جلست ديلان على الأريكة المقابلة لسرير باران. كانت تفرك أطراف أصابعها بتوتر ظاهر. لم يخفها أن نظراته تتبع حركاتها بصمت. قال باران بصوت هادئ وقد لمح الاضطراب في عينيها: ديلان، ما بك؟ ما هذا القلق؟ أطرقت رأسها بخجل، وكأنها تعجز عن مواجهته بعد ما تسبب به أهلها. شهقت دامعة، ثم قالت بصوت مرتجف: كيف حالك الآن؟ هل تتألم؟ أرجوك قل لي أنك بخير! لامست كلماتها شيئًا في قلبه. نظراتها المرتبكة وهمسها الباكي جعله يشعر بثقل مختلف.
تنهد وأجابها بنبرة دافئة: أنا بخير، لا تقلقي. ما دمتِ بخير، فهذا يكفيني. أخفضت نظرها من جديد وهمست: أنا أعتذر. حقًا أعتذر. لو أنني ذهبت معهم لما كنتِ الآن في هذه الحالة. صمتت لحظة، ثم تابعت بحرقة: ليت الرصاصة أصابتني أنا. ليتني أنا من سقط بدلًا منك. قبض باران على يده بانفعال عندما سمع كلماتها التي استفزته. قال بصوت يحمل شيئًا من الغضب: ديلان، انظري إلي. أنا بخير تمامًا. إياكِ أن تلومي نفسك على ما حدث.
لكنها ردت بنبرة مهزوزة: سيد باران، أنا حقًا لا أعلم ما الذي قد يفعلونه لاحقًا. ولهذا أرجوك دعني أرحل من هنا. لم تتحمل عيناه تلك الكلمات التي خرجت من ثغرها. حاول النهوض وكأنه يرفض فكرة تخليها عن نفسها. لكن الألم باغته فجأة، فوضع يده على جرحه يتألم. فزعت ديلان من مكانها واقتربت بسرعة وهي تقول بلهفة: ماذا حدث؟ هل تألمت؟ نظر إليها نظرة عاتبة، تملؤها
الخيبة وقال بلهجة جادة: قطعت وعدًا بأنكِ ستكونين تحت حمايتي حتى تظهر براءتك ولن أخل بهذا الوعد. لن أترك هذا الأمر حتى أنهيه. ردت بخوف: لكن ما ذنبك أنت لتتحمل كل هذا من أجلي؟ أشاح بوجهه قليلًا وقال بنبرة أقرب للهمس: لا أريد لأحد أن يتحدث عنكِ أحد مجددًا بما لا يليق. أهذا يكفي! دخلت تسنيم وهي تحمل ما أتت به بين يديها، لكنها شعرت بالتوتر في الجو بينهما. نظرت إليهما وقالت بتعجب: ما الأمر؟ هل حدث شيء؟
لم يرد أحد منهما. نظرات صامتة وكل منهما يغرق في أفكاره. حاولت تسنيم كسر الصمت: أخي باران، هل قال لك الطبيب شيئًا جديدًا؟ رد وهو ينظر بعيدًا: لا شيء! لا شيء مهم. *** في القصر كان قدرت قد سرد على الجميع ما حدث منذ مغادرتهم القصر، لتخيم الصدمة على الحضور. هتفت أزاده بغضب: وكيف تطاوع باران! أأدركت ما فعله؟ كيف تتركه يدمر مستقبله بلحظة تهور هكذا؟ قدرت يحاول كبح انفعاله،
قال: أمي، هذا الزواج مؤقت. كل ما أردناه هو حماية الفتاة. أزاده بدهشة وقلق: مؤقت! ماذا تعني بأنه مؤقت؟ قدرت: أعني أنه سينتهي حين نعثر على الشاب الهارب وتظهر الحقيقة. عندها، لكل حادث حديث. كانت فاطمة في حالة غليان، فقد خابت خططها بزواج باران من ابنتها ميساء. فصرخت بغضب: وما شأننا نحن! لمَ أقحمت العائلة في أمر لا يخصنا؟ رد قدرت
وقد بدأت نبرته تفقد صبرها: لأنها لجأت إلينا، وببساطة كان من الممكن أن تكون تسنيم أو ميساء مكانها. كنا سندافع عن أي واحدة منهن، كما دافعنا عنها. قالت فاطمة ساخطة: وكيف تثقون ببراءتها هكذا! من يدري، لعلها... لكنه لم يتركها تكمل، فقطع حديثها صارخًا: يكفي! لا أريد سماع كلمة أخرى في هذا الشأن. أنا ذاهب الآن إلى أولادي، وحين نعود لا أريد لهذا الموضوع أن يفتح مجددًا. ***
ذهب قدرت إلى المشفى، وحين وصل إلى غرفة باران وجده نائمًا، بينما كانت تسنيم تعبث بهاتفها، وديلان تجلس إلى جوارها. ابتسم قدرت قائلًا: أهلًا بكم يا أولاد. تسنيم، كيف حال أخيك؟ تسنيم: بخير يا أبي، تناول دواءه ونام منذ قليل. قدرت موجهًا حديثه لديلان: وأنتِ يا ابنتي، كيف حالك؟ ديلان: وأنا بخير الحمد لله. قال قدرت مطمئنًا لهما: لا تقلقا، كل شيء سيكون على ما يرام. ديلان وتسنيم بصوت واحد: إن شاء الله. ***
في صباح اليوم التالي، مر الطبيب ليفحص باران. وبعد أن أنهى فحصه، قال قدرت: كيف حاله الآن يا دكتور؟ الطبيب بابتسامة مطمئنة: حالته أفضل بكثير. قال باران: هل يمكنني الخروج اليوم؟ الطبيب: نعم، ولكن بشرط! أن تنتبه جيدًا لحالتك وتلتزم بتعليماتي. باران: بالتأكيد سأفعل. تسنيم: لا تقلق، نحن بجانبه وسنعتني به كما يجب. الطبيب: جيد، سأكتب له بعض الأدوية ليستمر عليها حتى تمام التعافي. قدرت: جزيل الشكر يا دكتور.
الطبيب وهو يهم بالخروج: حمد الله على سلامته. *** وصل باران مع والده وزوجته وأخته إلى القصر. كانت أزاده في انتظارهما. وعندما رأت باران احتضنته وهي تبكي قائلة: ابني، الحمد لله على سلامتك، كيف أصبحت؟ باران بابتسامة مطمئنة: أنا بخير يا جدتي، لا تبكي. أتت قدرت وجول: زال البأس يا سيد باران. باران: سلمتم. بابا قدرت: الحمد لله، لقد مر الأمر. ونظر لوالدته وسأل: أين فاطمة يا أمي؟ أزاده: في غرفة ميساء يا بني. ***
كانت فاطمة بجانب ابنتها التي ما زالت تبكي منذ معرفتها بزواج باران، فكانت تحاول تهدئتها وتقنعها بأن الزواج مؤقت، وبعدها سيكون باران من نصيبها. فاطمة: هيا يا ابنتي، امسحي دموعك وإنهضي لنطمئن عليه. ميساء بتردد: كيف؟ كيف لي أن أرى هذه الفتاة بجانبه يا أمي! كيف أعيش معها في نفس المكان؟ فاطمة: هي لن تكون معه، لأن الزواج على الورق فقط. الفتاة منتقبة، لم يراها حتى! وأنا عند وعدي، سأفعل المستحيل لتكونا معًا. ***
خرجت ميساء مع والدتها، ووجهتا نظرات حاقدة نحو ديلان. تقدمتا منهما. فاطمة: ابني باران، الحمد لله على عودتك سالمًا إلى بيتك. باران: سلمت يا عمتي. ميساء: حمد الله على سلامتك يا باران. باران: سلمتِ يا ميساء. أزاده: هيا يا أولاد، لنفطر معًا. تسمرت ديلان في مكانها، ولاحظت تسنيم ذلك. تسنيم بسؤال قلق: ديلان، ما بك؟ ديلان بهدوء: أنا لن أستطيع أن أفطر معكم. تسنيم: تمام، فهمت عليكِ. ***
نادت تسنيم جول وطلبت منها أن تحضر الفطور لها ول ديلان إلى غرفتهما. كان الجميع يتناولون فطورهم. وكانت أزاده تطعم باران لأنه لم يستطع حمل الطعام بيده المصابة. قالت تسنيم: بابا، أخي أنا سأفطر مع ديلان في غرفتي. قدرت: تمام يا ابنتي، هذا أفضل لتكن ديلان على راحتها. نظر باران إلى ديلان، ثم عاد ليحدق بتسنيم قائلًا: تمام. وبعد أن تفطروا تعالوا إلى غرفتي، أريد أن أتحدث معكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!