في صباح جديد، كانت تسنيم تتجهز للخروج إلى جامعتها، لكن قلبها دفعها أولاً للاطمئنان على أخيها. ذهبت لغرفة باران، طرقت الباب مرة، ثم مرة ثانية، ولما لم يجب، فتحت الباب بهدوء ودخلت. كان باران في الحمام، فاقتربت من النافذة تستنشق هواء الصباح وتستمتع بجمال الشمس وهي تتسلل إلى الغرفة. خرج باران، وما إن رآها حتى ابتسم واقترب منها قائلاً: "صباح الخير يا أميرتي الصغيرة." ردت عليه بابتسامة:
"صباح النور يا أخي، أردت الاطمئنان عليك قبل خروجي. كيف أصبحت اليوم؟ رد يطمئنها: "أنا بخير.. لكن لا تخرجي قبل أن تفطري، مفهوم..! ضحكت تسنيم وقالت: "حاضر يا حضرة القائد، هل تحتاج لشئ قبل أن أذهب؟ رد باران: "سلمت يا حبيبتي، فقط انتبهي على حالك جيداً." وحين همت بالخروج، ناداها بصوت هادئ: "تسنيم... التفتت إليه بسرعة وقالت: "نعم يا أخي.." قال وهو يحاول إخفاء توتره: "ديلان.! هل استيقظت..؟ ابتسمت تسنيم وقالت:
"لا، لا زالت نائمة." فقال وهو يشعر ببعض الراحة: "تمام." نزلت تسنيم للأسفل، طرقت باب غرفة ميساء، فأذنت لها الأخرى بالدخول. "صباح الخير يا ميساء." "صباح الخير." "ميساء، ألن تذهبي معي للجامعة؟ لماذا لا تتجهزين للآن..؟! "لا، لا أذهب! وإن كنت سأذهب، فلن أذهب معك." تعجبت تسنيم من ردها وقالت بتعجب: "ما الذي تقولينه ولماذا؟ هل فعلت شيئاً أزعجك..؟ نظرت ميساء إليها والدموع تلمع بعينيها قائلة:
"لا، لم تفعلي شيئاً، فقط منذ أن أتت هذه ديلان وأنت نسيتيني تماماً! طوال الوقت معها وبجانبها، كأنها أصبحت أهم مني بالنسبة لك، حتى خالي وباران يعاملانها كأنها فرد من العائلة..! قالت تسنيم وهي تحاول أن تحافظ على هدوئها: "ميساء انظري، ليس لدي وقت للجدال معك، فلدي محاضرة مهمة. لكن أظن أن والدي شرح لكم ما مرت به ديلان، ولماذا هي هنا.. فكوني متفهمة وضعها، والآن اسمحي لي." وخرجت.
كانت فاطمة تقف في الممر خارج غرفة ميساء، تسمع ما دار بينها وبين تسنيم. كلمات ابنتها الموجعة علقت بقلبها، ولما دخلت الغرفة وجدتها تبكي بحرقة. نظرت إليها مطولاً ولم تقترب، لم تضمها حتى، فقط جف وجهها من أي تعبير وكأن الغضب جمدها. استدارت وخرجت بخطوات ثقيلة، لكن قلبها يغلي! يغلي لأن ابنتها تتألم، ولأنها تشعر بالعجز أمامها. لم تفكر كثيراً، صعدت مباشرة إلى غرفة ديلان. لم تطرق الباب، بل دفعته بقوة ودخلت كأنها تستعد لمعركة.
كانت ديلان تقف أمام المرآة، تسرح شعرها بهدوء، ترتدي فستان أخضر أنيق. اقتربت فاطمة منها بغضب، أمسكت بطرف شعرها فجأة وطوته بقبضتها بقوة، ويدها الأخرى امتدت لتكمم فمها حتى لا تصرخ ولا يسمعها أحد. كانت ديلان عاجزة وهي تحاول التملص منها، لكن جسدها الضعيف تجمد من الصدمة. همست فاطمة بنبرة مليئة بالكراهية: "أنت السبب فيما حدث لابنتي! والآن سأجعلك تندمين على اليوم الذي وطئت قدمك فيه إلى هذا القصر.."
راحت تهمس بكلمات قاسية تفيض بالحقد، لتمزق بها روح ديلان قبل أن تجرحها. وعندما لم تجد ما يكفي في كلماتها، التفتت فجأة نحو المقص الموضوع بجوارها ورفعته بيد مرتجفة. كانت على وشك أن تقص شعرها، لكن أزاده كانت أسرع. فعندما لاحظت غياب فاطمة انتابها شعور مريب. فتذكرت تهديدها في الليلة الماضية حين قالت إنها ستحول القصر إلى جحيم لديلان. ودون تردد، صعدت مسرعة إلى الأعلى، وقبل أن تفتح باب الغرفة، سمعت همسات وبكاء مكتوم.
فتحت الباب بسرعة، وكانت الصدمة أمامها. رأت فاطمة تمسك بديلان بقسوة، وعلى وشك إيذائها! تقدمت أزاده دون تردد ودفعت فاطمة بعيداً عنها بعنف غير معتاد منها، وقالت بنبرة صارمة: "هل جُننت يا فاطمة! كيف تجرؤين..؟! صرخت فاطمة وهي تحاول العودة نحو ديلان: "دعيني أخرج ما في صدري منها يا أمي، لم أعد أطيق وجودها. يكفيني صمت، سأضع حد لهذه المهزلة.! لكن أزاده قبضت على ذراعها بقوة وقالت:
"كفاك، ألا تعلمين ما الذي سيفعله قدرت بك إن علم بما تفعلينه معها..! أتريدين أن تطردي من القصر..؟! نظرت فاطمة لها بنار الغضب في عينيها، لكن أزاده لم تتزحزح ودفعتها نحو الباب وأمرتها بنبرة حاسمة: "هيا أمامي قبل أن يراك أحد." خرجت فاطمة تئن من الغيظ مع والدتها، وتركو ديلان خلفهم منهارة على الأرض، دموعها تنهمر بصمت مؤلم وقلبها ينزف. لفت انتباه باران صوت ضجة من الخارج، خرج مسرعاً ليتفقد الأمر، لكنه لم يجد أحد! تساءل بقلق:
"إذآ، ما كان هذا الصوت..؟ اقترب من باب غرفة ديلان، وكان على وشك أن يطرق، لكنه توقف عندما سمع صوتها المكسور وهي تبكي وتهمس لنفسها: "ما الذي فعلته يا الله لأعيش كل هذا..؟ كلماتها ألقت بثقل على قلب باران، فقبض على يده بقوة وكاد يتردد، لكنه لم يتحمل بكاءها فطرق الباب ببطء.
كانت ديلان مستلقية على وجهها، الدموع تبلل وجنتيها وتخفي أنفاسها بين الوسادة كي لا يسمعها أحد. نهضت مسرعة تمسح دموعها وترتجف خوفاً من أن تكون فاطمة قد عادت مجدداً! ردفت بصوت مرتجف: "من..؟ أجاب باران بحنو: "أنا باران." قالت له بهدوء: "تفضل." دخل ليجد ديلان في حالتها هذه، متوترة وخائفة لدرجة أنها لم تنتبه حتى لشعرها المكشوف بلا غطاء. تعجب باران واقترب منها، ليرى عينيها حمراوتين ومتورمتين من كثرة البكاء!
هتف بلهفة وبنبرة قلقة: "ما بك.! ما حالتك هذه؟ هل تعرض لك أحد؟ هل قال أحدٌ لك شيئاً؟ قولي لي." نظرت إليه ديلان فاطمأن قلبها، شعرت أن أمان الدنيا قد سكن في عينيه. كانت نظرتها أيضاً كالسهام التي اخترقت قلبه. اقترب أكثر وأمسك يدها برقة، كان لا يدرك ما الذي يفعله، قال بصوت حانٍ: "هل أنت بخير؟ لماذا تبكين هكذا؟ احكي لي ما الذي يزعجك..! أومأت ديلان رأسها بتوتر قائلة: "لا شيء، أنا بخير.." قال باران:
"لا، لست هكذا. يمكنك مشاركتي همومك، هيا قولي! أصرت ديلان: "صدقني، أنا الآن بخير بوجودك.." ابتسم باران بلطف وقال: "تمام، لن أضغط عليك أكثر.. والآن هيا لنفطر." ردت ديلان بتوتر: "لا، لا، أنا لست جائعة.! تأكد باران أن هناك شيء تخفيه عنه، نظر إلى عينيها مجدداً بحيرة، ليجدها ممتلئة بالدموع والألم. اشتعل في داخله الحزن عليها، فسألها مرة أخرى: "متأكدة أنك بخير..؟ حاولت أن تشتت انتباهه كي لا يواصل الأسئلة، فردفت:
"صدقني بخير، فقط عندما جلست لأصفف شعري تذكرت والدتي، كانت هي من تفعل ذلك لي." ابتسم باران وقال: "هذا هو ما أزعجك؟ لا تقلقي، يمكنني أن أفعلها." ردت ديلان بتردد خجول: "هل أنت حقاً..؟ ابتسم لخجلها وقال: "نعم، فعلتها كثيراً لتسنيم." ضحكت بخفة وقالت: "حسناً، لنجرب."
اقتربا معاً من المرآة، أمسك بفرشاة الشعر خاصتها ووقف خلفها. كان منبهراً بجمال شعرها الذي ينساب كالحرير فوق ظهرها. كان شعرها طويل جداً لدرجة كانت تجد صعوبة في تمشيطه، وكانت والدتها هي التي تهتم به حقاً. كان كالحرير اللامع، يشبه خيوط الماس التي تتلألأ بموجاته من شدة جماله. بدأ باران يمرر أصابعه بين خصلاته تارة، ويتبادل النظرات معها من خلف المرآة تارة أخرى. كان وكأنه يريد أن يستمتع بكل لحظة يقضيها معها.
وبعد دقائق، ردف مبتسماً: "تقريباً انتهيت." التفتت له ودون تردد، فغمز لها: "ما رأيك..؟ ابتسمت ديلان، ثم أمسكت بخصلات شعرها ونظرت إلى المرآة قائلة: "إنه جميل، سلمت يداك." ضحك باران بعينيه عندما رأى كيف تغيرت حالتها للأفضل. سألها: "هل ممكن أن نفطر هنا معاً..؟ ردت ديلان متفاجئة: "هنا..؟ اقترب منها يمازحها: "أممم.. هنا. بقيت بدون أخذ دوائي حتى الآن، وإذا علمت تسنيم ستحزن منك كثيراً." حدقت ديلان بعينيها مستفسرة: "هل مني!
ماذا فعلت أنا..؟ طرق باب الغرفة ودخلت جول قائلة: "سيد باران، هيا الفطور جاهز.." رد باران: "أحضريه إلى هنا، سنتناول اليوم أنا وديلان معاً."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!