأخذ سيارته عائدًا إلى منزله مرة أخرى، وهناك برأسه مليون سؤال وجواب لا يهم ذكرهم، ولكن يكفي أنه يعاني.
***
فتح باب منزله بمفتاحه الخاص. ولج إلى الداخل بعد أن أخذ المفتاح من المزلاج. وضعه في المزهرية بعد أن دلف. زفر بضيق يظهر عليه، فقد هلك من كثرة التفكير ومن هروبه من عائلته وهروبه من مواجهتها. لقد مل من كل ذلك حقًا. نفض ذلك عن رأسه وتفكيره ودلف إلى الداخل بخطوات ثابتة، فلم يكن يريد غير أن يمدد جسده على فراشه ويأخذ قسطًا من الراحة.
ولج غرفته ورأى كل شيء كما هو. الحقائب الموضوعة منذ الصباح الخاصة به وبها، والتي تحمل ما يخصهم من ملابس إلى أشياء خاصة، ولكن مع ذلك لم تضع "مروة" كل شيء يخصهم بها، بل تركت بعض من ملابسها وملابسه. تركت أشياء تخصهم على أمل الرجعة إلى هنا مرة أخرى.
لم يجدها في الغرفة، أو المرحاض، أو الغرف الأخرى، ولم ينادي عليها أيضًا، ولكن عندما تبين له أنها ليست متواجدة في المنزل، هبط قلبه ليستقر بين قدميه هلعًا وخوفًا عليها. فمن الممكن أن يكون تمادى معها وهي على حق وهو لا يعلم بهذه الأمور.
أو يكون حادثها أخاه! من الممكن أن يفعلها، قد يكون قص عليها كل شيء وبعد ذلك تركته وذهبت!
أو هناك غيره ما حدث عندما تركها هو وذهب إلى صديقته. قلبه يؤلمه بشدة وعقله لا يستطيع التفكير، فقط كل ما يفكر به ويتوقعه هو الأسوأ والأسوأ.
عاد مرة أخرى يدلف الغرف وهو ينادي باسمها بلهفة وخوف شديد. أخرج هاتفه ليحادثها منه، ولكنه وجد هاتفها على الفراش في الغرفة في الداخل. فكر سريعًا، عليه الخروج لمعرفة أين ذهبت، وهم على فعل ذلك. ولكن نظر إلى باب الشرفة وهو يمر على غرفة الصالون ليجدها مغلقة كذبًا وليست حقيقة. سريعًا ذهب إلى الشرفة مقتحمًا لتفزع وتقفز من مكانها بخوف يكاد يوقف قلبها.
نظرت إليه بخوف، ثم تسلل إليها الشعور بالأمان عندما رأته هو. وضعت يدها على قلبها الذي علت دقاته من الصدمة والأخرى أزالت دموع كثيرة على وجنتيها، ويبدو أنها كانت تبكي.
تقدم منها سريعًا، آخذًا إياها باحتضانه بلهفة وقلق شديد ظهر عليه منذ أن دلف. شدد على احتضانها، بينما هي مدهوشة مما يحدث وما الذي جعله يتغير هكذا؟
أبتعد عنها، ثم نظر إليها بهدوء وعينيه يفيض منها الحنان الذي حاول أن يخفيه، متحدثًا بجدية:
- قاعدة ليه في البرد ده؟
أجابته بجدية هي الأخرى بعد أن أدارت وجهها الناحية الأخرى بعد أن رأت تقلباته قد عادت:
- بشم هوا.
علم أنها كانت تبكي. تبكي بقهر وضعف، لينتابه هو الآخر الضعف الشديد الذي يشعره أنه عاجز عن فعل أي شيء إن كان حديث أو فعل.
عاد إلى الخلف وجعل حالة الجمود تعود مرة أخرى إليه بعد أن تأكد أنها بخير ومازالت معه، وتحدث بجدية بعد أن تذكر ما حدث قبل ساعات:
- يلا ادخلي نامي علشان الطريق طويل.
استمعت لحديثه دون أن تتفوه بحرف، ولم يكن بها شيء واحد يستطيع أن يتحدث ويجادل، ففعلت. وبينما تخطي بقدميها إلى الداخل أكمل هو حديثه قائلًا بجمود:
- وكمان لسه مشوار الدكتورة.
وقفت أمام باب الشرفة الذي كانت تتخطاه للداخل بعد أن استمعت إلى جملته، فقد كانت تعتقد أنه لن يفعل ما قال، ولكن هو يتحدث جديًا. إذا يفعل ما يشاء ويضع نفسه موضع السخرية.
أكملت طريقها إلى الداخل دون التفكير في أي شيء آخر سوى الراحة، وهو أيضًا وقف في الشرفة بعد أن أخرج سيجارة أراد أن يخرج ما بقلبه بها دون التفكير.
***
"في صباح اليوم التالي"
سار في طريق العودة إلى بلدته مرة أخرى بعد هذه الشهور الذي كانت معنى كلمة الراحة بالنسبة له ولزوجته. الآن هو عائد بعد أن طلبوا منه ذلك، ويعلم أنهم سيتحدثون معه في كل شيء مر، سوى أن كان اليوم أو غد أو بعد غد سيتحدثون لا محالة. وقد علم هو ما الذي سيقوله، وهذا سيكون آخر ما لديه، وليفعلوا ما يحلوا لهم إن استطاعوا. سيترك كل شيء لهم ويبتعد بزوجته بعد أن تعلم كل ما حدث. عليها أن تعلم ذلك.
ولكن ليبتعد عن كل هذا. هو الآن لا يدري كيف سيجعلها تلين له مرة أخرى، فقد تخطى حدوده معها بكثير من المرات ولن يلومها في أي مرة لو تركته. ولكن هو لا يستطيع دونها. لقد تأكد من الطبيبة التي زارها معها لكي يكذب حديثها، ولكن هي محقة وكل ما قالته كان صحيح.
لا يعرف كثير عن هذه الأمور النسائية، وأيضًا يعرف أن دواء كهذا له أسباب معروفة فقط. بجانب كلمات "ريهام" المؤكدة، غير حديث زوجته الذي لا يدلف عقله. كل ذلك جعله لا يصدقها ويظن بها السوء، ولكن بعد أن ذهب بها إلى الطبيبة قبل العودة تأكد أنه أخطأ بحقها مرة أخرى غير الأولى والثانية والثالثة.
لقد كانوا كثيرون.
"تذكر حديث الطبيبة وهي تجيب سؤاله بهدوء شديد ووقار بعد أن رفعت النظارة الطبية عن عينيها:
- طبعًا وارد يا أستاذ يزيد إن آنسة تاخد الحبوب دي عادي جدًا.
رأت زوجته تتقدم منهم بعد أن عدلت ملابسها وجلست على المقعد أمامه مقابلًا لها، وقد رأت الحزن بعينيها الباكية. لقد مر عليها كثير من هذه الحالات ولكن هذه مختلفة. ومن معرفة مدة الزواج وسؤاله عن شيء كهذا قالت مرة أخرى بعد أن فهمت ما يحدث:
- أما بالنسبة للحمل فهو كل شيء طبيعي، ده غير طبعًا أن مدة الجواز صغيرة، ربنا لسه ماردش. عايزاك تطمن، واضح أن المدام مش بتاخد أي وسيلة.
نظر إليها وهو لا يعلم ما الذي يشعر به لتقف على قدميها دون أن تجعله يعلم ما الذي يمر على خلدها، فقد كانت تعابير وجهها حادة كثيرًا. سلمت على الطبيبة ورحلت وهو من خلفها.
أبعد نظره عن الطريق لينظر إليها بحزن وهو لا يعلم ما الذي يجب عليه فعله أو قوله حتى. نظر إلى الطريق مرة أخرى وهو يراها لم تتحدث معه منذ أن خرجت من المنزل إلى أن ذهبوا للطبيبة وإلى الآن. يعلم أن ما فعله صعب للغاية ولكن هو بالنهاية إنسان يخطئ ويود المسامحة على خطأه.
مد يده اليمنى إليها والأخرى تتولى القيادة. أمسك بكف يدها ليقبله بهدوء ثم تحدث معتذرًا عما بدر منه:
- أنا آسف. يارب كنت موت قبل ما أعمل كده.
سحبت يدها منه بهدوء أو برود بالمعنى الصحيح ثم أجابته بجدية شديدة وملامحها حادة لا تحمل أي تعابير:
- بعد الشر عنك.
علم أن مهمته لن تكن بهذه السهولة بل ستكون أصعب من الصعب نفسه. لقد أذى نفسيتها كثيرًا بما فعله وما يفعله كل مرة. يعترف أنه يستحق أكثر من ذلك.
وضعت رأسها يمينًا على نافذة السيارة تنظر إلى السيارات والطريق بالخارج وعقلها منشغل به وبما فعله. لقد شكك بها وبحديثها. يعتقد أنها لا تريد أن تنجب منه أطفالًا. تحدث عن شقيقتها بالسوء وتحدث عنها أيضًا بالسوء. تطاول بالكلمات بكثرة، قارب على التطاول بيده مرة أخرى ولكن قد توقف بآخر لحظة. هذا هو الجانب الوحيد السيء به، أنه وقت غضبه حقًا يتناسى على شيء ولا يتذكر سوى أنه غاضب الآن وعليه أن يخرج ما يكنه من غضب داخله.
هذه أكبر المشكلات تواجدًا بحياتها معه فهي ستكمل حياتها معه. ستكون زوجته إلى الأبد ولكن لن تستطيع أن تتعايش مع هذا في كل مرة يحدث أي شيء ينسى أنها زوجته ويتحدث معها كما لو كانت شخص سيء ولا يوجد أسوأ منه.
قهرها منه هذه المرة غير كل المرات السابقة. لا تعلم كيف عليها أن تظهر ذلك وما الذي ستفعله معه ولكنها حقًا حزينة للغاية منه ومن أفعاله.
***
كثيرًا من الأمور تشعر أنها أفضل شيء بالنسبة إليك ولكن بعد مرور الوقت تعلم أنها لم تكن إلا أسوأ شيء. ربما هيأ لك أنها ما تريده.
جلس "تامر" في شرفة غرفته يفكر ويفكر في ذلك الأمر الذي شغله في الشهور الماضية. أعطى لنفسه مدة طويلة كي يفكر براحة دون تخطي الحدود ودون تحكيم قلبه وحده أو عقله وحده.
بعد تلك الفترة وابتعاده عن ابنة عمه "مروة" ومعرفة مدى سعادتها مع زوجها تخطى تلك الفترة الطويلة التي قال بها أنه يعشقها. الآن أصبحت بالنسبة إليه مجرد ابنة عمه وإن اقتربت أكثر ستكون شقيقته غير ذلك لا يوجد.
علم تمام العلم أنه كان مخطئ لو فقط كان فكر قليلًا لوجد ذلك ربما إعجاب بجمالها أو احترامها أو أي شيء آخر لكنه ليس حب. هو لم يمنع زواجها من غيره لو أحبها حقًا لجعلهم يقتلوه قبل أن يرى حبيبته في أحضان شخص آخر ولكنه لم يفعل. وحتى لو لم يكن يستطيع هو بعد محاولة أو اثنين لتفريق بينها وبين زوجها تركها. واتجه إلى أخرى وهذا يكفي حقًا ليغلق صفحة حبه لـ "مروة" ويعتبر أنه لم يكن موجود من الأساس ويلتفت إلى من سلبت عقله وقلبه حقًا.
"ميار" بعد كلماتها في آخر محادثة بينهم أصبح منشغل بكل كلمة قالتها. يفكر ويفكر من الذي تتحدث عنها ربما هو مخطئ مرة أخرى ولا يدري ولكن أبتعد عن التفكير بأي فتاة أخرى ووضع أمام عينيه "ميار" ليرى هل هو منجذب إليها. يحبها. أم ما الذي يحدث.
ثم يوم بعد يوم يتذكر حديثها من الصغر. أفعالها ونظراتها. تصفح صورها عبر مواقع التواصل. وجد نفسه لا يشبع من النظر إليها والتفكير بها. كثير من المشاعر تجتاحه لن يستطيع أن يعبر عنها ولكن هو الآن أخذ قرار وسينفذه قبل أن يحدث شيء يخرب كل ما أراده كما السابق.
وقف على قدميه متقدمًا إلى داخل الغرفة ثم إلى خارجها ذاهبًا إلى والده الذي كان يجلس في غرفة الصالون مع زوجته. دلف إليهم "تامر" ثم وقف أمام والده وتحدث بجدية شديدة دون مقدمات:
- أنا عايز اتجوز ميار بنت عمي نصر.
نظر والده إلى زوجته باستغراب شديد عاقدًا ما بين حاجبيه بشدة وزوجته مثله. ثم سأله قائلًا باستنكار:
- مرة واحدة كده طب بالراحة علشان أفهم.
جلس "تامر" أمام والده على الأريكة ثم تحدث قائلًا بجدية:
- مفيهاش فهم يا حج أنا عايز اتجوز ميار بنت عمي نصر. تبقى مراتي وأم عيالي إيه الصعب في ده.
وقفت والدته على قدميها ثم أطلقت ما يسمى "زغروطة" لتعبر عن مدى سعادتها بما قاله ابنها. بينما ابتسم والدها باتساع ثم تحدث من جديد:
- اللي أقصده إنك يعني جبتها مرة واحدة كده.
- بصراحة لأ يعني أنا كنت بفكر في الموضوع من زمان وخدت قرار خلاص وقولت أعرفك علشان تشوف هنعمل إيه.
ابتسم والده وتحدث قائلًا بسعادة:
- هنعمل إيه هنطلبها من عمك طبعًا.
صاحت والدته بسعادة غامرة وهي تتقدم منه لتحتضنه:
- ألف مبروك مقدمًا يا حبيبي. هيوافقوا إن شاء الله.
أجابها وهو يبادلها العناق بسعادة وابتسامة هو الآخر متمنيًا بداخله أن توافق كما قالت والدته:
- الله يبارك فيكي.
***
وقفت السيارة أمام البوابة الداخلية لمنزل عائلة "الراجحي" سريعًا خرجت منها لتتوجه إلى عشها الصغير في هذا المنزل البغيض على قلبها ولكن قابلتها "يسرى" أمام الباب في الخارج. احتضنتها بشدة معبرة عن مدى اشتياقها إليها:
- حبيبتي وحشتيني أوي أوي.
بادلتها "مروة" ولكن ليست بنفس هذه الحرارة فبداخلها ما يكفي لتكن الآن بين يدي طبيب نفسي. أجابتها بجدية:
- وأنت كمان وحشاني. معلش هطلع أرتاح شوية الطريق تعبني.
نظرت إليها "يسرى" باستغراب ودهشة فهي لم تكن هكذا يومًا ولكن تحدثت مبتسمة ببلاهة:
- آه آه طبعًا اتفضلي.
أبتعدت عنها "مروة" بعد أن ألقت نظرة عليه خلفها وهو يقف عند السيارة ينظر إليها. ثم سارت إلى الداخل سريعًا وهي تتمنى بداخلها أن تصل إلى الغرفة بسلام.
ذهبت "يسرى" إلى "يزيد" تحتضنه بحرارة ثم سألته باستغراب وجدية:
- هي مالها. تعبانة ولا إيه.
أجابها بجدية هو الآخر لا يريد أن يظهر ما يحدث بينهم لأحد:
- آه الطريق تعبها.
سار إلى الداخل معها ثم دلف إلى والدته في مطبخ المنزل. ذهب إليها ثم عانقها بشدة ومهما حدث وبدر منها تظل والدته وحنانه بهذه الحياة. تظل منبع الأمل والحب بالنسبة إليه. تحدث بهدوء وهو يشدد على احتضانها:
- وحشتيني.
استغربت والدته حالته هذه فهو دائمًا كان يسافر بالشهور بعيدًا عنها ويأتي يسلم عليها كما المعتاد ولكن الآن اختلف. شددت هي الأخرى على أحضانه وتحدثت بحنان مس قلبه:
- وأنت كمان ياحبيب أمك وحشتني.
أبتعد عنها بهدوء وهو يبتسم ابتسامة باهتة فسألته بعد أن وضعت يدها على وجنتيه:
- مالك يا حبيبي. فيك إيه.
- تعبان. تعبان أوي ومحدش راحم.
اقتربت منه والدموع تكونت خلف جفنيها ثم تحدثت بحنان ولهفة:
- بعيد الشر عنك من التعب يا ضنايا. متخافش كله هيمر.
ابتسم بوجهها مرة أخرى ثم تركها وذهب وهو لا يعلم ما الذي يفعله إليها لتغفر له هذه المرة فقط. ترك والدته خلفه متوجسة من الذي تحدث به ولدها. وقد خفق قلبها داخل أضلعها مقررة شيئًا ما بعد أن رأت حالته.
رواية براثن اليزيد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندا حسن
"ماذا تريد من قلب لم يرى منك إلا الحزن!"
مر أسبوع بعد عودتهم وكأنه سنوات، شعر بأنهم لم يكونوا أيام قليلة غفا بهم بل كانوا سنوات تمر ببطء شديد بسبب تجاهلها له ومعاملتها الباردة معه، حاول بكل جهد أن يتحدث معها في أي شيء ولكن دون جدوى لا يقابله منها سوى البرود والهدوء التام، حاول أن يفعل كل ما كان يفعله في السابق ليجعلها ترضى ولكن تقابله بالتجاهل وإذا أجابت تجيب بأن ليس هناك داعي لما يفعله!
لقد أرهقه ما حدث، يعلم أنه مخطئ من جميع الاتجاهات وهذه ليست المرة الأولى التي يخطئ بها معها ويقول كلمات لا تليق بامرأة نقية كهذه ودائما تسامحه على أخطائه ولكن هذه المرة صعبة للغاية، وهو مهما حدث إنسان يطمع في المسامحة فبعدها عنه بهذه الطريقة البشعة يقطعه إلى أشلاء مصغرة، رؤيتها بهذا البرود تجاه الجميع ونظرة الحزن لا تفارقها يجعله يود قتل نفسه لما تسبب به، ولكن هو لا يستطيع التحكم بغضبه ليس له حيلة في ذلك، هو أحيانا يخطئ بحق نفسه عندما يكون غاضب ولا يستطيع التعديل على هذا الأمر.
ولكن بعد ما حدث قطع وعدا على نفسه أنه سيحاول جاهدا أن يتخلص من هذه العادة السيئة فقط لأجلها، والآن عليه أن يفكر ماذا سيفعل مع مروة حياته ليقضي على هذا التجاهل الآتي منها وتعود زوجته المرحة المحبة إليه.
ولكن هناك ما يشغل تفكيره أيضا! لماذا لم يتحدث معه عمه أو "فاروق"؟ هل صرفوا نظرهم عن هذا الموضوع عندما وجدوه متعب ولا يستطيع التحمل أكثر؟ أم أنهم ينتظروا لتتحسن الأمور؟ أم ماذا؟
على أي حال هو يعلم ما الذي سيفعله لن يعطي لأحد شيء ولن يأخذ منها شيء فقط سيرفض ويصارحها بما حدث منذ أول يوم ثم يذهب بها إلى حيث ما تريد، فقط لينظر قليلا وليبدأوا هم أولا.
***
السعادة بالنسبة إليها الآن تكمن في تواجدة بمنزلهم لخطبتها! يا له من وغد الآن فقط علم من هي؟ الآن فقط شعر بحبها له؟ الآن فقط قرر أن تكون زوجته كما قال للتو؟ ألم تكن أمامه منذ سنوات تعشقه وهو ليس هنا؟ أي كان ما حدث أو يحدث الآن هي فقط عليها أن تكون سعيدة للغاية بما يحدث، فربها الكريم استجاب لدعواتها بأن يكون "تامر" ابن عمها هو زوجها الصالح والباقي لها.
نظرت إليه بجدية وهي تراه مثبت أنظاره عليها وكأنه شارد بها وبجمالها الذي لم يلاحظه سوى الآن، تحدثت بجدية سائلة إياه:
- اشمعنى دلوقتي يا تامر وليه أنا ولا علشان مروة خلاص اتجوزت؟
اعتدل في وقفته ثم وضع كوب العصير على حافة سور الشرفة الذي يقفون بها سويا، تحدث هو الآخر مجيبا إياها بجدية:
- ميار.. أنا صحيح كنت بحب مروة لكن من وقت ما اتجوزت فعلا وهي بالنسبة ليا شيء تاني خالص.. بنت عمي وبس ولو قربت أكتر يبقى أختي، يمكن كمان أنا كنت معجب بيها بس مش بحبها.. أنا لو بحبها فعلا مكنتش رضيت بالأمر الواقع حتى لو هموت.
زفر بهدوء ثم قال مرة أخرى مسترسلا في الحديث:
- أنا لما فكرت بجد وحكمت قلبي وعقلي سوى ملقتش غيرك قدامي تكوني مراتي، صورتك جت قدام عنيا ومش مفرقاني، حاسس أني مش عايز أبعد عنك أبدا ومش عايز حد تاني يقربلك... أنا بجد عايزك يا ميار.
كلماته مست قلبها بشدة ولكنه يعاني في الحديث.. يخرجه بصعوبة.. هذا ما تراه لما ذلك؟ ولكن أي كان الأمر الأهم الآن أنه هنا لأجلها هي فقط.
تحدثت متسائلة بجدية وهناك ابتسامة تزين ثغرها:
- يعني مروة فعلا بالنسبة ليك أختك؟
- والله العظيم مروة أختي وبس... طب أقولك قدام ربنا تحرم عليا زي أمي وبنتي وأختي ها ايه تاني؟
نظرت إلى الأرضية مبتسمة بسعادة غامرة وقد كان قلبها قارب على الإنفجار داخل أضلعه بسبب كثرة نبضه من الفرحة، ولكن لما تنسى أهم شيء تريد معرفته؟ نظرت إليه مرة أخرى وتحدثت سائلة بجدية:
- هسألك وتجاوبني بصراحة.
أومأ إليها بهدوء كدليل على الموافقة لتكمل هي قائلة:
- أنت عملت حاجه لمروة بعد ما اتجوزت.. بعتلها رسايل مثلا؟
أبعد نظرة عنها وتطلع على المارة في الخارج لا يدري ما الذي يقوله!.. يقول أنه أراد تخريب حياتها؟ صمت لبعض الوقت ثم قرر أن يقول كل شيء ليبني هذه العلاقة على الصدق، نظر إليها مرة أخرى وتحدث قائلا:
- آه بعتلها.. الرسايل اللي كانت بتوصلها مني.. لما يزيد اتجوزها وخلاص كده مقدرتش أعمل حاجه حسيت أنه كسبني في جولة مصارعة مثلا وكان نفسي أنه يطلقها لما يشوف الرسايل دي.. كنت بتعمد ابعتها في وقت هو معاها فيه بس محصلش كده بالعكس حبوا بعض.. تدبير ربنا.. أنا في الوقت ده السكينة كانت سرقاني بس أنا بحكيلك أهو علشان مش عايز اخبي أي حاجه ونفتح صفحة جديدة ومستعد أجاوب على أي سؤال هتسأليه.
صمتت لبرهة ثم دون سابق إنذار داهمته بهذا السؤال:
- أنت بجد عايزني؟
ابتسم بهدوء شديد فيبدو أنها لا تقتنع بسهولة، أردف قائلا بمرح وسعادة:
- والله العظيم عايزك أنت يا ميار يا بنت عمي نصر وعايز اتجوزك واخلف منك كمان دستة عيال.
تشكلت حمرة الخجل على وجنتيها يبدو أنها وراثة عن هذه العائلة، سألته مرة أخرى محاولة مداراة خجلها:
- من امتى؟
- من أول مرة اتكلمنا فيها عن أن في حد حواليا عايزاني، أهو الكلام ده من شهور بس منستش كل يوم بفكر فيه علشان أخد قرار صح لأن دي مش هتكون حياتي لوحدي.
لا تريد أكثر من ذلك حقا فقد اكتفت وما فعله في السابق لن تتذكره أبدا، هو الآن "تامر" فقط، "تامر" الذي تعشقه فوق العشق عشقا.
نظرت إليه بخجل وسألته مبتسمة:
- تفتكر بابا وافق؟
ضحك بشدة على كلماتها وهذه النظرة التي تحملها إليه ثم قال بمرح:
- لأ هو عمي نصر وافق من ساعة ما دخلنا البيت أصلا.
أجابته بضيق محبب وابتسامة لا تستطيع إخفائها:
- يا رخم.
- قلب الرخم وعيون الرخم وروح الرخم.
على الكلمات أن تقطع هنا ولا يتحدث أحد نهائيا، فهو أصبح لها حقا وينتظر الموافقة منها، عليها أن تنظر إليه بحب وتبادله إياه لتنعم بكل ما هو جميل جواره لا بل عليها أن تحمد الله كثيرا لما قدمه إليها، تشكره على فضله عليها وتحقيق حلم ظنت أنه بعيد كبعد الأرض عن السماء.
***
بعد أن غابت الشمس أمسكت "ميار" بهاتفها مرة أخرى لتتحدث مع شقيقتها وتخبرها بما حدث اليوم، لقد نسيت أخبارها حيث أن صديقتها تحدثت كثيرا وبقيت لوقت طويل عبر الهاتف تتحدث معاها.
كانت مروة جالسة في غرفة الصالون أمام شاشة التلفاز تطالع ما يعرض أمامها بهدوء بينما هو يجلس داخل غرفة النوم على الفراش ممدد قدميه ويضع عليهم حاسوبه الخاص ويبدو من تركيزه أنه يعمل، استمعت مروة إلى صوت هاتفها الذي صدح بالمكان، وقفت على قدميها وتقدمت للداخل حيث هو متواجد ورأت الهاتف جواره على الكومود، تقدمت منه ثم أمسكته وذهبت لتقف أمام باب الشرفة من الداخل حيث كان الجو بارد.
أجابت مروة مبتسمة بهدوء بعد أن وضعت الهاتف على أذنها:
- ميار حبيبتي عامله ايه؟ وحشاني أوي أنت وبابا.
استمعت إلى الأخرى تهتف بحماس ولهفة:
- وأنت كمان والله يا مورو وحشاني، أنت اللي عامله ايه.
- أنا الحمدلله كويسه أوي.
أجابت الأخرى بسعادة غامرة وفرحة مسيطرة عليها:
- يارب دايما يا حبيبتي.. أنا كنت عايزه اقولك على حاجه.
استغربت "مروة" حديثها فسألتها سريعا مضيقة ما بين حاجبيها:
- في ايه؟
ابتسمت "ميار" وتحدثت بهدوء محاولة السيطرة على تلك الفرحة التي اجتاحتها:
- تامر ابن عمي جه واتقدملي النهاردة.
- ايه؟ تامر؟
احتلت الصدمة كيانها، "تامر" و "ميار" منذ متى وكيف ولما هي تعلم الآن فقط؟ هل هذا حقا؟ أفكار كثيرة داهمتها وتوقفت عندما استمعت لحديث ميار.
- ايوه تامر يا مروة، اتقدملي النهاردة.. كان هنا هو وعمي ومرات عمي وأنا موافقة.
ابتسمت مروة سريعا بعد أن وضحت الصورة أمامها من جميع الزوايا بعد أن استمعت لها وتحدثت قائلة بابتسامة عريضة:
- ألف مبروك يا روحي، بجد ألف مبروك ربنا يتمم بخير.. اوعي تعملوا حاجه من غيري.
ابتسمت "ميار" من جديد وتحدثت بحماس قائلة:
- مستحيل طبعا.. بس أنا قولت لبابا يديني شوية وقت وأول ما اخليه يرد عليه هكلمك تيجي.
- ألف مبروك أنا فرحت أوي أنت وهو تستاهلوا كل خير.
- حبيبتي يا مورو ربنا يخليكي وعقبال ما أشوف ولادك أنت ويزيد كده.
محت ابتسامتها فور استماعها لتلك الكلمات الغير مناسبة بالمرة لذلك الوقت والمواقف الذي تمر بها على طريق الرحلة الصعبة هذه بجواره، تحدثت مرة أخرى:
- تسلمي يا حبيبتي..
تصبحً على خير.
استدارت بعد أن أغلقت الهاتف لتضعه على الكومود مرة أخرى، فداهمها بسؤاله المهتم:
- مالها ميار؟
تحدثت بجدية شديدة وبرود يحتل ملامحها ونبرتها، وهي تجيبه قائلة:
- تامر طلبها للجواز.
سريعًا ذهبت من أمامه إلى حيث ما كانت قبل أن تدلف إليه. وهو عندما رآها تهرب من مواجهته أو التواجد معه، حتى أغلق الحاسوب ذلك وألقاه جواره بحدة، واضعًا يديه الاثنين خلف رأسه، مستندًا إلى ظهر الفراش. لا يفكر بذلك الطفل تامر وأنه سيتزوج ميار الجميلة النقية، لا يفكر فيما قالته، بل يفكر بها هي زوجته العنيدة، أو ربما هي معها الحق، أو كامل الحق. ولكنه لا يعلم ما الذي يفعله وما الذي يحدث الآن من الأساس!
***
"اليوم التالي"
ذهب "يزيد" منذ أن استيقظ إلى مَغلق الأخشاب مع أخيه "فاروق" بعد أن طلب منه ذلك لكثرة العمل هناك. وبقيت هي في الغرفة إلى الآن، ففي الآونة الأخيرة هي حبيسة الغرفة وهادئة هدوء لا يوصف.
تقدمت مروة من خزانة الملابس وفتحتها، ثم أخرجت صندوقًا كبيرًا وضعته على الأرضية، وانحنت تأخذ منه صندوق هدايا متوسط الحجم. كان هذا الصندوق لم يفتح إلى الآن. أخذته ووضعته على الفراش، ثم أعادت الصندوق الكبير إلى داخل الخزانة مرة أخرى وأغلقتها.
تقدمت من الفراش وجلست عليه، ثم أمسكت الصندوق وفتحته بهدوء لترى ما الذي يوجد بداخله. وقد كانت علبة صغيرة لونها أزرق بداخلها سلسال راقٍ جدًا ورقيق وأنثوي للغاية. منحوت على شكل عين، ولم تكن أي عين، فقد كانت عينها هي! عينها صاحبة الألوان المتعددة، يبدو أنه كان يرى هذا أيضًا. كانت تحمل ألوانًا متعددة كمثل ألوان عينيها تمامًا. رأتها جميلة حقًا وقد أعجبتها للغاية.
أخذت الصندوق والسلسال، ثم وقفت أمام المرآة، وضعتهم عليها، ثم تقدمت بيدها إلى عُنقها لتنزع سلسال "يزيد" الذي منذ أن أعطاها إياه وهي لم تنزعه عن عُنقها، فقد كان يحمل صورة لشخص أحبته أكثر من نفسها.
وضعت سلسال "يزيد" على المرآة، ثم أمسكت ذلك السلسال المصاحب لشكل عينيها ووضعته حول عُنقها لترى مدى جماله عليها، فقد كان حقًا رقيقًا مثلها. نظرت في الصندوق مرة أخرى لترى أن هناك ورقة على ما يبدو.
أخرجتها ثم نظرت بها لترى كلمات خطت بخط اليد، وقد كانت:
- ملقتش حاجه توصف اختلافك غير دي.
ابتسمت بهدوء، ثم وضعت الورقة بالصندوق وهي تفكر ما الذي ممكن أن تحضره لهم. استدارت لتجلس على الفراش، وجدته يقف عند إطار الباب كما كل مرة حتى لا تراه وهو ينظر عليها. استغربت نظراته لها، فهو يضع عينيه على عنقها الذي يزينه سلسال آخر غير الذي يخصه. فكرت قليلًا، ثم استدارت لتأخذ سلساله وترتديه مرة أخرى، ولكن استمعت إلى صوت شقيقته التي تنادي عليها، فأجابت سريعًا وخرجت من الغرفة.
تقدم هو إلى الداخل، ألقى جاكيته على الفراش، ثم تقدم من المرآة ليرى ذلك الصندوق، وقد تذكره على الفور، فهو لا ينسى مثل هذه الأشياء.
لقد كان هذا الصندوق نفسه الذي أعطتها إياه زوجة عمها عندما أتت لزيارتها هنا وقالت لها أنه هدية من "تامر" ابن عمها. جز على أسنانه بحدة، ثم أمسك به وأخذ تلك الورقة ليرى ما بها أيضًا، ولم يعجبه ما كُتب. أطبق يده عليها بحدة، ثم ألقاها على المرآة بعصبية.
استدار ليذهب، ولكنه عاد لينظر مرة أخرى على ذلك السلسال الذي حمله بين يده، فقد نزعته عن عُنقها وهو يحمل عائلته، يحمل صورة له ولها ولمن سيكون ابنهم في المستقبل.
دون أدنى اهتمام منها، تركته هنا ووضعت آخر لغيره يتغزل بها. أليس من المفترض أنه سيكون زوج أختها؟ ما الذي جعلها تخرج هديته إليها الآن؟
ألقاه بحدة على المرآة وتقدم من المرحاض وهو في غاية الغضب الذي يحاول أن يسيطر عليه حتى لا يفقد ما تبقى بينهم.
دلف إلى المرحاض ليستحم، ثم بعد أن انتهى رأى أنه لم يأخذ ملابس معه إلى الداخل، حتى أن رداء الحمام ليس هنا!
فتح الباب بهدوء، ثم هتف بصوت عالٍ مناديًا باسمها، ولم تجبه، فنادى مرة أخرى وأخرى، إلى أن طفح الكيل به وصرخ بصوت عالٍ ليراها وهي تدلف الغرفة راكضة.
تحدثت متسائلة باستغراب وهي تراه يقف خلف الباب:
- في إيه؟ ليه كل الزعيق ده؟
تحدث بعصبية بعدما رآها تتحدث بكل هذا البرود:
- أنت كنتي فين؟
- عند يسرى.
- هو أنا مش لسه راجع من بره؟ مش المفروض تشوفي لو محتاج حاجة، لكن إزاي طلعتي تجري على بره؟
ابتعلت ما بجوفها وتحدثت بهدوء شديد وهي تنظر إليه:
- أنا آسفة، محتاج إيه؟
نظر إليها باستغراب شديد، لا يصدق الذي يحدث. ما هذا الاستسلام والبرود الذي أصابها؟ تحدث قائلًا بجدية:
- هاتي هدوم ألبسها، الجو برد.
- حاضر.
***
منذ الصباح وقد تغيرت معاملته لها مئة وثمانون درجة. ففي الأيام المنصرمة كان يحاول مراضاتها بسبب ما حدث، ولكن منذ أن رأى هدية "تامر" وهو منزعج، غاضب، لا يريد أن يفعل شيئًا بهدوء. وعلى ما يبدو أنه قد فهم الأمر بشكل خاطئ، كما كل مرة. ابتسمت بسخرية وتحدثت بينها وبين نفسها، فهذه ليست المرة الأولى ليشك بها، فقد كانت مرات كثيرة وليس مرة واحدة.
قررت شيئًا واحدًا فقط، ستفعله والآن.
تقدمت إلى داخل الغرفة وأغلقت باب الشرفة من خلفها، ثم ذهبت إليه في غرفة الصالون. كان يشاهد على التلفاز رياضة المصارعة، يبدو أنه يريد أن يلكم أحدًا.
جلست أمامه على الأريكة، ثم تحدثت قائلة بجدية:
- على فكرة أنت مش محتاج تتعصب ولا تتغير معايا.
نظر إليها ببرود شديد، ثم أبعد نظره وتحدث بجدية قائلًا:
- مين قالك إني متعصب ولا متغير معاكي؟
ابتسمت بسخرية، ثم اعتدلت أمامه متحدثة بهدوء كما اعتادت هذه الآونة:
- بلاش نلف وندور على بعض. أنا لما فتحت هدية تامر، فتحتها علشان أعرف أرد الهدية مش أكتر، لأنه خطب وأختي زي ما أنت عارف، مش علشان أرجع حنين فات ولا حاجة، لأن بردو سبق وقولتلك إننا أخوات.
نظر إلى عنقها وقد وجدها أعادت سلساله مرة أخرى إلى مكانه المناسب، فنظر أمامه وتحدث قائلًا بسعادة داخلية فقط:
- وأنا مش بشك فيكي يا مروة، ومقولتش حاجة من اللي قولتيها دي.
وقفت على قدميها وتقدمت من باب الغرفة، ثم استدارت وقالت له بعتاب ونظرة مرهقة:
- مش لازم نتكلم باللسان، ممكن نتكلم بالنظرات.. أو الأفعال.
فتحت باب الغرفة وخرجت منه وأغلقته خلفها، وتركته ينظر في أثرها بانزعاج. فهو لا يستطيع إلى الآن أن يعلم ما الذي يفعله حتى تعود كما السابق ويمحي من عقلها ما قاله وفعله.
***
ذهبت إلى حيث يوجد صديقه الذي يستمع فقط. ذهبت إلى "ليل" المهيب صاحب الألوان السوداء في كل شيء. جلست أمامه وهي تنظر إليه بـ إرهاق وضعف غريب عليها، لم تعتاده ولم يأتيها من قبل.
تحدثت بهدوء قائلة:
- ازيك يا ليل؟ تصدق وحشتني.
ابتسمت بسخرية وهي تراه ينظر إليها دون أي ردة فعل منه، وكأنه لا يرى شيئًا أمامه:
- إيه؟ حتى أنت مش مصدقني؟ عندك حق، هتصدقني إزاي وصاحبك مكدب كل كلمة بقولها؟ حتى أنه ما عندوش ثقة فيا.
نظرت إلى الأرضية وتحدثت متسائلة وهي تشعر بالضياع:
- تفتكر أنا غلط أني جيت معاه بعد اللي حصل؟ طب هو أنا المفروض أمشي؟
رفعت نظرها إليه مرة أخرى بعد أن تكونت الدموع داخل عينيها الذي بهت بريقها:
- أنا تعبت.. تعبت منه أوي يا ليل وهو مش حاسس، مش حاسس بيا خالص وشايف أن حبه ليا كفاية. شايف أنه المفروض يعمل كل اللي هو عايزه وأنا أسكت واستحمل.
خرجت الدموع من عينيها تفر هاربة على وجنتيها البيضاء. نظرت إلى عينيه السوداء وتسألت بجدية:
- هو أنا غلط في إيه معاه؟ ولا حاجة، أنا كل اللي بعمله أني بستحمل وبسمع كلامه. استحملت كتير من عيلته اللي مش طيقاني ومستعدة استحمل أكتر من كده كمان بس هو يكون كويس معايا. يكون يزيد اللي بحبه وقت النقاش في أي حاجة، وقت ما يقولي بحبك، وقت ما يحضني. مش عايزة أشوف يزيد العصبي اللي بيقول أي كلام مهما كان هو إيه. مش عايزة أشوف يزيد اللي لما الغضب بيتملكه بيمد أيده عليا ويرجع يتأسف.
خرجت الدموع منها بغزارة وهي تسترسل في الحديث أمام جواده، حتى أنها انتحبت في البكاء وأصبح صوتها عالٍ:
- أنا مش ممكن أكمل بالطريقة دي خلاص. تعبت منه ومن كلامه السم اللي بيموت فيا بالبطئ. تعبت من قلة ثقته فيا. أنا هكمل معاه العمر كله؟ طب إزاي وهو كده؟ مستحيل أقدر، مستحيل أفضل عايشة مع واحد مش بيثق فيا، واحد لما بيتعصب بيتحول لهمجي. مش بشوفه في الوقت ده غير كده. واحد مخبي كل حاجة عني وكل إجاباته على أسألتي ناقصة.
- أنا بحبه أوي. بحبه أكتر حد في الدنيا دي ونفسي فعلًا أفضل معاه العمر كله وأخلف منه. بس هو اللي بيبعد وهو اللي بيعمل كل المشاكل دي بقلة ثقته فيا وبعصبيته. هو الطرف الوحيد الغلطان، هو اللي بيخبي كل حاجة عني.
كل اللي بيعمله بس أنه يغلط ويرجع يعتذر وأنا زي الهبلة اسامحه.
أنا جوايا حاجات مش عارفه اوصفها، مش عارفه أقول إيه ولا عارفه أعمل إيه. حاسة إني اتغيرت أوي من وقت اللي حصل، حاسة أن مش هاممني حاجة وبقيت سلبية أوي.
نظرت إليه وهي تزيل تلك الدموع العالقة بأهدابها وتحاول السيطرة على تلك الشهقات الخارجة من جوفها:
أنت فاهمني؟
ابتسمت بسخرية متحدثة بعد أن وقفت على قدميها:
دوشتك بمشاكلي مع صاحبك، أنا آسفة.
أما هو بعد أن استمع لكل هذا الحديث والألم المتواجد داخلها، خرجت دمعة من عينه عليها. على كم الأذى والحزن الذي سببه لها. أزالها سريعًا حتى لا يتيح الفرصة لغيرها بالخروج. إنه يحبها، يعشقها كما تفعل هي بل وأكثر أيضًا. الآن الألم بداخله مضاعف عما سبق. الآن هو يموت ألف مرة في الدقيقة الواحدة. كيف له أن يسبب كل هذا الحزن لها؟ لصاحبة العيون الساحرة. كيف له أن يبيح لنفسه فعل كل هذا بها؟ إنها تحمل كثيرًا وكثيرًا في قلبها حزن منه وهو في كل مرة يجعله يزداد.
يعترف بخطئه، نعم هذه المرة كان الخطأ ليس هينًا، ولكن هذا بسبب حبه لها يريد أن تنجب له أطفالًا. هذا ليس مبرر يعلم أيضًا، ولكنه يعشقها فوق العشق عشقًا. ماذا يفعل الآن معها؟ ماذا يقول؟ ما الحل في هذه الورطة؟ كيف سيجعلها تعود كما السابق ويسترد روحها الذي غادرتها بسببه.
هو يثق بها كما يثق بنفسه، لما لا تفهم هذا؟ فقط غضبه ما يجعله في هذه الصورة. على كل حال سيجد طريقة للتحدث معها في كل شيء مضى وأيضًا سيترك الغضب والعصبية الزائدة في ركن بعيد عنهم هم الاثنين، علها ترضخ له.
رواية براثن اليزيد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم وتقبل شهيدهم وأطعم جائعهم وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"يكذب ليأخذ كل ما تملكه! يكذب ليكون بصف عائلته الكريهة! كل ذلك كذب. كل ما مر عليهم كان كذب."
ولج إلى داخل الغرفة ولم يجدها. فكر أنها ربما مازالت بالأسفل، ولكنه استمع لأصوات تأتي من المرحاض فعلم أنها متواجدة به. أغلق باب غرفة الصالون من الخارج ودلف إلى غرفة النوم عازمًا أمره على إنهاء تلك المسألة بينهم.
وجدها تخرج من المرحاض بوجه باهت كما الأيام السابقة، بيدها منشفة. نظرت إليه نظرة خاطفة ثم أزاحت نظرها عنه وتقدمت إلى الداخل. وقفت أمام الفراش وأزاحت عنها ذلك الرداء الطويل لتبقى بما أسفله، وقد كان قميصًا لونه أبيض يصل إلى ما قبل كاحليها بقليل. أحباله عريضة، يحمل نقوشًا بيضاء على صدره فقط.
بعد أن وضعت الرداء على المقعد، تقدمت من الفراش لتتمدد عليه، ولكن على حين غرة وجدت نفسها بين أحضانه. لا تدري كيف حدث ومتى، ولكن هي الآن بين أحضانه! يضع يده اليمنى خلف رأسها يقربها منه، والأخرى حول خصرها مشددًا على احتضانها كما لو أنه سيفقدها إذا تركها!
استغربت ما حدث ونظرت أمامها في الفراغ بذهول لما يفعله هو. ولكن أمام ذلك الدفء المنبعث من عناقه لها لم تستطع الصمود. لفت يدها هي الأخرى حول عنقه تجذبه إليها كما يفعل، مشددة على ذلك العناق الغريب والذي كانت تحتاجه وبشدة. ولكن هو دائمًا هكذا، كل شيء يأتي منه ليس بمعاده بل بعده بفترات.
طال العناق وكل منهما محتضن الآخر بشدة وكأن الحياة متوقفة على ذلك العناق. طال العناق وكل منهما صامت ولا يتحدث، فقط يشعر بذلك الدفء.
أبعدت عنه بعد أن تركها، ينظر إلى داخل زرقة عينيها وهي تبادله تلك النظرة الغريبة على كلاهما. كل منهما يتحدث بتلك النظرة بكثير من الكلمات. هو آسف، يظهر بعينيه راجيًا منها الغفران كما كل مرة تغفر بها له. وهي ترمي أسهم العتاب عليه متحدثة بأنه لا يمكن الغفران هذه المرة، فقد تفوقت على جميع المرات السابقة.
استدارت لتذهب إلى الفراش بعد أن اخفضت عينيها عنه، ولكنه لم يسمح لها. أمسك بمعصم يدها يديرها إليه مرة أخرى ثم تحدث بخفوت وحزن:
"أنا آسف.. سامحيني."
نظرت إليه ولم تتحدث، ولكن نظرتها تقول الكثير. تقول أنه كل مرة يفعل ذلك ويعود بـ "آسف" الذي لا يغير شيئًا، بل كلما سامحته ازدادت الأخطاء وكثر الأسف.
عندما وجدها صامتة تحدث مرة أخرى بنظرة دافئة تحمل الكثير من المشاعر:
"أنا آسف.. سامحيني يا مروة. أنا عارف إني غلطان واستاهل أي حاجة تحصل لي، بس أنا مش قادر على كده. وعد مني هبطل العصبية الزايدة والكلام اللي بقوله. وعد مني هعملك كل اللي أنتِ عايزاه من غير كلام، بس بلاش تبقي كده."
ضغطت على يده وكأنها تود أن يستمع لحديثها دون ترك يدها، دون البعد عنها. تحدثت بهدوء وخفوت كما فعل قائلة:
"أنا آسفة بس مش قادرة خلاص. تعبت من الكلام ده.. تعبت من كل حاجة حواليا."
يعلم أن ما فعله ليس بهين وهي على حق. ولكن هو يريد زوجته، ليست هذه الدمية. تحدث برجاء قائلًا:
"لو فعلًا بتحبيني سامحيني. أنتِ عارفه أن طبعي وحش لما بتعصب، بس هغير ده عشانك. سامحيني وارجعي مروة مراتي وحبيبتي."
مجهدة إلى حد كبير، حتى أنها لا تستطيع أن تفاوضه أو تتحدث فيما افتعله هو. ولكنها أردفت بجدية:
"أرجع إيه؟ طب ما أنا كنت الشخص اللي أنت عايزه، بس أنت اللي تعبتني وخلتني كده. أنت اللي عملت كل ده بعصبيتك وشكك فيا. أنت اللي مش بتترحمني وبتسم بدني بكلام مفيش واحدة بتسمعه. هو مفيش حد بيتخانق غيرنا يعني مهو أكيد كل الناس بتتخانق، لكن مش كل الناس عصبية زيك يا يزيد. أنا تعبت بجد.. تعبت ومش قادرة بقى."
لن يفكر كثيرًا، فهو على دراية تامة أن حديثها صحيح وهو من يفعل كل ذلك بهم. قال بهدوء محاولًا السيطرة عليه وجعله يرافقه إلى نهاية الحديث:
"هعملك كل اللي أنتِ عايزاه بس بلاش تكوني كده. أنا والله بتعذب من اللي عملته وكل ما بشوفك كده ببقى عايز أموت نفسي. كفاية أرجوكي."
"أنا محتاجة أراجع حساباتي تاني يا يزيد."
نظر إليها باستغراب خائفًا من أن يكون قد فهم ما تريده صحيحًا. تساءل بتردد قائلًا:
"يعني إيه مش فاهم؟"
تركت يده ثم أولته ظهرها وهتفت بتوتر وتردد بذات الوقت:
"يعني محتاجة أراجع حساباتي يا يزيد. محتاجة أبعد شوية وأكون لوحدي."
سريعًا وقف أمامها مباشرة، وملامح وجهه تتغير بين الثانية والأخرى كلما استمع لحديثها. هتف بحدة وجدية شديدة لا تتحمل النقاش:
"مستحيل ده يحصل. مروة متفكريش في حاجة زي دي خالص، أنا مش هسيبك لوحدك ولو يوم حتى وعمري ما هسيبك غير لما أبقى ميت. سمعتي؟"
"محتاجه أخد مساحتي الخاصة."
نظر إلى عينيها وتحدث مجيبًا إياها بجدية:
"براحتك. خدي الوقت اللي تحبيه، لكن وأنتِ معايا وإحنا سوا ووعد مني هتغير وهتشوف شخص تاني. أرجوكي."
لم تفعل شيئًا سوى أنها أومأت إليه برأسها وتوجهت إلى الفراش متمدده عليه ومن فوقها الغطاء الثقيل، وتركته يفكر بها وهل هي وافقت على ما قاله أم أنها مازالت تفكر بما تريده هي.
ربما تفكر بما تريده، فهي لم تتحدث معه كثيرًا ولم تثور عليه أو تقول ما ينصفها أكثر من ذلك! ربما ما هي به الآن بسببه، وحالة الجمود هذه أيضًا بسببه. ليس ربما، بل مؤكد.
"بعد أسبوع"
ترجلت من السيارة بعد أن وقف أمام العمارة المتواجد بها منزل والدها. تنظر له بغرابة، لا تدري لما، ولكن تشعر أن هناك شيئًا ليس طبيعيًا إن كان بها أو به. خرجت شقيقته هي الأخرى لتقف جوار زوجته، بينما هو صف السيارة جوارهم ثم خرج منها ليفتح الصندوق الخلفي لها مخرجًا منه صناديق هدايا كبيرة الحجم قليلًا. ناول شقيقته واحدًا منهم ثم ناول زوجته هي الأخرى مثلها، وبقي هو بكيس كبير في يده. أغلق السيارة ثم تقدم ثلاثتهم إلى داخل البناية.
فتحت الباب "نهى" التي كانت متواجدة منذ الصباح مع صديقتها. رحبت بهم كثيرًا وتقدمت "مروة" لتسلم عليها بحرارة:
"نهى عاملة إيه. والله وحشاني أوي."
احتضنتها صديقة شقيقتها مبتسمة بسعادة بعدما رأتها، ثم هتفت مجيبة إياها بتهكم وعبث:
"يا بكاشة! اللي واحشه حد بيسأل عليه."
ابتعدت "مروة" متحدثة بخجل، فهي محقة، ولكن هناك ما يشغلها طوال الوقت عن الجميع:
"في دي عندك حق. نسيت أعرفك، ده يزيد جوزي ويسرى أخته."
نظرت نهى إليهم ثم رحبت بهم بشدة ودلفوا إلى الداخل معها. خرجت "ميار" من غرفتها لتسلم عليهم جميعًا، مرحبة بـ "يسرى" كثيرًا شاكرة إياها على حضورها.
ثم احتضنت شقيقتها بحرارة وشوق، فلم تراها منذ شهور مضت، فهتفت مروة قائلة مبتسمة وهي تشعر بالفرح لأجل شقيقتها:
"ألف مبروك يا روحي. ربنا يتمم بخير وأشوفك لابسة الأبيض."
"الله يبارك فيكي، عقبال ما أشيل ولادك أنتِ ويزيد."
زالت الابتسامة وهي تنظر إليه، تراه متلهفًا لما قالته شقيقتها. أبعدت كل ذلك عن تفكيرها سريعًا، فهي لا تريد أن تذهب بدوامة الأفكار وتنزع فرحتها وفرحة شقيقتها. تصنعت الابتسامة مرة أخرى وجلست معهم بالغرفة جواره هو. مال عليها قليلًا متحدثًا بجدية وصوت خافض:
"تعالي عايزك."
نظرت إليه باستغراب ولم تستطع أن تجيبه، حيث أنه وقف على قدميه متقدمًا إلى خارج الغرفة بعد أن استأذن الجالسين باحترام.
وقفت أمامه في الخارج تتساءل بعينيها عن ماذا يريد، فأجاب هو بهدوء وجدية:
"أنا هنزل أعدي على المصنع لحد ما تخلصوا وبعدين هاجي."
وضعت يدها أمام صدرها وتحدثت بتهكم قائلة:
"وأنت بقى جاي علشان تروح المصنع؟"
تنفس بعمق. يعلم أنهم كما كانوا، ليس هناك أي جديد، سوى أنها أصبحت تتحدث، ولكن بعصبية أو تهكم. لا يهم، المهم أن هناك تقدم حتى ولو كان اختلاف بمزاجها. أجابها بجدية:
"هقعد أعمل إيه يعني في وسطكم؟ حتى نصر بيه مش هنا. هعدي على المصنع أشوف أخباره وهرجع قبل المعاد."
"طيب."
تقدم منها ليقبل أعلى رأسها بحنان وحب، يخاف من خسارته. أبتعد متحدثًا:
"خلي بالك من نفسك."
أومأت إليه برأسها ليبتسم هو بلين وهدوء ثم خرج من المنزل ليذهب إلى وجهته المنشودة وهي مكان عمله، تاركًا إياها تفكر به وبما يحدث بينهم، ولكن ليس هذا الوقت المناسب.
بعد ساعات مرت، حضر "تامر" ومعه والده ووالدته إلى منزل عمه "نصر" لحفل خطبته على "ميار". كان حفل خطبة ولا أروع من ذلك، وما جعله حقًا ليس له مثيل هي السعادة والفرحة البادية على وجوه الجميع، خاصًا "ميار". وظهر "تامر" هو الآخر سعيد للغاية، فقد استفاق بعد غفلة دامت مدة ليست قصيرة، ولكن كان هذا حكم الله، وما هو فيه الآن أيضًا حكم الله. سعادتهم هم الاثنين لا توصف، والابتسامة المرتسمة على وجوههم تعبر عن كل شيء داخل قلوبهم وتجعلهم كتاب مفتوح لمن حولهم.
سعدت مروة لشقيقتها كثيرًا واكتشفت لما كانت دائمة السؤال عن حبها لـ "تامر". يا لها من مضحية.
لم تتحدث ولو مرة واحدة عن ذلك الأمر إلا عندما تأكدت من حبها لـ "يزيد". ابتسمت بسعادة وهي تراه يضع خاتم الخطبة بإصبع شقيقتها متمنية لهم السعادة الدائمة.
فرح لهم أيضاً "يسرى" و "نهى" صديقة "ميار" ووالدها وعمها وزوجته فرحين لابنهم وهي أيضاً فرح لها أيضاً "يزيد"، ولكنه إلى الآن لا يتقبل "تامر" بالمعنى الكلي!
بعد أن وضع خاتم الخطبة بإصبعها وقدم التهنئة، الجميع جلسوا وتوقفت أصوات الأغاني الشعبية العالية. وقد كان يزيد يقف عند باب الشرفة من الداخل ليدخن سيجارته التي لا يستطيع الإستغناء عنها. نظر إلى الداخل وجد زوجته تتقدم منهم مروة أخرى تحتضن شقيقتها معبرة لها عن سعادتها بها ومتمنية لها السعادة الدائمة، ومن ثم قدمت يدها إلى ابن عمها البغيض لتهنئة، فقام بوضع يده بيدها ثم جذبها إليه ليقبل كلتا وجنتيها محتضنها وهو يبتسم ببرود!
ألقى سيجارته سريعاً على الأرضية ودعسها بقدمه وهو يتقدم إليهم في الداخل وقد قارب على الانفجار من أفعالها. لماذا جعلته يقترب منها إلى هذا الحد؟ ألا ترى زوجها؟ ألا تحترمه على الأقل؟ أحمر وجهه من شدة الغضب الذي حاول التحكم به. ضغط على يده الذي وضعها داخل جيوب بنطاله الأزرق. تقدم منها ثم تصنع الابتسامة بصعوبة قائلاً إلى "ميار":
- مبروك مرة تانية.
- الله يبارك فيك.
نظر إلى زوجته بهدوء وجدية شديدة مرسمة على ملامح وجهه متحدثاً:
- عايزك.
علمت ماذا يريد، فقد رأته وهو ينظر إليها عندما احتضنها "تامر"، ولكن لم يكن لها دخل بهذا الشيء، فهو من جذبها إليه عنوة، فقط كانت تود المصافحة ليس إلا. ابتسمت إليهم ثم أردفت مستأذنة:
- عن اذنكم.
أشار إليها برأسه لتتجه معه إلى ركن بالمنزل بعيد نسبياً عن الجميع، ثم وقف أمامها بوجهه الذي يحمل الجدية التامة ليس شيء سواها وتحدث قائلاً:
- هنزل استناكي تحت في العربية، هاتي يسرى وانزلي، هنروح البيت هنا ونرجع المنيا الصبح.
تحدثت متسائلة باستغراب، فحفل الخطبة مازال مستمر وهو يريد الرحيل؟ وليس حفل شخص عادي، إنه حفل شقيقتها!
- هنمشي دلوقتي؟ لسه بدري.
أجابها بفتور قائلاً وهو يبتعد عنها ليتوجه إلى والدها:
- هروح أسلم على والدك وأنزل.. عشر دقايق وتكونوا تحت.
نظرت عليه وهو يبتعد من أمامها متوجهاً إلى والدها بحزن، خائفة من أن تعود نوبة الغضب المفرط إليه بعد كل ما حدث إليهم. تعلم معه كامل الحق، ولكن هي لم تكن تريد ذلك. هو من جذبها إليه ليحتضنها بدافع الإخوة ليس إلا.
***
جلست على الفراش تنظر إليه بعد أن بدل ملابسه ووقف في شرفة الغرفة يدخن سيجارته ولم يتحدث معها عن أي شيء! نفضت ذلك عن رأسها ووقفت هي الأخرى تبدل ملابسها بهدوء شديد، جاعلة عقلها يتوقف عن التفكير لبضع لحظات فقط.
بعد أن انتهت ذهبت إليه ووقفت جواره ثم سألته بجدية وهي تنظر إليه:
- خلّتنا نمشي ليه؟
لم تلقى ردًا منه. لم ينظر إليها من الأساس وبقى كما هو يدخن سيجارته بهدوء مستفز إليها. فصاحت بحدة قائلة:
- هو أنا مش بكلمك؟
استدار إليها متحدثاً بحدة هو الآخر، وقد كان يريد الهدوء أكثر من ذلك:
- عايزاني استنى لما الحقير ابن عمك ده يعمل إيه؟
تهكمت على حديثه قائلة بسخرية:
- اديك قولت ابن عمي يعني زي أخويا وقريب هيبقى جوز أختي، بطل بقى الغيرة الغبية دي.
وضع السيجارة بالمنفضة على سور الشرفة بعصبية ثم نظر إليها متحدثاً بضيق شديد من حديثها الغبي للغاية وهي لا تشعر بالنيران بداخله:
- بقولك إيه متاكليش دماغي بأم الكلمتين دول. ابن عمك يعني يجوزلك أخوكي، دي تقوليها لما يبقى ابن أمك وأبوكي، ولا أنا أسيب لحم مراتي للي يسوى واللي ميساواش واركب قرون علشان أعجب سيادتك ومتبقاش غيرة غبية؟
لم تجبه. ماذا ستقول؟ لا تعلم من الأساس هل هو معه حق في هذه الكلمات البذيئة أم ماذا؟ نظرت في الخارج ولم تعطيه اهتمام بعد تلك الكلمات. وجدته يستند على سور الشرفة وتحدث بجدية متسائلاً:
- بتخليه يعمل كده ليه يا مروة؟
أجابته بهدوء وصوت خافض وهي تنظر إلى الخارج كما هي:
- غصب عني، أنا كنت بسلم عليه وهو اللي شدني واتصدمت من الموقف ومعرفتش أعمل حاجة.
- تمام.
لم يقل إلا هذه الكلمة البسيطة، ولكن كانت من خلف قلبه وعقله وروحه وكل شيء داخله. فقد كان يحترق بنيران الغيرة والغضب، ولكن لا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك. هو على أول الطريق معها، لن يتحدث ولن يقول شيء، سيجعلها تعلم ما الخطأ الذي فعلته دون أن يتحدث. دلف إلى الغرفة وصعد على الفراش ليتمدد ومن ثم وضع الغطاء فوقه وتوجه للنوم.
وقفت هي تنظر إليه وإلى ردة فعله الغريبة كلياً عليها. منذ متى وهو هكذا؟ ربما يحاول التخفيف من حدة غضبه وثورته، ولكنها أيضاً مخطئة، هي مؤكد لن تتحمل أن يفعل هو هذا الشيء مع أي امرأة أخرى. ستجعله يلين ويغفر لها، فهي أيضاً لم تفعل هذا بقصد منها، لقد حدث على حين غرة.
***
"بعد مرور شهر"
تحدثت "ريهام" بحقد وغل يظهر في كل حرف تخرجه من بين شفتيها:
- ده واد غبي.. قولتله يروح المعرض ويحكي معاها ولما يزيد يسأله أنت مين يقوله أنه كان حبيبها وكانوا زملا ومع بعض على الحلوة والمرة ويسبك الدور، وحتى لو مسألوش يقوله هو. راح الغبي ده أول ما شاف يزيد خاف وكش في نفسه وقاله أنهم كانوا زملا لا أكتر ولا أقل وبوظ الدنيا الغبي ده.
ابتسمت بمكر ثم أكملت:
- بس في المرة التانية لما جالي يزيد واتكلم معايا حسيت أنه شاكك فيها أنها بتاخد وسيلة لمنع الحمل، وأنا مقصرتش خليته يتأكد بدل ما هو شاكك.
قاربت "إيمان" على التحدث ولكن صمتت عندما وجدت من يدلف إلى المطبخ بهدوء شديد و ملامحه جادة.
دلف إليهم "يزيد" ثم استأذن من زوجة شقيقه أن تتركهم وحدهم، ففعلت وهي تحمد الله كثيراً أنها لم تتحدث، فمؤكد أنه استمع إلى حديث "ريهام" من الألف إلى الياء.
ابتلعت "ريهام" ما وقف بحلقها، فهو قد يكون استمع إليها. نظرت إليه بتوجس وهو يتقدم منها بهدوء، ولكنه ابتسم قائلاً:
- طبعاً أنا وأنت صحاب من زمان أوي وأنا من غيرك في الشهور اللي فاتت دي مكنتش هعرف أمشي شغلي نهائي بسبب الظروف اللي حصلتلي.. فـ أنا عايز أقولك شكراً.
حمدت الله كثيراً وكثيراً بنفسها، فقد وقع قلبها بين قدميها من أن يكون استمع لما قالته عنه وعن زوجته وما فعلته. تحدثت بسعادة قائلة:
- متقولش كده يا يزيد، أنت عارف إنك أعز صاحب عندي.
- وعشان كده يا ريهام بقولك اطلعي من حياتي.
صدمة.. وقعت عليها كالصاعقة. كلماته حادة وشديدة الجدية. نظرت إليه باستفهام، فقال هو بهدوء:
- البيت ده بيتي وأنا فتحتهولك ومراتي استقبلتك فيه، وأنت غدرتي بيا. صحيح مروة مكنتش مرتاحة لوجودك، بس أنا طمنتها وقولتلها إنك صاحبتي وعمرك ما تعملي حاجة وحشة، لكن للأسف.. لولا إنك جيتي امبارح بقى بالورق مكنتش هعرف أنت عملتي إيه. من غير كلام كتير بقى هبعت هشام بكره المصنع يستلم كل شغلك وصفي حسابك معاه وامشي وخلينا كويسين مع بعض من بعيد يا ريهام.. توصلي بالسلامة.
تركها وذهب إلى الخارج وهو في غاية الحزن على تلك الفتاة التي اعتبرها صديقته! لقد كانت تريد التخريب بينه وبين زوجته كما يفعل الآخرون، ولكن لما ذلك؟ لما الجميع كاره وجود مروة والسعادة بحياته؟ لن يحزن عليها، حمداً لله أنه كشفها قبل فوات الأوان.
بينما هي وقفت مندهشة من الذي حدث وكم كانت غبية حقاً! الأن فقط عن خسارته استفاقت! هي لما فعلت كل ذلك؟ لما تكره زوجته؟ فهي لم تفعل معها أي شيء سيء. هي لا تحبه حتى تغير منها، هو فقط صديق لها، لماذا إذاً فعلت كل ذلك؟ لقد كان غباء منها وجعلها تترك كل شيء يضيع هدراً. لقد كانت غبية لا تفقه شيء عندما فعلت كل هذا، ولكن تستحق ما فعله بها، لقد كان كريماً معها أيضاً. توجهت إلى الداخل لتضب أغراضها حتى ترحل من هنا دون رجعة، مقررة الذهاب الآن.
***
دلف غرفته ووجدها تجلس أمام التلفاز. أغلق الباب وتقدم منها بهدوء ليجلس جوارها ثم تحدث قائلاً:
- أنا خليت ريهام تسيب الشغل.
أغلقت التلفاز ونظرت إليه باستغراب شديد ثم تحدثت بجدية متسائلة:
- متقولش علشان أنا زعلت أنها جت امبارح؟
تمدد على الأريكة ووضع رأسه على قدميها، فوضعت يدها على خصلات شعره تمررها بهدوء. لقد أصبحت العلاقة بينهم كما كانت بالسابق وأكثر قرباً بمرور مواقف عليهم، تحكم "يزيد" فيها بغضبه، وبمرور مواقف أظهر كلا منهما الحب القابع داخل قلوبهم.
تحدث بهدوء قائلاً:
- اكتشفت أنها بتعمل غلطات كتير أوي وأنا مش واخد بالي.
تحدثت باستغراب وتساءلت ومن ثم قدمت حسن النية الذي يوجد بداخلها لكل من حولها:
- وهو علشان بتعمل غلطات يبقى تمشي؟ مش هي صاحبتك يا يزيد؟ اديها فرصة تصلح الأخطاء دي.
نظر إليها مبتسماً بهدوء، فقد كانت ملاك برئ كما قال. لم يخطئ إلى اليوم في وصفها:
- لأ يا مروة كان لازم تمشي.
ممكن منتكلمش في الموضوع ده؟
أومأت إليه بهدوء ولكن برأسها ألف سؤال عن ما الذي حدث حتى يجعلها تترك العمل معه.
نظر إليها مبتسمًا بإرهاق ثم تحدث قائلًا بهدوء:
- بقولك إيه أنا تعبان ما تريحيني.
ابتسمت بسعادة وهي تخلل أصابعها داخل خصلات شعره الذي يضعه فوق قدميها، وعلمت ما الذي يريده فهتفت بهدوء وخفوت قائلة:
- بحبك.
ابتسم بوجهها ثم اعتدل ليجلس أمامها وقارب على الإقتراب من شفتيها ليقبلها بهدوء وحب معبر عن مدى سعادته بوجودها، ولكن وجدها سريعًا تهم للذهاب إلى المرحاض واضعة يدها على فمها. ذهب خلفها سريعًا ولكنها أغلقت الباب عليها ليقف بالخارج ينتظرها وهو يطالب بمعرفة أي شيء يجعل قلقه يخمد.
- افتحي يا مروة بقى الباب ده قلقتيني.
صمت لبرهة ثم هم بالتحدث مرة أخرى ولكن وجدها تخرج وهي تجفف وجهها بالمنشفة. اقترب منها سريعًا متحدثًا بلهفة وخوف:
- مالك في إيه؟
نظرت إليه بهدوء هي الأخرى وتحدثت بجدية:
- مالك أنت فيه؟ أنا واخده برد في معدتي من يومين.
نظر إليها وقد كان يود أن يستمع إلى شيء آخر ولكن ليس هو على الأغلب. تحدث قائلًا بتساؤل:
- برد بس؟
علمت ما الذي يرمي إليه لتجيبه بهدوء ونظرة ضائعة:
- للأسف.
وضع يده حول كتفيها وتحدث بهدوء وهو يأخذها إلى الفراش قائلًا:
- طيب يا حبيبتي بكره نروح نكشف.
أجابته قائلة بعد أن جلست على الفراش:
- لأ لأ أنا معايا العلاج بتاعي ده دور لازم أخده في الشتا.
- متأكدة؟
- آه.
أغلق الأنوار وتوجه ليتمدد جوارها بعد أن سحب الغطاء عليهم قائلًا بهدوء وهو يحتضنها:
- طب يلا ارتاحي شوية. تصبحي على خير.
- وأنت بخير يا حبيبي.
"اليوم التالي"
وكأن السعادة خلقت الآن بالتحديد لتكون على اسمها، "مروة" ذلك الاسم الذي اختاره جدها ليكن من نصيبها أحبته ولكن أحبته فوق الحب حبًا بعد أن عرفت حبيبها، بعد أن ناداها بـ "مروة قلبه" وبعد أن قال في كل الأوقات "مروتي".
التشتت كان من نصيبها منذ أن عرفته خوفًا من فرط عصبيته ولكن حنانه وحبه كان الطاغي على كل شيء به. وقد مر شهر منذ ذلك اليوم الذي طلبت به البعد لفترة وإلى الآن لم يأتي اليوم الذي يزداد فيه غضبه عليها.
لم يفعل أي شيء غير لائق، لم يتحدث بعصبية على أتفه الأشياء كما السابق، أو حتى أشياء ذات قيمة. هو الآن هادئ، لين، حنون. بعد ما حدث أصبحت حياتهم أهدأ بكثير من السابق. أفكارها مشتتة إلى الآن لا تدري هل تتحدث عن حبها له، أم حبه لها، أو التغير الذي طرأ على حياتهم، أو تلك المفاجأة التي تريد أن تضعها بقلبها له. أتدرون؟ الأحسن من كل ذلك هو أن تهبط إليه وتحضره إلى هنا.
أول مكان اعترفت إليه بحبها فيه وهو أيضًا. نظرت إلى الغرفة التي جهزتها هي و "يسرى" لتظهر في أحسن صورة لتحظى معه بلحظات لا تُنسى وتجعله لا يتذكر سوى هذه اللحظات ماحيًا من عقله كل ما مر عليهم من حزن. ستفعل كل شيء ليبقى سعيد. ستفعل كل شيء لأجله. لأجله فقط!
ذهبت إلى خارج الغرفة متوجهة إلى غرفة شقيقة زوجها التي سمحت لها بالدخول فور أن دقت الباب. دلفت إليها لتسألها قائلة بابتسامة:
- فين أخوكي ده المغرب هيأذن.
ابتسمت الأخرى بسخرية شديدة وتهكم ثم أجابتها قائلة:
- سيدي يا سيدي على اللي مش قادر يستنى. تحت ياختي في المكتب روحيله.
أجابتها "مروة" والابتسامة تشق طريقها على وجهها متحدثة بحماس:
- عقبالك ياختي. ويلا بقى حضري نفسك علشان عندنا حاجات كتير نعملها الفرح فاضل عليه أقل من شهرين.
- عيوني يا جميل.
تركتها "مروة" وخرجت بعد أن أغلقت الباب لتهبط الدرج بهدوء، والسعادة تغمر قلبها، تسيطر عليها لا تدري هل الأمر يستدعي كل هذا أم لا ولكن الأمر حقًا غريب عليها وهي سعيدة للغاية وتريد أن تجعله يسعد معها لذا عليه أن يرى الغرفة أولًا.
ذهبت أمام باب المكتب. وضعت يدها على المقبض وكادت أن تحركه لتدلف إليه ولكن.. ليس كل ما يتمناه المرء يحدث.
زالت الابتسامة عن ثغرها تدريجيًا. السعادة التي كانت تدق كالطبول بقلبها الآن تدق خوفًا، قهرًا. جسدها بأكمله يرتعش. تكونت الدموع خلف جفنيها وأصبحت زرقة عينيها معتمة للغاية. كل ما حلمت به وكأنه كان زجاج وبغمضة عين ولحظة تهور سقط ليقع على الأرض مُتهشمًا إلى أشلاء.
كل ذلك حدث بثوانٍ، لحظات، لحظات استمعت بها إلى صوت شقيقه من خلف الباب وهو يهتف بقسوة وجدية:
- ضحكت عليك بت طوبار ولا إيه؟ كفاية بقى يا ابن أمي وأبويا فات كتير أوي وده مكنش الاتفاق فين اللي اخدته منها الوقت بيعدي.. لولا بس أن أمي هي اللي سكتتنا عنك الفترة اللي فاتت كان هيبقالنا تصرف تاني.
واستمعت إلى صوت عمه هو الآخر يقول بحزم شديد:
- إحنا اتفقنا يا يزيد أنك هتاخد منها كل اللي تملكه وترجع حق العيلة وخدنا منك كلمة راجل.
ومن ثم أمه بصوتها البغيض على قلبها:
- كل الكلام الحلو اللي بتضحك عليها بيه ده مكفهاش، والحركات الماسخة بتاعتكم دي مجبتش نتيجة علشان تاخد منها اللي أنت عايزه.
- حاضر، بس كده؟ هعمل كل اللي انتوا عايزينه.. ما انتوا أهلي وأولى ليا من أي حد.
ومن ثم هوى قلبها بين قدميها وتركت المقبض تضع يدها على جانبها الأيسر خوفًا من فقدان حياتها. الدموع الآن تعرف مصارها الصحيح بعد أن استمعت إلى كلماته التي خرجت من جوفه ببساطة، بهدوء وكأن شيء لم يكن. وكأن ما عاشته معه كان كذبه!
كان.. هو حقًا كان كذبه. يكذب ليأخذ كل ما تملكه! يكذب ليكون بصف عائلته الكريهة! كل ذلك كذب. كل ما مر عليهم كذب. مؤامرة.. قد قالت له قبل أن هناك مؤامرة تحدث من حولها ولم يُخيب ظنها. ولكن ما جعل القهر يسيطر عليها أنه شريك بتلك المؤامرة.
رواية براثن اليزيد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيداً ونصيراً وقائداً وظهيراً. سبحانك إنك على كل شيء قدير. فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"وقد كان الحزن في هذه الليلة يسيطر على الجميع، والجميع هنا خاص بـ "يزيد" و "مروة".
استكمل حديثه قائلاً بجدية شديدة بعد أن وقف على قدميه أمامهم:
- انتوا فعلًا أهلي وأولى ليا، بس أنا مش أولى ليكم. ليه؟ مستكترين عليا الفرحة اللي أنا فيها؟
وقف أمام والدته سائلاً إياها باستغراب وحزن تلبسه منذ أن علم أنهم لا يريدون شيء سوى الانتقام والمال:
- مستكتره على ابنك الفرحة مع مراته؟ امتى شوفتيني فرحان؟ قوليلي يمكن مش فاكر؟ قوليلي أنا بقالي كام سنة وأنا حمار شغل ليكم؟ لحد ما بقى عندي تلاتين سنة وعمري ما فكرت أتجوز. دا انتوا اللي فكرتوا ولما فكرتوا كان علشان مصلحتكم مش علشاني ووافقت. وافقت بعد ما كلامكم غلبني، بس هي وحبها وخوفها عليا غلبوني أكتر. بتحبني أكتر منكم يا عالم!
أجابته وهي تنظر إليه خائفة من أن يكون حديثه صحيح، متغلبه على عرق الأمومة قائلة بجدية:
- محدش هيحبك أكتر من أهلك.
صرخ بها بعنف وداخل قلبه يحترق لأجل كل شيء حدث معه:
- كدب! كل ده كدب. انتوا محدش فيكم حبني، هي الوحيدة اللي حبتني.
استدار ليقف أمام شقيقه الذي من المفترض أنه الأكبر. ابتسم بسخرية وتكونت الدموع داخل عينيه محاولًا السيطرة عليها. تحدث قائلاً:
- الأخ الكبير أهلًا أهلًا. اللي مش بيفكر غير في نفسه ودلدول مراته.
أتى ليتحدث بغضب حتى يصمت عن ذلك الحديث، ولكن يزيد صرخ هو الآخر قائلاً:
- اسكت خالص. متتكلمش خالص يا ابن الراجحي. إيه حرقتك؟ ما أنت دلدول مراتك. هو أنا قولت حاجة غلط؟ ماهو ده اللي بيحصل كل يوم وفي كل ساعة وكل دقيقة وكل لحظة. أنت عارف مراتك دي عملت كام حاجة تخرب البيوت العمرانة من وراك؟ طبعًا متعرفش. ولو عرفت يعني هتعمل إيه؟ ولا حاجة. بتحبوني إزاي؟ دا أنت لما شوفت مراتي في اليوم إياه مغضتش بصرك عنها.
نظر إليه بتقزز بينما أخيه أخفض وجهه بالأرض. ابتسم بتهكم ثم استدار إلى عمه والذي أتى دوره ليأخذ نصيبه من هذا الحديث القاسي:
- عمي الراجل الوقور الصالح. يا مليون مرحب بيك. عارف يا عمي المفروض أنك الكبير العاقل الوحيد اللي فقد كتير بينا. المفروض تقول لنفسك اتعظ. لكن إزاي؟ أهم شيء الانتقام والفلوس. مش كده؟
أبتعد عنهم جميعًا ووقف قبالتهم. نظر إليهم واحدًا تلو الآخر بهدوء والحزن يسيطر على جميع خلاياه. تحدث قائلاً بكسرة وضعف:
- في ظل أنكم حسستوني أني مش مهم وانتوا شايفين سعادتي معاها. يعني على الأقل كان المفروض تقدروا ده وتقولوا ده الواد فرحان خلاص بلاها الحكاية دي وخلوه فرحان. لكن ده محصلش. هي بقى كانت بتعمل كل الحلو ليا. كنت أنا بغلط وهي تتعذر. أضرب وهي تصالح. وأبعد وهي تقرب. هي الوحيدة اللي كانت عيلتي. هي اللي حسستني بالحب والحنان. الاهتمام.
نظر إلى والدته وأكمل مبتسمًا:
- الأمومة مش القسوة. وكانت الزوجة الصالحة بين كل ده. إزاي عايزاني أضحك عليها وأبيعها كده بالساهل؟
وضع يده بجيب بنطاله ووقف بشموخ بعد أن زال دمعة أرادت الفرار من حبس جفنه. تحدث بقسوة وجدية شديدة:
- اللي عايزينه مش هيحصل. وأهي مراتي فوق. اللي عايز يطلع يقولها يتفضل يروح. وكده كده هي نص ساعة بالكتير وهقولها بنفسي كل حاجة من الألف للياء. بس وديني ما واحد فيكم يعملها قبلي ويروح يقولها. ما هيبقى ليكم حد اسمه يزيد في الدنيا دي.
نظر إلى والدته متحدثًا بحدة ونفس تلك القسوة ترافقه:
- تنسي أن ليكي ابن اسمه يزيد.
ومن ثم نظر إلى شقيقه وأكمل:
- وأنت تنسى أن ليك أخ من الأساس. وديني وما أعبد ما هتشوفوا وشي مدا الحياة لحد ما أموت. ولما أموت محدش فيكم واقف في عزايا. ابقوا اعملوها بقى.
بسرعة الرياح خرج من الغرفة وإلى خارج المنزل وعقله يكاد يتوقف عن التفكير. من كثرة ما وجد فيه الآن. لقد أخذ قراره اليوم ستعلم كل ما حدث. لن يصمت أكثر من ذلك. لن يدعها تضيع منه إلى الأبد. سيقول لها كل شيء وينتهي ذلك العناء. سيذهب بها إلى أي مكان تطالب به حتى يبتعد عن الجميع.
بينما في الداخل نظرت والدته إلى ابنها الأكبر وهي تفكر في كلمات "يزيد". لقد كان يتحدث بحرقة وحزن لا يوصف. لقد عانى ابنها كثيرًا وهي تزيد عليه معهم. منذ شهر وجدته مرهقًا. جعلتهم لا يتحدثون معه حتى يستريح. كان عليها أن تجعلهم لا يتحدثون أبدًا. لقد استمعت إلى كلمات تقطع الآن نياط قلبها. ابنها معه كامل الحق في حديثه. وهي معهم عليه. كيف تعتذر منه؟ كيف تقول أنها كانت تريد أن تأتي بحق زوجها؟ عائلة زوجته تستحق أسوأ شيء. ولكنها كانت تعاقب ابنها وليس تلك العائلة!
وقفت خلف باب الغرفة والدموع تجري على وجنتيها. قلبها يقرع كالجرس الذي وضع أحدهم إصبعه عليه دون أن يحيده عنه. القهر والخذلان يسيطران عليها. لقد خذلها بأبشع الطرق. قابلته وهو متعجرف مغرور. تغير تدريجيًا. أحبته إلى درجة لا توصف. عشقته. تطيق العمى ولا تطيق الأذى إليه ولو برياح تزعج عينيه. أحبته إلى درجة الجنون والهوس. عشقته إلى أن أصبحت لا تستطيع النوم سوى جواره. اعترفت بحبها إليه وهي متيقنة أنه يحبها. فعلت كل ما كان بوسعها لتعيش معه بسعادة. والآن فقط علمت لماذا لا يستطيع أن يبتعد عن أهله ويعيش معها بمنزله! لا تستطيع أن تصف كيف تحبه وتعشقه. كيف تخاف عليه كما لو أنه من تبقى لها من الدنيا وما فيها. لا تستطيع أن تصف أي شيء.
دلفت إلى داخل غرفة النوم ودموعها لا تتوقف عن النزول. نظرت إلى كل شيء فعلته بالغرفة. تلك الورود الحمراء الذي وضعتها بكل مكان. هذه الشموع المنتظرة لاشعالها. الفراش الموضوع عليه مكتوب منها إلى حبيب قلبها. زينة الجدران. معطر الجو الذي ينعش الغرفة برائحة الياسمين الذي يعشقها. ذلك الطعام الذي يحبه. مشروب الليمون بالنعناع أيضًا.
دلفت بهمجية إلى الغرفة وسارت تبعثر كل شيء في الأرجاء. أمسكت الشموع من على الكومود والقتهم أرضًا. دعست الورود بقدميها وهي تبكي وتنتحب بصوت عال. أخذت المكتوب ومزقته إلى أشلاء ثم نظرت إليه بين يديها وسارت دموعها أكثر عندما علمت حجم الكارثة الذي أصبحت بها عندما نظرت إلى ذلك المكتوب! ولكن لم تستطيع الصمود أكثر من ذلك. ألقت ما بيدها أرضًا ودفعت صينية الطعام بيدها ليتناثر على أرضية الغرفة. وتنكسر الصينية إلى أشلاء. بيدها ألقت كل محتويات المرآة لتتهشم وتصبح دون فائدة. ثم أخذت عطرها الخاص الذي يحمل رائحة الياسمين والقته ليتهشم وتتناثر قطع الزجاج على الأرضية مع الرائحة النفاذة. جذبت ملاءة الفراش والقتها أرضًا هي الأخرى ودعستها بقدميها عدة مرات. ثم ومن دون مقدمات هوت قدميها لتجلس بجانب الفراش.
جلست تبكي بقهر على كل لحظة مرت بحياتها معه. تبكي على ذلك الحب الذي أعطته إياه. تبكي على كل شيء فعلته معه. نظرت إلى الفراش الذي كانت تنام عليه جواره. جوار شخص كان يريد سرقتها؟ لم يكن أمينًا على أي شيء بها. لم يكن أمينًا على أي شيء يخصها. الشعور الملازم لها الآن ليس له وصف. لقد كذب عليها. خدعها بحبه لها. كل ما فعله خدعة. كل تلك المشاعر خدعة؟ النظرات والكلمات؟ تلك اللحظات الحميمية أيضًا كانت خدعة؟ كيف فعلها؟ كيف تحكم بنفسه ليفعل كل ذلك؟ وضعت يدها على فمها عندما ازداد صوت بكائها. الآن هي تائهة ولا تعلم ما السبيل للبعد عن كل ذلك؟
داهم عقلها شيء واحد فقط وهو عمها. وقفت سريعًا على قدميها ومن دون التفكير خرجت من الغرفة. هبطت الدرج وخرجت من المنزل لتذهب إلى بيت عمها الآن سريعًا. لتعلم كل ما حدث بالماضي يجعله يفعل بها ذلك الأمر الشنيع.
بين بيت عمها بيت زوجها عشرة دقائق مشيًا على الأقدام. سارت ومازالت الدموع تخرج وكأنه أبواب السماء داخل عينيها فتحت لتمطر كل هذا الكم من الماء. تتذكر حديثه وتهديدات "فاروق" له بالحرف الواحد وهو يخضع حتى لا يفضح أمره. تتذكر كلمات الجميع لها وله وقد كان كل ذلك جزء من المسرحية عندما أراد الذهاب. يا له من وغد. هذا هو السبب الحقيقي للزواج إذا! هذا هو الذي يعرفه الجميع ولا أحد يقوله. لتكن المغفلة الوحيدة التي يأخذون منها ما أرادوا.
تتذكر ذلك اليوم الذي ظل يسأل به عن كل شيء تملكه. لقد كان يريد معرفة أملاكها حتى يأخذها منها. تتذكر كل شيء الآن فقط فهمت ما الذي كان يحدث.
تتذكره وهو يوافقهم قائلاً أنهم أهم من أي شخص آخر.
لقد أحبته. أحبته بشدة ولا تستطيع العيش بدونه حتى الآن بعدما عملت كل شيء. أنه "يزيد" من جعل حياتها ترسم الابتسامة بنفسها. ولكن كان يكذب. يخدعها لتقع بعشقه وتسلمه ما يريد بسهولة. لتعطيه كل ما تملكه هي وعائلتها.
وكأنه أتى بخنجر بارد ووضعه بنصف قلبها وهو ينظر داخل عينيها دون ذرة ندم. وهي تبتسم إليه وتقول أحبك.
وصلت إلى منزل عمها. دلفت من البوابة الخارجية إلى الحديقة وقد وجدت تامر يتحدث بالهاتف مبتسمًا بسعادة. ربما يتحدث مع شقيقتها. على الأقل يوجد هناك واحدة منهم سعيدة. رآها من بعيد فأغلق الهاتف سريعًا وأتى لها يسألها بلهفة بعد أن رأي مظهرها عن قرب:
- مالك يا مروة في إيه؟
ايه اللي حصل
نظرت إليه ولا تستطيع التحدث، فقط تريد البكاء. البكاء المطلق لا يصاحبه أي شيء. نظرت إليه وتذكرت غيرته من ابن عمها، هل أيضاً كانت كذبة؟
ازدادت الدموع في الهطول وتحدثت بصعوبة سائلة إياه:
- عمي فين؟
لا يستطيع الضغط عليها وهي في هذه الحالة، أشار إلى الداخل وهو يمسك يدها يساعدها على الدخول:
- جوا، تعالي.
دلفت إلى المنزل ورأت عمها يجلس ومعه زوجته يشربان كوبان من الشاي. انتفض عمها لمظهرها عندما وقعت عينيه عليها ووقف سريعاً متقدماً منها يهتف بلهفة وخوف:
- مروة بنتي مالك.. حصلك ايه؟
خرجت الكلمات منها كالميتة، لا تود إلا معرفة ما حدث فقط:
- ايه اللي حصل زمان بينكم وبين عيلة يزيد يا عمي؟
ساندتها زوجة عمها لتجلس على الأريكة وسألتها قائلة بجدية وخوف:
- أوعي يكون يزيد ضربك؟
حضرت شياطين "تامر" عندما استمع إلى هذه الكلمات من والدته، صائحاً بصوت عالي وهو يتوجه للخارج:
- ضربها! دا أنا أشرب من دمه.
نادته سريعاً قائلة بلهفة وخوف من أن يصيب زوجها ومن خدعها بالحب مكره:
- لأ يا تامر، معملش حاجة والله... علشان خاطري تعالي.
فعاد مرة أخرى يسألها ما الذي حدث، وتجيب بأنها تريد أن تعرف كل شيء في المقام الأول. فجلس عمها وقد بدا الحزن عليه الآن. وجلس "تامر" جوارها مطالباً بهدوئها، ثم استمعت إلى صوت عمها يقول بجدية وهو يقص عليهم الذي حدث منذ سنوات مضت:
- جدك وجد يزيد كانوا صحاب من زمان أوي من لما كانوا في الصعيد الجواني واللي لحد دلوقتي ماشين بتقاليده. كبروا وكبروا شغلهم سوا وجم على هنا ولسه صحاب والعيلتين صحاب. جالهم واحد خواجة طلب منهم يدخلوا فلوسهم في الحديد وهما في الوقت ده كانوا تجار خشب ومايفهموش حاجة في الحديد. جدك خاف ليضيع شقاهم ورفض، أما جد يزيد صمم لما الخواجة لعب في دماغه. فضوا الشراكة سوا وراح جد يزيد حط فلوسه كلها مع الخواجة وإذا فجأة يطلع نصاب وفص ملح وداب. وبعديها مات جده.
نعم، استمعت إلى تلك الكلمات من "يسرى"، ولكن ما ذنب عائلتها؟ ليس لهم علاقة بما حدث. لقد حظره جدها وهو لم يستمع، ما ذنبهم الآن!
استمعت إليه يكمل بحزن وأسى:
- عاشوا في فقر وحزن. جدك حاول يساعدهم، سابت عم يزيد رفض رفض تام ومنعرفش إيه السبب. جدك مات، صحيح عمره خلص بس من زعله على صاحبه. وبعديها بكام شهر مات أبو يزيد. حاولت أنا أساعد بردو، سابت رفض أي قرب مننا مرة واحدة كده ومن هنا بدأت العداوة وقالوا إن جدك نصب عليهم وكل اللي عندنا ده بتاعهم، بس يعلم ربنا إن ده محصلش يابتي، ده كان من قهرهم.
كل ما فعله كذب بدافع مكذوب فيه! تحزن على ماذا الآن؟ عليه أم على عائلتها المظلومة؟ أم على نفسها وحبها؟ تحزن على من؟
- العيلتين بعدوا عن بعض تماماً ما عدا كامل وزاهر فضلوا أصحاب. زاهر أبوه مكنش يعرف كان خايف منه، أما أنا كنت عارف وسبتهم، قولت يمكن يرجعوا كل حاجة زي الأول وترجع الصلة اللي كانت بينا حتى علشان عضم التربة. بس حصل غير كده، في يوم كانوا سهرانين وزاهر تقل بالكلام على كامل وقالوه كتير عننا وأننا حرامية ونصابين، مستحملش كامل وضربوا بعض وهما بيضربوا بعض كامل زقه وقع على دماغه على حجرة في الأرض وساح في دمه. بعديها بكام يوم ماتت أمه وراه والعداوة زادت، بس كامل خد جزاءه وانحبس. ومن بعد ما خرج أهو مشوفتوش لحد النهاردة وهو مهاجر. وأنت عارفه الباقي.
وقفت على قدميها ووقف جوارها "تامر"، فتحدثت قائلة بجدية وهي تزيل دموع عينها:
- أنا همشي. لو مجتش هنا قبل الساعة عشرة تعالي خدني من هناك.
أمسك بيدها بحدة، خائف عليها، خائف أن يصيبها مكروه وسط تلك العائلة وهو لا يعلم من الأساس ما الذي يحدث. تحدث قائلاً بجدية:
- تمشي فين؟ مش هتطلعي من هنا غير لما أفهم في ايه وايه اللي عمل فيكي كده.
أردفت بجدية هي الأخرى مقدرة قلقه عليها:
- اسمعني أرجوك. أنا مش هقدر أقول حاجة دلوقتي. متخافش عليا، أنا في بيت يزيد ومحدش يقدر يعمل فيا أي حاجة طول ما يزيد معايا.
خرجت الدموع مرة أخرى على هذا الكذب الذي تتحدث به. هي لن تشعر بالأمان معه بعد الآن. فقط قالت هذا لتجعله يتركها تذهب، ولكن "يزيد" ليس أمانها الآن، وللحقيقة أصبحت تخاف منه.
- ممكن متقولش حاجة لميار ولا بابا. ومتنساش الساعة عشرة!
أومأ إليها ثم سارت وتركتهم. حاول الخروج معها ولكنها منعته، ليبقى ينظر في أثرها ولا يدري ما الذي يحدث معها. ابنة عمه الغالية على قلبه، الذي اعتبرها شقيقته!
خرجت وقد حل الليل على البلدة بأكملها. ازداد الهواء والبرد القارس. وضعت يدها حول صدرها تحتضن نفسها وهي تسير متجهة إلى منزل زوجها الكاذب. الهواء الطلق يزيح خصلاتها للخلف بشدة وقوة. وأعلنت السماء حزنها على ما حدث لها وأصبحت تمطر بغزارة.
أمطار السماء تهطل وأمطار عينيها معها. ماذا تقول بعد كل ما حدث؟ عائلتها ليس لها دخل فيما حدث معهم. لم يفعلوا شيء مشين لهم. لما إذا فعلوا بها كل ذلك؟ لما أرادوا الانتقام منهم وهم بريئين؟ هل هو يعرف ذلك؟ مؤكد يعرف. مؤكد.
سارت البرودة داخل جسدها وهي تسير وتبكي خائفة من القادم عليهم ثلاثتهم!
***
فكر كثيراً وكثيراً. لقد ذهب الكثير من الوقت بصحبتها وهو خائف. لو فقط تحدث معها وقال الحقيقة منذ البداية لبقيت معه. لاحترمت صدقه وحبه لها وبقيت. ولكن الآن حتماً ستذهب.
ولكن لا يهم، إن أرادت تفعل لن يمنعها، هي بالنهاية زوجته ويستطيع أن يجعلها تعود إليه. تعود إلى منزله ليبقوا به ويستكملون العيش سوياً هناك كما أرادت. يحبها، بل يعشقها وسيفعل أي شيء لأجلها، لأجل اسعادها. هو كان مخطئ والآن سيصلح هذا الخطأ باعترافه على نفسه وعلى كل شيء فعله.
دلف إلى غرفة الصالون وجد رائحة الياسمين تقابله بقوة. أخذت عقله هذه الرائحة. لو تعلم ماذا تفعل به هذه الرائحة لبقى بالنسبة إليها هش ضعيف كما أضعف الرجال. ولكن مهلاً! كلما تقدم إلى الداخل وضحت الرؤية يرى أشياء مبعثرة في الأرض لأول مرة منذ زواجه!
دلف إلى غرفة النوم وياليته لم يفعل! الفراش ليس عليه ملاءة. أوراق ممزقة على الأرضية. شموع ملقاه في كل مكان. ورود ذابلة في كل مكان أيضاً. طعام متناثر وصينية مهشمة. محتويات المرآة متناثرة ومهشمة أيضاً.
ما الذي حدث وكأن عاصفة حلت على الغرفة بعد تزينها؟ نظر إلى الحوائط وجدها مزينة بكلمات لم يفهم ماهيتها. وأوراق غريبة الشكل أيضاً. ربما كانت تحضر مفاجأة له ولكن ما الذي حدث؟ لم ينتظر طويلاً فقد أخذ يبحث عنها أين هي في ظل كل هذا؟
لم يجدها، نادى بصوته ولم ترد عليه. ربما عند شقيقته ولم تستمع؟ أتى ليخرج من الغرفة وجد شقيقته تدلف على أثر صوته فتحدث بجدية:
- نادِ لمروة يا يسرى.
نظرت إلى الغرفة بذهول واستغراب تام وقد حزنت كثيراً على ما فعلوه ليبقى نهايته هكذا:
- مروة مش عندي. وبعدين مين عمل كده في الأوضة، دا إحنا قعدنا ساعات نعمل الزينة دي.
سألها باستنكار ودهشة قائلاً بجدية ولهفة أيضاً:
- مش عندك إزاي، اومال فين؟ دي مش تحت.
نظرت إليه بضيق شديد ثم أردفت بجدية وانزعاج:
- أنت أكيد زعلتها. حرام عليك، من الصبح من بتحضرلك المفاجأة دي.
أبتعد عنها يزيد ينظر من شرفة الغرفة ربما تكون في الخارج، ثم أجابها بفتور قائلاً:
- هو أنا شوفتها أصلاً؟ أنا لسه راجع من بره.
- يعني إيه، دي نزلتلك من المغرب تحت.
هوى قلبه بين قدميه متقدماً منها يسألها بلهفة وخوف من أن يكون ما توقعه من حديثها حدث بالفعل:
- نزلتلي فين؟
- تحت في المكتب.
وجدها تدلف من خلف شقيقته. خصلاتها تلتصق على وجهها. تقطر المياه من ملابسها. الدموع عالقة بأهدابها. الحزن مرتسم على جميع ملامحها. لم يتعرف عليها. ولا يعرف ما الذي حدث لها في هذه الساعات القليلة.
نظرت إليها "يسرى" متحدثة بلهفة وخوف عليها وبالأخص بعد رؤية مظهرها:
- مروة كنتي فين.. وايه اللي حصلك؟
أجابتها بعد وقت وهي تنظر إليه ولم تحيد نظرها عنه. تعاتبه بعينيها الحزينة على ما فعله:
- سيبينا لو سمحتي شوية.
نظرت إليها "يسرى" وقد احتلت الصدمة كيانها. ما الذي حدث معها؟ لما تتحدث هكذا؟ وما الذي حل بالغرقة؟ هي لا تفهم شيء، ولكن على أي حال خرجت وتركتهم وحدهم كما طلبت منها.
دلفت هي إلى الداخل ثم جلست على طرف الفراش غير قادرة قدميها على حملها أكثر من ذلك. ولم تحيد نظرها عنه بعد! نظرتها له تحمل العتاب، الحزن، والخوف أكثر شيء، ولكن هناك ذرة ثقة من تلك التي كانت بقلبها له سابقاً تقول لها أنه "يزيد" حبيب القلب والعقل والروح لا يفعل شيء يؤذيها!
تقدم هو الآخر منها ووقف أمامها لا يدري لما قلبه يؤلمه هكذا منذ أن قالت شقيقته أنها هبطت إلى الأسفل لتراه! ولكن إن استمعت سيكون أفضل بكثير، هكذا تكون علمت كل شيء وسهلت عليه مهمته وستسامحه لحديثه عنها.
تحدث قائلاً يتساءل بجدية وهو ينظر لمظهرها الغير مرتب بل كان يرثى له:
- كنتي فين؟
أجابته بعد أن استمعت إلى سؤاله بهدوء ومازالت نظراتها كما هي تصيبه بالريبة:
- كنت عند عمي.
ضيق ما بين حاجبيه بشدة مستغرباً لما كانت هناك عند ذلك البغيض ابن عمها؟ وكيف لها أن تذهب دون إذنه؟ ولما في هذا الجو الغير مستقر بالمرة:
- كنتي هناك بتعملي ايه؟
وإزاي تخرجي من غير ما تقوليلي؟
وجدها تبتسم بسخرية شديدة، ثم وضعت يديها الاثنتين حول صدرها تحتضن نفسها، وقد بدأت تشعر بالبرد يصل إلى خلاياها. فتحدث هو قائلًا بجدية، خائفًا من أن يصيبها شيء:
- طب قومي غيري هدومك الأول وبعدين نتكلم.
استدار ذاهبًا إلى الخزانة، وتفكيره يدعوه لإخراج ملابس لها حتى تبدلها بتلك المبتلة، ولكن فور تقدمه استمع إلى سؤال واضح وصريح بالنسبة إليها، يخرج بنبرة حزن طاغية، وقد شق سكون الصمت الذي أتى منها:
- ليه عملت كده؟
استدار مرة أخرى ينظر إليها باستغراب. ثبت نظره على عينيها الحزينة للغاية، وقد وقع قلبه بين قدميه خوفًا من القادم. ابتلع ما وقف بحلقه وتحدث قائلًا:
- عملت إيه؟
أكملت متجاهلة كلماته وهي تقول بضعف، وكلماتها جلبت خلفها الدموع التي كانت توقفت منذ قليل:
- أنا حبيتك!
تقدم منها ببطء وهو لا يدري ما الذي يحدث. حقًا لا يدري! هل استمعت؟ حدث شيء عند عمها؟ ماذا يجري؟ تحدث قائلًا بهدوء شديد وضعف انتقل إليه:
- وأنا كمان بحبك.
السخرية هي التي سيطرت على جميع ملامحها بعد الاستماع إلى كلماته الكاذبة. واستكملت مجيبة إياه بصوت خافت مهلك:
- كداب. ولو بردو أنا حبيتك أكتر، وعلى قد الحب ده بالظبط في دلوقتي هنا وجع وحزن وقهر رهيب عمرك ما هتحس بيه.
أكملت حديثها وهي تشير إلى قلبها بحزن وضعف اجتاح كيانها. وقفت على قدميها أمامه وتحدثت قائلة بابتسامة لا تدري من أين استطاعت أن ترسمها على شفتيها:
- ليه يا يزيد؟ دا أنا حبيتك.. حبيتك أكتر من نفسي ووثقت فيك وكنت بالنسبالي كل حاجة حلوة في حياتي! ليه تكسرني بالشكل ده؟
وقف هو الآخر أمامها متحدثًا بجدية واستغراب، يتساءل ليستطيع الإجابة على حديثها:
- أنت بتتكلمي عن إيه بالظبط؟
صرخت بوجهه بصوت عالٍ، وقد فاض كيلها منه ومن أفعاله وتصرفاته. إلى الآن وهو يكذب!
- ما كفاية استعباط بقى يا أخي.. إيه لسه مكمل في المسرحية الرخيصة دي؟
ثم بضعف وبكاء أكملت:
- عارف أنت لو كنت جيت طلبت مني كل حاجة أملكها كنت هديهالك من غير تفكير.. من غير ما أسألك ليه حتى والله العظيم. دا أنا سلمتك نفسي وعشت معاك لوحدي بين أهلك اللي بيكرهوني مستنجدة بيك. نمت جنبك وأنا مأمنة ليك.. تقوم تعمل فيا كده؟ كل ده علشان شوية فلوس ملهاش قيمة بين الحب اللي فكرته حقيقي.
لا يستطيع التحدث. ماذا يقول؟ ماذا يفعل؟ يبدو أن هناك شيء خاطئ، ولكن هو السبب به. هو فهم الذي تتحدث عنه.
أردفت مرة أخرى والدموع تتهاوى من عينيها لتمر على وجنتيها الحمراء بشدة لا تدري من أي سبب:
- بتقولهم حاضر؟ بس كده؟ هعمل كل اللي انتوا عايزينه.. ما انتوا أهلي وأولى ليا من أي حد... طب وأنا؟ وأنا إيه؟ مش قولتلي إنك بتحبني؟ مش قولت عايز تخلف مني وتكمل معايا؟ ولا ده كمان كان علشان الفلوس وتضمن إنك هتاخد كل حاجة من عيلتي؟
تحدث قائلًا بضعف هو الآخر، وقد قتلته حديثها. ينظر إلى عينيها الحزينة وهو لا يدري ما الذي يقوله لها في هذه الحالة:
- مروة أنا مكنتش هعمل كده صدقيني.. طالما سمعتي دي يبقى سمعتي الباقي.. كملي.
ابتسمت بسخرية متحدثة وهي تشير إليه:
- عايزاني استنى أسمع إيه بعد كده؟ أسمعك وأنت بتقول إيه أكتر من كده؟ ولا كنت استنى لما أسمعك وأنت بتقول خلاص أنا أروح أطردها أحسن! أسمع إيه يا يزيد أكتر من كده؟
أجاب بقهر هو الآخر، وقد فهم أنها لم تستمع إلا لكلمات السخرية التي تحدث بها مع عائلته، ولم تستمع إليه وهو يدافع عنها قائلًا بأنها حبيبته وزوجته، ويالا سخرية القدر:
- كنتي اسمعي.. كنتي اسمعي وأنا بقول قد إيه بحبك وقد إيه أنا سعيد معاكي.. وأنا بقول إن عمري ما هعمل فيكي كده.
احتضنت جسدها وقد بدأت حقًا بالشعور بالبرد، وإلى الآن ملابسها مبتلة مياه. بكت بدون مجهود، وأصبح صوت بكائها أعلى أكثر من السابق:
- بتكدب ليه؟ خلاص كل حاجة بانت. قول إنك مش عايزني. قول إنك مش بتحبني. خلاص هي كده خلصت.
قبض على يدها بشدة يتحدث بجدية شديدة وإصرار على التكملة:
- لأ مخلصتش. أنا مش بكدب، أنا بحبك.. بحبك وهفضل أحبك لآخر نفس. مش عايز أي حاجة منك غيرك يا مروة.. والله العظيم من أول لحظة حسيت بحبك وأنا صرفت نظر عن الموضوع ده خالص وعرفتهم أكتر من مرة، وآخر مرة كانت النهاردة، ياريتك سمعتي للآخر وكنتي فهمتي يا مروة قد إيه أنا بحبك ومحتاجك.
ألقت نفسها بين أحضانه دون سابق إنذار. لفت يدها حول عنقه تحتضنه بشدة إليها، وبكائها يزداد وصوت شهقاتها يعلو في أذنه:
- مش قادرة أصدقك يا يزيد.. مش قادرة. أنا كنت عاملالك مفاجأة، الأوضة كانت متزينة علشانك.. كنت هقولك إني..
صمتت لبرهة وهي تبتلع ما وقف بجوفها. فكرت للحظة ثم عادت عن ما برأسها لتقول وهي تنتحب وتشدد على احتضانه:
- كنت هقولك إني بحبك.. ليه يا يزيد؟ أنا أهلي معملتش أي حاجة فيكم. عمي قالي كل حاجة حرام عليك، ليه تعمل فيا كده.
شدد هو الآخر على احتضانها وقربها منه. ثم انتقلت إليه عدوى البكاء منها لتخرج الدموع من عينيه حزنًا على ما يحدث بينهم منذ اللحظة الأولى. وتحدث بضعف متوسلًا:
- والله وأنا بحبك يا مروة.. عمري ما فكرت أأذيكي. أنت روحي إزاي بس هعمل كده.
شعرت ببكائه! هل هو يبكي حقًا؟ هل يحبها أم يكذب؟ لا تدري شيئًا. لا تدري هل كل ما مر عليهم كان كذب؟ ابتعدت عنه ثم تقدمت ناحية الخزانة وأخرجت صندوق كبير وضعته على الفراش، ثم فتحته وكان يحتوي على مجوهرات وزينة من الذهب، وثمة هناك أشياء أخرى. سألته باستغراب وجدية:
- طب ليه كنت بتجيب هدايا غالية كده طالما عايز تاخد فلوسي؟ ليه جايبلي عقد ألماس؟ وليه كل الدهب ده؟ ولا يكونش فضة وبتضحك عليا؟
تقدم منها ومازالت الدموع عالقة بـ أهدابه هو الآخر ليقول بنفي وثقة مؤكدًا حديثه:
- والله أبدًا يا مروة، كل ده أصلي.
- طب ليه يا يزيد؟
جلس على الفراش بضعف ثم نظر إليها وتحدث بجدية وإرهاق داهمه وهو لم يفعل شيئًا بعد:
- منكرش أن ده كان سبب الجواز من الأول، بس والله العظيم من وقت ما حبيتك ونسيت الموضوع كله.. يمكن أهلي منسوش، بس أنا رفضت. النهاردة بس قررت أني هقولك كل حاجة ونسافر بعيد.
أتت مرة أخرى وجلست جواره ثم احتضنته لتنعم بآخر عناق منه بعد ما قررت فعله. وقد شعر بذلك! شعر بأنها ستذهب دون رجعة بعد كل هذا الحديث وهو لا يدري ما الذي يفعله.
عانقته وبدأت في البكاء بصوت مرتفع وهي تضغط عليه بشدة. وقد قابلها بالمثل مع اعتذارات كثيرة يكررها بين بكائه واعترافات كثيرة بعشقه لها، ولكنها لم تكن تستمع إلى أي شيء يقوله، بل كانت تتذكر لحظاتهم سويًا وحبها له. تفكر كيف ستتركه؟ ولكن ستفعل.
ابتعدت ووقفت على قدميها ثم قالت وهي تزيل دمعاتها محاولة السيطرة على صوت بكائها:
- ورقتي توصلي بيت بابا يا يزيد.
وقف على قدميه سريعًا محاولًا التحدث بعد أن ألقت عليه هذه الصدمة، ولكنه وجدها أصبحت خارج الغرفة. سريعًا ذهب خلفها للخارج.
ركضت لتذهب إلى منزل عمها ومن ثم إلى منزل والدها. خطوة وتهبط الدرج لتستمتع إلى صوت "يسرى" الصارخ وهي تحذرها الهبوط:
- متنزليش يا مروة، في زيت عندك.
ولكن.. كانت خطوة هي الفاصلة. وضعت قدمها على الدرج ومن ثم لم تدري بنفسها إلا وهي تهبط على جسدها بأكمله وليس قدميها. خرجت صرخة مدوية منها وهي تجد نفسها تنزلق بجسدها! ووضعت يدها على بطنها خوفًا وهلعًا من القادم!
وجدت "يسرى" يزيد يأتي ركضًا هو الآخر والهلع مسيطر عليه، فحذرته النزول ببطء، وقد فعل ليصل إليها سريعًا وهي ملقاة على الأرضية بين يدي شقيقته فاقدة للوعي بعد أن استأذن منها وقد استسلمت له ليأخذها من هذا الواقع!
تحدث بذعر وهو يحرك يده على وجهها بعد أن أتت والدته هي الأخرى على صوت صرختها:
- مروة حبيبتي.. مروة!
قالت "يسرى" بذعر متذكرة حمل "مروة" والذي كانت ستخبر زوجها عنه:
- يزيد الحقها مروة حامل.
رفع نظره إليها بصدمة. صدمة فقط؟ لقد ذُهل. متى! متى كانت حامل دون أن تخبره وكيف ولماذا؟ ما الذي يحدث من حوله؟ سألها بخوف شديد وهو من الأساس لا يدري بماذا يفكر وماذا يفعل:
- يعني إيه؟
- مروة حامل وكانت هتقولك النهاردة.
وقد كان الحزن في هذه الليلة يسيطر على الجميع، والجميع هنا خاص بـ "يزيد" و "مروة" زوجته وحبيبته. هل سيستطيع أن يتخطى تلك الأزمة ويعود بها إلى عرش حبه؟..
رواية براثن اليزيد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير، فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
امتثالا لأوامر عقلها ستقتل قلبها الضعيف
الذي جعل حياتها كالجحيم بسبب حبها له
ولِتترك زمان الأمور إلى عقلها هذه المرة
هدم المعبد!.. ولكن على رأسه هو فقط، هو الوحيد المتضرر بين الجميع. ربما هو حزين والقهر يسيطر عليه أكثر من زوجته، فحبه لها لم يكن هين. ولكن الخطأ يعود إليه وعليه أن يفعل الصواب كما فعل الخطأ. يعلم أن ذلك سيكون أصعب شيء مر بحياته، ولكن سيفعل.
رآها وهي تبكي وتنتحب بضعف شديد أمام ناظريه بسبب حبها له، بسبب الثقة التي أعطتها إياه، بسبب خذلانه لها والسبب الأول والأخير خيانته لها.
هو الآخر كان يعاني ولا يعلم ذلك غير الله. ضميره لم يتركه لينام براحة ولو ليلة واحدة. عشقه لها يحدثه كل يوم عن الإفصاح عما حدث، وروحه تناجيه منذ اللحظة الأولى خائفة الفقد والبعد عنها وهي روحه أليس؟
الآن الندم هو سبيله الوحيد عما فعل. لقد أخطأ عندما أنتظر كل هذا الوقت حتى يعترف لها. كان عليه الإعتراف مبكرًا، ربما كانت سامحته. لا ليس ربما حتمًا كانت ستسامحه، فهو من أعترف لها وهو من قال أنه يحبها.
هناك كثير من المشاعر تجتاحه لا يعرف ماهيتها غير الحزن والقهر. لا يعرف غير الخذلان والندم. استباح لنفسه كل شيء والآن يندم لفعله! الآن لا يريد غيرها! لا يريد مالها ولا ماله، هو الآخر لا يريد أهله الذين ألقوا به في التهلْكة. لا يريد غيرها.
حزنه الأكبر من أي شيء الآن هو منها. حامل! دون إخباره، ولو كانت ستخبره كما قالت شقيقته لما أرادت الطلاق والذهاب من دون إخباره؟ كانت ستذهب دون أن يعلم بحملها!
كانت ستذهب دون أن يعلم أنها تحمل داخل أحشائها طفل له وحده! ستذهب بعيد عنه بها وهو لا يدري! وتعلم كم كان منتظر طفل صغير منها ومنه! هل ما فعله بها كان كثير عليها إلى هذا الحد؟
تذكرها عندما احتضنته. لقد داهمت عقله الآن هذه الكلمات منها ليعود بذاكرته إلى داخل تلك الكلمات، ربما كان مقصدها منذ اللحظة الأولى أن تبوح له حقًا.
"ألقت نفسها بين أحضانه دون سابق إنذار، لفت يدها حول عنقه تحتضنه بشدة إليها وبكائها يزداد وصوت شهقاتها يعلو في أذنه:
- مش قادرة اصدقك يا يزيد.. مش قادرة. أنا كنت عملالك مفاجأة الاوضه كانت متزينه علشانك.. كنت هقولك إني..
صمتت لبرهة وهي تبتلع ما وقف بجوفها. فكرت للحظة ثم عادت عن ما برأسها لتقول وهي تنتحب وتشدد على احتضانه:
- كنت هقولك إني بحبك.. ليه يا يزيد أنا عليتي معملتش أي حاجه فيكم. عمي قالي كل حاجه حرام عليك ليه تعمل فيا كده"
مرة أخرى يعود إلى واقعه بعد أن تذكر ما قالته. لقد كانت الغرفة مزينة لأجله. كانت ستخبره. ساعدتها شقيقته كما قالت. هي ودت أن يكون يومًا لا يُنسى وقد كان، ولكن بعد أن خرب هو كل شيء.
يجلس على المقعد في رواق المشفى ينتظر خروج الطبيب من الداخل. وضع رأسه بين يديه منحنيًا على نفسه بعد أن كثر التفكير على عقله.
وقف على قدميه وأخذ يسير ذهابًا وإيابًا، والقلق ينهش داخله بقوة. لقد تأخر الطبيب في الداخل، هي بغرفة الطوارئ منذ قدومهم إلى هنا. شيطان عقله يصور له الكثير من الأشياء البشعة الذي لو حدثت لبقى نادمًا طوال عمره.
حك مؤخرة رأسه بيده وهو ينظر إلى باب الغرفة المغلق. ثم دون مقدمات وجد من يجذبه من ذراعه بقوة لينظر إليه وقد وجده ابن عمها البغيض. الطفل الصغير كما رآه:
- مروة فين؟ أنت عملت فيها ايه؟
زفر بضيق شديد وكأن ما كان ينقصه هذا الأبلة ليأتي إليه الآن. أجابه بضيق وحنق قائلاً:
- هكون عملت فيها ايه دي مراتي.
أردف "تامر" بضيق هو الآخر وود لو فتك به الآن ردًا على ما فعله بهم جميعًا هو وعائلته:
- ماهي المصيبة أنها مراتك.. عملت فيها يا ابن الراجحي؟ مروة جات عندنا ومنظرها ميصورش لا عدو ولا حبيب.
نظر يزيد إلى باب الغرفة وقد كان كل شيء به معلق مع فتح هذا الباب، ثم نظر إلى ذلك الأحمق الذي يقف أمامه وتحدث مجيبًا إياه بهدوء ربما يصمت:
- مشكلة وحصلت زي ما أي مشكلة بتحصل بين أي اتنين متجوزين.
لم يتغير أي شيء بتفكير "تامر"، فهو يعلم كيف تفكر ابنة عمه تتحدث هكذا وكأن هذه أول مشكلة وهذا أول رد فعل لها. أجابه بتهكم صريح:
- والمشكلة اللي بين أي اتنين دي تستدعي أن مروة تيجي عندنا وتفتح القديم وتقولي لو مجتش قبل الساعة عشرة من بيت الراجحي تعالى خدني.
نظر إليه بغتة وقد احتلت الدهشة كيانه. هل قالت ذلك؟ هل كانت خائفة منه إلى هذا الحد؟ لقد قالت أنه أمانها الوحيد ماذا حدث الآن؟ لا يستطيع أن يصدق هذه الكلمات المسمومة!
أكمل "تامر" حديثه قائلاً بجدية:
- ولما روحت بيت سعادتك قالولي أنها وقعت من على السلم وجت المستشفى.
أردف "يزيد" بهدوء قائلاً بجدية حتى يصمت ذلك الحقير:
- آه مشكلة عادية هي بس اللي مخنوقة وعايزة ترجع القاهرة شوية. متشغلش بالك أنت بينا.
ضغط "تامر" على كفه بعصبية ثم أجابه وقد احمر وجهه غضبًا لكذب "يزيد" عليه:
- أنت شايفني عيل قدامك ولا ايه. الشويتين دول تعملهم على حد غيري يا ابن الراجحي.
ابتسم يزيد بتهكم وسخرية شديدة ناظرًا إليه بهدوء شديد ولم يتحدث عندما وجد الطبيب أخيرًا قد خرج من الغرفة. تقدم سريعًا منه ولحق به "تامر" ليعرف ما الذي حدث لابنة عمه.
وقف الطبيب أمامهم ولم يمهل "يزيد" الفرصة للسؤال عنها فقد رأى القلق بوضوح على وجهه فتحدث هو بلهجة عملية هادئة:
- اطمن يا أستاذ يزيد المدام بخير والجنين كمان بخير. الوقعة بس سببت شوية كدمات في جسمها والإغماء بسبب الخضة وإرهاق ظاهر جدًا عليها لكن هي الحمدلله كويسة. محتاجة شوية محاليل وأدوية وتقدر تخرج بكرة الصبح لو حبت.
شكر الله سريعًا وقبل أي شيء. أنها بخير بفضل الله كان من الممكن خسارة طفله. سريعًا استعاذ من الشيطان وشكر الطبيب طالبًا منه الدلوف إليها ولكنه اعترض معللًا حاجتها للراحة ثم انصرف عنهم.
جلس "يزيد" على أقرب مقعد له وأخذ يحمد الله على سلامتها وسلامة طفله القادم بأمر الله. لقد كانت حياتهم على المحك وقلبه كان ينتظر فزعة قادمة له بسبب ما فعله.
جلس "تامر" جواره ثم ألقى عليه سؤاله وقد كان مستغربًا حقًا:
- هي مروة حامل؟
أومأ إليه "يزيد" بالإيجاب دون أن يتحدث فنظر "تامر" أمامه ثم أردف بخفوت:
- مبروك.
نظر إليه "يزيد" بهدوء شديد مطولًا في صمته ثم أجابه بصوت أجش:
- الله يبارك فيك.
تدافع عن صديقتها التي انتهكوا حقها في هذا البيت الظالم. تدافع عن ابن أخيها القادم في الطريق إليهم وقد كان سيلقى حتفه اليوم قبل أن يروه حتى!
صرخت يسرى بصوت عالٍ وقد فاض كيلها من هذه العائلة التي يحمل الجميع داخلها عيوب لا تُطاق:
- كفاية كدب بقى أنا شيفاكي بعيوني دول وأنت بتفضي الزيت على السلم بقصدك ونفس العيون دول شافوكي وأنت بتسمعي كلامي أنا ومروة لما كانت بتقولي أنها حامل.
عمود البيت "نجية" والدة الصبية الذي دفعتهم إلى الانتقام وهي لا تعلم شيئًا سوى بعض الكلمات المفبركة من شقيق زوجها. منذ ذلك اليوم الذي عاد به ولدها "يزيد" مهمومًا من سفره وهي تفكر هل كانت على خطأ؟ ولكن شيطان عقلها لا يتركها تعود عن خطأها ما فعلته في تلك المدة هو جعلهم يتركون "يزيد" حتى يستريح ثم يعودون مرة أخرى للحديث معه ولكن الآن حديث "يزيد" جعل ضميرها الميت يستيقظ مرة أخرى. تفكر هل كانت أمًا له؟ هل كان سعيد مع زوجته؟ وكثير من الأشياء تدور داخلها وأكثرها حرقة عليها هو ذلك الطفل الذي كانت تتمنى كل يوم أن ينجبه "فاروق" أو "يزيد".
تحدثت متسائلة بجدية واستنكار غير مصدقة أن "إيمان" من الممكن أن تقتل روح:
- أنتِ اللي عملتيها؟ كنتي هتقتلي ابن ابني!
صرخت "إيمان" وكأنها المجني عليها، تقول بعصبية وحرفية شديدة نافية التهمة عنها:
- انتوا هتصدقوها دي محروقة على الست مروة وعايزة تلبسني مصيبة.
لوحت "يسرى" بيدها بعصبية وحقد دفين تجاه تلك الحقيرة الكاذبة ثم قالت بتأكيد:
- كدابة يا إيمان.. أنتِ سمعتي ومروة بتقول أنها حامل وأنا شوفتك وقولت يمكن ربنا يحنن قلبها علشان مخلفتش وأهو حتى طفل للبيت تعتبره ابنها هي كمان.. لكن مكنتش أعرف أن قلبك أسود للدرجة دي.
نظر "فاروق" على زوجته وضميره يعبث معه على أكمل وجه. زوجته كانت ستقتل طفل أخيه! هذه ليست أول أفعالها الدنيئة هو يعلم ويتوقع أن تكون قد فعلت ذلك أيضًا لن يكذب شقيقته. استمع إليها تصرخ بغضب:
- بت أنتِ مش هتتجنني عليا إذا كان جوزها مايعرفش أنا اللي هعرف.
أكملت "يسرى" للجميع دون النظر إلى ما تقوله:
- وأنا خارجة من المطبخ شوفتك بعيوني بتحطي زيت على السلم وعلى ما دخلت اجيب حاجه امسحه كانت مروة نزلت عليه وملحقتش احظرها.. ده غير القهوة اللي كبيتها عليها وحرقتي رجليها ومروة مردتش تقول لحد.. وغير الفستان اللي جبتيه على اسم يزيد وبردو منعت يزيد عنك.. أنتِ ايه يا شيخه شيطانه! عملتلك ايه لكل ده؟
تحدثت والدته قائلة بحزن قد ظهر على ملامحها:
- لو كنت أعرف أنها حامل كنت وقفت كل حاجه... كله إلا عيال عيالي دا أنا بقالي سنين بتمنى ضفر عيل تقومي أنتِ عايزه تموتيه.
صرخت "إيمان" بغل وحقد ظهر الآن بعد أن استمعت إلى حديث والدة زوجها وهذا هو بالتحديد الذي كانت تخاف منه:
- أهو أنا بقى عملت كل ده علشان كده.
لو كنتي عرفتي أنها حامل مكنتيش هتكملي وكنتي هتخليها تقعد على قلبي العمر كله وتبقى هى الكل في الكل ماهي أم الواد
لم ترى شيء بعد ما فعله زوجها... لطمها على وجهها بكل قوته وغله وحقده الذي كان يدفنه داخل قلبه معللاً أنه يحبها.. متغاضياً عن كل أفعالها، سال خيط رفيع من الدماء بجانب شفتيها بينما هو لم يجعلها تستوعب ما الذي حدث لتراه يمسك خصلاتها القابعة أسفل حجابها وهو يصرخ بغضب شديد:
- هي حصلت يا بنت الـ... حصلت تقتلي ابن أخويا.. بس أنا اللي غلطان أنا اللي سبتلك الحبل وخليتك تعملي اللي أنتِ عايزاه.. بس على مين دا أنا فاروق الراجحي
دفعها إلى آخر الرواق ثم تقدم منها مرة أخرى وهي مذهولة ولا تصدق ما الذي يحدث وكيف تجرأ "فاروق" على فعل ذلك.. لم يمهلها الفرصة للتفكير حيث دفعها مرة أخرى وأخرى إلى أن أصبحت عند باب المنزل ثم فتحه ودفعها للخارج وهتف بعنف وقسوة قائلاً:
- مش عايز أشوف وشك هنا تاني يا بنت الـ... يلا في ستين داهية
ثم دفع الباب بوجهها ودلف إلى الداخل وهو يفكر كيف عليه الاعتذار من شقيقه.. كيف عليه أن يبرر ما حدث.. وكيف وكيف وكيف وكأن كل ما فعله بحياته لم يكن إلا خطأ..
ولم يكن حال والدته أفضل منه بل كانت أكثر ندماً وحزناً على ما فعلته..
بينما عمه كان يقف في الأعلى ينظر إلى ما حدث تحت أعينه بهدوء داعياً في داخله أن يكون ذلك الصغير قد مات داخل أحشاء والدته..
أن تستوعب ما حدث كان من أصعب الأشياء عليها لذا وجدت نفسها تجر قدميها وخيباتها ذاهبة إلى منزل والدها دون التفكير في أي شيء عليها فقط الجلوس والراحة ثم تفكر فيما حدث وما سيحدث..
---
دلف إلى الغرفة القابعة بها بعد أن أذن له الطبيب لرؤيتها.. ببطء شديد أخذته قدميه إليها وهو خائف من مواجهة أخرى.. خائف من كلمات تخرج منه ومنها لتقتل روحين البراءة هي عنوانهم..
نظر إليها بهدوء بعد أن دلف الغرفة.. ممددة على فراش المشفى.. مغطاة بملاءة بيضاء.. وجهها شاحب كشحوب الأموات.. عينيها منتفخة ربما من البكاء.. ونظرتها حزينة ربما من فعلته بها..
جلس على الفراش جوارها.. لم يتجرأ على الإمساك بيدها وقد كان يود فعلها وبشدة.. ولكن نظرتها له تجعله يرى نفسه دنيء إلى أبعد حد.. حقير من الدرجة الأولى وقد كان حقاً هكذا!...
ابتسم بتهكم صريح رأته هي أيضاً بوضوح ثم استمعت إليه يقول بتساؤل ونبرة خافتة:
- كنتِ هتمشي من غير ما أعرف إنك شايلة ابني!.. وكمان عايزة تطلقي يا مروة؟
وزعت نظرها على كل شيء.. تود أن تشبع عينيها منه فقد كان زوج وحبيب وكل شيء في فترة من فترات حياتها.. هل جعلتها فترة وتناست أنه مازال زوجها؟... نظرت إلى تهكمه وكأنه ترك لها خيار آخر تفعله ليأتي الآن يعاتبها..
أجابته بصوت خافت مرهق وهي تنظر داخل عينيه بهدوء حاولت التحلي به:
- أنتَ مسبتليش اختيار تاني.
ضيق ما بين حاجبيه بدهشة متسائلاً وهو يحاول إقناع نفسه أيضاً بحديثه:
- وحبي ليكي كان إيه؟.. ده مش اختيار يا مروة تقدري تاخديه.
ابتسمت بذهول واستغراب شديد لحديثه الغير منطقي بالمرة.. تتسائل هل هو نفسه مقتنع بهذا الحديث.. أجابته بهدوء تحلت به وهي تضغط على يدها أسفل الملاءة:
- حب إيه ده؟.. أنتَ كدبت الكدبة وصدقتها؟.. لأ يا يزيد كل اللي عملته علشان تاخد فلوسي مني وتخليني ابقى مزلولة ليك ولأهلك.. انتقام من أهلي المظلومين ولو في يوم حسيت بحب ليا فده مش حب ده يمكن علشان شكلي عجبك.. أو العلاقة هي اللي عجبتك.. أو كنت بتعشلك يومين معايا بما إني مراتك لكن محبتنيش مفيش حد بيحب وبيعمل كده أبداً.
كلماتها ليست محسوبة وجميعها ليست صحيحة.. لقد أحبها.. عشقها.. كانت بالنسبة له اكسجين الحياة.. كيف تتحدث هكذا؟.. أقترب أكثر منها ثم تحدث بصدق يتلألأ داخل عينيه وينطق به لسانه:
- أنتِ بتقولي إيه؟.. كل اللي بتقوليه ده أنتِ نفسك مش مصدقاه.. أنا حبيتك.. حبيتك ده إيه!. أنتِ بالنسبة ليا النفس اللي باخده يا مروة.. أنتِ الحاجه الوحيدة الحلوة اللي في حياتي.. أنا غلط وبعترف بغلطي كان لازم اصارحك من الأول.. كان لازم أقولك كل حاجه من يوم ما قولت إني بحبك بس أهو ده اللي حصل... أنا مش طالب منك أي حاجة غير إنك تاخدي وقتك في التفكير.
أقترب منها أكثر إلى أن أصبح أمامها مباشرة.. لا يبعد بينهم كثير.. تجرأ وأمسك بيدها بين كفيه يضغط عليها بهدوء ثم تحدث بترجي مكملاً:
- يزيد بيحبك ومايقدرش يعيش من غيرك أرجوكي بلاش تخليني أموت بالبطئ.. يزيد ومروة جايلهم ابن في الطريق أرجوكي خلينا نبني عيلة خاصة بينا بعيد عن الكل.
الصدق يتجسد داخل كلماته لقد رأته وشعرت به ولكن.. سحبت يدها منه بهدوء شديد بينما تفر دموعها هاربة إلى الخارج ليرى ضعفها مرة أخرى.. تحدثت بخفوت وهي تبتسم ويدها تزيل تلك المياة من على وجنتيها:
- يزيد لو بيحب مروة بجد كان حماها من كل حاجه بتاذيها سواء كانت أهله أو هو.. يزيد لو بيحب مروة كان قالها اتجوزتك علشان كذا وكذا لكن أنا بحبك وعايزك.. يزيد لو بيحب مروة مكنش سمح لحد يقرب منها ومن اللي يخصها.. يزيد ضعيف وجبان.. يزيد خايب وخايف هو ده يزيد الحقيقي اللي للأسف أنا حبيته وأمنته على نفسي.. هو في ثقة أكتر من كده؟
أخفض وجهه ينظر إلى الفراش غير قادر على مواجهة حديثها الذي يراه صحيح ولكن يصعب المهمة عليه استمع إليها تكمل حديثها بتهكم واضح وصريح وكما هي الدموع لا تتوقف عن الخروج من مقلتيها:
- حياة إيه وعيلة إيه اللي بتتكلم عنها دي.. نبني عيلة بالكدب والغش؟.. أنتَ مش فاكر كام مرة جيت على نفسي علشان أكون معاك؟.. مش فاكر كام مرة اتعرضت للإهانة بسببك وبسبب أهلك؟.. مش فاكر كرامتي اللي اتمسح بيها الأرض؟.. وفر عليا وعليك يا يزيد وطلقني هو ده الحل الوحيد بينا.
رفع رأسه سريعاً إليها مندهش من حديثها فهي أخذت قرار ولا تريد الرجوع عنه.. تريد الإبتعاد عنه وتركه وحده.. يعلم أن كل ما تتحدث به ما هو إلا من قهر قلبها.. يعلم أنها تحبه مثله تماماً ولكن هو لا يستطيع.. تحدث بلهفة وخوف مترجياً إياها:
- بلاش تقولي كده يا مروة اديني فرصة أصلح اللي حصل أرجوكي أنا مش هقدر أعمل اللي بتقولي عليه ده.. مش هقدر.
أزالت دمعاتها ثم هتفت بهدوء شديد وكأن ما تقوله شيء تافهه بلا قيمة:
- طلقني وابنك هتشوفه وقت ما تحب مش همنعه عنك أبداً ولو خايف عليه من إني اتجوز بعدك متقلقش أنا عمري ما هعملها.
تجرأت يداه بشدة.. أقترب منها وأخذ وجهها بين كفيه مقرباً وجهه هو الآخر منها غير مصدق حديثها الذي تتفوه به.. لقد أخطأ ولكن لا يستطيع تحمل هذا العقاب.. تحدث بخفوت وحزم:
- مستحيل.. مستحيل أعمل كده مش هطلقك أنا بحبك وعايزك وابني هيتربى بينا إحنا الاتنين يا مروة افهمي الكلام ده كويس علشان متتعبيش.. شيلي فكرة الطلاق دي من دماغك.. خدي الوقت اللي أنتِ عايزاه لحد ما نرجع مش هعترض وهعمل كل اللي تطلبيه ومش هنرجع البلد نهائي لكن طلاق مش هيحصل.
دفعته بيدها الاثنين في صدره بحدة وعصبية بعدما استمعت إلى كلماته.. عاد للخلف قليلاً ليراها تصرخ به وهي تبكي بشدة وتنتحب وكأن البركان قد فاض داخلها ليقرر الخروج:
- أخرج بره.. أنا مش عايزه أشوف وشك.. أنتَ واحد كداب وخاين أنا مستحيل أأمن على نفسي معاك من تاني.. أبعد عني وسبني أعيش وأصلح اللي بوظته فيا.
حاول الإقتراب منها فدفعته مرة أخرى بحركات هوجاء وبكائها يزداد بحدة حرقة على حبه.. وقهر على خيانته.. أقترب منها هو الآخر بجدية شديدة أمسك بيدها الاثنين رافعاً إياهم أعلى رأسها وأقترب من وجهها بهدوء ليتحدث بجدية شديدة وكلمات حازمة:
- اطلبي أي حاجه غير البعد.. أنا مقدرش على كده.. بلاش ندمر نفسنا علشان غلطة أرجوكي يا مروة.. أرجوكي.
اسلبت عينيها عنه وشهقاتها تعلو.. ثم دون سابق إنذار تحدثت بقهر قائلة بعد أن نظرت إلى عينيه الساحرة:
- أنا كمان مقدرش على بعدك.. أنا حبيتك وبحبك وهفضل أحبك لآخر نفس فيا.. بس مش هقدر أكمل وكأن مفيش حاجه حصلت.. مستحيل.
اعترافها أول طريق العودة.. يا لها من ملاك لا يدري أي شيء بخبث البشر.. اعترفت أنها تحبه وستظل تحبه وهو الخائن الوحيد هنا.. تحدث بهدوء وصوت أجش:
- هنحاول سوا.. أنتِ عايزاني وأنا عايزك وفي طفل جاي في الطريق يبقى ليه البعد يا مروة.
صرخت بوجهه بصوت عال وبعصبية شديدة بسبب إلحاحه عليها أن تظل.. وإن تحدث أكثر سترتمي داخل أحضانه الآن وتتناسى كل شيء:
- أخرج بره بقولك وكفاية لحد كده.. كفاية بقى.
نظر إلى عينيها الذي تقول غير شفتيها.. نظر إلى شفتيها الذي ترتعش من كثرة البكاء.. أشبع عينيه من ملامح وجهها أجمع.. ولم يستطع إلا الإقتراب وطبع قبله على شفتيها..
وضع شفتيه على خاصتها محاولاً أن يأخذ ما يريد وأن يلين قلبها ويجعل ضعفها يتسرب إليها عائدة عن قرار الإنفصال ولكن..
وجد يزيد من يجذبه بحدة من أمامها ليقف على قدميه ثم شعر على حين غرة لكمه في وجهه بشراسة جعلته يترنح للخلف فاقداً توازنه ليستمع إلى صرختها الذي خرجت بإسمه:
- يــزيــد.
وضع يده على وجهه بجانب شفتيه يتحسس لكمة هذا الأبلة له.. حاول الإقتراب منه ليردها إليه بأضعاف مضاعفة ولكن استمع إليها تقول بلهفة وخوف وتوسل زادها ضعفاً:
- أرجوك كفاية علشان خاطري.. علشان خاطري.
استمع إلى الأبلة هو الآخر يقول بعصبية وغضب عارم:
- في إيه يا ابن الراجحي بقالها ساعة بتقولك أمشي كفاية بقى لحد هنا وسيبها في حالها.
ابتسم بتهكم شديد وهو يدلك وجهه بيده ويعلم نوايا ابن عمها الحقير لذا تحدث قائلاً:
- حالها هو حالي.. مروة مراتي ومش هتخلى عنها أبداً.
نظرت مروة إلى "تامر" الذي وجدته يهم الإقتراب منه مرة أخرى وهي تعلم إن حدث هذا ستكون مذبحة.. صرخت قائلة بحدة:
- تامر إياك تقرب منه.
استدارت إلى "يزيد" ثم أردفت بجدية:
- لو سمحت أمشي بقى.
نظر إليها باستغراب كيف لها أن تطلب من زوجها الرحيل ومن ذلك الأبلة البقاء.. من الأولى بها؟:
- أمشي وأسيبك معاه؟..
وأنا عارف نواياه كويس.
أشار عليه تامر متحدثًا باستغراب ودهشة:
- نواياه إيه اللي المجنون ده بيتكلم عنها؟
نظرت إليه بخوف شديد، تخاف أن يتحدث ويقول ما لا يروق للجميع، خاصة شقيقتها. هو لا يحب تامر، ولكن لا يستطيع أن يصمت ويرى أنه يريدها إليه. تحدثت بتوسل قائلة:
- يزيد، كفاية أرجوك.
استدارت إلى ابن عمها متحدثة بجدية شديدة، وودت أن تغلق أبواب الجحيم عليها قبل أن تأخذ الجميع في طياتها الحارقة:
- تامر، لو سمحت ممكن تروح تجيب عمي؟ أنا عايزاه يتكلم مع يزيد.
سألها باستنكار ودهشة قائلاً بجدية وهو يشير على يزيد:
- وأسيبك معاه؟
نظرت إلى يزيد الذي رأت بعينه نظرة عتاب خالصة، وكأنه يقول لها: هل أصبحت غريبة إلى هذه الدرجة؟ فعادت إلى تامر قائلة بحزم:
- أنت مش هتسيبني مع حد غريب. يزيد يبقى جوزي يا تامر.
ابتسم يزيد بزهو وذهب ليجلس على الأريكة التي بالغرفة، ناظرًا إلى تامر بهدوء مستفز، وود بشدة أن يرد له لكمته مضاعفة. سيفعلها لا محالة. ولكن لما تريد عمها الآن؟
خرج تامر من الغرفة ليفعل ما قالت عليه، وابتلع نظرات يزيد له. وود لو لقنه درسًا ليجعله يعلم ما الصواب وما الخطأ، ويجعله يعاملها باحترام، فقد هلك بسبب نبرتها وهي تترجاه أن يتركها.
بينما مروة نظرت إلى يزيد الذي يعتقد أنها هكذا ستجعل الود يعود وتعطيه فرصة ثانية. تشفق عليه حقًا، فما فعله لا يغتفر ولو بعد حين.
***
- ممكن تحكيلي إيه اللي حصل؟ إيمان روحت البيت وكل اللي طالع عليها إنك السبب في اللي حصلها، حتى مردتش تخليني أكلم فاروق.
نظرت إليه وهو يقود السيارة متجهًا بها إلى زوجة أخيها القابعة بالمشفى. تحدثت بجدية مجيبة إياه:
- أنا السبب؟ لأ، السبب هو غل أختك وحقدها على مروة اللي من غير أي سبب.
زفر بضيق ثم نظر إليها سريعًا وأعاد نظره إلى الطريق ليتساءل مرة أخرى:
- طيب ممكن أفهم في إيه؟
استدارت بجسدها قليلاً لتكن في مواجهته، ثم تحدثت بضيق وحنق وهي تنوي أن تقص عليه كل شيء حدث:
- أحكيلك من الأول بقى، مع أني مكنتش عايزة أخلي حد يعرف أي حاجة من دي. إيمان يا سامر، من يوم مروة ما جت البيت وهي وماما عاملين عليها عصابة. سواء كان تريقة ولا تلقيح ولا مشكلة يوقعوها فيها. واللي إيمان عملته كتير بصراحة. مرة رفعت إيديها على مروة، لولا يزيد لحقها، ومرة تانية وقعت القهوة عليها حرقتها، ومرة تانية جابت الفستان اللي اتعمل عليه المشكلة ولبستها فيا وهي السبب. المرة دي كمان، حطت الزيت على السلم لمروة علشان البيبي ينزل، بعد ما عرفت أنها حامل.
وجده ينظر إليها بعدم تصديق وصدمة شديدة احتلت ملامح وجهه، وألقى عليها سؤاله قائلاً:
- إيمان اللي عملت كل ده؟
أجابته بتأكيد وهي تجعله هو يجيب:
- أظنك عارف أختك أكتر مني، وعارف كويس أوي أنها تعمل أكتر من كده.
لم يجبها، بل أبعد نظره عنها وهو يفكر: لما تفعل كل ذلك بتلك الفتاة المسكينة؟ فهي في كل الأحوال تُخدع من الجميع، وأولهم زوجها.
وجدها تكمل مبتسمة بسخرية:
- وأنا عارفة كمان أنها عاتبتك أنت ووالدتك على خطوبتك مني، وقالت لك إنك لازم تسيبني علشان أنا مش هنفعك، صح؟
مرة أخرى يسألها وعقله لا يعمل ولو بنسبة واحد بالمئة، مستغربًا من أين لها أن تعلم بهذا الحديث:
- عرفتي الكلام ده منين؟
- منها هي نفسها، وعرفت ليه لما كنت بتيجي عندنا مكنتش بتتكلم معاها.
أكمل هو بعد أن مسح على وجهه بيده:
- علشان شدينا سوا لما رفضت أسيبك، وقالت كلام كتير غلط في حقي وحق أمي.
أومأت إليه بتفهم، ثم أردفت بأمل وهي تعتدل في جلستها:
- مروة بنت كويسة جدًا، أتمنى ما يكونش حصلها حاجة، لا هي ولا البيبي.
تحدث قائلاً بهدوء وهو يأمل مثلها أن يكونوا بخير، لأجل صديقه الذي على وشك الانهيار:
- إن شاء الله يكونوا بخير.
***
غابت في أفكارها، مشتتة بين الواقع والحقيقة المرة الذي وجدتها. بين الحب والكره، الخداع والأمل. غابت بين حنانه وخذلانه لها. أليس لها حق في أن تعشق رجلاً؟
منذ البداية وهي ليست بخير. قالوا: تزوجي يزيد لينتهي الثأر، ففعلت. تحملي يزيد وقساوته وغروره وعنجهيته لتسير المركب بكم، فتحملت. إنها عائلته ولن يتغيروا عليك بالصبر، فصبرت. أحبك يزيد فأحببته. يهين يزيد فافعل وكأني لا أعلم. يبتعد يزيد فأقترب. يقسوا يزيد فألين قلبه. يضرب يزيد فأعتذر في سبيل العيش معه وجعل المركب تسير، في سبيل حبه وقربه، في سبيل لمساته وكلماته، في سبيل أحضانه وتلك اللحظات بها.
ولكن ماذا فعل يزيد الآن؟ ما كان إلا رجل محتال، تزوجني ليحتال علي ويأخذ ما أملكه أنا وعائلتي بسبب شيء لا أعلمه إلى الآن.
ماذا فعل يزيد؟ إلا رسم الحب على لوحة ورقية تمزقت عندما علمت الحقيقة المرة.
ماذا فعل يزيد؟ إلا أنه سلب مني أعز ما أملك وجعله ملك له في ليالي معدودة، ألا وهو قلبي.
نظرت إليه وهو يجلس على الأريكة والدموع عالقة بعينيها بعد هذا التفكير الصريح بما فعله بها. وجدته ينظر إليها والتوسل داخل عينيه. الأمل يود أن يحتل ملامحه ولكنه خائف. الحب بدأ بالظهور مرة أخرى، وإن فعل لن تستطيع المقاومة.
نظر إليها بخوف وضعف غريب تسلل إليه، عاجز عن جعلها تسامحه أو حتى تفكر في ذلك. عاجز عن قربه منها. عاجز عن كل شيء يخصها.
ولكن عليه أن يقص كل ما حدث لها الآن قبل حضور عمها، ربما تشفق عليه.
وجدته يتحدث بهدوء بعد أن اعتدل على الأريكة وأصبح وجهه ينظر إلى الأرضية أسفل قدميه:
- كنا أغنيا. جدي وجدك كانوا أصحاب وشركاء في كل حاجة. عملوا شغل كويس مع بعض وجم هنا في البلد دي بعد ما سابوا بلدهم. في يوم جالهم واحد علشان يدخلهم في تجارة الحديد ويبقوا ناس ليهم وزنهم لما يعملوا مصانع ويظهروا، لكن جدك رفض وجدي هو اللي كمل مع الراجل ده.
كلماته هذه صحيحة، عمها قال هذا بالضبط، إذاً ليكمل وتعرف أين تلك الثغرة التي لا تفهمها. أكمل هو مرة أخرى بعد أن أخرج سيجارة ووضعها بين أسنانه دون إشعالها:
- الراجل طلع نصاب وجدي كان ساهم معاه بكل اللي يملكه وبقينا على الحديدة. جدي مات، ووراه أبويا، وعرفنا من عمي أن جدك هو اللي بعت الراجل ده وكانوا متفقين سوا أنهم ينصبوا عليه. كل الأملاك راحت ليكم من وقتها وإحنا مصممين نرجع كل حاجة أخدها جدك مننا.
- لحد ما جه اليوم اللي زود كل الكره اللي في قلوبنا بعد ما كامل قتل زاهر ووراه ماتت مرات عمي. البيت كان في حداد على أربع أشخاص طلعوا منه من غير رجعة بسبب عيلتك. وصممنا على الانتقام وأننا نرجع حقنا حتى لو بالجواز.
مددت جسدها بأكمله على الفراش وعادت برأسها إلى الوسادة بعد أن رفع نظره إليها. ثم هتفت مصححة له:
- قصدك بالحب. الحب يا يزيد أسوأ طرق استرداد الحق. ويا سلام بقى لو كان زي حالتك كده الحق بتاعك باطل.
لم يفهم ما الذي تقصده بحديثها عن الباطل. نعم، هو يعلم أن الحب هو أسوأ الطرق لاسترداد الحق، وقد ظهر هذا الآن، ولكن ما الذي تقصده بحديثها عن حالته والباطل:
- مش فاهم تقصدي إيه.
سألته بجدية لتستطيع أن توضح له أكثر:
- هو عمك عرف منين أن جدي هو اللي نصب عليه؟
أتى ليجيبها وقارب على النطق، ولكنه عاد وأغلق شفتيه وهو ينظر إليها باستغراب شديد. فهو حقًا لا يعلم من أين عمه علم بهذا الشيء. نظر إليها وقال باستنكار:
- مش عارف.
ابتسمت بسخرية متحدثة بهدوء وهي تضع يدها على بطنها أمامه وتضغط عليها:
- دلوقتي لما عمي يوصل هتعرف.
حديثها غامض. هل تعلم شيء هو لا يعلمه؟ ماذا سيقول عمها؟ ولماذا تريده أن يتحدث معه؟ وضع رأسه بين يديه بعد أن انحنى على نفسه، وقد أصبح التفكير مرهقًا للغاية، وهو لا يود شيئًا غير احتضان زوجته في غرفة نومه على فراشه، ثم أن يخلد للنوم.
أتى عمها بعد لحظات، ثم جعلته مروة يقص على يزيد كل ما قاله لها عن ما حدث بالماضي. وكيف رفض جدها المشاركة محذرًا جده أيضًا. كيف حاول جدها المساعدة أكثر من مرة ومن خلفه عمها وهم لا يريدون. جعلته يتحدث بكل شيء حتى يرى أن ما فعله لم يكن إلا شيء فاضح له ولعائلته. جعلته يأكل أنامله ندمًا.
لم يصدق يزيد ما هذا الحديث الذي يقال أمامه. ولكن هو بالفعل منطقي، ليس مفبركًا أو لا يصدق. كيف علم عمه بما حدث إذا كان الرجل ذهب ولم يعد؟ لما قال إن جدها أخذ أموالهم وهو في هذا الوقت كان غنيًا وعنده كثير من الأملاك والأموال؟ لما يفعل ذلك بصديق عمره الذي توفى من بعده؟
نظر إليها بقهر وضميره يعبث معه بكل الطرق. الحزن سيطر على قلبه وفعل حدادًا إلى النهاية أو الرجعة. ملامحه بهتت وعينيه اختفى بريقها، وكأن الحياة من أمامه وقفت. أو أنه وجد نفسه وحيدًا على كوكب آخر. أو أن هناك بركانًا على جزيرة ما سيثور وهو الوحيد عليها.
خرج من الغرفة وتركها خلفه حزينة عليه. لقد كان يسير خلف عمه الذي اعتقد أنه أبًا له ولم يخونه في يوم من الأيام. حزينة على ضعفه وخوفه. حزينة على كل شيء يمر به الآن.
***
دلف إلى المنزل ثم إلى غرفة الصالون الذي يأتي منها الصوت، ووجد أن عمه يجلس ومعه والدته وشقيقه. فنظر إليهم بحزن شديد، وقد خفق قلب والدته ووقفت على قدميها، ثم سألته بخوف كان حقيقيًا هذه المرة:
- ابنك حصل له حاجة يا يزيد؟
لم يجبها، بل أكمل في سيره إلى أن وقف أمام عمه ونظر إليه بغضب وضيق وحزن وقهر لا يعلم كيف يتخلص منهم، ثم سأله بهدوء شديد حافظ عليه:
- ليه عملت كده؟
رواية براثن اليزيد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير، فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
هي ترى أن الفراق هو الحل الوحيد.
وهو يرى أن الفرصة الثانية لن تأتي بضرر.
كيف السبيل للتخلص من كم هذا الألم؟
ولجت إلى داخل الغرفة بهدوء وهي تتشوق لرؤية زوجة أخيها بعدما علمت أنها لم يصبها مكروه هي أو جنينها.
ولجت للداخل ووجدتها نائمة على الفراش مغمضة العينين. فنظرت إليها بحب وهي تحمد الله داخلها لأجل سلامتها وسلامة أخيها المعلقة بها. جلست على مقعد جوار الفراش بهدوء دون أن تحدث أي صوت.
وجدت "مروة" تميل رأسها ناحيتها بعد أن فتحت عينيها ببطء، يبدو أنها لم تكن نائمة. نظرت إليها بسعادة ولهفة قائلة:
"حمدالله على سلامتك يا مروة.. الحمدلله إنك بخير."
نظرة "مروة" إليها كانت جامدة ليس بها أي مشاعر سوى الجمود والجدية الخالصة. استغربت "يسرى" لذلك، ولكن لم يطول استغرابها، فـ "مروة" تحدثت بحدة مردفة:
"اخرجي بره."
وزعت "يسرى" بصرها بالغرفة لترى إن كان هناك أحد آخر غيرها توجه له الحديث، ولكن ليس هنا سواها. هل تقول لها أن تذهب بهذه الطريقة الفظة؟
سألتها بجدية وهي تنظر إليها مستغربة من حديثها، مشيرة إلى نفسها:
"دا أنا؟ أنت مالك فيكي ايه؟ مش مظبوطه من ساعة ما رجعتي من بره؟"
ابتسمت بسخرية وتهكم بعد أن استمعت حديثها الغير منطقي. ثم تساءلت هي بتهكم:
"من ساعة ما رجعت من بره ولا من ساعة ما دخلت بيتكم اللي كان جهنم على الأرض ليا؟"
اقتربت "يسرى" بجسدها قليلا وهتفت بجدية وهدوء لعلها تفهم ما الذي يحدث:
"مروة أظن الحوارات دي خلصت من زمان.. أنت ويزيد كويسين ومالكيش شأن بحد في البيت دا، حتى فاروق لما عرف باللي إيمان عملته طردها."
توسعت عيونها بشدة. هل "إيمان" من فعلت ذلك؟ سكبت الزيت على الدرج لتجعلها تجهض جنينها؟ نعم، تفعلها وتتوقع منها أكثر من ذلك أيضا. ولكن من أين علمت أنها تحمل طفل داخلها؟ نظرت إلى "يسرى" بشك واضح ثم سألتها بحدة:
"إيمان عرفت منين إني حامل؟"
رأت "يسرى" هذا الشك بعينيها صريح للغاية. حزنت بشدة وكأنها لا تعرفها أو كأن هناك شيء حل عليها ليجعلها تتغير هكذا مئة وثمانون درجة. أجابتها بجدية:
"سمعتنا وإحنا بنتكلم وقت ما كنتي بتقوليلي."
ابتسمت "مروة" مرة أخرى بتهكم ثم أردفت بجدية وانزعاج وهي تعتدل لتجلس نصف جلسة بجسدها:
"اسمعي.. بيت الراجحي هعتبر إني مدخلتوش في حياتي. وأخوكي خلاص خرج منها ومبقاش يلزمني ولا أي حد فيكم يلزمني يا.. يا يسرى."
وقفت على قدميها بذهول غير مدركة ما الذي تتحدث به زوجة شقيقها. هل هي بوعيها أم ماذا؟ سألتها باستنكار ودهشة:
"في ايه يا مروة؟ لو أنت زعلانه مع يزيد أنا مليش دخل."
زفرت بضيق وحزن وقد تكونت الدموع بعينيها الآن مرة أخرى غير الأولى على أشخاص اعتقدت أنهم يحبونها. هتفت بحزن وحدة بذات الوقت:
"لا أنت ولا يزيد ولا إيمان ولا أي حد في البيت بتاعكم كلكم ناس حقيرة. كلكم استغليتوا ضعفي وطيبتي علشان تضحكوا عليا. بس خلاص مروة فاقت وعرفت كل حاجة. عرفت كل اللي كنتوا ناوين عليه بلاش بقى تمثلي أكتر من كده وأخرجي برة بكرامتك."
الذهول يحتل ملامحها. لا تدري عن ماذا تتحدث! ماذا تقول! هي لم تفعل لها أي شيء غير الخير. وقفت جوارها أمام أهلها وهذا يكون جزائها.
_____________________
دلف إلى المنزل ثم إلى غرفة الصالون التي يأتي منها الصوت ووجد أن عمه يجلس ومعه ووالدته وشقيقه. فنظر إليهم بحزن شديد وقد خفق قلب والدته ووقفت على قدميها ثم سألته بخوف كان حقيقي هذه المرة:
"ابنك حصله حاجه يا يزيد؟"
لم يجبها بل أكمل في سيره إلى أن وقف أمام عمه ونظر إليه بغضب وضيق وحزن وقهر لا يعلم كيف يتخلص منهم. ثم سأله بهدوء شديد حافظ عليه:
"ليه عملت كده؟"
نظر إليه عمه ببرود قاتل وبقى هكذا لبعض الثواني ثم هتف يسأله بهدوء وهو يريح ظهره للخلف أكثر:
"عملت ايه يا ابن أخويا؟"
تحولت أنظار "يزيد" من الحزن والغضب إلى الدهشة والاستنكار. هل مازال يخفي حقيقته؟ لقد فضُح الآن. أردف بقهر وهو يجيبه بعصبية:
"عملت ايه؟ أقولك؟ عيشتنا في كدبة من وإحنا صغيرين إن جد مروة السبب في اللي حصلنا. ربتنا على الانتقام من ناس مظلومة. كبرتنا وإحنا مفكرين إن حق الناس حقنا. خلتني ظلمت واحدة بريئة من أي شيء. دمرت حياتها وقتلتها بالبطئ ولسه بتسأل عملت ايه؟"
وقف "فاروق" يسأله بجدية ودهشة بعدما استمع حديثه الذي لأول مرة يستمع إليه:
"أنت بتقول ايه يا يزيد؟"
أجابه بصوت عال وقد فاض به الكيل على كل ما يحدث وما سيحدث قريبا بعد أن تتركه زوجته:
"أنت مش عارف حاجه. عمك كدب علينا في كل الكلام اللي قاله.. كله كان كدب ومشينا وراه وإحنا مغمضين واديني أهو أنا الوحيد اللي بيدفع التمن في ابنه ومراته."
تحدثت والدتهم بخوف من أن يكون حديث ولدها صحيح وكل ما فعلته ما كان إلا ظلم بين ستحاسب عليه:
"ما تتكلم يا أبو زاهر ايه اللي بيقوله يزيد ده."
لم يتحدث وتركهم يفعلوا ما يحلوا لهم وهو جالس بهدوء شديد أو برود شديد ينظر إليهم واحد تلو الآخر ويأتي بملامحهم بذهنه.
تحدث "يزيد" مرة أخرى بعصبية قائلا وهو يوجه نظرة إلى والدته وشقيقه:
"هيقول ايه؟ هيقول أن كل أملاك عيلة طوبار من تعبهم وشقاهم وأنه كان كداب لما قال دا حقنا؟ ولا يقول إنهم حاولوا أكتر من مرة إنهم يساعدوا وقت الأزمة وهو اللي رفض وبدل الخير بالشر؟ ولا يقول إنه ضحك على عيال أخوه وكبرهم على الغدر والانتقام وخلاهم يظلموا الناس علشان أهداف محدش يعرفها غيره."
وقف عمه على قدميه متقدما منه إلى أن وقف أمامه ثم بكف يده صفعة على حين غرة بشدة جعلت وجهه يستدير للناحية الأخرى. شهقت والدته بفزع وتقدمت سريعا إلى جوار ابنها لتراه إن كان بخير وقد تفاجئ "فاروق" من فعلة عمه الغير مرحب بها بالمرة وتقدم هو الآخر من شقيقه ليراه.
بينما "يزيد" تحسس مكان صفعته بهدوء ولكن داخله يشتعل. نيران ثائرة بداخله بعد هذه الفعلة الدنيئة منه وهو المخطئ الوحيد.
استمع إلى عمه وهو يقول بجدية وحزم وتعابيره قاسية للغاية:
"أنت خسرت ايه ابنك اللي لسه مجاش على وش الدنيا ولا مراتك اللي عشت معاها ميكملش سنة. أما أنا، أنا خسرت أبويا وأخويا ومراتي وابني اللي كان راجل. خسرت مالي ومال ابني. خسرت شبابي وحياتي. خسرت كل حاجه."
صرخ بحدة وعصبية بهم سائلا إياه:
"قولي أنت خسرت ايه؟"
لم يجبه "يزيد" بل الذي تحدث هذه المرة هو "فاروق" قائلا بجدية شديدة هو الآخر بعد أن وجد أن هناك كثير من الأشياء لا يعرفها:
"كلنا هنموت يا عمي بس هما سبقونا. أما يزيد مراته وابنه عايشين هيفضل بقية حياته بيتعذب على فراقهم."
نظر إليه "يزيد" وقد كانت مشاعره متضاربة بين الحزن والفرح الغضب والهدوء. كل شيء ولكن هذه أول مرة يدافع عنه شقيقه.
أكمل "فاروق" متسائلا:
"قول يا عمي ايه اللي حصل وايه اللي يزيد بيتكلم عنه؟"
صرخ بهم بعصبية وغضب وهو يقول ما يكنه داخل قلبه منذ سنوات كثيرة ليست واحدة أو اثنتين:
"أيوه أنا اللي عملت كل ده.. أيوه هما ناس بريئة بس جدهم السبب ليه محاولش يمنع أبويا بالغصب وهو عارف أنه بيضيع فلوسه. ليه موقفش قصاده.. سابه يضيع كل حاجه بهواه.. أبويا مات بسبب الخسارة اللي لو كان منعه عنها صاحبه مكنش مات ولا كان أخويا مات.. أبوكم وابنهم اللي قتل ابني ومن وراه مراتي.. كل ده مش كفاية يخليني أخد كل اللي عندهم وأحرق قلبهم عليه.. بقيت لوحدي في وسطكم بتحسر على خسارة كل اللي ليا واللي بعد ما موت هيبقى ليكم مش لابني."
صمت للحظة بينما الجميع بحاله ذهول من حديثه الغير منطقي. هذا أمر الله لقد توفاهم. والمال له كيف سيجعله يعود عن ما في رأسه بالغصب وهو ماله.
مرة أخرى بقسوة أكبر من ذي قبل جعلت الجميع قلوبهم بين أقدامهم:
"ولو كنت عرفت أن مراتك حامل كنت نزلت الولد من بطنها بأيدي قبل إيمان ما تعملها.. بس مش من نصيبي إيمان كانت أسرع."
ماذا؟ زوجة شقيقه هي من فعلت ذلك بزوجته؟ نظر إلى شقيقه الذي وجده ينظر بأرضية الغرفة بخجل. نظر إلى والدته التي جلست ووضعت رأسها بين يديها من كم الصدمات بهذا اليوم الذي لا يريد الانتهاء.
شيء واحد سيطر على الجميع في هذه اللحظة إلا وهو الندم.
نظر "يزيد" إلى الجميع ثم تحدث قائلا بجمود:
"بعد كل اللي حصل ده أنا ماليش قعدة معاكم هنا.. انتوا ممكن ترجعوا مع بعض زي الأول ولكن أنا لأ."
استكمل حديثه وهو يخرج من الغرفة متوجها إلى غرفته بالأعلى:
"هروح ألم حاجتي وحاجه مراتي ومش هخليكم تشوفوا وشي ده تاني."
خرج وهو عازم أمره على ذلك بعد أن علم بما حدث منذ البداية. عمه مريض مؤكد. كيف له أن يفعل كل ذلك بهم لأجل أشخاص توفاهم الله. الحقد والانتقام هو المسيطر الأول عليه وهو وشقيقه كانوا مثل آلة يملي أوامره عليها وهم ينفذون.
الحزن والندم سيطر على والدته وشقيقه. لقد كانوا يسيرون وراء وهم حقيقي لم يبحثوا عن الحقيقة ولو مرة واحدة وكان ظلم الناس عليهم سهل.
كيف يعبرون عن مدى حزنهم وندمهم على كل شيء قد حدث؟ كيف يعتذرون من ابنهم وزوجته؟ كيف يجعلوه يعود إليهم مرة أخرى ويفعلون له ما يريد؟
تفرقت الأسرة وتفرق جمعهم بسبب وهم وانتقام غريب ليس له أي أساس سوى كلمات عمهم المحروق على فقدان أحبته.
بين كل ذلك صعد "سابت" إلى غرفته وتركهم في حالة ذهول. دلف إليها ثم أخذ صورة زوجته وابنه من على الحائط وتقدم إلى الفراش ليتمدد عليه وهو يحتضن الصور والحزن يتغلغل داخل أعماق قلبه، شاعر أنه قارب على التوقف.
***
دَلفت إلى السيارة جوار "سامر" مرة أخرى لتعود إلى منزلها ولكن كانت مختلفة كثيرًا عن قبل. الدموع عالقة باهدابها ووجهها أحمر بشدة ولا يبدو عليها أنها بخير.
تساءل باستغراب بعد أن رآها هكذا وهو يقود السيارة إلى وجهته:
- فيه إيه مالك؟
خرجت الدموع من عينيها عقب سؤاله وتحدثت بخفوت وحزن:
- مروة طردتني وقالت لي كلام كتير أنا مش فاهماه.
نظر إليها باستنكار بعد حديثها ثم أعاد نظره إلى الطريق وهو يهتف بحنان ولين:
- طيب ممكن تهدي عشان أفهم.
ازداد بكاؤها فهي لا تعلم ما الذي حدث لتقول كل هذا الحديث القاسي إليها وهي لم تفعل شيئًا بها، بل اعتبرتها شقيقتها وليست زوجة شقيقها.
أوقف "سامر" السيارة بجانب الطريق ثم نظر إليها بهدوء وهو يزيل دموعها من على وجنتيها وهتف وهو ينظر إليها برجاء بعد أن استدارت له:
- ممكن تهدي وتبطلي عياط.
ترك لها مساحتها في البكاء بعد أن عجز عن جعلها تهدأ، ثم صمتت بعد فترة فتحدث هو قائلًا بلين:
- ممكن أفهم بقى إيه اللي حصل؟
أردفت بضيق وانزعاج وهي تروي له ما حدث:
- فيه مشكلة بينها وبين يزيد ومصممة على الطلاق، حتى أنها بهدلتني وقالت لي إننا نصابين وناس ظالمة والمؤامرة اللي اتعملت عليها هي خلاص عرفتها.
استدار "سامر" ينظر إلى الطريق بعد أن علم ما الذي حدث. إنها حتمًا علمت ما سبب الزواج وما الذي أراد فعله "يزيد" بها. هتف بشرود قائلًا:
- المشكلة اللي بينهم عمرها ما هتتحل بسهولة، ده لو مروة اتنازلت أصلًا.
وجهت نظرها عليه. هو يعلم ما الذي حدث! يعلم ما المشكلة بينهم! سألته باستغراب:
- أنت عارف اللي حصل؟
توتر من نظرتها وتردد من إخبارها، ولكن أمام تلك النظرة الواثقة بأنه يعلم وبأنه سيتحدث لم يجد حلًا غير أن يقول لها، فهي الشخص الوحيد إلى الآن الذي لا يدري داخل عائلته.
صُدمت من شقيقها وعائلتها ومن خطيبها أيضًا! كيف لهم أن يفعلوا بها هكذا؟ مثل أخيها الحب عليها! ولكن كيف العشق كان يظهر عليه لها في كل لحظة! أرادوا ذبحها بالحب والضعف! معها كامل الحق وأكثر فيما تفعل، لقد خُدعت في حب حياتها، زوجها، ووالد ابنها أيضًا.
سألته بدهشة وهي لا تصدق أنه مشارك بهذه الجريمة:
- أنت إزاي تخليه يعمل فيها كده؟ له معتبرتهاش أنا ولا حتى أختك؟
علم أنها ستقول هذا ومن الآن وصاعدًا لن تأمن له لأنه ساعد في ظلم بريئة. زفر بضيق ثم أردف بخفوت:
- أرجوكي بلاش تقولي كده، أنا حاولت مع أخوكي أكتر من مرة وهو اللي كان مصمم على رأيه وخايف تعرف من غيره.
- روحني.
حاول الحديث ليجعلها تعلم أنه لم يكن بيده شيء يفعله، ولكنها منعته مطالبة بالعودة إلى منزلها دون حديث، فالصدمة صعبة للغاية عليها. كيف إذًا على مروة؟
***
"اليوم التالي"
بعد أن أخذ ما يخصه هو وزوجته من بيت عائلته ووضعه بالحقائب الخاصة بهم، وضعهم بالسيارة وذهب إليها مرة أخرى. ومنذ أمس وهو جالس خارج الغرفة في الرواق وحده بعد أن جعلت "تامر" يذهب ولم يكن موافقًا على هذا ولكنه فعل.
منذ أمس وهو هنا لم يأتِ النوم إلى عينيه، بل وكأنه نام سنة كاملة ليبقي هكذا، يفكر بالماضي وما حدث به من كوارث هائلة تحمل هو نتيجتها.
يفكر بالكذب الذي افتعله عمه ليبقي هنا الآن. لو كان غير ذلك لكان هو بجوارها بالداخل! ولكن هذا ما حدث. لقد كانت صدمة حقًا في عمه الذي بمثابة والده. لم يكن يتخيل أن يفعل بهم هكذا. ماذا كان سيحدث إذا رفضت عائلة "طوبار" الزواج؟ هل كان سيفتح سلسال دم من الممكن فقده هو أو أخيه بداخله؟ إنها صدمة حياته.
كذب عمه وجعلهم يتحملون النتيجة. كذب وهم ورائه يسيرون. كذب ودمر حياتهم ولكنه المخطئ! لم يتبين له الحقيقة من الكذب وهو لم يسعى لمعرفة ذلك.
ترك كل شيء يسير كما عمه ووالدته أرادوا. ترك لهم زمام الأمور وكأنه دُمية يحركها بأريحية. ومن خلفهم هو كذب، ظلم، انتقم وعاقب شخص برئ أحبه للغاية.
يا له من وغد! كيف له أن يفعل بها ذلك؟ كيف له أن يجعل الدموع لا تتوقف عن الخروج من مقلتيها؟ كيف له أن يحزن قلبها الذي أحبه؟ كيف له أن يشعرها بالقهر والخذلان منه هو وحده؟ إنه لا يستحق حبها، لا يستحق أن تكون بحياته من الأساس! لقد أضاع كل شيء بينهم بسبب ضعفه وخوفه، بسبب حماقته وكذبه.
يأتي إليه في الطريق طفل صغير كان يتمناه منها وحدها. ما السبيل للتواجد معه الآن؟ إنها قررت وكان الطلاق والفراق قرارها. ما السبيل الآن للتخلص من كل هذه الآلام الذي تعصف به وبكل خلية بجسده.
لو كان يعلم أن كل ذلك سيحدث بسبب زواجه منها لم يكن ليتزوجها. لم يكن ليقع بعشق زرقة البحر، لم يكن يقع بغرام خضرة الأرض. لم يكن يفعل كل ذلك ولكان بقى "يزيد الراجحي" الذي يحمل القسوة والغرور داخل طياته. كان بقى نفسه الذي يحمل العنجهيه والمراوغة داخله وبقيت هي "مروة طوبار" الملاك الذي لا يوجد مثله في نقائه وبراءته.
زفر بضيق وهو يمسح على وجهه بعد أن اعتدل في جلسته يتكئ بمرفقيه على قدميه ينحني على نفسه للإمام وهو يفكر كيف سيجعلها تعود عن ما في رأسها وتكون زوجته دون أي ضغط من أي أحد. تكون زوجته وكأنها المرة الأولى الذي يريدها بها. تكون زوجته بإرادتها هي وحدها.
***
بينما هو جالس مكانه مثلما كان وجد والدها وشقيقتها يركضون في الرواق بلهفة وخوف! من الذي أخبرهم؟ مؤكد إنه ذاك الطفل الأبلة "تامر".
تقدمت منه "ميار" سريعًا عندما وجدته أمامها ثم سألته بلهفة واهتمام:
- يزيد مروة حصلها إيه؟
واستمع إلى سؤال والدها هو الآخر من بعدها ولم يعطيه حق الإجابة يقول:
- بنتي فين يا يزيد؟
ابتلع ما بحلقه ثم تحدث بهدوء واحترام وهو يشير إلى باب غرفتها:
- ممكن تهدوا، هي جوه هنا ومحصلهاش أي حاجة، دي وقعة بسيطة.
أجابت "ميار" بسرعة وخوف يحتل نبرتها:
- بس مروة حامل.
ابتسم "يزيد" بسخرية شديدة ليست في وقتها المناسب ولكن الجميع حولها يعلم وهو لأ!
- ده الظاهر إن أنا الوحيد اللي مكنتش عارف.. على العموم هما بخير.
نظرت إليه "ميار" باستغراب شديد. هل لم تقول له شقيقتها عن حملها بعد؟ إذًا هو علم فقط عندما سقطت من على الدرج! إنها غبية.
ولجت إلى الغرفة هي ووالدها لترى شقيقتها التي عندما رأتهم يدلفون إليها تجمعت الدموع بمقلتيها وأصبحت تبكي بشدة!
أخذها والدها في أحضانه وهو يحاول أن يجعلها تهدأ، فإن كانت بخير وكل شيء على ما يرام لما تبكي؟ دلف إلى الغرفة ليراها وهي بهذا الوضع فظل واقفًا جوار باب الغرفة ولم يتقدم ناحيتها وقد كان قلبه يخفق بشدة، ود لو كانت بأحضان هو.
نظرت إليه وهي تزداد في البكاء. عينيها معلقة على عينيه متشبثة بوالدها وكأنه هو الذي تحتضنه وتخفي نفسها داخله، ولكن هيهات فهو من تهرب من براثنه.
حاولت "ميار" أن تجعلها تهدأ قليلًا ولكن ليس هناك فائدة. شعرت أن هناك خطب ما. أنظار "يزيد" و "مروة" متعلقة ببعضهما وكل منهما يقول شيئًا مختلفًا تستطيع قراءته بوضوح. تركت ذلك الأمر جانبًا ثم حاولت مرة أخرى هي ووالدها الذي استغرب أيضًا ببعد "يزيد" عنها في هذا الوقت!
أتى "تامر" أيضًا بعد صف سيارته الذي أتى بها عمه وابنته. جلس على الأريكة بالغرفة وهو لا يريد التدخل فقط لأجل "ميار".
بعد فترة جفت دموعها وصمتت عن البكاء ومازالت تنظر إليه بضعف وقلة حيلة. عينيها تزف إليه حبها ولكن لن يكمل على كل حال.
سألها والدها باستغراب وجدية وهو يريد أن يعلم ما الذي أصابها في يوم وليلة:
- مالك يا مروة يا حبيبتي.. إيه اللي حصل لكل ده؟
انتظرت "ميار" لتستمع الإجابة منها على سؤال والدها ولكن ظلت فترة صامتة لم تتحدث ومازالت نظراتها متعلقة به. ثم فجأة ابتعدت عن والدها نظرت له ثم هتفت بحزن ونظرة ضائعة:
- عايزة أرجع معاكوا القاهرة.. النهاردة.
أومأ إليها بهدوء وهو ينظر إلى شقيقتها ولم يفهم ما الذي يحدث بعد فتحدث مرة أخرى:
- ماشي يا حبيبتي اللي أنتِ عايزاه نعمله بس يعني يزيد بيقول إنك كويسة ومحصلش حاجة، عايزة ترجعي القاهرة ليه؟
لن يكون هناك دموع مرة أخرى، ولن يكون هناك ضعف. هو من خان وهو من باع، هو من كذب وهو من راوغ. هو الذي جعلها تشعر بالخذلان والقهر. عليه هو أن يشعر بكل هذا وليست هي! ولكن هل تستطيع أن تؤذيه بهذا الشكل؟
أجابت والدها بخفوت:
- عشان مش هقعد هنا تاني أبدًا.
نظر كل من "ميار" ووالدها إلى "يزيد" حتى يتحدث ويمحي هذا اللغز فلم يكن منه ردًا سوى أنه أخرج سيجارة ووضعها بين أسنانه دون إشعالها، فهو ود لو ضغط على أحد بأسنانه ليخرج كل الضغط عليه.
تحدثت "مروة" مرة أخرى بجمود وقد عز عليها أن تفعل ذلك ولكنه لم يترك لها خيارًا آخر بعد ما فعله:
- أنا ويزيد هنطلق.
وقفت "ميار" سريعًا من جوارها تهتف بذهول وصدمة ألقتها عليها شقيقتها:
- إيه؟
والدها لم يكن حاله أفضل منها فالصدمة ألجمت لسانه. تقدم "يزيد" إليها بعد أن ألقى السيجارة على الأرضية وهو يسير سريعًا ناحيتها بحركات هوجاء ثم تحدث بحزم:
- مش هيحصل يا مروة، قولتلك مليون مرة مش هيحصل.
عاندته وهي تهتف بحدة شديدة وصوت عالٍ تشير بيدها ناحيته بهمجية:
- هتطلقني يا يزيد ولو حكمت هخلعك.
تقدم منها ليمسك يدها فدفعته بحدة وقد كان الجميع مذهولًا مما يحدث بينهم!
أمسك يزيد بيدها الاثنين بحدة ليبقى وجهها أمامه مباشرة، ولا يفصل بينهم سوى أنفاسهم. تحدث يزيد بضعف ورجاء وهو يضغط على يدها:
- أرجوكي كفاية لحد هنا، قولتلك أعملي اللي أنتِ عايزاه.. مش هنرجع هنا تاني.. المكان اللي تحبيه هنروحه.. خدي الوقت اللي أنتِ عايزاه علشان تكوني معايا، لكن بلاش البعد ده يا مروة بلاش.. لو مش علشاني، علشان ابنك.
ظنت أن عينيها جفت الدموع منها، ولكن بكلماته هذه جعل الشلال يفتح أبوابه مرة أخرى. نظرة عينيه الراجية، كلماته أن الفراق صعب عليه، وقربه إليها.. كل هذا جعلها تبكي مرة أخرى وأخرى وأخرى.
نظرت إلى والدها ثم قالت بخفوت:
- أنا عايزة أرجع معاكم دلوقتي.
أومأ إليها والدها، فنظر لها يزيد بخيبة أمل وحزن، ثم ترك يدها وذهب خارج الغرفة دون أن ينظر إليها مرة أخرى.
ليس هناك أحد يفهم أي شيء مما يحدث. نظرت ميار إلى والدها الذي بادلها نظرة الدهشة، وأيضًا كانت هذه تعابير تامر. لم تفعل أي شيء سوى أنها تقدمت من شقيقتها تحتضنها بحب، لتتوقف عن البكاء الذي ازداد بعد رحيله عنها وكأنها لا تريد ذلك.
رواية براثن اليزيد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيداً ونصيراً وقائداً وظهيراً. سبحانك إنك على كل شيء قدير، فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"علينا أن نجعل هناك ذكريات جميلة لا تُنسى، لنتذكرها عند الفراق."
"بعد مرور شهر"
شعور الفقد يلازمه منذ شهر، كان بالنسبة له عام! فقد أعز ما يملك في هذه الحياة بسبب غبائه وضعفه، بسبب خوفه وقلة حيلته المصطنعة. الآن يعاني الوحدة عن حق بعد أن ترك الجميع وأصبحت حياته عبارة عن اعتذار وعمل.
منذ آخر يوم رآها به قبل شهر، والذي قد تركته فيه وذهبت مع عائلتها مطالبة بالفراق، ذهب هو الآخر إلى منزله في العاصمة الذي جمع بينهما من قبل في أسعد لحظات حياتهم. أخذ كل ما يخصه ويخصها من منزل عائلته ووضعه في هذا المنزل على أمل عودتها له، كما كان هناك أمل لها أن يعود بها إلى هنا. يا ليته فعل وانصت إلى حديثها، ولكن بماذا يفيد الندم؟
بقى وحده دون شريك، حياته عمل منذ ذلك اليوم. عمل ثم الذهاب إلى زوجته يومياً بالورود وغيرها للاعتذار منها. لن ييأس أبدًا. نعم هي لا تود مقابلته ولم يراها إلى اليوم، ولكن هي تعلم أنه يذهب إليها، بل ويترك لها الهدية برسالة ورقية صغيرة تلين قلبها تجاهه.
لو كان يعلم أن قلبه سيؤلمه إلى هذا الحد في فراقها، لم يكن يستمع إلى عمه أو شقيقه، لم يكن يستمع إلى أي شخص كان. لقد شكلت فرقاً كبيراً بحياته.
هل لو قال أنه لا يستطيع العيش بسلام سيُصدق؟ هل لو قال أنه لا يأكل بشهية كما السابق سيُصدق؟
أنه الآن مثل طفل فقد عائلته بالكامل وعاش وحيدًا وهو يخاف من البشر أجمع.
قلبه يؤلمه، روحه معذبة بفراق حبيبته وطفله الذي أراد أن يكون بجوارها في حملها له لحظة بلحظة. عقله لا يتوقف عن التفكير فيما سيحدث قادمًا. ضميره إلى الآن يعبث به محدثًا أنه جعلها تتألم، جعل قلبها ينكسر وعرف الخذلان بمعرفتها له!
وصف حالته لن يفيد ولن يفي، ولكن ما يعلمه حقًا أنه لن يستسلم. سيظل يذهب إليها معتذرًا إلى النهاية.. إلى أن يسترد الله أمانته فيه، أو إلى أن تسامحه وتعود إليه مرة أخرى فقد مزقه الاشتياق لها.
ذهبت مع عائلتها منذ شهر! هل كان شهرًا واحدًا؟ تركت صاحب العيون متعددة الألوان، تركت خلفها رجلاً بهيبته انحنى إليها وحدها، تركت خلفها حبًا قاتلًا لم تعرفه إلا معه.
اعتقدت عندما تزوجته وتركت أهلها أنها فارقتهم وكم كانت حزينة لذلك! الآن هي تقول أن هذه المرة الأولى لها في استشعار مرارة الفراق. لقد كان صعبًا للغاية وما مر منه إلا قليل. البعد عنه موت، ليس موت بل قتل بالعنف الشديد. "يزيد" الذي عشقته الآن تتركه وتتألم لذلك أكثر من أي شيء آخر.
لكن ما فعله بها لا يستحق عليه إلا ذلك العقاب. لقد خدعها، كان يريد سرقتها، كذب عليها، جعلها تتألم في كل يوم وهي بريئة، جعلها تشعر بالخذلان منه، جعلها تشعر بالقهر.
الحزن اشتد عليها وجعلها تجلس دائمًا في غرفتها لا تخرج منها إلا للطعام حتى لا يحزن والدها أكثر من ذلك. غرفتها التي جعلتهم يغيرون أساسها لأنه شاركها إياها! وكأن ذلك سيجعلها لا تتذكره، ألا تعلم أنه داخل عقلها وقلبها؟ إنه داخل الأعضاء المسؤولة عن تحريك الإنسان.
يأتي إليها كل يوم تستمع إلى صوته في الخارج أمام باب المنزل عندما يفتح له والدها أو شقيقتها وهم إلى الآن لا يعلمون شيئًا عما حدث. لا تريد أن تجعله سيئًا بنظرهم. ما قالته أنها مسألة شخصية وأنهم لا يتفاهمون سويًا. مؤكد لم يدلف هذا الحدث عقل أحد منهم ولكن لم يضغطوا عليها وتركوها لتفعل ما تريد.
هي تراهم يتعاطفون معه وتساعده شقيقتها أيضًا وتتحدث معه لتخبره بوضعها ووالدها يود أن يدخله المنزل كل يوم ولكن لا يستطيع بسببها. هم يعلمون أنها تحبه وتتعذب في فراقه لذا يحاولون أن يجعلوها ترضخ له بعد هذه المحاولات ولكنها لن تفعل ذلك.
بينما هي الآن في حملها تخطت الشهرين ونصف تعاني كل يوم بسبب التقيؤ والإرهاق الذي يلازمها. حذرتها الطبيبة بأن تهتم بصحتها لأجل الطفل ولكن هي لا تستطيع! ليس سهلاً عليها أبدًا هي فاقدة للحياة لا تريد إلا هو بجوارها في هذه الأوقات وأيضًا لا تريد رؤيته مرة أخرى عقلها مشوش للغاية ولكن ما تعرفه أنها تشتاق إليه بشدة.
استلقى على الفراش، ينام على جانبه الأيمن ينظر إلى صورتها على الكومود بجواره. خصلاتها التي تحمل لون قرص الشمس تتطاير بفعل الهواء. زرقة عينيها البراقة تظهر بوضوح وبها فرحة عارمة تظهر للأعمى. وجنتيها حمراء بشدة بسبب خجلها عندما غازلها وهو يلتقط لها هذه الصورة. شفتيها تشق الابتسامة طريقها بها.
لقد أضاع من بين يده ملاك لا يجوز أن يكون مع أي أحد من البشر وقد مَنّ الله عليه به ولكن بغبائه الفطري أضاعه!
استلقى على الفراش بظهره ووضع يده أسفل رأسه وهو يتذكر منذ ما يقارب الثلاث أشهر عندما كان ينام هنا إلى جوارها ينتقون اسم طفل صغير حتى إذا كرمهم الله يُطلق عليه.
"كانت نائمة إلى جواره يضع يده أسفل رأسها محتضنًا إياها وهي تسير بأصابع يدها على صدره بينما يتحدثون بمرح وسعادة تواجدت معهم هنا.
ابتسم وهو ينظر إلى سقف الغرفة بعد راودته فكرة يود لو تتحقق الآن. تحدث بحب كبير:
"لو جبنا بنت هسميها مروة علشان يبقى عندي أحلى مروتين في حياتي."
عبثت معه كما يفعل دائمًا بها لتقول بسخرية وتهكم ضاحكة:
"طب عارف لو جبنا ولد هسميه يزيد علشان يبقى عندي أحلى يزيدين في حياتي."
ضربها بخفة على جبهتها وهو ينظر إليها بنصف عين بعد سخريتها منه وأردف قائلاً وهو يشاكسها:
"تصدقي أنا غلطان.. خلاص هسميها ريهام."
وجدها عندما استمعت إلى الاسم قفزت لتجلس على الفراش بملامح مذهولة، ثم صاحت بحدة وقد تبدل حالها من "مروة" إلى أخرى لا يعرفها:
"نعم يا عنيا ريهام دي تطلع إيه.. يزيد اظبط كده وخلينا حلوين مع بعض. قال ريهام قال."
ما هذا؟ ستفرد أجنحتها عليه وتتحدث هكذا؟ ضحك عاليًا بعد أن استمع إليها وشاهد طريقتها لتفهم ما الذي يفعله أنه يعبث معها لتفقد صوابها إذا لتفعل مثله:
"طب ماشي سميها ريهام وأنا لو ولد هسميه..."
وجدته يحذرها بعينيه الذي اختفى المرح منها وعبس بشفتيه قائلاً بجدية:
"اوعي."
زفرت بضيق ثم عادت إلى مكانها بجواره متزمرة عليه ولكن سريعًا اندمجت معه في الحديث مرة أخرى لتقول بهدوء وهي تسأله:
"ممكن تسيبلي حق اختيار اسم البنت؟"
أجابها بفتور قائلاً وهو يبتسم:
"ليه؟ علشان ميبقاش ريهام؟"
رفعت نظرها إليه وتحدثت بتهكم بعد عبارته:
"تصدق إنك رخم!"
استفزها ببروده وأجابها بسخرية بعد أن ضحك ببرود:
"مش أول حد يقولي كده."
تركت حديثه هذا جانبًا لأنها لن تتخلص منه أبدًا مادام هو مزاجه جيد، واسترسلت حديثها بعد أن أخفضت نظرها عنه بهدوء:
"علشان نفسي بنتي تكون على اسم ماما الله يرحمها.. ورد."
تغيرت نظرته إليها من العبث إلى الهدوء الخالص. لم تحظى بأي لحظات تذكر مع والدتها. يستطيع أن يشعر بحزنها.
أخذ نفسًا عميقًا ثم هتف بجدية وابتسامة تزين ثغره:
- أول بنت لينا هيكون اسمها ورد.
نظرت إليه بسعادة ثم ارتفعت لتقبله على جانب فمه، وعادت مرة أخرى إلى مكانها لتتساءل بسعادة:
- طب الولد بقى هتسميه إيه؟
- إياد.
سألته مرة أخرى باستفهام:
- اشمعنى إياد؟
شدد على احتضانها وقربها منه ثم أجاب بهدوء وهو ينظر إلى سقف الغرفة:
- نفسي من زمان يكون عندي ولد اسمه إياد.
ثم أكمل حديثه عابثًا معها:
- وعلي ومازن ونور وهند ويارا وكاميليا...
وضعت يدها سريعًا على شفتيه وهي تضحك بصخب قائلة باندهاش:
- إيه هي أرنبة؟
ابتسم بخبث بعد أن أخذ يدها الموضوعة على فمه وبقيت بين كفه وتحدث بمكر:
- مادام أنا موجود وأنتِ موجودة إيه المانع؟
مرة أخرى لتضحك بصخب شديد وهي تنظر إليه وإلى سهولة الحديث الذي يخرجه من فمه. تحدثت بمكر مثله قائلة:
- لأ الموانع كتير.
تركها وجذب يده من أسفل رأسها ثم جعلها تستلقي على الفراش وحدها وهو يقابلها بجسده ووجهه القريب منها للغاية الذي لا يفصله عنها سوى أنفاسهم ثم تحدث بخبث وابتسامة رائعة:
- نزيل أول مانع بقى!
واقترب منها ليمحي كل مانع تحدثت عنه! ليبق بالقرب منها في الماضي والحاضر والمستقبل، لتكون زوجته ونصفه الآخر كل يوم وكل لحظة تمر عليهم، ليبقى "يزيد" الذي عشقته ولا تريد الابتعاد عنه.
استفاق على دمعة حزينة خرجت من عينه، أزالها سريعًا بيده ثم استلقى على جانبه مرة أخرى ليرى صورتها أمام عينيه وهو يذهب في ثبات عميق، هاربًا من التفكير مرة أخرى فقد اكتفى من آلامه.
***
منذ ذلك اليوم الذي علمت به "يسرى" أن "سامر" كان يعلم ما ينوي شقيقها فعله تغيرت كثيرًا تجاهه، كانت تخشاه وتخشى أن تكون معه، تعلم أنه ليس كشقيقته، أحبته منذ سنوات، تعلم أنه لا يفعل شيئًا مشين لها ولكن كونه ترك صديقه يتأمر على فتاة لم يعتبرها كشقيقته أو خطيبته جعلها تشعر بالريبة منه كما شقيقها بالضبط.
دلفت إلى داخل غرفة الصالون وجدته يجلس بانتظارها ليتحدث معها بهدوء بعيدًا عن مكالمات الهاتف الذي تغلقها سريعًا.
جلست أمامه على المقعد ونظراتها جدية كما في المرات السابقة وقد أحزنه ذلك بشدة، كونها لا تصدق أنه نقي وحاول مع "يزيد" أكثر من مرة ألا يفعل يجعله يشعر بالحزن الشديد، ولكن يعود مرة أخرى ويقول إن معها كامل الحق فمن يفعل ذلك يفعل أي شيء آخر.
تحدث متسائلًا بجدية دون الدخول في تفاصيل لا تحبها هي:
- المفروض إن الفرح فاضل عليه أسبوعين ناوية تأجلي؟
أجابته بجدية مثله تمامًا وهي تقول:
- أنت عارف إن عمي من وقت ما يزيد مشي وكل حاجة ظهرت وهو نايم في السرير مش بيتحرك أكيد ده مش وقت فرح.
نظرت له نظرة ذات مغزى ثم أكملت حديثها بحدة:
- ده غير إني مش هعمل فرحي غير ويزيد ومروة موجودين فيه مع بعض.
أزعجته بحديثها الغير منطقي أو الغير مرتب منها، هل تربط اقترابه منها بعودة "مروة" و "يزيد" وما دخله؟ ولما يتحمل نتيجة خطأ صديقه الذي أرشده إلى الصواب ولم يفعل؟
تساءل بانزعاج وتهكم واضح:
- وأنا جوازي منك هيفضل مربوط برجوع مروة ويزيد؟ افرضي أطلقوا إيه نفضها بقى؟
أتت لتتحدث بانفعال بعد حديثه مؤكدة كلماته ولكن سريعًا عادت عما برأسها فكيف ستتركه؟ لا لن يحدث ذلك مطلقًا ولكن أيضًا تود أن ترى أخيها وزوجته سويًا كما السابق.
ابتسم بتهكم وسخرية ثم تحدث قائلًا:
- إيه وقفتي ليه ما تقولي بلاها الخطوبة دي.
نظرت إليه بضعف غريب تسرب إليها عندما تحدث عن تركها فأكمل هو حديثه بضعف يماثلها:
- عايزك تفهمي إني عمري ما هعمل زي يزيد، وافهمي كمان إني حاولت معاه يقول لمروة على كل حاجة لكن هو كان خايف، يزيد مش وحش يزيد كان مضغوط وخايف من فقدان مراته وأنا مقدرتش أردّه، عافية يا يسرى أنا ماليش ذنب في اللي حصل علشان تتعاملي معايا كده.
وقف على قدميه أمامها ثم استرسل حديثه المنقطع بجدية وحزم شديد:
- أنا شاريكي عافية ومش هسيبك، الفرح هيتأجل زي ما أنتِ عايزة وأنا هكلم يزيد واخليه يرجع مراته علشان أنا كمان أتجمع مع مراتي يا... يا مراتي.
غمزها بعينيه اليسرى ثم تقدم إلى خارج الغرفة ثم إلى خارج المنزل وتركها خلفه تفكر في حديثه وتبتسم على كلماته الأخيرة التي ألقت عليها بحزم وجدية لا تحتمل النقاش.
***
- بجد يا تامر مش فاهمه إيه اللي ممكن يكون عمله وحش أوي كده يخليها تسيبه.. مروة كانت بتموت فيه ومستحيل تبعد عنه.
أجابها معلقًا على حديثها بفتور قائلًا:
- مكنش المفروض تحبه وتعلق نفسها بيه، جوازة زي دي مكنش مضمون من الأول هي هتكمل ولا لأ.
استغربت حديثه فردفت بهدوء:
- بس الحب مايعرفش الكلام ده.
تنهد بعمق وأغمض عينيه ثم أجابها مؤكدًا حديثها:
- معاكي حق.. هي عاملة إيه دلوقتي؟
أردفت وهي تتذكر حالتها التي تزداد سوءًا كل يوم:
- دايما حابسة نفسها في الأوضة بتخرج تاكل كده جبر خواطر وتدخل تاني.. رجعت للرسم بس رسومات كلها حزينة.
ابتسمت بسخرية وسعادة بذات الوقت ثم أكملت:
- حتى أنها رسمته... رسمت يزيد وخبت اللوحة تحت السرير.
سأل "تامر" باستنكار ودهشة قائلًا:
- إيه العبط اللي هي فيه مادام بتحبه بتسيبه ليه؟
- دي غيرت عفش الأوضة كله بحجة أنه مجرد تغيير لكن أنا واثقة أنه علشان يزيد شاركها فيه.
تنفس "تامر" بهدوء ثم تحدث قائلًا بجدية:
- أهم حاجة خليكي معاها خصوصًا في فترة الحمل الأولى دي.
وافقته على ذلك ثم توجهت بالحديث معه إلى أشياء تخصهم بعيدًا عن "مروة" و "يزيد" الذي يحتار الجميع في أمرهم إلى الآن.
***
كما كل يوم أنهى عمله ومر على محل بيع الورود ليبتاع لها ورود برائحة الياسمين الخاصة بها وحدها، ومن ثم أتى ببعض الشوكولاتة البنية التي أيضًا تحبها ومن ثم وضع بهم مكتوب صغير الحجم ووضع داخله بخط يده بعض الكلمات التي تنقل إليها مدى اشتياقه لها.
دق جرس الباب وقد كان هذا الميعاد باكرًا قليلًا عن كل يوم يعلم أن من سيفتح الباب هي شقيقتها أو والدها، سيكون والدها هذه المرة فشقيقتها يعتقد أنها ستكون بعملها.
انتظر ثوانٍ ولم يفتح الباب ولم يأتي أي صوت من الداخل فدقه مرة أخرى لعلى هناك من يجيب عليه وقد كان...
قد كان حقًا! لقد ظهر من خلف الباب بعد فتحه بهدوء ملاكه الخاص، معشوقته وحبيبته، زوجته والدة طفله الصغير الذي تحمله داخل أحشائها، كم أن الاشتياق قاتل! لقد تسارعت دقات قلبه وكأنه دخل للتو سباق عنيف يحتم عليه الفوز به، عينيه برزت وسلطت عليها وعلى ملامح وجهها الذي افتقده بشدة، أنفه حاول أن يستنشق رائحة الياسمين المعهودة منها، وشفتيه! شفتيه ودت لو فعلت ما كانت تفعله بالسابق عندما كانت ملكه وحده، تتركه يفعل ما يريد.
ولكن هي ليست كما السابق، أصبحت أنحف قليلًا، وجهها شاحب، وأسفل عينيها هالات سوداء لأول مرة يراها بها، هل هذا بسبب فراقهم أم بسبب ما فعله بها؟
لكن الآن بعيدًا عن كل شيء هناك شعور غريب يجتاحه حقًا، منذ شهر مضى لم يراها إلا بالصور وبمخيلته وذكرياته معها، الآن وهي أمامه يود أن يأخذها بجولة داخل أحضانه تنكسر ضلوعها داخلها، يود أن يفعل كثير من الأشياء بجانب هذا الشعور الغريب بالراحة والسعادة.
يود لو يستطيع أن يحتضنها ويضع يده على بطنها يتحسس مكان تواجد طفله ولكن هيهات فهي لو تعلم أنه الطارق لم تكن تفتح الباب أبدًا.
لم تكن بحال أفضل منه، تنظر إليه بذهول تام وهي تقول داخلها أن هذا ليس ميعاد قدومه إلى هنا، تنظر إلى لحيته النامية قليلًا بالضبط كما يوم زفافهم تتذكر جيدًا، عينيه وبريقها الذي عاد بعد رؤيتها، شفتيه البارزة، خصلاته، أنفه الحاد، كل شيء مرت عينيها عليه باشتياق تام.
حقًا لقد قتلها الفراق والبعد عنه، تحبه ولا تريد البعد ولكن تريد أن تنال منه، ويقول صوت العقل أنه خائن لا يستحق فرصة ثانية وهو هكذا حقًا ولكن ذلك الخائن دائمًا مثله لا يريد إلا أحضانه.
لا تريد أن تبعد أنظارها عنه، لو بقيت هكذا إلى الأبد لن تمل، ستبقى كما هي تنظر إلى ملامحه الذي اشتاقت إليها بشدة.
لقد أرهقهم البعد هما الاثنين، ولكن واحدًا منهم يأبى العودة لخيانة الآخر له، وفي المنتصف هناك قلبين جريحين لا يريدون إلا التواجد بالقرب من بعضهم.
استمعت إلى صوته الذي خرج مبحوح وضعيف للغاية ولكنه تحدث بشجن وشوق:
- وحشتيني.
ضغطت على مقبض الباب أسفل يدها ثم أجابته بجفاء حاولت أن تجعله حقيقي بعد أن استمعت إلى هذه الكلمة التي زلزلت كيانها:
- امشي من هنا.
كم أنه اشتاق إلى سماع صوتها!
وجدها تغلق الباب بوجهه فدفعه بخفة ليجعلها لا تغلقه، ثم دلف إلى الداخل ووقف خلف الباب بعد أن أغلقه هو.
صاحت بحدة وهي تشير إلى الباب خلفه ليخرج دون خسائر، فهي تعلم ما الذي يريده.
"أخرج بره لو سمحت، ما يصحش كده، مفيش حد موجود هنا."
وضع ما بيده بهدوء على الطاولة المجاورة للباب ثم أجابها باستنكار وضيق.
"هو إيه ده اللي ما يصحش؟ هو أنا مش جوزك؟"
سريعاً أجابته بحدة وعصبية، وقد تناست كل شيء وتذكرت خيانته لها.
"كنت جوزي."
رفع حاجبيه للأعلى واخفضهما وهو يبتسم بسخرية، متحدثاً.
"بس أنا مطلقتش."
"هطلق."
ابتسم مرة أخرى بتهكم وأردف قائلاً وهو يقترب منها بخبث.
"مش هيحصل."
عادت للخلف خطوة عندما وجدته يقترب منها، وأشارت إلى الباب خلفه قائلة بضيق.
"أخرج بره بقولك."
أمسك بيدها سريعاً ثم أدارها ليجعلها تقف مكانه خلف الباب. جذبت يدها منه بحدة وصرخت بوجهه ليبتعد ويخرج من المنزل، فلم ترى منه إلا نظرة خبيثة تعلمها جيداً وتخاف الوقوع بفخها.
أقترب منها بهدوء، فرفعت يديها الاثنين لتدفعه بصدره، فما كان منه إلا أنه أخذهم بين يديه رافعاً إياهم أعلى رأسها المستند على باب المنزل، ليتقدم منها على راحته وبهدوء، وقف أمامها ولا يفصل بينهم سوى تلك الأنفاس الساخنة التي بينهم.
تحدث بحب واعتذار، وقد مزقه الاشتياق حقاً.
"وحشتيني يا مروة.. ارجعي بقى أرجوكي، وهعملك كل اللي أنتِ عايزاه."
أغمضت عينيها بضعف وقلة حيلة وهي تستنشق عطره الرجولي الذي كانت مغرمة به. قدماها لم تعد قادرة على حملها، فقد تسرب إليها الضعف الشديد بقربه المهلك الذي حرمت منه ومن رؤيته.
شعر "يزيد" بما يحدث لها، فحاول أن يستغل ذلك الضعف المتسرب إليها ويجعل قلبها يلين له وعقلها يرضخ إليه. هي تحبه وهو كذلك، إذاً كل شيء متاح.
أقترب منها وجعل شفتيه مقابلة لأذنها اليمنى ليقول بصوت رجولي أجش يعلم أثره عليها جيداً.
"أنا بحبك يا مروة ومحتاجك أوي في حياتي."
عاد برأسه إلى الخلف ينظر إليها. وجدها مغمضة العينين مستمتعة بقربه منها، فتجرأ وأقترب أكثر من ذلك. وضع شفتيه على جانب عنقها يقبلها باشتياق وشغف، بعد أن ترك يدها وتمسك بخصرها ليقربها منه.
تائهه ولا تستطيع مواجهته. ضاعت معه في لحظات وهو يقبل عنقها بشغف وحب شديد. ضاعت وهي تشعر بيده على خصرها تتحرك بحرية يقربها منه أكثر.
ولكن في لحظة خاطفة راودتها صورته مع عائلته الكريهة، لتدفعه بيدها الاثنين في صدره بكل قوتها، فجعلته يعود للخلف خطوات يئن بسبب ضربتها العنيفة له.
نظر لها بضيق، وقد كان قارب حقاً على جعلها ترضخ له. وجدها تفتح الباب وتشير إليه بالخروج، قائلة بجدية شديدة وهي تنظر إليه.
"أخرج بره وأعرف إني عمري ما هكون مراتك تاني، وأنك هتطلقني غصب عنك، وعمر إيدك دي ما هتلمسني تاني.. يلا بره."
ضحك "يزيد" بشدة. تعالت ضحكاته الصاخبة دون داعي! استغربته هي أيضاً، فما هذه الضحكات وما ردة الفعل الغريبة هذه؟
توقف عن الضحك بصعوبة ثم قال بجدية حاول رسمها ولكن فشل في ذلك.
"مش هتكوني مراتي ومش هلمسك! ياستي ماشي."
تظاهر بأنه يتجه ناحية الباب للخروج منه كما قالت له، ولكن في لمح البصر وجدته أقترب منها ثم انحنى قليلاً وحملها على كتفه بسهولة شديدة، مغلقاً الباب بقدمه متوجهاً إلى غرفتها بالداخل.
صرخت بحدة وهي تطالب بأن يتركها ويخرج من المنزل، وإلا أنها تصرخ بصوتها وتجلب الجيران إليها، فابتسم هو بسخرية ولم يقابله منها إلا أنها صرخت بالفعل.
"الحقوني.. حرامي الحقوني."
وضعها على فراشها بهدوء ثم وضع شفتيه على خاصتها ليجعلها تصمت وتبتلع باقي كلماتها داخل جوفها. اتسعت عينيها بشدة وهي تراه يعود بها إلى الفراش متعمقاً فيما يفعله وهو يبث إليها مدى اشتياقه وحبه لها.
وجدته يبتعد عنها، وقفت تقابله ووضع يده في جيب بنطاله متحدثاً بغرور وعنجهية.
"ده يثبتلك أنك مراتي وهتفضلي كده، وإني أقدر المسك في أي وقت، بس أنا اللي سايبك بمزاجي.. تحبي أطلبك في بيت الطاعة؟"
وقفت هي الأخرى أمامه مجيبة إياه بهدوء شديد تحلت به بعد كلماته هذه. كررت كلمته باستغراب ثم أكملت وهي تشير إلى أثاث الغرفة.
"بيت الطاعة! بص كده على الأوضة دي.. دي مش نفسها اللي كنا فيها مع بعض قبل كده. غيرت كل حاجة فيها وجبت عفش جديد، عارف ليه؟ علشان أنت شاركتني فيه، علشان نمت معايا على سريري وقعدت على الكنبة اللي كانت هنا. غيرت كل حاجة علشان مش طايقة أكون في مكان أنت ريحتك فيه أو ليك ذكريات معايا فيه.. علشان مبقتش طايقاك ولا عايزة أشوف وشك يا يزيد، خلي عندك كرامة وطلقني."
هل تتحدث بجدية؟ أنها تحبه، يعلم أنها تحبه وما تقوله ما هو إلا ساتر لضعفها، نعم هو كذلك، لن يأخذه على محمل الجد أبداً وسيعتبر أنها لم تقل شيء من الأساس. لن يجعلها تستفزه ليفعل ما تريد ويطلقها. وزع نظرة سريعاً في الغرفة ثم وقعت عينه على شيء جعله يبتسم بسخرية ويبتلع كلماتها دون أن يجيب عليها.
أومأ إليها وهو يبتسم بسخرية ثم استدار وخرج من الغرفة، واستمعت إلى صوت الباب يغلق لتجلس على الفراش وقد حزنت لما قالته له. حزنت بشدة، لقد قالت كلمات حادة طعنته بها وجميعها كاذبة. هو يحاول معها وهي تفعل ذلك به!
وقفت في شرفة غرفتها لتنظر إليه. وجدته يصعد إلى سيارته بعد أن نظر إلى شرفتها والحزن داخل عينيه يتحدث بديل شفتيه.
أنها تحبه وتريد رؤيته يومياً، وما قالته ما هو إلا كلمات كاذبة كانت تريد أن تردها إليه بثقة بعد تقبيله لها. يا ليته يعرف هذا، فهي لم تكن تود أن تجرحه هكذا وهي تعلم كيف يكون جرح الرجل عندما يستمع إلى كلمات كهذه.
دلفت إلى الداخل، إلى حيث باب المنزل وتلك الطاولة التي ترك عليها الورود، لتقف أمامهم تستنشق تلك الرائحة التي يعشقها بها. ثم أخذت المكتوب الصغير ككل يوم ورأت ما كتبه بيده.
"اشتقت إلى لمس خصلاتك الذهبية، فقد كنت عندما أضع يدي عليهم أشعر وكأن الشمس أسفلها. اشتقت إلى رائحة الياسمين الممزوجة برائحة أنوثتك الرائعة. اشتقت إلى نظرة عين متوهجة تفتن القلوب بها."
"زوجك يزيد."
ابتسمت بحزن وهي تضع يدها على شفتيها تتحسس مكان قبلته، منتظرة منه ألا يحزن من كلماتها ويعللها بما حدث.
دلف إلى سيارته يفكر في حديثها القاسي عليه، ولكن لن يعتبره قيل من الأساس، أنها تحبه وإن كان يشك في ذلك ويريد تصديق كلماتها، تلك اللوحة التي رآها بالغرفة له ستجعله يتأكد من أن حديثها كاذب. لقد رسمته مرة أخرى من جديد. أنها تحبه وتريد أن تكون معه، هو يعلم ذلك ومتأكد منه.
استمع إلى صوت هاتفه يعلن عن وصول مكالمة هاتفية إليه، فأخرجه ووجده شقيقه الذي يحاول التحدث معه منذ ذلك اليوم للاعتذار عما بدر منهم، وهو يجعله لا يتحدث بشأن ما حدث، فلا يريد أن يؤثر عليه أحد بكلمات عاطفية عن العائلة.
أجاب عليه ثم وضع الهاتف على أذنه، وما هي إلا لحظات وتحدث بذهول ودهشة غير مصدق ما الذي قاله له عبر الهاتف.
"أنت بتقول إيه؟"
رواية براثن اليزيد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين.
اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين، وبارك في إيمانهم وصبرهم.
اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم، وتقبل شهيدهم، وأطعم جائعهم، وانصرهم على عدوهم.
اللهم أنزل السكينة عليهم، واربط على قلوبهم، وكن لهم مؤيداً نصيراً وقائداً وظهيراً.
سبحانك إنك على كل شيء قدير، فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"هل تعلم ما هو الفراق؟
هو خروج الروح من الجسد دون الشعور."
عاد إلى بلدته التي قد قال أنه لن يعود إليها مرة أخرى.
عاد إلى نفس المكان ليرى نفس الأشخاص الذي امتنع عن رؤيتهم.
عاد إلى كل شيء كما كان في السابق ونسي ما تحدث به لنفسه ولزوجته.
ولكن عودته إلى هنا كانت بفقدان!
هناك أحد من أفراد العائلة تم فقده ليعود "يزيد" مرة أخرى بعد ما حدث.
منذ ذلك اليوم الذي رحل به وترك كل شيء خلفه يتدمر بعد أن علم الجميع ما فعله العم والوالد الكبير لعائلة الراجحي وهو مريض.
منذ ذلك اليوم وعمهم مريض يلازم الفراش ولا يتحرك.
لا يستطيع التحدث بصورة طبيعية كما المعتاد.
لا يستطيع أن يقف على قدميه أو يحرك يديه بسهولة وكأن ما حدث ترك خلفه صدمة كبيرة لتأتي عليه بحجم كبير أفقده كل شيء.
لم يستطيعوا معالجته في هذه المدة ولم يستطع التحرك من الفراش.
ولكن كل ما كان يلازمه في تلك الفترة هو شيء واحد يحاول قوله إليهم كل يوم ألا وهو "أخبروا يزيد بأن يسامحني".
شعر بحجم الكارثة الذي أوقع بها الجميع من عائلته الوحيدة والمتبقية له.
وكان "يزيد" المتضرر الأول والأخير فالجميع يحصد ما زرعه.
"فاروق" يحصد ما زرعه مع زوجته فهو من جعلها تفعل كل هذا عندما جعلها تشعر بأنه ليس رجلًا وهي من يستطيع أن يفعل كل شيء.
يحبها ولكن ما الحب في ذلك؟
ما الحب في أن تلغي شخصية رجل لتصبح الأنثى هي المتحكم الوحيد وإن كان خطأ أو صواب لا يضر.
إذًا "فاروق" يحصد ما زرع.
زوجة أخيه "نجية" تحصد ما زرعته من غل وحقد على تلك العائلة فهي مثله عاشت في قهر وألم ولم تمنعه يومًا عن فعل شيء بل كانت تشجعه على ذلك.
وكانت ترى فرحة ابنها بزواجه ولم تمنعه عن ذلك أيضًا وكل ما كانت تنتظره هو المال مثله.
إذًا هي تحصد ما زرعت.
"إيمان" بالمثل ولا يهم ما حدث لها فهي حقودة، طامعة، تحمل من الغل أطنان بداخلها.
و"يسرى" لم يصيبها الضرر كثيرًا فقد كانت بعيدة عن كل شيء.
الوحيد المتضرر هو "يزيد".
رفض عرضهم خوفًا من ظلمه لأي شخص ثم تحت ضغط وافق لأجلهم ولأجل ليالي القهر التي عاشوا بها.
تزوجها، أحبها، وهناك طفل ينتظره من المفترض.
ولكن أين كل ذلك؟
لقد فقد كل شيء.
فقد شقيقه ووالدته، فقد عمه ومنزله، فقد حبه وزوجته، فقد ابنه وعالمه.
فقد كل شيء في سبيل إرضاء عائلته وهم الذين بعثروا كل شيء يخصه بفرحة صغيرة.
كل شخص يحصد ما زرعه.
وهو كان يود الاعتذار من أكثر الأشخاص تضررًا ولكنه لم يأتِ إليه.
استغفر كثيرًا لعلى ربه يغفر له ما فعله طوال هذه السنوات.
استغفر ربه لعله يغفر له ظلمه للبشر وتدمير حياتهم.
وقبل موته مطالبًا منهم أن يجعلوا "يزيد" يسامحه ويدعوا له بالمغفرة.
هذا هو الإنسان.
مهما فعل ومهما حدث هو في النهاية له يوم يلقى به ربه.
وكلما أقترب هذا اليوم شعر بحجم الكارثة التي كان يفعلها.
وإن كان يريد مقابلته وهو مستعد لذلك فعليه بالقرب الدائم منه.
ليس فقط عندما يشعر بأن النهاية اقتربت فيقرر أن يطلب السماح والمغفرة.
توفى عمه وصعد إلى خالقه.
لقد حزن عليه الجميع حقًا بعد كل ما حدث بسببه في هذا المنزل.
ولكن حزنوا عليه فقبل أن يعلموا ما فعله كان بالنسبة إليهم عمود منزلهم وكبيرهم.
كان والدهم جميعًا.
بقى "يزيد" هناك يومان فالحزن يخيم على الجميع.
أتت الكوارث خلف بعضها لذا كان عليه البقاء هذه المرة.
وبعد كل ذلك لم يجعل "فاروق" "إيمان" تعود إلى المنزل.
لقد طفح كيله منها ولا يريدها إلى الآن مؤكد لن يقوم بالانفصال عنها.
ولكن قبل خبر موت عمه كان يفكر في شيء سيفعله قريبًا وسترضخ له هي رغمًا عن أنفها.
كان يعلم أنها لا تحب "مروة" ولا تحب شقيقته هي الأخرى.
ربما كانت قريبة من والدته لأنهم كانوا يريدون نفس الشيء وهو الأذى إلى تلك المسكينة.
يعلم أنها قوية وتفعل ما لا يخطر على البال وحقًا فعلت.
وكان آخرهم هو قتل زوجة أخيه وطفله!
هذا لو كان حدث لبقى طوال عمره نادم على كل شيء.
ندم على زواجه، ندم على ما فعله بأخيه، ندم على كل شيء حقًا.
حاول شقيقها أن يحادثه أكثر من مرة ولكنه رفض التحدث معه بشأنها مطالبًا بأن يبقوا بعيدين عن بعضهم فترة دون التحدث في أي شيء ثم سيذهب هو بنفسه إليها لتعود إلى منزلها.
سيفعلها قريبًا.
سيجعلها تعود مرة أخرى ولكن على الوضع الجديد.
عليه هو الآخر أن يفعل ما يحلوا له!
"بعد أن عاد من الخارج وحضرت هي الطعام جلسوا على سفرة الطعام الخاصة بهم يأكلون بهدوء كما كل يوم يأكلون فيه بالمنزل.
منذ أن أتى بها إلى هنا وهو كثير من الأيام يتناول معها الطعام في الخارج ليجعلها تشعر بالتغير والسعادة.
لا يعلم أن السعادة تكون بجواره في أي مكان!
سألته باهتمام بعد أن ابتلعت الطعام ونظرت إليه بحب:
- يومك كان عامل إزاي؟ شكلك كده مش مبسوط.
رفع وجهه إليها بعد أن استمع إلى حديثها.
مضغ الطعام بفمه ثم ابتلعه وأجاب على سؤالها وهو يلوي شفتيه
بس أنا عندي فكرة حلوة هتكون دافع أنك تكسبي.
سألته باهتمام وهي تنتقل في المطبخ تضع الأطباق في حوض الغسيل:
- ايه هي؟
غمزها بعينيه الوقحة قائلًا بعبث وخبث يحمله داخل كلماته:
- اللي يخسر يقلع.
وجدت بيدها ملعقة كبيرة الحجم فلم تراها إلا وهي تقذف ناحيته، ذلك الوغد الذي لا يفوت فرصة إلا ويفعل ما يحلو له:
- سافل.
التقطها بيده بحرفية شديدة ونظر إليها بتشفي وهو يقول بسخرية:
- ابقي رشمي كويس.
نظرت له بضيق وحنق وعادت لتغسل الأطباق الموضوع بحوض الغسيل مرة أخرى ثم نظرت إليه بهدوء وقالت مبتسمة بعد أن داهمتها فكرة ما:
- لأ اللي يخسر يقول سر التاني ميعرفوش عنه.
- موافق.
تركت ما بيدها وحاصرته بسؤالها الذي كانت تعبث به معه ولكنه أخذه على محمل الجد داخله:
- موافق إيه أنت مخبي حاجة عني؟ عندك أسرار؟
توتر من سؤالها ونظرتها العابثة فلم يجد نفسه إلا وهو يرد بسؤال آخر ساخرًا منها:
- يعني هو أنت اللي عندك؟
رفعت كتفيها واخفضتهم بلا مبالاة وقالت بهدوء:
- آه عندي.
نظر إليها بجدية شديدة ثم تحدث قائلًا:
- يبقى هتخسري يا مروة.. وهعرف أسرارك دي.
ابتسمت بوجهه وهي تخرج من المطبخ لتأخذ أطباق الطعام الموضوعة على السفرة إلى الداخل وتفعل كما قالت له ليتقابلوا كخصمين في هذه اللعبة.
- يوه دي المرة التالتة اللي أخسر فيها بقى.
قالتها بانزعاج شديد وهي تراه يصر على الفوز ليعرف ما السر الذي تحدثت عنه وإلى الآن تمتنع قوله بالدهاء عليه.
نظر إليها بنصف عين وتحدث قائلًا بمكر غامزًا لها بطريقة ملتوية:
- ولسه مقولتيش السر يا مروتي؟
أخرجها من انزعاجها بهذه الحركات البسيطة منه، التي تجعلها في أسعد لحظات حياتها، تحدثت بشجن وحب بعد أن أبعدت هذه الأوراق لتقترب منه وتجلس جواره ناظرة إليه بشغف:
- سر إيه؟ أنا معنديش أي سر ولا أي حاجة مخبياها عنك.. إلا حاجة واحدة بس.
تأهب ليعلم ما الذي تتحدث عنه بهذه الطريقة التي يظهر بها الحب وتلمع بها عينيها:
- والحاجة دي هي إني بحبك، بحبك يا يزيد ومقدرش استغنى عنك.. من وقت ما دخلت حياتي وأنت شقلبتها وخلتني واحدة تانية بتعشق وبتموت في التراب اللي بتمشي عليه، خلتني مقدرش أبدأ يوم وأكمله لأخره من غيرك، مقدرش أقعد لحظة من غير ما أشوفك واسمع صوتك.. واسمع كلمة بحبك يا مروتي منك.
أقتربت أكثر لتضع يدها على جانب صدره الأيسر في موضع قلبه تمامًا وهي تقول مبتسمة بسعادة كبيرة لوجوده جوارها:
- يزيد أنت بقيت جزء لا يتجزأ مني مقدرش استغنى عنك بجد مش كلام.. بلاش تستغل ده ضدي في يوم من الأيام، واوعى تبعد عني خليك دايمًا معايا يا يزيد تحت أي ظروف حاول علشان نكون مع بعض أنا عارفه أنك كمان بتحس نفس اللي أنا بحسه.
ابتسم باتساع وهو يجلب رأسها ليستقر على صدره يحتضن إياها وهي جالسه جواره، يا لها من قلب برئ تعترف بحبها له وعدم قدرتها على العيش بدونه وهو يفعل العكس تمامًا، لا تفشل أبدًا في أن تجعل ضميره يعبث معه في كل مرة تتحدث بها.
أردف هو الآخر بحب أكبر وحنان يفيض منه وقد لعب الاشتياق دوره ليخرج صوته الأجش قائلًا:
- أنت يا مروة حته مني.. مقدرش أبعد عنك أبدًا ولا أقدر أشوفك بتتوجعي بحس أن أنا اللي جوايا الوجع.. مقدرش اعدي وقتي من غير ما أشوف عيونك وألمس شعرك.. أنت حبيبتي ومراتي وكل حاجه ليا، وعد عمري ما اسيبك أبدًا، عمري يا مروتي.
ابتسمت باتساع هي الأخرى ووضعت يدها الاثنين حول خصره تحتضنه إليها كما يفعل، تريد أن تنعم بكل لحظة تمر جواره وهي بهذه السعادة.
دموع حزينة للغاية تخرج من مقلتيها بعد تذكر هذا اليوم وهذه اللحظات به، تتذكر تلك اللحظات وهو يشاكسها، وهو يمزح معها، وهو يقول كلمات الغزل لها، تتذكره وهو يلقي وعد بألا يتركها، كل هذا يضاعف آلامها وجروح قلبها الغائرة.. كل هذا يجعلها تود أن تخرج من هذا العالم وتذهب إلى عالم الذكريات لتعيش بقية حياتها على ذكراه.
وقفت على قدميها ثم ولجت إلى داخل الغرفة وأغلقت باب الشرفة الذي دائمًا كانت تنسى غلقه بمنزله.. ثم توجهت إلى الفراش وتمددت عليه، وضعت يدها أسفل الوسادة تتحسس رسائله الورقية المكتوب داخلها كلمات الشعر والغزل، أخرجت هاتفها وفتحت إحدى الصور التي تجمعهم سويًا والابتسامة تشق طريقها على محياهم هم الاثنين.. وضعت الهاتف على صدرها متمددة على الفراش بظهرها قبل أن تغلق عينيها متمنية أن تعود تلك الأيام عليها من جديد، وإن كانت بالأحلام.
اجتمعت العائلة بعد تناول العشاء في غرفة الصالون، نفس الغرفة التي كان يجلس بها الجميع بالسابق، هو يبقى قليلًا ويخرج وشقيقه المثل وعمه أيضًا كل منهم يفعل ما يريد من عمل أو غيره ويتركها مع والدته وزوجة شقيقه ليفعلوا بها ما يحلو لهم، ولكن الآن أين كل هذا؟
نظر إلى شقيقه الذي استمع إليه يقول بحزم يظهر على كل شيء به:
- عمك مات يا يزيد مابقلناش غير بعض.. أرجع تاني يا يزيد ومراتك هنشيلها فوق دماغها.
ابتسم بتهكم، رأى الجميع أنه ليس كما السابق، تحدث قائلًا ليمحي ما فكروا به وليعلموا أن السخرية الآن هي أفضل الطرق للرد:
- مراتي؟ أولًا يا فاروق المشكلة مش في مراتي.. مروة من يوم ما مشينا من هنا وهي في بيت أبوها وطالبة الطلاق وأنا عايش هناك لوحدي، عارف بقى المشكلة فين؟ ولا المشاكل فين؟
نظر إليه شقيقه باستفهام ولم يفهم أبدًا ما الذي يحاول قوله ليكمل هو قائلًا:
- أنا حاسس أني اتنصب عليا كل السنين دي وأنا عايش في كدبة، ويوم ما أعمل حاجه كلكم عايزينها أنا الوحيد اللي أخسر، أنا وأنت عمرنا ما كنا قريبين من بعض أنت على طول في صف عمك الله يرحمه وأمي معاكم وأنا لوحدي.. حاجات كتيرة أوي يا فاروق بتمنعني أرجع هنا وأولهم إني بحاول أرجع مراتي ليا وهي عمرها ما هترجع هنا.
معه كامل الحق وهناك أيضًا أشياء لم يذكرها، لقد ندم "فاروق" كثيرًا على بعده عن شقيقه، لقد ندم على ظلمه له وجعله هو الوحيد أمام فوهة المدفع، ندم على كل شيء مر بحياته ولم ينسى نظرته إلى زوجة أخيه وهي متعريه، من الأساس لم يتركه ضميره لحظة واحدة من بعد نظرته لها، لقد ندم كثيرًا ويشعر أن المنزل ليس له أساس من دون شقيقه، يريده حقًا أن يعود ولو مهما كلف الأمر ولكنه يعلم ذلك لن يحدث.
نظر إلى والدته التي مزقها الاشتياق إلى ولدها، لا يقل ندمها عن "فاروق" فهي تشعر أنها من فعلت ذلك بابنها، حرمته من زوجته وابنه، حرمته من كل شيء يحبه ويسعده، دمرت حياته هي وعمه دون أي أسباب، دمرت سعادته وجعلته يبقى وحيد بعيدًا عن الجميع، تشتاق إلى رؤيته يبتسم كما السابق بوجودها ولكن هذا لن يحدث إلا بعودتها إليه، ستفعل ذلك مهما كلفها الأمر، ستفعل ما يجعل السعادة تدق بابه من جديد.
تحدثت والدته بعد صمت طويل وقالت بصوت خافض:
- طب خليك معانا الشويه دول بس.. أنا عارفه أنك مش هتوافق تقعد معانا بس على الأقل خليك دلوقت.
أومأ إليها بهدوء وهو ينظر إليها بحب يعلم أنها نادمة على ما حدث له بسببهم ولكنه يحبهم أنها والدته وشقيقه ومهما حدث سيبقون كذلك.
سألته "يسرى" بهدوء عن حال زوجته قائلة:
- مروة عامله ايه يا يزيد في الحمل؟
عاد إلى ظهر المقعد يستند عليه وهو يبتسم بسخرية متحدثًا بجدية:
- أكدب عليكي لو قولتلك أني أعرف.
سألته باستفهام مضيقه ما بين حاجبيها:
- يعني إيه؟
مسح على رأسه بهدوء وأغمض عينيه ثم فتحهما مرة أخرى قائلًا بـ إرهاق شديد:
- مش عارف يا يسرى كل اللي أعرفه من ميار أنها بتتعب زي أي واحدة حامل.
حزنت بشدة شقيقته، لقد وصل به الحال أن يعرف أخبارها من شقيقتها! مؤكد أنه يتعذب، لقد عرفت أنه يحبها، كل ما كان يفعله معها كان يدل على عشقه لها ولكن عندما علمت ما فعله لم تثق به ثم بعد التفكير ورؤية ما حدث وما يحدث تأكدت من عشق أخيها لزوجته.. تريد أن تعود إليه مرة أخرى لينتهي عذابه وتعود إليه فرحته مرة أخرى.
وقف على قدميه متقدمًا إلى باب الغرفة بعد أن قال بهدوء:
- أنا هطلع أرتاح شويه.
ثم خرج من الغرفة وتركهم خلفه يسيطر عليهم ما بين الحزن والندم لأجله، لأجله هو فقط.
بعد مرور أسبوعين.
لم يأتي منذ أن طردته وقالت تلك الكلمات القاسية له، لم تستمع صوته ولم يحاول معها من بعدها، هل من الممكن أن يكون فكر في حديثها ويحضر أوراق الطلاق؟
هل سيتركها حقًا؟ لما هي خائفة إلى هذا الحد من الأساس هذا ما تريده وهو الطلاق والفراق، الإبتعاد عنه إلى الأبد!
لا هذا ليس كل تريده أنها لا تريد سواه، لا تريد إلا التواجد بالقرب منه والنوم بأحضانه، لا تريد إلا هو يكون جوارها في كل لحظة من لحظات حياتها.
هل من الممكن أن يكون أصابه شيء لذا لم يحضر إليها؟ وقع قلبها بين قدميها عندما داهمت هذه الفكرة البشعة عقلها، من الممكن أن يكون أصابه مكروه وهي لا تعلم؟
ماذا تفعل الآن هل تحادثه تطمئن عليه؟ ولكن إن كان لم يحدث شيء وهو لا يريد أن يأتي إليها ماذا سيقول؟ ليقول ما يقول الأهم الآن أن تطمئن عليه.
تقدمت من داخل الشرفة إلى الغرفة لتأخذ الهاتف من على الفراش ثم عبثت به قليلًا لتأتي برقمه لتحادثه ولكن داهمتها فكرة أخرى ربما تكن الأفضل الآن.
تعلم أنه يتحدث إلى شقيقتها دائمًا ليطمئن على أحوالها لذا ستسأل شقيقتها وإن لم يكن حادثها ستجعلها هي من تتحدث إليه.
خرجت من الغرفة وذهبت إلى غرفة شقيقتها دقت الباب وسمحت لها الأخرى بالدخول إليها فدلفت وجلست على الفراش أمامها بعد أن أغلقت الباب، سألتها "مروة" بجدية:
- هو "يزيد" أخر مرة كلمك امتى؟
اعتدلت "ميار" في جلستها ونظرت إليها باستغراب وهي لا تدري ما بها ليجعلها متشنجة هكذا، أجابتها بعد أن تذكرت:
- من أكتر من أسبوعين مكلمنيش.
ماذا حدث له؟
مؤكد أصابه مكروه. لو حدث ذلك لن تسامح نفسها أبداً، ستكون هي السبب فيما حدث له. قالت بلهفة وخوف:
- كلميه يا ميار.
تساءلت شقيقتها بذهول وهي لا تفهم شيء منها:
- أكلمه أقوله إيه وليه أصلاً؟
هتفت مروة بخوف حقيقي ظهر على ملامحها وفي نبرة صوتها:
- بقاله أسبوعين مش ظاهر خالص أخباره مقطوعة.. أنا خايفة يكون حصله حاجة. قوليله ازيك، أخبارك، أنت فين أي حاجة المهم كلميه.
- حاضر.
أخذت ميار هاتفها من على الكومود جوارها ثم عبثت به لتأتي برقمه ومن ثم قامت بالاتصال به ووضعت المكالمة على وضع مكبر الصوت لتستمتع شقيقتها أيضاً. ثوانٍ واستمعت إلى صوته الناعس يأتي بلهفة فقد كان الوقت تخطى منتصف الليل بقليل:
- ميار! مالك مروة حصلها حاجة؟ فيها إيه؟
اعتدلت في جلستها عندما استمعت إلى صوته بخير ويسأل عنها بلهفة وخوف. الآن عاد قلبها إلى مكانه بعد أن اطمئن عليه.
أجابته ميار سريعاً تنفي ما قاله بجدية:
- لأ لأ يا يزيد دا أنا بطمن عليك أصلك قطعت مرة واحدة كده بقالك أسبوعين.. أنت مليت ولا إيه؟
استمعت إلى تنهيدة عميقة خرجت منه وكأنه يلقي ثقلاً من على قلبه وقال بخفوت واستنكار:
- مليت! مليت إيه بس أنت متعرفيش الخراب اللي عملته أختك جوايا لما بعدت عني. مستحيل أمل غير لما أرجعها هنا وبعدين أبقى أمل براحتي... أنا في البلد بقالي أسبوعين، عمي اتوفى.
خرجت شهقة من فمها بعد أن استمعت إلى كلماته. لقد كان هناك هذه المدة بسبب وفاة عمه. لماذا لا تعلم؟ صدمت ميار أيضاً فقالت بتخبط:
- إيه مات! البقاء لله يا يزيد.
- ونعم بالله.. أنا إن شاء الله راجع بكرة لكن مش هقدر أجيلكم.
صمت لبرهة ثم ابتسم وقد وصل إليهم هذا هما الاثنين واستمعوا إليه وهو يقول بخبث:
- ابقي سلميلي على اللي بعتاكي تكلميني وقوليلها أنها وحشتني أوي.
ابتسمت ميار بسعادة كبيرة أنه يعلم ذلك منذ البداية يعلم أنها من جعلتها تحدثه في هذا الوقت. يا له من خبيث! تضايقت شقيقتها من ما فعلته هي واستمعت إليها تقول بهدوء:
- حاضر.
ثم أنهت المكالمة لتصيح بحدة وعصبية:
- بتقوليله حاضر كده بتعرفيه أن أنا فعلاً اللي قولتلك.
أجابتها الأخرى بلا مبالاة قائلة:
- هو كده كده عارف.
نظرت مروة أمامها في الفراغ تفكر في موت عمه. كيف حدث؟ ومتى؟ ولما هي لا تعلم.. كثير من الأمور تدق عقلها الآن ولكن لا تستطيع أن تفتح الباب لها فقد اكتفت من التفكير وفي جميع الأحوال ستعرف كل شيء غداً كما قال أنه سيعود وستفعل ما جال بخاطرها الآن غداً.
"اليوم التالي"
دق جرس باب منزله! تساءل بينه وبين نفسه مين من الممكن أن يأتي إليه سوى بواب العمارة والذي لم يطلبه من الأساس. ترك هاتفه على الطاولة ثم وقف على قدميه ليرى من الطارق.
فتح الباب! رآها تقف بطلتها الساحرة. وقعت عينيه على خاصتها ليرى زرقة البحر حاضرة. لم يرى خضرة الأرض منذ فترة يود رؤيتها حقاً. نظر إليها ثوانٍ وحاول أن يشبع عينيه منها دون النظر ولكن طال ذلك فتحدث بعد أن نظف حلقه قائلاً بلهفة:
- مروة! تعالي.
أبتعد عن باب المنزل وفتحه لها لتستطيع الولوج إلى الداخل فنظرت إلى الأرضية ثم خطت بقدميها إلى داخل منزلها مرة أخرى. نظر إلى ظهرها وهي تدلف بلهفة وحب فياض. يبدو أنها آتية لتقوم بواجب العزاء في عمه. ملابسها المكونة من بنطال وكنزة سوداء حتى الحذاء أسود!
دلف خلفها بعد أن أغلق الباب. جلست على الأريكة في غرفة الصالون فتقدم هو الآخر وجلس مقابلها لها على مقعد صغير. نظرت إليه وتحدث بهدوء ونبرة تلائم الموقف:
- البقاء لله.
أجابها هو الآخر بهدوء شديد بعد أن استمع لحديثها:
- ونعم بالله.
صمت لبرهة ولم يتحدث فقط ينظر إليها وهي توزع نظرها على أثاث الغرفة بشغف وحنين. ثم سألها بهدوء وحزن:
- عاملة إيه في الحمل؟ تاعبك؟
نظرت إليه بحرج وضيق ثم أبعدت نظرها عنه لتقول:
- لأ الحمد لله بخير.
وقف على قدميه متقدماً إلى الخارج وهو يقول بسخرية وتهكم واضح:
- هعملك حاجة تشربيها ولون المفروض العكس بما أنه بيتك يعني.
نظرت إليه وهو يذهب وجدته يختفي ليدلف إلى المطبخ. وقفت على قدميها ثم سارت بهدوء وراحة في المنزل وهي تنظر إلى كل ركن به وتضع يدها على أي شيء يمر جوارها. الحنين أخذها إلى ذكريات كثيرة ولدت بهذا المنزل وودت لو كانت استمرت وحققت الكثير منها!
سارت بقدميها إلى أن دلفت غرفة النوم. غرفتها هي وهو كل شيء بالمنزل كما هو لم يتغير شيء به سوى أن هناك بعض الصور الزائدة لها. رأت واحدة في غرفة الصالون على طاولة صغيرة. وأخرى في الممر المؤدي إلى غرف النوم والأن بجوار الكومود واحدة كان مكانها أخرى تجمعهم هم الاثنين نقلها إلى الكومود الآخر في مكان نومه السابق. أنه الآن ينام في مكانها ليستشعر وجودها معه.
وزعت نظرها بالغرفة رأت تلك اللوحة التي رسمتها له وهم في بلدته! لقد أحضرها إلى هنا! أنها معلقة على الحائط بالغرفة. تقدمت إلى الداخل أكثر بعد أن أخفضت نظرها وفتحت الخزانة لترى ملابسها كما هي. ربما هناك زيادة بهم؟ لقد أتى بتلك الملابس خاصتها الذي كانت في بيته الآخر مع اللوحة يا له من كريم!
نظرت إلى ملابسه المعلقة بهدوء وهي تمرر يدها عليهم والحزن داخلها يتغلغل. أخذت قميص من بينهم أخضر اللون يبرز لون عينيه عندما يرتديه. أغلقت الخزانة مرة أخرى والقميص بيدها تقربه من أنفها تستنشق رائحته بسعادة وشوق وهي مغمضة العينين. نظرت إلى الفراش بعد أن فتحت عينيها ليمر على عقلها ذكرى سعيدة جمعتهم هنا.
"نائمة جواره تقابله بظهرها وقد كان يضع وجهه مقابل خصلاتها يستنشق رائحة الياسمين خاصتها ثم استمع إليه يقول بخبث وعبث:
- مروتي عايز أقولك حاجة في ودنك.
زفرت بضيق وهي تود النوم بشدة ولا تستطيع منه كلما غفت يجعلها تستيقظ من جديد. أردفت بعصبية وحنق:
- يزيد بطل رخامة ونام بقى.
استنشق الرائحة المنبعثة منها بسعادة ثم عاد يقول بجدية:
- والله حاجة بريئة مش اللي في دماغك.
استدارت بجسدها لتنظر إليه بعد أن استمعت إلى يمينه الذي قاله وانتظرت ليقول ما الذي يريده:
- في إيه؟
جلس على الفراش واعتلى وجهه ملامح الجدية الشديدة فاعتدلت هي الأخرى تنظر إليه وهي مستلقيه على ظهرها وقد توترت لما يريد قوله. رأته ينظر إليها بتردد فشجعته بعينيها على التحدث لتراه في لمح البصر يجلس فوق قدميها يدغدغ بطنها بيده بحدة شديدة لتطلق الضحكات من فمها دون توقف.
ابتسم بسعادة ونشوة انتصار بين الذي يفعله وهو يقول:
- مش هتنامي يعني مش هتنامي.
لا تستطيع التوقف عن الضحك حقاً ولا تستطيع أن تتمسك بيده ليتوقف هو. تتلوى أسفله لتتحرر منه ولا تستطيع من كثرة الضحك والذي بسببه بكت! قالت من بين ضحكاتها بصعوبة:
- يزيد.. بجد لأ... يزيد كفاية.... هموت من الضحك.
لم يستمع إلى كلماتها إلا عندما ترجته بصعوبة بالغة. لقد ضحكت كثيراً وقاربت على فقد صوابها منه كما أن بطنها ألمتها كثيراً بسبب ما فعله بها."
- العصير.
وقع القميص منها واستدارت سريعاً تنظر إليه بخوف شديد. كانت سابحة في ذكريات مضت ليست هنا بالمرة وقد افزعها دون سبب. رآها تضع يدها على قلبها وتتنفس بسرعة بعد أن ألقت القميص فسألها باستغراب:
- مالك في إيه؟
حركت رأسها يساراً ويمينناً وهي تقول بارتباك دون النظر إلى عينيه:
- مفيش أنا بس سرحت شوية.
قدم لها كوب العصير وهو يقول بهدوء وحنان متحدثاً رغم عنه:
- طب اشربي العصير ده.
- أنا لازم أمشي.
قالتها ثم تقدمت سريعاً إلى الخارج فوضع الكوب على الكومود جواره ثم ذهب خلفها ليمسك بيدها عند وصولها إلى باب المنزل جاعلها تتوقف عن السير وهتف قائلاً:
- أنا عايز أتكلم معاكي... لازم تعرفي اللي حصل يمكن تغيري رأيك فيا وترجعي.
جذبت يدها منه ثم وقفت قبالته وتحدثت بجدية شديدة دون أن تترك لقلبها فرصة في الرد:
- أنا عارفه كل حاجة.. سامر قالي كل حاجة يا يزيد.
استغرب حديثها. إذا هي تعلم وموقفها كما هو ناحيته؟ إنه كان ضحية مثلها؟ ربما هناك فرق ولكن بسيط للغاية. كيف تحجر قلبها إلى هذه الدرجة؟
ضيق ما بين حاجبيه وسألها باستنكار ودهشة:
- يعني إيه؟
أخذت نفس عميق ثم أجابته بجفاء حاولت أن تجعله حقيقي بعد نظرته المتوسلة هذه:
- يعني كل حاجة زي ما هي يا يزيد.. وأنا لسه بطلب الطلاق.
نظر إليها بهدوء يتعمق في نظرته يود لو يصل إلى داخلها ليعلم ما الذي تفكر به. ترك كلماتها جانباً ودلف إلى داخل غرفة نومه ثم عاد من جديد تحت نظرات الاستغراب منها. أمسك بيدها ثم وضع بها مكتوب جديد من الذي يرسلهم إليها فابتسمت تلقائياً ثم فتحت باب المنزل فقال بجدية:
- استني هوصلك.
أجابته بجدية هي الأخرى وهي تنظر إلى عينيه:
- ميار تحت.. مستنياني.
خرجت من المنزل ثم وقفت أمام المصعد الكهربائي في انتظاره ليهبط بها إلى الأسفل. دلفت إليه بهدوء واستدارت لتنظر له وهي بالداخل ثم أغلق الباب وهبط بها المصعد. فتحت المكتوب الذي أعطاها إياه لترى ما الذي كتبه هذه المرة داخله.
"وإني بعينيك غارق. إن كانت أمواج البحر أو خضرة الأرض. كلامها يعملان على جعلي شهيد من نظرة واحدة إليهما. فـ ارحمي ضعفي وقلة حيلتي. عودي إلي فقد تضاربت الأمواج بكثرة وأفسدت كل ما كان صالح بي بعد فراقك."
"زوجك يزيد"
ابتسمت بسعادة غامرة. قلبها يرفرف فرحاً بكلماته التي تنقل إليها مدى حبه لها. ولكن للقصة بقية ولن تجعلها تنتهي هنا.
رواية براثن اليزيد الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندا حسن
اللهم إني أستودعك بيت المقدس وأهل القدس وكل فلسطين. اللهم ارزق أهل فلسطين الثبات والنصر والتمكين وبارك في إيمانهم وصبرهم. اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا في فلسطين ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين.
اللهم اشف جريحهم وتقبل شهيدهم وأطعم جائعهم وانصرهم على عدوهم. اللهم أنزل السكينة عليهم واربط على قلوبهم وكن لهم مؤيدا ونصيرا وقائدا وظهيرا. سبحانك إنك على كل شيء قدير فاكتب الفرج من عندك والطف بعبادك المؤمنين.
"وكأن الحياة تضيق أكثر لتجعل أرواحنا
أسفل الأتربة، وكأن أحلامنا في العودة
يضيق وسعها ليأتي بروحنا، وكأن السماء
لا تتحمل الطيور ولا ملجأ لنا فيها،
وكأن الخلاص بالموت"
"بعد مرور شهر"
لم تصدق والدها وشقيقتها عندما قالوا بأنها تتواجد في منزلهم تنتظر زوجة ابنها لتتحدث معها! ما الذي سيأتي بها إلى هنا؟ هل ما زالت تريد أملاكها؟ أم تريد أن تبتعد عن ولدها فـ هي بالأساس تركته! ربما هي تعتقد أنها قامت بعمل سحر له حتى لا يتركها كما قالت بالسابق! ما الذي سيأتي بها إلى هنا!
لم تصدق تواجدها إلا عندما رأتها بتلك العينين الحاملة لون خضرة الأرض. دلفت بهدوء إلى غرفة الصالون لتقف والدة زوجها على قدميها عندما رأتها تتقدم منها.
مشاعر غريبة داهمتها عندما نظرت إلى وجهها. يبدو عليها الإرهاق الشديد. ملامحها باهته للغاية ليست تلك المرأة القاسية التي كانت تتفنن بعذابها. تبدو منكسرة ليست كما السابق أبدا. إنها "نجية" الرمز الصحيح للقسوة والقوة كيف لها أن تبدو هكذا؟
تقدمت "مروة" إلى الداخل وهي تضع يدها على بطنها. ليس خوفا على ابنها أو حماية له بل كانت تتمسك بها وهي تشعر أن بوادر الألم المرافق لها قادمة.
نظرت إليها بهدوء وأشارت لها بالجلوس مرة أخرى ففعلت دون التفوه بحرف واحد. داهمتها "مروة" بسؤال جاد لا يحمل لين ولا شفقة لمظهرها:
"ممكن أعرف سر الزيارة دي؟"
انتقلت "نجية" إلى المقعد المجاور لها وقد ظهر عليها الانكسار حقا. نظرت إلى الأرض خجلًا ثم رفعت نظرها مرة أخرى قائلة بجدية:
"بقالي كام يوم هنا أنا ويسرى عند يزيد. ابني بيموت كل يوم. قلبه اندفن علشان أنت مش معاه. مش بياكل ولا بيشرب. اللي بيعمله صحيح هو شرب السجاير. عمال على بطال يشربها. وبقى عصبي زيادة عن اللزوم. محدش عارف يتكلم معاه كلمتين على بعض. مش قادرة أشوفه كده واسكت أنا السبب في اللي حصله... علشان خاطري ارجعي لابني لو بتحبيه صحيح ارحميه"
كلماتها أنطلقت من فمها كالسهام المسمومة لتعرف هدفها جيدا وكان قلب تلك المسكينة. ألمها قلبها كثيرا عندما استمعت إلى هذه الكلمات. هي لا تريده هكذا بل تريده بخير. بكل الخير ولكن لا تستطيع أن تعود بهذه السهولة كلما سيطر عليها عقلها مطالبًا بأن تعطيه فرصة تتذكر ما فعله بها. تشعر وكأنها فتاة رخيصة لا تعرف ما هي الكرامة وليس لديها أهل يدافعون عنها!
عندما تتذكر ما كان يفعله بها في زواجهم تقرر بألا تعود. عندما كان يشتت تفكيرها. يقول نصف الإجابة على السؤال ويترك عقلها يخمن الباقي. يكذب. يفعل ما يحلو له بها في وقتهم سويا. حتى أنه عند الحديث في أمر هام يكن هو يفكر بشيء آخر معها!
كل ذلك جعلها تتألم منه. أنه فقط جزء صغير من الذي واجهته معه هو وعائلته. فعل لها الكثير أيضا ليجعلها سعيدة هي لا تنكر ذلك ولكن الطاغي على كل شيء هي أفعاله الدنيئة. تحبه. تعشقه. لا تريد سواه ولكن أيضا لا تستطيع الرجوع. ليس بيدها هي حقا لا تستطيع.
استمعت إلى والدته تقول بنحيب وقاربت على البكاء لأجل والدها الذي دمرت سعادته غافلة عن النتائج:
"وحيات الغالية أمك ترجعيله.. أنا عارفه أن مفيش أغلى منها. وحيات اللي في بطنك ابني هيموت يا مروة.. هيموت"
تجمعت الدموع بعينيها هي الأخرى وهي تراها تتوسلها بهذه الطريقة التي لم تراها بها من قبل. وضعت يدها على بطنها الذي ازداد ألمها قليلا. نظرت إليها بضعف وحيرة لا تدري ما الذي عليها أن تفعله لها الآن. في جميع الأحوال هي لا تود أن تراها هكذا في النهاية هي والدته وامرأة كبيرة السن وهي تعلم أنها تحبه أيضا.
وجدتها تقترب منها بعد أن هبطت على ركبتيها وأخذت يدها وهي تبكي وتنتحب بصوت عالٍ قائلة:
"أبوس ايدك ارجعيله.. أبوس رجلك"
سحبت "مروة" يدها سريعا منها ثم وقفت على قدميها وجذبتها لتقف هي الأخرى أمامها فنظرت إليها بضعف وانكسار يظهر عليها منذ الوهلة الأولى. أومأت إليها "مروة" برأسها دليل على موافقتها حتى تصمت وتكف عن ما تفعله.
ابتسمت الأخرى بسعادة وجذبتها لتحتضنها بقوة. ربتت على ظهرها وهي تقول بسعادة غامرة:
"ربنا يخليلك ابنك يا بتي.. عمري ما هنسى جميلك ده"
مازالت "مروة" هنا تقف في صدمة كبيرة لا تستطيع أن تتخطاها! ما الذي حدث لها هذه المرأة هل كل ذلك من أجل "يزيد". ولما لا. أغمضت عينيها بضعف وهي تضغط على شفتيها متألمة. لا تشعر بشيء سوى الألم حقا. حتى أنها لم تشعر متى ذهبت من هنا!
لا يستطيع أن يجعلها ترضخ له! إلى الآن لا يستطيع لقد ذهبت زوجته وحلت مكانها إمرأة أخرى تماما. هذه ليست "مروة" التي كان يغير ما بعقلها بلحظات! أم أنها كانت تهيئ له ذلك؟ لقد فشل معها فشل ذريع. لا تريد رؤيته منذ أسبوعين ولا تستقبل هداياه. ولا مكالماته لها. قالت إنها اكتفت من ذلك ولن تعود عن فكرة الطلاق! وهو لن يفعلها ستموت وهي زوجته لن يجعلها تفعل ما برأسها لو اضطر سيطلبها في بيت الطاعة وسيكون هو الرابح في كل الأحوال وسيجعلها تكمل معه رغم أنفها لقد طفح به الكيل.
ما هذا العناد!. لقد أخطأ وأعترف بذلك. حاول بشتى الطرق أن يرضيها. فعل أكثر من اللازم معها. هو لم يتمادى إلى ذلك الحد الذي تراه هي. يبدو أنه هو المخطئ لقد تساهل معها وجعلها تفعل ما يحلو لها.
يوميًا يستمع ويرى ما يفعله الأزواج بزوجاتهن ولا أحد يتحدث بل يكملون على نفس النحو وكأن شيء لم يكن.. ما بها إذا ابنة عائلة "طوبار"؟
لقد تملكه الغضب مرة أخرى. العصبية أصبحت تلازمه في جميع الأوقات وتفكيره بالكامل خطأ. كل ذلك بسببها. أنه يحتاج إلى زوجته معه. هو رجل والجميع يعرف ما يعني هذا وهي أولهم. تعرف أن له احتياجاته الخاصة ولا أحد غيرها يعرفها أو يفعلها. لقد تمادت كثيرا.
زفر بضيق شديد وهو ينظر إلى القلم الذي بين يده نصفين! كسره وهو يفكر بها دون الشعور بذلك.
ترك بقايا القلم على المكتب أمامه ثم انحنى قليلا ووضع وجهه بين كفيه. أنه اشتاق لها كثيرا. لا يستطيع الإبتعاد عنها أكثر من ذلك وضل الطريق إليها.
لقد أغلقت كل الأبواب بوجهه تصر على الطلاق. هل حقا هي تريد ذلك؟ هو متأكد من حبها له ولكن ذلك الإصرار في الإنفصال عنه يجعله يشك بحبها له.
لا تقدر كيف أصبحت حالته. ولن تقدر ذلك إلا عندما تتذوق من نفس الكأس.
وقف على قدميه وذهب إلى خارج المكتب يسير بهدوء في المصنع وهو يتربص لأي شخص على غلطه حتى يفرغ شحنة الغضب هذه به. أخرج سيجارة ووضعها بفمه ثم قام بإشعالها وأخذ يدخنها بشراهة وهو يسير ببطء وينظر إلى كل شيء بعينين الصقر خاصته.
لقد وجد ضالته! ابتسم بتشفي وهو ينظر إلى ذلك العامل بآخر الرواق الذي يعطي له ظهره يتحدث بالهاتف بخفوت. تقدم ناحيته وهو يسحب أكبر قدر من دخان سيجارته برئتيه.
وقف خلفه بمنتهى الهدوء ثم تحدث بقسوة ونبرة جافه مسيطرة على كل شيء به في هذه الأيام:
"تحب نجيب للبيه حاجه يشربها علشان يروق دمه كده ويتكلم كويس"
استدار ذلك الرجل سريعا على صوته بعد أن وضع الهاتف بجيب بدلة عمله الزرقاء الملتصقة ببعضها. هتف "يزيد" بحدة قائلا:
"مخصوم منك أسبوع كامل على أهمالك. معروف أن في وقت ساعات العمل ممنوع أي شيء تاني غيره"
لقد فزع الرجل عندما استمع إليه. لا يستطيع أن يتخلى عن هذا المال في هذا الوقت بالتحديد. يعرف أن صاحب عمله رجل كريم منذ أول يوم عمل به معه ولكنه منذ فترة متغير مع الجميع. ومع ذلك ليس الأن أبدا. لا يجوز. تحدث بلهفة وخوف من أن يفقد هذا المال قائلا:
"يا فندم أنا عمري ما عملت حاجه غلط من يوم ما جيت. بس مراتي في العمليات بتولد وكنت بكلم حماتي علشان اطمن عليها"
خفق قلبه بشدة. بعنف وقوة. نظر إليه ولا يعلم ما الذي أصابه عندما استمع إلى كلماته. يقدر قلقه الآن لقد وضع زوجته في نفس الموقف وهو محله. لقد كان قاسي للغاية ولكن لما هو هنا هذا الأبلة وزوجته في غرفة العمليات كما قال!
"وأنت هنا بتعمل ايه وسايب مراتك"
نظر الآخر إلى الأرضية بخجل ثم رفع وجهه مرة أخرى وتحدث بخفوت:
"قدمت طلب إجازة لحضرتك وأنت ورفضته"
ألقى سيجارته ودعسها بقدمه. هل أصبح عديم الإنسانية إلى هذا الحد! يعاقب الناس على ما يمر به؟ وما ذنبهم! هل الغضب والعصبية يخرجهم على أشخاص ليس لهم يد فيما يحدث له؟ ترى كم شخص فعل معه هكذا دون دراية منه ومنعه عن عمل هام؟
نظر "يزيد" إليه بهدوء. أخرج محفظته من جيبه وفتحها أمامه ثم أخرج منها كل الأوراق المالية المتواجدة بها وبالنسبة للعامل كانت كثيرة للغاية وهي من فئة المئتين. وضعهم بيده ثم قال بهدوء ونبرة رخيمة:
"روح لمراتك ومعاك إجازة يومين. ألف مبروك"
ابتسم العامل بسعادة ليس لها مثيل وهو ينظر إليه وإلى تلك الأوراق الكثيرة. ويردد داخله كلماته التي كانت بمثابة المعزوفة الخاصة له. هتف بهرجله وتخبط:
"ربنا يخليك يا يزيد بيه.. تدوم النعمة عليك. ربنا يسعدك ويسعد ايامك ويجي ابنك للدنيا بخير"
هذا ما يريده تماما. أن يأتي ابنه بخير وأن تكون زوجته جواره.
هذا كل ما يريده ليس أكثر..
منذ أن رحلت والدة زوجها وعقلها مشتت للغاية كما كان يحدث وهي في بيته. لا يوجد أي تغير بل تذكرت هذه الأيام بعدما داهمها هذا التشتت. هي تعلم أنه يحبها كما تفعل هي وأكثر ربما. يريدها بكامل جوارحه. بعدها عنه يقتله. أعترف بذلك الخطأ الذي ارتكبه. والآن هو نادم على كل شيء مر وهي معه دون التمتع به.
تعلم كل ذلك ولكنه أيضاً تزوجها عنوة. تزوجها لغرض دنيء للغاية واخفاه عنها. تركها لعائلته تفعل بها ما يحلو لها وما كان يفعله بهذا الوقت هو أن يبعدها عنهم فقط ويجعلها تصمت عن أي إهانة لأنهم عائلته. ظلمها ظلم كبير لا يتحمله أحد. غير ذلك الشك الذي وقعت تحته مرتين واتهامه لها في شرفها وعفتها. غير يده الذي تطاولت عليها مرتين متتاليتين. وبعد كل ذلك لا يوجد سوى الحب والاعتذار.
الاثنين بنظرها لن يفيدوا بشيء. فلا يوجد حب بدون كرامة وهي كرامتها لعب بها كرة القدم هو وعائلته بعد ذلك الكذب والمؤامرة التي وضعوها بها.
والاعتذار لن يفيد بشيء عندما تكون النفس تأذت كثيراً ولا يمكن إصلاحها.
زفرت بضيق وإرهاق وهي تتمدد على الفراش ببطء. واضعة رأسها على الوسادة تنظر إلى سقف الغرفة بضياع. حقاً لا تعرف ما الذي ستفعله؟ هل تعود وتقول أنه كان خطأ وندم عليه الجميع وأيضاً حتى لا يحزن هو ويدمر حياته بسبب بعدها عنه وتكون حافظت على حياتها الزوجية وحياة ابنها القادم!
أم تصر على قرار الإنفصال وتبتعد لأجل ما فعله بها هو وعائلته وتوفر بيئة سوية لابنها القادم ولها أيضاً وتتركه يحترق بنيران خيانته!
وضعت يدها على أسفل بطنها بقليل فـ الألم لا يتركها هذه الأيام أبداً. حذرتها الطبيبة كثيراً من أشياء عدة ومنها ألا يكون هناك ضغط نفسي عليها. وأن تأكل كما قالت لها بالضبط. غير تلك الأدوية الكثيرة.
تأخذ الأدوية وتأكل ولكن طعامها كأنه جبر خاطر لأبيها وشقيقتها. وهذا الضغط يأتي إليها وهي في مكانها ولا تعلم ما الذي تفعله.
أغمضت عينيها في محاولة منها أن تغفى قليلاً ولكن هذا الألم لا يساعدها في ذلك. زفرت بضيق وانزعاج وهي تضغط على بطنها وتفكر هل سيبقى هذا الألم هكذا إلى حلول معاد الطبيبة؟ أم سيبقى إلى ولادتها؟ لا مؤكد لن يحدث هذا فهي الآن في الشهر الرابع من الحمل يبقى خمسة أشهر أخرى!
دق الباب ببطء ثم فُتح وظهرت من خلفه شقيقتها التي دلفت إلى الداخل قائلة بجدية:
- تعالي يلا ناكل يا مروة.
أجابتها بخفوت ونظرة مرهقة وهي تعتدل على الفراش لتجلس نصف جلسة:
- ماليش نفس أكل يا ميار.
وقفت إلى جوارها ثم قالت بهدوء وعقلانية:
- حبيبتي ممكن تخلي كل حاجه على جنب وبإذن الله ربنا هيحلها من عنده! والمهم دلوقتي تهتمي بنفسك واللي في بطنك كمان.
نظرت "مروة" إلى أرضية الغرفة بهدوء وقد كان الحزن يتغلب عليها في هذا الوقت وهي كعابر طريق سد بوجهه ولا يدري كيف السبيل للعودة أو التقدم.
تحدثت "ميار" مرة أخرى وهي تتمسك بيدها لتجعلها تقف على قدميها حتى تذهب معها:
- وبعدين في دواء لازم يتاخد بعد العشا.. يلا تعالي كلي وبعدين خديه يا حبيبتي.
أخذتها بهدوء إلى الخارج حتى تأكل معها هي ووالدها الذي قارب على الإنفجار من أفعال ابنته. والتي إلى الآن لا تريد أن تقول ما حدث بينها وبين زوجها لتفعل به كل ذلك وليكون هو بكل هذا الحزن والندم.
ابتسم "فاروق" بخبث وهو يجلس الآن في منزل زوجته الكريمة والتي من كثرة كرمها فعلت أشياء لا تُحكى. ولكن قد فعل هو ما يريده وسيكمله الآن في منزلها ورغم أنفها ستوافق عليه.
طردها من بيته وكأنها ليس لها قيمة عنده ولن يكون لها قيمة بعد الذي فعلته به وبأخيه وزوجته أيضاً. تركها في منزل أهلها أشهر ولم يسأل عنها ولو مرة واحدة بل على العكس هي من كانت تحاول محادثته لتعود إليه. والآن هو في منزلها ليجعلها تعود بشروطه الذي وضعها. ويعلم أنها ستوافق عليها.
دلفت إلى الغرفة وهي تنظر إلى الأرضية بخجل حاولت أن تجعله يظهر له حقيقي ولكنه قد فهم ما الذي تريد فعله ولن تستطيع أن تجعله يصدقها. جلست على الأريكة أمامه وهي تنظر إلى الأرضية ثم رفعت رأسها ونظرت إليه قائلة بخفوت ونظرة حزينة معاتبة إياه:
- هونت عليك تسيبني كل ده يا فاروق.
ابتسم هو بالمقابل بتهكم وسخرية شديدة ناظراً إليها باستنكار وهي تتصنع البراءة:
- مش لايق عليكي دور المسكينة يا إيمان. اطلعي منه علشان مش هتعرفي تكملي بيه لآخر القعدة.
وقفت على قدميها ثم ذهبت لتجلس على الأريكة جواره محاولة السيطرة عليه بكلماتها المعسولة وحركاتها اللينة كما السابق. تحدثت بضعف ورجاء قائلة:
- بقى كده يا فاروق شايفني بتمسكن.. مستني مني ايه يعني مهو كان المفروض يكون العكس وأكون أنا اللي زعلانه من اللي عملته فيا.
ضحكاته الصاخبة دوت في المكان حتى أنها استنكرت ذلك. جُن هل فعل حقاً؟ وجدته ينظر إليها بغته مضيقاً ما بين حاجبيه سائلاً إياها:
- واللي عملتيه يا ست الحسن والجمال؟ كان المفروض يترد عليه إزاي.. دا أنا لو أطول أطلع ظمارة رقبتك في أيدي هعمل كده.. عايزة تقتلي ابن أخويا واسكت يا بنت الرفـ**
نظرت إليه بحدة ولم تُجيبه فتابع هو الحديث بجدية وهو يحاول أن يُنهي ما أتى لأجله:
- أنا جاي النهاردة علشان ارجعك للبيت من تاني بس بشروطي.
تعلم أنه مهما حدث سيكون كالخاتم بإصبعها مرة أخرى. هو لا يحب غيرها وكل ما يفعله الآن فقط لأنه تأثر مما حدث. إذًا لتوافق.
- موافقة.
ابتسم مرة أخرى وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً باستنكار ودهشة وهتف قائلاً بجدية:
- مش تعرفي الشروط الأول.. أولاً هتجوز تاني ولو هتقولي ليه هقولك أول سبب علشان أخلف. ولا مش من حقي؟ أنا متجوزك بقالي كتير ومفيش خلفه يبقى اتجوز تاني زي ربنا ما قال وأنتِ اللي عملتي كده ودقيتي أول مسمار في نعشك.
وقفت أمامه سريعاً تهتف بحدة وذهول غير مصدقة حديثه بكونه سيتزوج عليها ويأتي إليها بأخرى لتغير حياتها وتكون أسوأ من "مروة" بكثير على الأقل "مروة" كانت زوجة شقيق زوجها أما هذه ستكون درتها!
- أنت اتجننت ولا ايه يا فاروق.. عايز تجبلي درة.
تحدث بحدة وصوت عالٍ ليجعلها تصمت وتبتلع باقي كلماتها:
- أخرسي أنا لسه مخلصتش.. اللي هتجوزها دي هتعيش معانا في البيت وهتقبلي بده وأنا عارف أنا بقول ايه.. ده غير إن الدهب اللي كنت بجيبه ليكي هاخده علشان ابيعه واجيب غيره للعروسه.. صحيح أنا معايا الفلوس وأقدر أعمل كتير بس الدهب ده كتير عليكي.
- وأنت مفكر إني هوافق على الهبل ده.
نظر إليها بخبث ومكر ثم قال بجدية وهو يعتدل في جلسته:
- هتوافقي.. عارفة ليه؟ علشان البلد كلها عرفت اللي عملتيه وعرفوا مين هي إيمان. هتوافقي علشان أنا لو طلقتك هتبقي زي البيت الوقف بالظبط مش بتخلفي ومطلقة مين هيبص في وشك ها؟ هتفضلي طول حياتك قاعدة هنا بكرة أخوكي يتجوز وأمك ربنا يفتكرها وأنتِ لوحدك... أما عندي على الأقل هتبقي مع ناس وأما أموت هتورثي فيا.
وقف على قدميه متقدماً إلى الخارج بعد صمت دام طويلاً خلف كلماته الأخيرة هذه. تحدث وهو يذهب قائلاً:
- تمام كده وصلني ردك لما يجيلي مزاج بقى هبقى أطلق.
- موافقة.
باغتته بهذه الكلمة وهو يرحل فقد وجدت أن حديثه صحيح لن ينظر إليها أحد بعده. لن تتزوج. إلى الآن لم تنجب نعم تعلم أن ليس هناك شيء يمنع ذلك ولكن لم تنجب. الجميع يعلم ما فعلته.. كلماته صحيحة ولكن مع ذلك ستريه من هي "إيمان" فـ ليتزوج ويفعل ما يحلو له وفي جميع الأحوال ستضع لمساتها في كل شيء.
"بعد مرور أسبوعين"
يدور العالم من حولها. حقاً تشعر وكأن الأرض تدور بها. تفكيرها لا يسعفها على فعل شيء. لا ترى أي ملجأ لها. ما الذي فعلته بنفسها وطفلها؟ لقد قتلته! قتلت طفلها! لقد حظرتها الطبيبة أكثر من مرة. بل مرات وهي لا تستمع إلى أي من حديثها ولكن أيضاً لم يكن بيدها. لم يكن بيدها ما فعلته. لقد قتلت طفلها بيدها.
خرجت الدموع من عينيها بغزارة وهي تجلس على بوابة العمارة التي يوجد بها عيادة الطبيبة. أخذتها شقيقتها بأحضانها محاولة التخفيف عنها ولكن كيف؟
- مروة حبيبتي اهدي الدكتورة قالت في فرصة أنه يكون كويس علشان خاطري متعمليش كده.
انتحبت وبكت بحدة وهي تقول بضعف وقلة حيلة ملقيه اللوم على نفسها:
- إزاي بس؟ إزاي؟ هي معاها حق قالتلي كتير أهتم بيه وبصحتي وأنا اللي معرفتش أعمل كده.. هقول ليزيد ايه؟ هقوله ايه قتلت ابنك بنفسي.
ربتت على كتفها وهي تتمسك بها بشدة ثم خرجت الدموع من عينيها هي الأخرى على ما تمر به شقيقتها وتحدثت بخفوت وحزن:
- كل حاجه هتكون بخير لو مشينا على التعليمات بتاعة الدكتورة وأولها نفسيتك يا مروة لازم تكون كويسة ومتضغطيش على نفسك.
اراحت رأسها على صدر شقيقتها تحتضنها بينما تتذكر كلمات الطبيبة وهي تبكي وتنتحب بصوت عالٍ..
"نظرت إليها الطبيبة بضيق بعد أن انتهت من فحصها ثم تقدمت لتجلس على مكتبها وتحدثت بحدة معها:
- أظن يا مدام مروة قولتلك أكتر من مرة تهتمي بنفسك وتمشي على التعليمات اللي بقولهالك وكالعادة مش بتهتمي.
نظرت إليها باستغراب وهي لا تفهم ما الذي تقصده بحديثها فتقدمت منها "ميار" تقف جوار مقعد شقيقتها تضع يدها على أكتافها تمدها بالدعم ثم سألتها بهدوء:
- في حاجه يا دكتورة ولا ايه؟
أشارت إلى مروة وتحدثت بطريقة عملية للغاية وكأنها تقول إن كيلها فاض منها:
- للأسف الجنين معليهوش مايه. قدامنا فرصة نحاول فيها أننا نرجعه لطبيعته ولو مقدرناش هنضطر ننزله لأن ده لو محصلش ممكن يموت في بطنها وهنا هتكون كارثة.
صدمت! ماذا؟ هل سيموت؟ لا. لا تعتقد ذلك لن يحدث كيف له أن يموت؟ كيف؟ إنه ولدها الذي كانت تتحدث معه في الليل وحدها وتشكي له همها في بعدها عن والده. هذا هو الذي قالت له أنها تريد أحضان والده ليس شيء آخر. كيف ستفقده؟ ماذا ستقول لزوجها؟ أهملت في صحتها وصحة ولدها فمات!
نظرت إلى الطبيبة وهي لا تصدق هذا الحديث غير المنطقي بالنسبة إليها.
وجدت الطبيبة تكمل قائلة بدهشة واستنكار متسائلة:
- أنا بجد مش فاهمة، هو أنت مالك؟ في الحالات الطبيعية معروف أن الست الحامل وزنها بيزيد، أنت إزاي خسيتي خمسة كيلو في الوقت ده؟ ده الناس اللي بتعمل رجيم مش هيقدروا يعملوا كده.
لا تستطيع أن تتحدث أو تستمع إلى أي شيء، هي فقط تستمع لهمسات الطبيبة وشقيقتها تلقي عليها تعليمات كثيرة أخذت منها أنها يجب أن تشرب سوائل كثيرة، أدوية أخرى، أشياء استمعت إليها ولكن لم تحلل ماهيتها.
لقد أتى هذا الخبر ليأتي بالباقي من قلبها ويجعله فتات في الأرض.