صباح يوم السبت: كانوا كما هما منذ ليلة الخميس. ما حدث معهم، كل منهم يتجنب الآخر. أو بمعنى أوضح، كل طرف ينتظر الاعتذار من الآخر. لكن الاثنان، كبرياؤهم يمنعهم من الخضوع لقلبهم. ما أصعب أمس عليهما الاثنان، وهما جالسان طوال اليوم بنفس المنزل، لا أحد منهما يحدث الآخر. حتى عندما أرادت الذهاب إلى والدتها، منعها كبرياؤها أن تطلب ذلك منه.
خرج سالم من المرحاض بعدما انتهى من حمامه الصباحي. نظر إلى الفراش يبحث عن ملابسه حتى يغادر إلى عمله، لكنه لم يجدها. علم أنها لن تفعل مثلما تفعل كل يوم، فكانت تقوم بتحضير ملابسه يومياً منذ زواجهم. لكن اليوم تغيرت هذه العادة. لا بأس، أكمل بخطواته الهادئة حتى وصل إلى خزانة ملابسه، أخذ الملابس وانصرف إلى غرفة أخرى.
كادت أن تشيط من شدة غضبها، فقد فعلت ذلك حتى يبدأ هو بالحديث معها بالسؤال عن ملابسه. لكنه لم يفعل ذلك. ما هذا الرجل العنيد كما هو؟ وما كان يثير غضبها أكثر هي تلك الملابس التي لم تتناسب مع بعضها، والتي اختارها قاصداً هو الآخر حتى تتحدث وتقول شيئاً. لكن دون فائدة. ظلت جالسة بمكانها تأكل بأظافرها بغيظ منه، فقد اشتاقت إلى حديثهم. كلما حاولت أن تتحدث معه، يحدث شيء يمنعها عن ذلك.
انتهى من ارتداء ملابسه، ألقى على نفسه نظرة أخيرة وانصرف مغادراً إلى الخارج، بل من المنزل أكمله. استمعت إلى صوت غلق الباب. ذهلت من ذلك، فظنت أنه سيعود إلى الغرفة مرة أخرى حتى يضع برفانه. سحبت الغطاء عليها بإحكام وأكملت نومها بهدوء. ***
خرجت خلود من الغرفة المقيمين بها بمنزل أهل زوجها، فمنذ قدومهم يوم الزفاف وهم ما زالوا مقيمين. أخذت تسير في المكان حتى تصل إلى الخارج، فكانت تبحث عنه في جميع أرجاء المكان. لكنها اصطدمت بـ مني وهي تسير في الطريق المعاكس لها. ألقت عليها نظرة متفحصة من أعلاها لأسفلها تراقب، فتعابير وجهها القلقة تدل أن هناك شيء.
أكملت خلود طريقها في البحث عنه حتى وجدته جالساً أمام المنزل مع والدته وعمه وجدته. اقتربت منهم بهدوء وهي تلقي عليهم تحية السلام. ثم أكملت حديثها، توجهت إليه قائلة: "محسن، عاوزاك." نظر لها نظرة مطولة قبل أن ينهض من مجلسه وينصرف خلفها. حتى وقفوا بعيداً ليجيبها قائلاً: "خير، عاوزاني في إيه؟ فركت يدها بتوتر قائلة وكأنها تشعر بشيء ما: "عاوزة أروح لأبوي دلوق، الله يخليك."
استغرب طلبها هذا، فمنذ زواجهم وهي لم تطلب ذلك. أجابها قائلاً: "مش وقته يـ خلود، كلها كام ساعة ومعاودين. أبقى روحي بكرة من أول النهار." قال جملته واستدار لينصرف. مسكت بكف يده قائلة برجاء: "الله يخليك، عاوزة أروح دلوق. قلبي واكلني قوي على أبوي، حاسة فيه حاجة." زفر بنفاذ صبر ثم هتف بحزم قائلاً: "خلصنا، قولتلك الصبح." أكملت كلامها بنفس النبرة وكأنها لم تستمع إلى آخر حديث له، قائلة: "معوزاكش توديني، هروح لحالي."
ألقى نظرة على أهله الجالسين ثم عاد النظر إليها قائلاً بنبرة أخافتها: "أني مفضيش لحديتك الماسخ ده. دوق ما افتكرتي أبوكي، روحي اقعدي في مطرحك ومتدوشنيش معايا." هتفت من بين دموعها التي خانتها رغم عنها قائلة: "أنت اتغيرت قوي معايا، ما كنتش بالقساوة دي." ابتسم ساخراً على حديثها ثم أجابها: "كنت بتعامل معاكي بما يرضي الله لما كنت مفكرك خايفة عليه وعاملا لي قيمة وسط حياتي اللي مافيهاش حاجة عدلة." أجابته قائلة:
"غلطت واعترفت بكده، ومديت لك يدي تقف جاري وتصلح المعوج وكل اللي مش رايدة. لكن زي ما تكون لقيتها حجة. أني هقولك كلمتين بقالي كام يوم رايدة أقولهم لك. لو عايز تسبني مش هرضى، أنت اتجوزتني بارادتك، محدش جبرك. أني اللي اتجبرت واللي اللي بقولك هكمل برضه حتى لو الدنيا اتهدت. أني لقيت سندي وأماني وممبعداش عنه أبداً، حتى لو هو رايد أكديه وبيسعى ليه. هسعى أني كمان أرجعه. أني شفت ياما وقولتلك قبل سابق، إحنا ملناش سلطان على قلوبنا عشان نأمرها تحب مين وتكره مين. لكن بأيدينا نغير حياتنا مع اللي نرتاح له وقلبنا ده يطمن معاه."
كان يستمع لحديثها بصمت تام واهتمام وفرحة غامرة من داخله. فقد أسعده حديثها. أطلق تنهيدة حارة وهو يراها تختفي من أمامه، ثم عاد ليجلس مع عائلته. *** خرجت إيناس من المنزل إلى الحديقة. وجدت عمها جالساً على المقعد الخشبي يرتشف من كوب الشاي. ألقت عليه تحية السلام ثم جلست على المقعد الآخر قائلة: "كيفك ياعمي؟ بقالك كام يوم ما بانتش، قلقتني عليك." أجابها بهدوء وهو يضع كوب الشاي على الطاولة الخشبية قائلاً:
"بخير ياحبيبة عمك. كيفك أنتِ، وكيفه ولدك؟ أطلقت تنهيدة حارة قائلة: "ولدي بخير، وأني كيف ما أنت شايف. وزين إنك جيت ياعمي، كنت عاوزاك في موضوع." "موضوع إيه يابتي؟ اتكلمي." "عبدالله ياعمي، مبقيتش عاوزاه ولا باقية عليه. رايدة أطلقه." ندبت والدتها التي أتت إليهم قائلة بنواح: "ياميلة بختك يادي البت، طلاق إيه اللي بتتحدتي عنه؟ ما تتحدت يأبو علي." هتف عمها بهدوء قائلاً:
"استني بس يأم إيناس. البت حقها تختار اللي يريحها. والواد من يوم ما جات ما طلش في وشها مقعدها شبه البيت الوقف، لا منها قاعدة في داره ولا منه مرسيها على بر." صدمت من حديثه قائلة: "يعني إيه يأبو علي؟ هتمشي على هوي الفجرة دي؟ دي تلاقيها شيفالها شوفة أكديه ولا أكديه. أمها وخبراها، ويما شيبتني بعميلها السودة. هروح فين بالاتنين اللي جيبهملي جارها." قالت جملتها الأخيرة وهي تنهال فوقها بالضرب بغيظ منها. بعدها عمها
عنها لتهتف بصراخ قائلة: "بقيت فجرة عشان عاوزة أطلق ومعيش تحت رحمة راجل مش معبرني؟ بقيت فاجرة عشان عاوزة أعزز نفسي! بقيت فاجرة عشان عاوزة ألم اللي بقي لي من كرامتي، مش أكديه. منك لله ياما، الدار دي دار أبوي، ما طلعتش منها. أبوي اللي لو كان عايش ما كان حصل في بتّه كل ده." أخذت الدموع مجراها عندما ذكرت اسم والدها، فما أصعب هذه الكسرة. دلفت إلى الداخل، غالقة باب غرفتها عليها. نظر عمها إلى والدتها بيأس وذهب إلى منزله. ***
ندبت نهلة على وجهها عندما رأت تلك الرسالة التي أرسلتها لها صديقتها على الهاتف تخبرها بأنه ستتزوج من ذلك الذي وعدها هي بالزواج، لذلك تنتظره كل هذه السنوات دون أن تتزوج غيره. أخذت تسير في غرفتها بجنون، تكاد أن تصرخ بكل ما تحمله من ألم حتى تخرج هذه الشحنة السلبية العالقة بها. أيعقل أنه خلا بها بعد كل هذه السنوات؟ لما يفعل ذلك؟
شعرت بأن أقدامها أصبحت لا تحملها، فقد ارتخي جسدها. سقطت جالسة بمكانها، رفعت عيناها تنظر إلى الخارج من فتحة النافذة بأعين منطئية ووجه شاحب بصمت. فكانت الصدمة كفيلة أن تفعل بها ذلك. *** انتهت قمر من ترويق المطبخ بمنزل والدة زوجها، ثم قامت بوضع غلاية الماء بالكهرباء حتى تقوم بإعداد الشاي لها. دخلت والدة زوجها عليها. ألقت نظرة على المكان بعدم رضا، ثم بحلقت بالغلاية قائلة بندب:
"يخرب بيتك يا اللي ما تتسمي، مشغلة المدعوق ده ليه؟ انتفضت قمر من مكانها ثم أجابتها بضيق قائلة: "خبر إيه يامرت عمي، مالك؟ خلصت ترويق، قولت أعملك كوباية شاي." جذبتها زوجة عمها من ذراعها بقوة ثم سارت بها تجاه الغلاية قائلة: "إيه ده يا خرابة البيوت؟ حطالي ميه في الكهربا؟ ماله البوتجاز؟ أعمل فيكي إيه؟
من يوم ما خطيتي عتبة داري بقدمك النحس خربتيها. لا لقمه عارفة تعمليها كيف الخلق، ولا ولا شوية وعي عارفة تغسليهم، ولا كوباية شاي نشربها، ولا حتت عيل عارفة تحبلي فيه. أرض بور من كل حاجة، مافيش منك منفعة. ربنا ياخدك ويريحني منك بقه." قالت جملتها الأخيرة وهي تنصرف خارج المطبخ غير مبالية بتلك التي تبكي في صمت بسبب تلك الإهانة التي تتعرض لها يومياً منذ قدومهم إلى هذا المكان وتحملها لإرضاء زوجها. لكن قد فاض بها. ***
داخل كافيه راقٍ بالقاهرة، كان يجلس على إحدى الطاولات كل من أحمد وصفا بعدما استدعته في الهاتف للمجيء إليها واستغرابه بذلك. هتف بنفاذ صبر قاطعاً حاجز الصمت قائلاً: "خير يابنت عمي، مكلماني ليه؟ هي مش الخطوبة خلاص؟ ألقت عليه نظرة مطولة ثم أجابته قائلة بهدوء عكس الغضب اللامع بعينيها قائلة:
"أنا مكلماك دلوقتي بصفتك أحمد ابن خالي. ملكش دعوة بكلام ماما اللي قلته ده. أحمد، أنا عاوزاك متصدقش كلام ماما. هي قالتلك كده بس عشان تغيظ فيا بسبب اختلافنا على حاجة، وعشان عارفة ومتأكدة أني قد إيه مقدرش أستغنى عنك. سيبك من كل الكلام اللي كنت بقوله وبعمله ده، ده عشان أداري بيه على مشاعري اتجاهك، وكنت خايفة أبين مدلوقة عليك. بس لما خسرتك ملقتش داعي إني أخبي أكتر من كده."
لن يصدق ما تقوله، فكان ينظر لها بذهول وعدم استيعاب. أيعقل أن يكون ما يسمعه هذا صحيح؟ فاق من شروده عندما شعر بيدها توضع على كف يده، مما زاده ذهولاً بسبب جرأتها هذه قائلة: "أحمد، أنا عاوزاك أنت وبس. عاوزة نبدأ حياتنا مع بعض في مكان بعيد عن هنا، بعيد عن أهلي وأهلك." هتف بتعثلم قائلاً: "بعيد فين؟ أنتي عاوزاني أهمل ناسي وحالي، وفكرك مصدقة حديثك ده؟ إياك! قاطعته بنظرة غاضبة لم يراها، ثم هتفت بدلال حتى تثيره قائلة:
"مصدقاني طبعاً، وأنا واثقة من كده. وبعدين بص لفوق، تخيل كده لما نسافر ونبدأ نشتغل، هنعمل كام وهنبقى إيه؟ عجباك الصعيد اللي أنت عايش فيها دي؟ حط إيدك في إيد حبيبتك وأنت هتشوف معايا الحياة اللي بجد." صمت قليلاً يفكر بحديثها، ثم نهض من مكانه قائلاً بضيق: "هشوف أكديه وأقولك." ابتسمت بمكر قائلة:
"وأنا في انتظارك. على العموم، مفيش وقت. كلها كام ساعة لو الطيارة راحت علينا، فـ راح علينا كل حاجة. وأنا عاملة حسابي وحجزالك تذكرة معايا. أهم حاجة تجيب معاك مبلغ كويس نمشي بيه حالنا لحد ما نبدأ." لم يجب بشيء، بل اكتفى بنظرة فقط، ثم انصرف مغادراً. أطلقت تنهيدة حارة لتتبدل ملامحها إلى الحزن من حالها بسبب ذاك المخطط الرخيص الذي فعلته لتنجو من تلك الجريمة التي تلاحقها. *** مساءً:
خرج سالم من مكان عمله، تفاجأ بوجود والده واقفاً أمام سيارته ينتظره. نظر له سالم بذهول وعدم تصديق عندما رأى والده يقترب منه. وقف حسن مسنداً على عكازة قائلاً بنبرة ساخرة: "كيفك يـ سالم بقه؟ أكديه من يوم ما سبت الدوار متجيش مرة تطل على أبوك." هتف سالم باستهازاء قائلاً: "حقك علي دماغي يأبوي، زي ما أنت شايف، دوب بعاود من الشغل. ارتاح." نظر والده على مكان العمل بنظرة استهزاء ثم هتف قائلاً: "وهو ده شغل يابن الرفاعي؟
وعلي كده بقه بيدوك كام مليم؟ غضب سالم بشدة من حديثه واستهزائه به إلى هذا الحد قائلاً: "الأرزاق بيد الله يأبوي، ومحدش بياخد أكتر من رزقه اللي ربنا قسمهوله." نظر إلى ساعة يده ثم أكمل: "عن إذنك يأبوي، مرتي زمانها مستنياني." جاء ليغادر، معنه والده قاطعاً طريقه بعكازة قائلاً: "طب أبقي هات مرتك الصبح، وحصلني على الشهر العقاري نسجل الكام فدان بتوعها باسمك." انتبه سالم لحديثه قائلاً بتساؤل: "وأرضها تتنقل باسمي ليه؟
أجابه والده بصرامة قائلاً: "مليكش صالح ياواد. أني ومرتك متفقين على كل حاجة. كل اللي عليا تمضي وبس، لا أكتر ولا أقل." هتف سالم بصوت مرتفع قائلاً: "الكلام ده لما اللي يبقى واقف قصاده ده مرة، مش راجل. ومرتي حسابها معايا أنا. أرض مفيش أراضي. مرتي طلعها من دماغك يابوي. أني مش عبدالله اللي مطنش كل حاجة وسايب كل حاجة عايمة ليك، ولا أني أحمد اللي بجري وراك عشان كام قرش آخر النهار. أني سالم يا حسن يا رفاعي."
انصرف سالم من أمامه وهو يغلي من الغضب منها وليس من والده. جلس داخل سيارته وعقله شارداً في عالم آخر، أخذ يفكر بتصرفاتها بالفترة الأخيرة وبكل شيء. كان يقود بسرعة عالية، يكاد أن يأكل الطريق حتى يصل لها ليسألها عن سبب فعلها هذا. *** قامت شيري بوضع بعض الملابس الخاصة بها داخل الحقيبة سريعاً وهي تهم بالرحيل، فكان معتز واقفاً بسيارته أسفل منزلها ينتظرها ليهربوا سوياً بعدما علموا بأن الشرطة بدأت بالبحث عليهم.
غلقت حقيبة الملابس ثم قامت بحملها وذهبت إلى غرفة والدتها. وجدتها تتحدث بالهاتف، لن تهتم لها بل أكملت ما جاءت إليه فعله. قامت بفتح خزانة الملابس تبحث عن المال، لكن لم تجد شيء. ذهلت والدتها مما تفعله. غلقت المكالمة سريعاً وتقدمت بخطواتها اتجاهها لتسألها عن ما تفعله، لكن قطعتها شيري قائلة برجاء: "مامي، عاوزة فلوس حالاً بالله عليكي، محتاجاهم ضروري." رمقتها والدتها من أعلاها لأسفلها بخوف على ابنتها
من هيئتها التي تقلق قائلة: "فلوس إيه يـ شيري اللي عاوزاها؟ رايحة فين؟ انطقِ." ندبت شيري على وجهها قائلة بصراخ: "مش وقت أسئلة، خليني أمشي هتتسجن." حاولت والدتها فهم شيء، لكن لم تعطيها شيري الفرصة لذلك. بل قامت بجذب العقد الذي كانت ترتديه والدتها وانصرفت مغادرة المنزل سريعاً. حاولت والدتها الإلحاق بها لكن لم تجدها. على الطريق: قامت شيري بإعطاء العقد إلى معتز قائلة:
"أنا معرفتش أتصرف بحاجة غير دا، ومعايا مبلغ بس قليل، حوالي 600 جنيه." طرق بيده على المقود قائلاً: "600 جنيه إيه بس أنتي كمان؟ أنا اللي غلطان ورطت نفسي معاكوا. جيت أعمل الخير اتقلب عليا. أنا أصلاً كنت راهن العربية دي للبيع من قبل اللي حصل. هروح أوديها المعرض وأخد بقيت فلوسي وأخلع." صدمت من حديثه قائلة: "وأنا أعمل إيه؟ أجابها ببرود قائلاً: "ادفعي نتيجة غلطك بقه ياحلوة." *** بمنزل حسن:
أحضرت له غزل كوب الشاي كما طلب منها، ثم اتجهت إلى غرفة المكتب لتعطيه له. وجدتُه جالساً على المقعد الجلدي أمام المكتب يتحدث بالهاتف. وضعت تلك الصينية الصغيرة الموضوع عليها كوب الشاي وكوب الماء على الطاولة أمامه وظلت واقفة بمكانها تنتظره ينتهي. أنهى مكالمته فور رؤيته لها واقفة بتلك الحالة. وضع الهاتف بإهمال على طرف المكتب ثم هتف بحزم قائلاً: "واقفة مبحلقة فيا أكديه ليه يابنت؟ أنتي...
ألقت عليه نظرة بصمت ثم اقتربت من ذاك المقعد الموجود بالمقابل له، جلست عليه بارتياح ثم هتفت قائلة: "مبحلقة في جوزي، إيه حرام؟ رفع حاجبيه ينظر لها مستغرباً جرأتها التي تتحدث بها الآن أمامه. جاء ليتحدث، قطعته بنبرة صارمة يكسوها الهدوء قائلة: "هدانك لميته، مخلي جوازنا في السر أكديه. اللي عاوزاه نفذتهولك، وولدك سمتهولك بيدي. بلاش تلعب عليه عشان أنا مرة حية لدغتي والقبر، وأنت مجربني قبل سابق بنفسك."
كان يستمع لحديثها بعدم اهتمام قائلاً: "أعلى ما في خلقك اركبه، وإياك تهدديني مرة تانية. هدفنك مطرحك، مش حسن الرفاعي اللي تهدده مرة." ردت بصرامة: "ومش غزل الغذية اللي تتهدد يـ حسن يارفاعي. كنك نسيت زمان لما كنت بتزحف تحت رجليه عشان بس أبل ريقي بطله مني. نهاية الحديث، الأرض اللي وعدتني بيها تتكتب باسمي، والدوار ده مقابل خدمتي ليك، وأحفظ حقي من عيالك وحق ولدي."
قالت جملتها الأخيرة وهي تمسد بيدها على بطنها. نظر إليها بصدمة وعدم تصديق قائلاً: "ولدك إيه يابنت المركوب؟ جنيتي؟ إياك أني مش مخبرك قبل سابق، متفكريش في الموضوع ده." أجابته ببرود وهي تضع قدم فوق الأخرى قائلة: "حقي ياراجلي، أني متجوزة على سنة الله ورسوله، وفيه شهود. واللي في بطني ولدك، مش ابن حرام. وليه زي ما رجالتلك ليهم، حتى لو كانت بت، ليها حقها في أبوها." وقفت من مكانها مرتبطة على ذراعه بتهديد قائلة:
"عقلك في راسك، هتنفذ اللي قلتلك عليه خير، وبكرة مهتنفذش، هروح أقعد جار اللي ما تتسمي اللي قاعدة بره دي وأقولها على كل حاجة. مش هفضل طول عمري لابسة خلقات الخدم العفشة دي." أنهت حديثها وانصرفت مغادرة الغرفة. أما هو فلا يوصفه أي وصف. ***
عاد من عمله بموعده كعادته، وجدها داخل المطبخ تعد له الطعام. فهي على علم بموعد قدومه. كانت مندمجة بعمل الطعام باحترافية، فكانت تحضر له وجبته المفضلة كنوع من أنواع الاعتذار على ما صدر منها. كانت تفعل كل شيء بحب نابع من قلبها دون أن تنتبه له. أخذت الطبق التي قامت بسكب الطعام داخله واستدارت لتذهب إلى الخارج كي تضعه على طاولة الطعام. تفاجأت به واقفاً أمامها ينظر لها بهدوء مريب، واضح من نظرته المسلطة عليها.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم هتفت بتعثلم قائلة: "مساء الخير، جيت ميته؟ قالت جملتها وهي تنظر إليه بتراقب، فنظرته هذه ليست عادية بل تدل على أن هناك شيئاً ما. ذمت على شفتيها بتوتر ثم هتفت قائلة: "مالك يـ سالم؟ فيك إيه؟ لم يجبها بشيء، بل كان ينظر لها فقط، وهذا من زاد خوفها. شعرت أنها فعلت جريمة فاحشة بحقه وليست كلمات لا معنى لها تفوهت بها لحظة غضب. تلألأت الدموع بعينيها قبل أن تهتف بنبرة مختنقة بالبكاء قائلة:
"هو اللي أني عملته واعر قوي أكديه لدرجة ما أطيقش أرد عليه؟ تبدلت نظرته إلى الحدة والجمود قائلاً بهمس مريب استمعت له جيداً: "واعر قوي." صدمت من حديثه، فكانت تتوقع منه رد آخر غير ذلك، لكن صدمها رده الذي جعل قلبها يتألم. أخذت نفساً عميقاً محاولة تهدئة نوبة خوفها هذه قائلة وهي تهم بالرحيل بعد أن قامت بوضع الطبق على رخام المطبخ:
"أني رايحة لأمي. أول مرة أتمنى أني ما أشوفش عشان مش عاوزة أشوف نظرتك دي ليه، كني قتلالك قتيل، ماكنوش كلمتين قولتهُم." أنهت حديثها وخطت بقدمها خطوة إلى الخارج، لكن تصنمت بمكانها عندما استمعت لحديثه قائلاً: "مخبرتنيش ليه بالاتفاق اللي كان بينك وبين أبويا؟ بحَلقت به بذهول قائلة بكذب: "اتفاق؟ اتفاق إيه ده؟ أني متفقتش على حاجة. بتخربط تقول إيه؟
لم يتحمل السيطرة على غضبه أكثر من ذلك، ركل الحائط بيده قبل أن يهتف بصوت جمهوري أرعبها قائلاً: "لساتك بتكدبي! من ميته وأنتي بتكدبي يـ عشق؟ من ميته وأنتي بقيتي أكديه؟ دا أني كنت قربت أصدق إنك الحاجة الوحيدة الصادقة في حياتي. مخبرتنيش لييييه؟ قال جملته الأخيرة بزعيق ونبرة تقص عما بداخلة. أما هي كانت تستمع لحديثه بصمت. من تتحدث هي؟
دموعها المنهمرة على وجهها بغزارة. اقترب منها خطوة واحدة حتى أصبح أمامها مباشرة. كان ينظر لها بضيق مختلط بالغضب. جذبها من ذراعها بقوة، تأوهت من قبضته لكن فضلت أن تصمت حتى لا تظهر ألمها. نهرها بقوة قائلاً:
"ردي عليه، لساتك ساكتة. كدبيني، قولي إن كل ده كدب. أني سبت حالي ومالي وكل حاجة وجريت وراكي شبه العيل. سبت فلوسي وتعب وشقا السنين وقولت في داهية أي حاجة مدام أنتي جاري. من يوم ما عرفتك وبقيتي مرتي وأنتي مبتخبيش عني حاجة. جاية دلوقتي وتخبي؟ صغرتيني قدام نفسي وقدام أبويا. أبويا اللي وقفت قصاده عشانك." صرخت به من بين بكائها قائلة: "خوفت عليك. فكرك مبسوطة أياك وأني شيفاك سايبك كل اللي وراك ده وقاعد جاري؟
مكنش في حاجة في إيدي أقدمهالك شكر على كل اللي عملتهولي غير أكديه. معوزاش أشوف نظرة الحسرة اللي في عينك على شغلك وتعبك دي، حتى لو مبتبينش. ولا كان قصدي أبداً أصغرك ولا أتجرأ أني. خابرة زين سبب جوازك مني، كيف ما خابرة أني اتجوزت راجل قادرة أسند ضهري عليه، وأني خابرة إنه هيسندني ويقف جاري. بلاش تفكر فيها بالشكل ده، الله يخليك. وغلاوتك عندي ما كنت أقصد أني عملت أكديه عشان عاوزة أشوفك سالم اللي أعرفه، رجلي وحبيبي. عاوزة أشوفك رافع راسك وسط الكل، ومتتحنيش لحد، حتى لو كان أبوك. وأني كلي ملكك، حالي ومالي وكلي. هو أحنا مش واحد؟
هز رأسه بيأس منها قائلاً: "لاه يـ عشق، محناش واحد. أني وأنتي اتنين. ومش أني اللي أقبل على نفسي مرة تصرف عليه. المرادي عدت، مرة تانية هيكون فيها طلاق." ألقى عليها نظرة أخيرة ثم هتف بنبرة أمر وهو يهم بالرحيل قائلاً: "ادخلي جهزي خلقاتك، معاودين الدوار." لن تصدق ما يقوله، أيعقل أنه قرر العودة مرة أخرى؟
أطلقت زفيراً بضيق، فأصبحت لن تفهم شيء. أخذ يأنبها على ما فعلته من أجله بدلاً من أن يشكرها على ذلك. لكن لا بأس، يفعل ما يريده. فكلما حاولت الاقتراب منه، خطوته يحدث شيء ليبعدها عنه أضعاف الخطوات التي كانت تنوي على أخذها، حتى ظنت أنه يفعل ذلك عن قصد، واضعاً حاجز القرب بينهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!