ترجلت من السيارة فور وقوفها أمام منزلهم. تأفف بضيق وغضب منها، فمنذ أن أخبرها بأمر عودتهم وهي تتجنبه كأنه قتل لها قتيلاً، لكن لم يهتم. ركن السيارة بمكانها المخصص ثم قام بأخذ أغراضهم منها وذهب خلفها. كانت واقفة على الدرج الخارجي تنظر قدومه. أسرع بخطواته أمامها حتى وقف أمام الباب الرئيسي للمنزل. رمقته بنظرة غاضبة ثم أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى.
أستفزته نظرتها المستهزئة والمتقززة منه بهذا الشكل، لكن ليس هذا المكان المناسب لقول شيء. وضع يده على جرس المنزل كي يضغط عليه، لكن سبقته أعتماد وهي تفتح الباب أكملة أثناء هتافها بالترحاب محدثة ابنها. أخذته بين يديها محتضنة إياه بشوق ولهفة كأنها لم تره منذ سنوات قائلة: "نورت دارك وأهلك وناسك ياضناي" ربت على يدها ثم ابتعد عنها قائلاً بجفاء: "منور بناسه ياما. كويس إني شوفتك. إحنا طالعين"
وكلمته الأخيرة موجهاً حديثه لزوجته. رمقته أعتماد بنظرة غامضة من أعلاها لأسفلها بفم ملتوي قائلة: "كيفك يـ عشق؟ أجابت عشق بنفس نبرتها: "بخير يامرت عمي" سلطت نظرها عليه ثم تحدثت وهي تأخذ المفاتيح منه قائلة: "هسبقك أنا" حملت حقيبة خفيفة وذهب مغادرة إلى شقتهم تحت أنظارهم. رمقته أعتماد يغيظ قائلة: "مالها مرتك يـ سالم؟ لما هي مش لادد عليها مجيها جيبها ليه؟ دا حتى السلام ما رمتوش" وقطعها بنبرة حادة أخرستها:
"ملكيش صالح بيها ياما. أني منقصش وجع دماغ وفلقه. زعلانه منها. مليكيش صالح بيها" أنهى حديثه وأكمل طريقه خلفها إلى الأعلى. ضربت بيدها على صدرها قائلة: "يادي المصيبة. لحست عقلك العمية. ما كفانيش بت البطاش لما طلعتيلي. يابت توحيدة هقول إيه؟ العيب على رجالي اللي مطاطية لنسوانها" أستدارت لتدلف إلى الداخل وجدت نهلة بوجهها. رمقتها بنظرة متفحصة من أعلاها لأسفلها قائلة: "فيكي إيه يابت؟ شكلك مش عاجبني اليومين دول" غلقت نهلة
جفونها بأرق وأرهاق قائلة: "ملكيش صالح بيا ياما. سبيني في حالك. الله يباركلك" أكملت طريقها مغادرة، لكن جذبتها أعتماد من يدها أدخلتها ثم قامت بغلق الباب خلفها قائلة بحزم وصرامة: "هو إيه اللي مليش صالح ده؟ هتتعدلي يابت ولا أعدلك باللي في رجلي؟ هتقوليلي رايحة فين ولا أطلع أنادي أخواتك يشوفولهم صرفة معاكي. أما أشوف حالك المايل ده هيتعدل ولا لأ يابت حسن" صرخت نهلة بوجهها قائلة: "لسه جاية تشوفي حالي المايل دلوق؟ بعد إيه؟
أرتعش جسد أعتماد بهلع قائلة: "قصدك إيه بالحديث ده يابت؟ انطقي بدل ما هطلع بروحك في إيديه" أنهت جملتها ثم قامت بسحبها خلفها بقوة حتى وصلت بها إلى غرفتها. دفعتها بكل قوتها إلى الداخل ثم أغلقت الباب خلفها متحدثة: "انطقي يابت وعرفيني اللي فيها. حد ضاحك عليكي؟ شكلك ده ممريحنيش" وضعت نهلة يدها على وجهها وأخذت تبكي. أتسعت أعين أعتماد عند رؤيتها لهيئة ابنتها هكذا. أقتربت منها وأنقضت فوقها بالضرب قائلة:
"انطقي يابت. شيبتيني وسودتي وشي. حد ضحك عليكي يابت؟ انطقققي" صرخت بها وهي تزيد من ضربها لها. والأغرب وما زاد شكها هو استسلام نهلة لها. جذبتها أعتماد من خصلاتها المختبئة خلف حجابها كي تقف أمامها غير مبالية بالألم الذي تشعر به تلك المسكينة وشعورها بتمزق خصلاتها بيد والدتها. أغمضت عيناها عندما تلقت صفعة قوية انهارت على وجهها دون سبق إنذار. فصرخت بها أعتماد قائلة:
"أني يأست منك ومن ماشيك الغلط. هطلع أنديلك أخوكي وهو حر فيكي" وصمتت أعتماد عندما سكنت نهلة داخل أحضانها وهي ما زالت تبكي بحرقة، ناسيه العالم أكمله بما فيه. ابتلعت أعتماد ريقها وهي تنظر لها مستغربة أفعال ابنتها التي لن تعتاد عليها أبداً. مسكت نهلة بملابسها بقوة كأنها تحتمي بها. رفعت أعتماد يدها بارتعاش حاوطت ابنتها قائلة: "إيه اللي بكي يابت؟ ريحي قلبي وعرفيني ناقصك إيه عشان تسودي عشيتنا أكديه؟
أغمضت عيناها بألم نفسي أصبحت لا تتحمله بالفترة الأخيرة من كثرة الاتهامات. فانهارت حصون نهلة قائلة: "نقصني أنتي ياما. نقصني حنانك وحضنك. نقصني حاجات كتيرة قوي محدش يعملها غيرك" ألمها قلبها من حديث ابنتها فقالت بنبرة متلعثمة: "أني! ماني جارك اها. قصرت معاكي في إيه؟ خرجت نهلة من بين يديها ثم نظرت إليها بعينيها الباكية قائلة: "كل حاجة مقصرة فيها ياما. أني بتك بقالي قد إيه؟
جيتي في يوم لقتيني زعلانه قولتي بالكدب مالك ولا خدتيني في حضنك زي بقيت الأمهات تواسيني وتخففي عني. أني مش عفشة ياما كيف مانتوا مفكرين. ولا أني اللي تحط راس أبوها في الطين. بلاش اتهامات الله يباركلك. مبقتش قادرة أتحمل" أعصر قلبها على تلك الحالة التي وصلت إليها الفتاة قائلة: "فضفضي. قولي اللي في قلبك لأمك" جففت دموعها وذهبت إلى فراشها تمددت عليها مدعية النوم قائلة: "أني زينة ياما. متشغليش بالك بيا"
قالت جملتها وهي تسحب الغطاء بأكمله عليها. ضربت أعتماد بكف فوق الآخر بقله حيلة وانصرفت مغادرة. بنفس الوقت: دلف سالم إلى الداخل ثم قام بإلقاء الحقائب من يده بعنف وأكمل طريقه إلى الداخل حتى وصل إلى غرفتهم. وجدها جالسة على مقعد التسريحة تحرر حجاب رأسها. لكن تفاجأت بفعله عندما جذبها من ذراعها بقوة حتى ارتطمت بجسده. زفرت بضيق قائلة: "واه عملت إيه دلوق؟ لحقت أقومك عليه؟ أخرسها نبرته الصارمة:
"اقفلي خاشمك يـ عشق. وملكيش صالح بأمي ولا تجيبي سيرتها على لسانك" ردت بضيق وتعلثم: "وأني كت قولت إيه غلط؟ مش دي الحقيقة؟ مش بشوف نفسك طالع كيف؟ بص لشكلك أكديه" أكمل حديثه وكأنه لم يستمع لما تفوهت به قائلاً: "أني مبحبش طول اللسان. ولا لوي الدراع. عاجبك تعيشي معاي على طبعي وطريقتي دي يابت الناس؟ أهلا وسهلاً. معجبكبش الباب يفوت جمل" تجمعت الدموع داخل عينيها قائلة:
"بقيت تكررها كتير قوي الجملة دي. لو أني تقيلة عليك قوي أكديه؟ قولي وأني مش هتقل تاني" ركل الحائط بقبضة يده بعنف قائلاً بصوت جهوري ارتعبت منه: "بقولك إيه يابت؟ أنتي اسمعي الكلمتين دول زين عشان جبت أخري منك. الحديت ده لو سمعته تاني هتكوني طالق ياعشق. ومتزعليش مني وقتيه" أنهى حديثه وانصرف مغادراً. رمقته بغيظ وغضب بنفس الوقت ثم تحدثت بصوت مرتفع بعد مغادرته كي يستمع لها قائلة:
"تاني مرة تقول هطلقك دي برضه. بس مش بكيفك. ومسكتش برضه وأني مش بت كان" واقفاً خارج الغرفة يستمع لما تقوله. أرتسم على محياه ابتسامة صغيرة بتهكم. لا يعلم أن كان يبتسم على تمسكها به أو يغضب منها بسبب أفعالها. خرجت أعتماد من غرفة ابنتها بحزن سيطر على ملامح وجهها وجسد متهالك. لأول مرة تشعر بهذا الضعف. جلست على أقرب مقعد لها واضعة يدها على جبهتها. استمعت لصوت أقدام تخطي اتجاهها. رفعت رأسها لترى من وجدت إيناس تقترب منها.
استغربت وجودها قائلة: "إيناس؟ جيتي ميته ومع مين؟ رمقتها إيناس بنظرة مطولة بصمت قائلة: "لساااتني جاية مع جوزي ياحماتي. شيفاكي مفرحناش. إيه مكتيش عاوزة جوزي ياجي ياخدني من دار ناسي؟ مش أكديه؟ زفرت أعتماد قائلة: "الله يرضى عنيكي يابتي. بعدي عن خلقتي السعادي. روحي شوفي جوزك وولدك فين وأطلعوا على شقتكوا" استغربت إيناس حالتها لكن نفذت حديثها وانصرفت إلى الخارج. وجدت عبد الله يحمل طفلة ويتقدم منها بعدما قام بصف سيارته.
حملت الطفل عنه وأكملت طريقها صاعدة الدرج في طريقها إلى شقتها وهو خلفها حاملاً حقائبهم الخاصة. جلسوا الاثنان بصمت كلاً منهم ينتظر الآخر ليبدأ بالحديث. لكن كان الصمت وهو سيد المكان. أخذت ترمقه بنظرات فضولية وأسئلة كثيرة تملأ فمها تريد أن تبوح بها. لتقرر قطع حاجز الصمت قائلة: "جبتني ليه ياعبد الله؟ استغرب سؤالها لكن أجابها باختصار: "المرة ملهاش إلا بيتها"
كانت هذه الإجابة على سؤالها التي تفوهت به قبل أن ينصرف تحت أنظارها. كانت عيناها معلقة عليه أثناء دخوله الغرفة تاركها بمفردها. أخذت نفساً عميقاً وأرخت في جلستها تفكر بما كان يسير بغرفته ذهاباً وإياباً يفكر بحديثها. ألقى نظرة على هاتفه الموضوع على الفراش عندما استمع لصوت الرنين. فكانت هي لا أحد غيرها. ظل واقفاً بمكانه لدب ثواني يفكر لكن حسم أمره ورد عليها قائلاً: "بكرة الصبح هجهز كل حاجة وأكون عندك زي ما اتفقنا"
أغلق المكالمة وجلس على طرف الفراش بعقل شارد يفكر في طريقة يجلب بها المبلغ الذي طلبته منه. أسرع من مكانه متجهاً إلى خزانة ملابسه ثم قام بأخذ الصندوق الصغير الموجود به الذهب الذي أعطته له عمته أثناء إنهاء خطبة ابنتها. فهو لم يعطه لوالده ولم يخبر أحد بقرار عمته. وجدها فرصة مناسبة لتجميع المبلغ. وضعه داخل شنطة بلاستيكية ووضعه بجيبه وانصرف مغادراً ليبيعه كما نوى. دلف نعمان إلى الداخل بعد إنهاء يومه العملي.
وجد والدته جالسة أمام التلفاز تتابع أحد المسلسلات القديمة. أقترب منها ملقياً عليها تحية السلام ثم جلس جانبها قائلاً: "فينها قمر يامال؟ فتحت فمها بضيق وسخرية قائلة: "أهي قاعدة في الأوضة جوه وقافلة على نفسها كيف مانت شايف. وطول النهار على أكديه. لا بتقوم تنكس مكان ولا تعمل لقمه" رفع حاجبيه بذهول من حديثها وهو ينظر إلى هيئة المكان النظيفة والمرتبة قائلاً: "أمال مين اللي مروق المكان كل يوم ويعمل الأكل؟ أجابته ساخرة:
"أهو هو ده اللي بتعمله. مفيش غيره. وطول النهار ماسكة المحمول في إيدها ما بتسبوش مرة. تنقط ربنا يعينك عليها يا ولدي" زفر بيأس وضيق من حديث والدته. نهض من مكانه بصمت ذاهباً إلى غرفته. فأوقفته قائلة: "رايح فين يا ولديه؟ كاد أن يشق ملابسه منها فأجابها بهدوء وابتسامة بشوشة ارتسمت على محياه قائلاً: "داخل أغسل وأغير خلقاتي ياما" أكمل طريقه تحت أنظارها. ندبت على أقدامها قائلة: "عملاله إيه اللي ما تتسمى دي؟
فتح باب الغرفة بهدوء كي لا يزعجها. فظن أنها نائمة فقد تأخر اليوم كثيراً في عودته فأصبحت الساعة الواحدة بمنتصف الليل. لكن وجدها جالسة على الفراش تبكي بصمت محتضنة الوسادة بها. غلق الباب بإحكام وأسرع إليها. جلس على أقدامه أمامها قائلاً وهو يبعد يدها عن وجهها: "مالك ياقمر بتبكي ليه؟ رفعت عيناها الباكية تنظر لها ثم نكستها مرة أخرى. فتعالت أصوات شهقاتها وانتفاض جسدها. جلس أمامها على طرف الفراش قائلاً:
"روقي كده وقوليلي مالك. أمي مزعلاك؟ رفعت عيناها مرة أخرى بصمت فعلم أنها حقاً السبب. تحولت نظراته إلى الاعتذار قائلاً: "حقك عليا ياقمر. عارف أن أمي صعبة ومش سهل حد يتحملها. هنبيت الليلة والصبح قبل ما أروح على الشغل هرجعك بيتك" تحدثت من بين بكائها قائلة:
"والله ما بزعلها ولا بقولها حاجة. هي اللي شيلاني فوق راسها مخبراش ليه. وكلامها يوجع. مبقتش متحملاه. أني مبرضاش أقولك على حاجة. بس مبقتش قادرة أتحمل. نعمان أني قليلة عليك كيف ما أمك بتقول" ذهل سؤالها. مد يده يلمس على وجنتها برقة قائلاً: "مين دي اللي قليلة؟ معرفاش قيمة نفسك ولا إيه؟ انتي في نظري ملكة ياقمر. مليكيش صالح بحديث حد يهمك رأي حد غيري" أشار برأسه برفض.
ابتسم بحب لمعذبة قلبه ثم احتواها بين يديه واعتدل بجلسته جانبها. رفعت عيناها تنظر إليه وهي ساكنة بين يديه قائلة: "نعمان أنت أحسن راجل في الدنيا. ربنا يخليك ليا ياواد عمي ويجعلك ليا العوض والسند العمر كله" اكتفى بابتسامة بسيطة وهو يشدد من احتضانه لها يريد أن يدخلها بين أضلعه. بادلته فعله ابتسامة محبة إلى قلبه وقامت بوضع رأسها على صدره بارتياح. فوجدت بحضنه الأمان الذي تتمناه أي فتاة مع نصفها الآخر وهذا يكفي.
ظلت تتقلب بفراشها كثيراً لا تستطيع النوم من كثرة التفكير. شعورها بشيء ما يحدث مع أهلها يزعجها كثيراً. تريد معرفة أخبارهم وما الذي يحدث معهم حتى يطير النوم من عينيها بهذه الطريقة. منذ الصبح وهي لم يغفل لها جفن. أزاحت الغطاء من عليها ثم ألقت على ذلك النائم نظرة أخيرة بعتاب. فهي تريده جانبها بهذه اللحظات القاسية التي تمر عليها. لكن ما يحدث معهم بهذه الفترة وجفائه بالمعاملة معها منعها من ذلك.
ارتدت حذائها المنزلي وهي تضع حجاب الرأس فوق خصلاتها التي عقدتها برابطة صغيرة. ثم وضعت يدها على مقبض الباب لتغادر. لكن شعرت بجسده خلفها. استدارت لتراه وجدتة يطالعها بنظراته الثاقبة عليها بعينه الناعسة. فتحدثت هي أولاً مبررة لحالها فأصبحت هذه الفترة لا تعلم ما يفكر به قائلة: "كت رايحة لأمك أقعد معاها شوية. مجيليش نوم من وقت ما عادنا وأنت نايم وأني زهقت" قالت جملتها وهي تراقبه بنظراتها لترى رد فعله.
فظنت أنه سيغضب ويثور كما يفعل بالفترة الأخيرة. لكن خيب ظنها بهدوئه قائلاً: "ملوش لازمة النزول لأمي دلوق. تلاقيها نايمة. وأني صحيت. أدخلي أعمليلنا كوبايتين شاي" أسعدت كثيراً من حديثه وأسرعت إلى المطبخ لتحضر ما طالبه تحت أنظاره. أرتسم على محياه ابتسامة بسيطة وذهب خلفها. بصباح اليوم التالي بمنزل العائلة كانوا يجلسون جميعهم على مائدة الإفطار يتناولون وجبتهم في صمت.
كان يترأس الطاولة حسن الرفاعي بهيبته مسلطاً نظرة على ابنه الأوسط وزوجته الجالسين على يمينه. استغرب حسن نظرة بنت أخيه المسلطة عليه بهذه الطريقة التي فقدته ثقته بنفسه لوهلة. فصرخ بها قائلاً: "بصالي أكديه ليه يابت؟ انتي هتاكليني بعنيكي؟ حول الجميع أنظارهم لعشق التي هتفت وهي ما زالت ترمقه بنفس النظرة: "بملي عيني منك ياعمي. بملي عيني من سندي. هو انت مش مكان أبوي وسندي برضه ياعمي؟ رفع حاجبيه يطالعها بذهول مما تقوله.
رفعت حاجها هي الأخرى دليلاً على تأكيد حديثها. كانت أنظارهم الاثنان تدل على أن هناك شيء ما. كان هناك عين أخرى تراقبهم بفضول تريد معرفة ما يدور حولها. لكن فضلت الصمت لوقت آخر. استأذن سالم وانصرف أولاً إلى عمله. فأسرعت عشق خلفه تسير معه للخارج. وقف بمكانه أمام الباب الخارجي يطالعها بنظراته المستهزئة قائلاً: "ادخلي كملي وكلك ملهاش لازمة عمايلك دي" عقدت يدها أمام صدرها وسارت خطوة واحدة حتى وقفت أمامه قائلة:
"لا ياواد عمي. ليه لزوم. مرتك ومن حقي أعمل اللي رايدة مدام معاك" أشار بيده إلى الداخل قائلاً: "ادخلي ياعشق" صمتت قليلاً ثم هتفت قائلة: "طب أني رايحة أجيب شوية حاجات ليه وهعدي على نجمة آخدها معايا" زفر بضيق ثم دفعها للداخل بيده وهو يتحدث بتحذير: "لما أعاود نورح نجيب اللي عاوزاه. معوزش حديت كتير. عاوز أشوف شغلي" تمسكت بها إيناس أثناء حديثه قبل أن تسقط أثر قوة دفعه لها. فتحدثت بإحراج قائلة:
"متأخذنيش بس كت جاية أستأذن منك أني هاخد عشق معايا نطلع شوية نجيب شوية حاجات لولدي" كانت إيناس تحدثه وتلك المسكينة ساكنة بين يديها. ترمقها بنظرات غاضبة. بادلهم النظرة الاثنان بضيق وأكمل طريقه لعمله دون أن يتحدث. خرجت عشق من أحضان إيناس قائلة بغيظ منه: "أهو مردش. وأنتي حاجات إيه اللي هتجيبيها لولدك وجاية عاوزاني معاكي؟ أني عارفه أروح مشواري لأول" عقدت إيناس حاجبيها بغيظ ثم أجابت ساخرة: "مالك يابت؟
اقفي معوج واتكلمي عدل بدل ما أعدلك أني. الحق عليا اللي جيت أساعدك وجبتها في ولدي لما صعبتي عليه يامخفية" ثم أكملت بغمزة ومكر: "بس كتي طالعة تجيبي إيه اللي في بالي؟ مش أكديه؟ تلونت وجنتها بحمرة الخجل قائلة: "لاه مش اللي في بالك ده خالص. هتموتيني خجلانة. حاجة تانية بس مش هقولك. مضمناكيش يابت البطاش" نهرتها إيناس باستهزاء:
"مضمننيش أني يابت الرفاعي دا. أني اللي منجياكي من الموت بعد ربنا. ياللي ما تتسمي. هقول إيه. طالعة واطية لسلسالك" "واه ومال السلسال دلوق؟ "قولي كتي رايحة فين وملكيش صالح بالباقي. سبيها علية" ألتفتت عشق حولها يميناً ويساراً قائلة: "جيبي ودنك" استغربت ردها لكن فعلت مثلما طلبت وصمتت حتى تستمع لحديثها. هتفت بعد انتهائها قائلة:
"يقصف عمرك. وأني اللي مفكراكي غلبانة وعلي نياتك. طلعت أني اللي غلبانة. الواحد يتغر فيكوا يا رافاعية تنزلوه البحر ويطلع عطشان. تعالي يا مصيبة سودة" ابتسمت عشق بفخر واستفزاز لها وانصرفت خلفها إلى شقة إيناس. خرجت نجمة من غرفتها في طريقها إلى الجامعة. وجدت والدتها واقفة بالمطبخ تحضر لها طعام الإفطار. احتضنتها من الخلف قائلة: "ربنا يخليكي ليا وما يحرمني من وجودك أبداً ياما" استدارت توحيدة لها ثم تحدثت
وهي تقبل وجنتها قائلة: "ويخليكي ليا يانن العين. يلا جيبي الصنية خليكي تلحقي تاكليلك لقمة" "عيوني" قالت نجمة كلمتها وهي تضع الأطباق على الصنية الصغيرة التي تكفي فردين هي ووالدتها وخرجت تنتظرها. بعد الانتهاء من الطعام أخذت أغراضها وغادرت المنزل. وجدت صديقتها تأتي من بعيد إليها. وقفت أمام المنزل وهي تشير لها لتسرع محدثة نفسها: "وبعدين بقه في البومة اللي عالصبح دي؟ ساعة لحد ما تيجي الخطوتين دول وو"
وقطع حديثها مع حالها صوت جارتها تلقي عليها تحية الصباح أثناء مرافقتها لابنها أثناء سيره للعمل. انكمشت في نفسها عند رؤيتها له ثم أجابت بنبرة خجلة مختلطة بابتسامة بسيطة: "يسعد صباحك بالخير يا خالة. مبسوطة أني شفتك. يوم ما بصطبح بوشك ببقي يومي حلو كيفك" ابتسم جميل وهو يستقل بمكانه داخل سيارته دون أن يتحدث. فيكفيه سماع لتلك الكلمات البسيطة التي أسعدته حتى وإن كانت لا تقصده وتقصد والدته فهذا يسعده أكثر. ردت وداد بود:
"ربنا يبارك فيكي يا زينة البنات. رايحة كليتك؟ أشارت لها نجمة بنعم قائلة: "اه يا خالة. مستنية بس اللي ما تتسمي سعاد. كانها ماشية على شوك" ضحكت وداد لحديثها: "ربنا يجعلك في كل خطوة سلامة وتبقي في أعلى المراتب يانجمة يابنت توحيدة" أمنت على دعائها وغادرت هي وصديقتها وجميل أيضاً. ابتسمت وداد بسعادة وأسرعت في خطاها اتجاه منزل توحيدة. وضعت صفا جميع أغراضها داخل الحقيبة من ملابس واكسسوارات وبعض المال أيضاً.
ثم قامت بغلقها جيداً وتسللت على أطراف أقدامها حتى لا يحس بها أحد. خرجت من البهو العلوي بسلام دون أن يراها أحد ثم هبطت الدرج بخفة وهي تسير ببطء وخفة حتى وصلت إلى الباب الخارجي. تصنمت بمكانها عندما استمعت لصوت والدتها تنادي عليها. فأقتربت منها قائلة: "رايحة فين ياصفا؟ ابتلعت ريقها بتوتر قائلة: "مامي أنتي هنا" استغربت أمل توترها فأجابت وهي تنظر لها بتراقب: "يعني هكون فين؟ فيها إيه الشنطة دي؟ رايحة على فين؟
ملأ الخوف قلبها. ماهذا الموقف الذي وضعت نفسها به؟ صمتت قليلاً تفكر بشيء ما قائلة: "دي هدوم أنا مش محتاجاها. فا قولت ليه متتبرعش بيها لناس محتاجة. حبيت أعمل حاجة كويسة يا مامي وأكيد هتساعديني عليها" قالت جملتها بكذب وانتظرت رد فعلها. لكن تحول خوفها إلى فرح عندما أجابتها أمل قائلة: "ربنا يبارك فيكي ياحبيبتي. حقيقي فخورة بيكي. ربنا يكتر من حسناتك وأعمال الخير يانور عينيه" هتفت بسعادة:
"حبيبتي يامامي. همشي أنا بقه أوصل الحاجات" حملت الحقيبة وانصرفت دون أن تعطيها فرصة للرد. وجدت سيارة واقفة بالخارج تنتظرها بعيداً عن المنزل بقليل. وضعت الحقيبة بالمقعد الخلفي ثم جلست بالمقعد الأمامي قائلة: "طلعت من البيت بالعافية على المطار يلا" خلع أحمد الكاب الذي كان يرتديه قائلاً: "خرجتي من البيت بالعافية إزاي؟ هي عمتي وأبوكي مش عارفين؟ تعثلم صوتها قائلة بكذب:
"ايوه طبعاً عارفين. بس انت عارف بقه الأهل والفراق صعب. متنساش إني بنتهم الوحيدة" أشار لها بتفهم ثم انطلق بالسيارة في طريقه إلى المطار. بعد أن وصلوا أخيراً ترجلوا الاثنان من السيارة ثم أكملوا طريقهم على أقدامهم. وقف أحمد بالخارج قائلاً: "أني ما مرتاحش للموضوع ده. مريحش في مكان. خلينا نعاود" مسكت بيده قبل أن يتركها قائلة بغضب: "تعاود إيه؟
"لعب عيال هو. خليك راجل وقد كلمتك كده. بص للفلوس اللي هتعملها يا أحمد. بص للعيشة اللي هنعيشها والجنسية المحترمة اللي هناخدها. متبقاش غبي. طب بص لحبي ليك. أنا متمسكة بيك وعاوزاك. وحياتي عندك ما تخسرني. أنا بحبك وعاوزاك جمبي" وقف حائراً في أمره. لماذا تفعل هكذا؟ من أين ولد حبه بقلبها ومتى؟ ظل ينظر حوله بحيرة. يكمل طريقه المجهول معها أم يعود لعالمه الذي اعتاد عليه؟ ما الفرق بين هنا وهناك؟
هنا أرضنا التي نعلمها جيداً وهناك أرض الغرباء التي لم نعلم عنها شيء. ظلت المقارنات تدور بعقله بخصوص كل شيء هنا وهناك. ووجد أن هنا هو من يفوز وليس هناك كما أقنعته بذلك. لم يشعر بحاله إلا وهو يبعد يدها المتعلقة بذراعه عنه قائلاً: "عمر هناك ما هيجي حاجة في بحر أهنية. أهنية أهلنا وناسنا مهما اختلفت الأماكن عارفين بعضينا. هناك مين يعرفنا. يلا يا بنت الناس خلينا نعاود" استجمعت كامل قوتها قائلة:
"اسمع كلامي المرادي بس مش هتخسر. هنروح عجبك نكمل حياتنا هناك. نكمل معجبكش هنرجع. يلا يا أحمد معاد الطيارة هيضيع. كفاية امبارح" مسكت بيده ليكملوا طريقهم للداخل. لكن استمعت لصوت رنين هاتفها للمرة الرابعة. فت كانت تتجاهله لإقناع أحمد. لكن يظن أن هناك أمر ما. فتحدثت بعد أن قبلت المكالمة قائلة: "إيه يا معتز؟ في إيه؟ صمتت قليلاً لتستمع لحديثه تحت نظرات أحمد الثاقبة عليها بغضب. من أين تريده وهي تحدث آخر وبهذا الاهتمام؟
حسم أمره على تركها وعودته إلى منشأته. لكن وقف مرة أخرى عندما صدر منها صوت شهقة عالية. انتفض جسدها أثرها. وضعت الهاتف داخل حقيبتها ثم مسكت بيده وسحبته خلفها إلى السيارة صارخة به: "امشي من هنا بسرعة" لم يفهم شيء مما يدور حوله. ما هذه الوطأة التي وقع بفخها؟ جاء ليتحدث ويفهم كل ما يدور. لكن لم تعطيه الفرصة. فصرخت به مرة أخرى برعب حتى نفذ رغبها.
عاد الأثنان من الخارج بعدما جلبا جميع ما يريدونه من السوق التجاري من طعام وملابس وأغراض خاصة بالمطبخ لشققهم الخاصة. صعدوا الدرج الخارجي خلف بعضهم وهم يتهامسون ويضحكون بصمت تحت أنظار الجالسة بالبهو الخارجي على المقعد تتابع بصمت ما يحدث بشرود. ألقوا عليها تحية السلام وأكملوا طريقهم إلى أعلى. هتفت إيناس قائلة: "هي مرات عمك مالها اليومين دول؟ ولا اللي ميتلها ميتأ؟ أجابت عشق وهي تصعد أمامها:
"مخبرش. مع إن وقت ما جيت مكنتش أكديه. ربنا اللي عالم بحاله" دلف إيناس لشقتها أما عشق فأكملت طريقها. هبطت إيناس الدرج بخفة ثم ألقت نظرة عليها وجدتها جالسة بمكانها. تقدمت بخطواتها إليها قائلة وهي تجلس: "مالك يا أم عبد الله؟ شايلة الهم على دماغك ليه وقاعدة كيف الولاية؟ ولا تكوني مضايقة من مجينا وقعدتنا على قلبك من تاني؟ نظرت لها أعتماد ثم أجابت بتنهيدة:
"اللهم طولك يا روح. يابت بتقولي شكل للبيع. قومي همليني لحالك. الله يرضي عليكي. روحي شوفي ولك" أجابت بمشاكسة وهي تتقدم لتقعد على المقعد المجاور لها مباشرة: "ولدي مع البت غزل من قبل ما نطلع. ملكيش صالح بيه. فكي أنتي بس أكديه. زعلك عفش يا وليه وبييجي على دماغنا دلوق. تخلي عبد الله جاي وتقوليله مرتك بتطول لسانها عليه. وأني مجتش جارك" رمقتها باستهزاء قائلة: "مقلتلوش حاجة. همليني بس وقومي"
"لاه مقيماش غير لما أشوف مالك. مالك بجد ياما؟ إيه اللي مزعلك؟ صمتت أعتماد لثواني وهي تنظر إليها فقط. بعد كل ما فعلته بها تطمئن عليها الآن قائلة: "يابت قولتلك مفيش. أني زينة أها" هبطت عشق هي الأخرى على آخر حديثهم ثم تقدمت منهم قائلة: "كيفك يامرت عمي؟ ثم أشار لإيناس بأن تدلف للداخل ليكملوا ما اتفقوا عليه بالسوق. فأنصاعت لها قائلة: "طب هقوم أشوف الواد. تلاقي غزل زهقت مني" انصرفت إيناس ودقائق بسيطة وذهب عشق خلفها.
حتى وصلت إلى المطبخ وجدت إيناس جالسة بمفردها تحضر الطعام. فتحدثت قائلة: "قاعدة لحالك ليه؟ فينها غزل؟ أجابت إيناس وهي تقوم بتقطيع الخضار قائلة: "طلعتها بيني وبينك. مبرتحلهاش البت المسهوكة دي. وبعدين أحنا متفقين على إيه؟ رجلتنا نحادي عليها أحنا ورانا إيه غيرهم؟ أمهم مقعدنا جارها ومخليهم يطفشوا. نرجعوهم أحنا. وانتي بسم الله ماشاء الله. عمليتك نجحت وعنيكي فتحت. مبقتيش محتاجة لحد. لا غزل ولا غيرها. جوزك اللي محتاجلك دلوق"
أجابت عشق بتنهيدة: "معاكي حق. بس سالم صعب ييجي أكديه. أنتي مخبرهوش قدي" أجابت إيناس ساخرة وهي تنهض من مكانها: "يمكن مخبرهش جوزك. بس خابرة الرجالة وعوايدها. أنتي اعملي اللي قولتلك عليه بس وهتلاقيه. ربنا هداه وسالم واد حلال. وشكله بيحبك. متخسريهوش خالص" أكتفت عشق بابتسامة ونظرة شكر قائلة: "هطلع أغير خلقاتي وأعاود طوالي" انصرفت من المطبخ في طريقها للخارج.
لكن تصنمت بمكانها بذهول وصدمة شلت جسدها عندما رأت غزل جالسة أعلى المكتب بغرفة المكتب أمام عمها وتتدلل عليه بطريقة متقززة. فتحت فمها باندهاش وعدم استيعاب عندما رأت حسن يبادلها ما تفعله. فكان الباب مفتوحاً على وسعه. جففت عرقها المبتل على جبهتها. ثم ركضت إلى الخارج وجدت زوجة عمها أمامها قائلة: "مالك يابت لونك مخطوف؟ في إيه جوه؟ تلعثمت عشق في نبرتها قائلة وهي تشير بيدها للداخل: "هو.. هو.. عمي وووو"
ولم تنتظر أعتماد ما تقوله بل دفعتها وأكملت طريقها إلى الداخل مكان ما كانت تشير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!