نظر باران نحو ديلان ثم التفت إلى تسنيم قائلًا: "بعد أن تنتهوا من الإفطار، تعالوا إلى غرفتي." ابتسمت تسنيم قائلة: "تمام يا أخي." في الجهة المقابلة، كانت فاطمة ترمق والدتها وابنتها بنظرات تحمل الكثير من التوتر. بعد لحظات من صمتها المريب، قالت وهي توجه سؤالها لباران: "خير يا بني، هل هناك شيء؟ لماذا استدعيتهم؟ باران تعجب من سؤالها وأجاب بنبرة باردة: "لا يوجد شيء مهم."
انتهى الجميع من تناول الإفطار. وقف قدرت قائلًا: "ابني باران، هل تحتاج لشيء؟ سأتوجه إلى مركز الشرطة للإدلاء بإفادتي، ثم أذهب إلى الشركة لأتابع سير العمل." رد باران: "لا يا أبي، سلمت، في أمان الله. أنا سأصعد لغرفتي لأرتاح قليلًا وسأتصل بأوكان لأعلم ماذا حدث معه." قدرت: "تمام يا بني، لا ترهق نفسك وكن بخير." خرج قدرت من القصر. نهض باران ببطء متجهًا لغرفته. قالت ميساء وهي تقترب منه: "باران، انتظر لأساعدك. هيا استند إلي."
رد باران دون أن يلتفت لها: "لا يوجد داعي، أنا بخير." انكمشت ملامحها وشعرت بالخجل للحظة، ثم نظرت إلى والدتها وذهبت إلى غرفتها وهي تجر أذيال خيبتها. بعد أن صعد باران إلى غرفته، جلس على الأريكة ممسكًا بهاتفه. اتصل بأوكان الذي أخبره: "لقد تم احتجاز فكري، وسيُعرض على النيابة. أما والدها والبقية، فسيخرجون بكفالة، لكن بعد أخذ تعهد رسمي بعدم التعرض لها حتى انتهاء القضية وظهور الحقيقة."
شعر باران ببعض الراحة. تنهد بعمق وكأن عبئًا قد زال عن صدره، فكل ما كان يشغل تفكيره هو ديلان، وخوفه الدائم أن يقترب منها أحد منهم أو يعيدها إلى جحيمهم. طرق الباب برفق. كانت تسنيم تقف إلى جانب ديلان، تحمل في عينيها لهفة لحديث أخيها. أذن لهما باران بالدخول. هتفت تسنيم بابتسامة: "أخي، ها قد أتينا، ما الذي تريده منا؟ باران وهو يعتدل في جلسته: "اجلسا."
نظر إلى تسنيم وقال: "ستكون ديلان معك في غرفتك، لا أريدها أن تبقى وحدها." تسنيم باستغراب ودهشة: "تمام يا أخي، بل هذا يسعدني كثيرًا، لكن... نظرت إلى ديلان لتكمل: "ربما لا تفضلين ذلك، أقصد، قد ترغبين بالخصوصية والهدوء." ردف باران موجهًا حديثه إلى ديلان: "ما رأيك؟ قالت ديلان بخجل دافئ: "يسعدني ذلك كثيرًا، لقد تعلقت بتسنيم أساسًا."
باران: "تمام، سأطلب من قدر وجول تجهيز الغرفة المجاورة لغرفتي لكما، فهي أوسع، ومن جهة أخرى سأكون أكثر اطمئنانًا عليكما." قالت تسنيم بحماس: "حقًا، هذا رائع. سأذهب فورًا أنا وديلان لأحضر أغراضي." وبينما هما بالخروج، حتى التفتت ديلان نحو باران وكأن سؤالًا يحترق في صدرها. قالت بتردد: "سيد باران، هل يمكنني أسألك شيئًا؟ نظر باران إليها باهتمام وقال: "بالطبع، ما الأمر؟ ديلان بقلق: "يعني... ماذا حدث لعائلتي؟
نظر باران لديلان بتأنٍ، يروي لها ما دار بينه وبين أوكان وما وصلت إليه الأمور بشأن والدها وعمها. كانت تستمع بانتباه، وكل كلمة منه تخفف من قلقها. وحين انتهى، نظرت له بعينين فيهما رجاء ثم قالت بخجل: "هل يمكنني أن أطلب منك طلب؟ باران: "بالطبع، تفضلي." ديلان: "أريد أن أتصل بوالدتي، فقط لأطمئن عليها." باران دون تردد، مد يده بالهاتف قائلًا: "هذا هاتفي، يمكنك أن تتصلي بها كما تشائين."
تناولت الهاتف منه بخجل وابتسامة صغيرة على استحياء. وبينما كانت تنظر إليه بتردد قبل إجراء الاتصال، استأذنت تسنيم للخروج قائلة: "أخي، سأذهب لأجهز أغراضي." باران: "تمام." وقبل أن تفتح تسنيم الباب، ناداها باران وهو يقترب منها هاتفًا: "تسنيم، خذي ديلان معك أولًا واذهبا مع السائق لتشتري لها كل ما تحتاجه، لا أريد أن ينقصها شيء." قالت تسنيم بابتسامة: "تمام يا أخي، سأهتم بكل شيء."
أرادت الخروج ولكن ابتسمت بخفة وهي تراقب ملامح شقيقها. ففي قرارة نفسها لم تره يومًا بهذا القدر من الحماس. اقتربت منه وهمست بمزاح لطيف دون أن تسمع ديلان: "أخي باران، ما سر هذا الاهتمام؟ لم أرك تهتم بأحد هكذا من قبل؟! ارتبك باران لوهلة، ثم عقد حاجبيه وقال: "ماذا تقصدين؟ أي اهتمام؟ تسنيم: "يعني... الغرفة والملابس، وغيرهما."
رد باران بجدية: "أردت فقط أن تكونا بنفس الطابق معي وبنفس الغرفة ليس إلا للاطمئنان. أنت تعلمين أن قضية ديلان لم تُغلق بعد. وجدتك وعمتك رغم صمتهما، لكن لا أشعر بالارتياح أبدًا. لا أريد أن تتعرض الفتاة لأي أذى أو إهانة، خاصة ونحن تحت سقف واحد. أما السوق، فهي جاءت إلى هنا دون أي من أغراضها، ولهذا طلبت منكما الذهاب، لا أكثر." تسنيم: "أفهمك يا أخي، كنت فقط أمزح معك." باران: "تمام، انتبهوا لحالكم جيدًا، وسأرسل الحراس معكم."
قبلته تسنيم من خده وابتسمت قائلة: "ليسعد قلبك دائمًا يا أخي، سأذهب الآن. وبعد أن تنتهي ديلان من مكالمتها، اطلب منها أن تلحقني." باران: "تمام." خرجت تسنيم. وبعد لحظات، كانت ديلان قد أنهت مكالمتها مع والدتها، دموعها ما زالت عالقة في عينيها. فاقترب منها باران وجلس إلى جوارها على الأريكة. نبرته هادئة حين قال: "ديلان، لماذا تبكين؟ هل قالت لكِ والدتك شيء أزعجك؟
ردت ديلان وهي تمسح دموعها: "لا، لا يوجد جديد. فقط اشتقت لها كثيرًا. بالمناسبة، هي ترسل لك السلام." باران: "وعليها السلام، لكن لا تبكي. كل شيء سينتهي قريبًا وستعودين لحضن والدتك." ديلان: "إن شاء الله سينتهي." خفضت رأسها قليلًا وتابعت: "سيد باران، بخصوص ما قلته في المشفى، أعلم أنه أزعجك كثيرًا، أعتذر." نظر إليها باران للحظة،
ثم قال بهدوء: "نعم ضايقني حديثك، لكن انسي الأمر ولا تهتمي. فقط تذكري وعدي. سأفعل كل ما بوسعي حتى تظهر براءتك." ثم أردف بابتسامة خفيفة: "الآن، تسنيم بانتظارك، ستذهبان معًا لشراء ما ينقصكما، لا تتأخرا." ردت بنظرة امتنان: "شكرًا لك على كل شيء. والآن يجب أن ترتاح لتشفى وتكن بخير."
ذهبت تسنيم وديلان إلى السوق. غابا لبضع ساعات قليلة. وبعد عودتهما، وجدتا الغرفة قد جُهزت بالكامل. بدأت كل منهما في ترتيب الأغراض وتوضيبها في أماكنها. كان باب الغرفة مفتوحًا، وديلان قد رفعت نقابها أثناء انشغالها بالتنظيم. دخل باران فجأة بعد أن علم بمجيئهم. وما إن وقعت عيناه عليها، حتى تسمر مكانه وقد ارتجف قلبه. لمعت عيناه وسكنت أنفاسه، ليرى ملامحها لأول مرة على مهل. تمتم بتوتر: "أنا... أعتذر، لم أكن أعلم!
قالت ديلان بابتسامة: "لا تعتذر. نحن نعيش معًا، فلا حاجة لذلك. سأرتديه فقط عند الخروج، أو إن حضر أحد إلى القصر. هذا ما كنت أفعله ببيت أبي." كلماتها تلك أبهجت قلبه. ضحكت عيناه رغم هدوء ملامحه. كانت تسنيم تراقبهما من بعيد. لاحظت تناغمهما وفرحة أخيها التي لم تعهدها من قبل. لم تتمالك دموع فرحتها، فخرجت سريعًا متظاهرة بأنها ستجلب أغراضًا أخرى من الطابق السفلي. ردف باران وهو يمد يده بعلبة صغيرة لديلان: "هذا لك."
ديلان بدهشة: "ما هذا؟ باران: "إنه هاتف، سجلت لك رقم والدتك، ورقم تسنيم ووالدي ورقمي أنا أيضًا. يمكنك الاتصال متى شئت." ديلان بنظرة امتنان: "لكن... هذا كثير جدًا. شكرًا لك يا سيد باران." رد باران بتذمر: "ديلان، أي شكر! وما هذا سيد باران التي تقولينها؟! ديلان بخجل: "ماذا أقول إذًا؟ باران: "قولي باران فقط، ووالدي أيضًا ناديه بابا، فهو يعتبرك كابنته تمامًا. وصدقيني سيفرح بذلك كثيرًا."
ديلان بتردد: "معك حق، لكنها صعبة قليلًا." اقترب باران خطوة وقال: "لا، ليست صعبة. هيا." ديلان وهي تحاول قول اسمه بخجل: "حسنًا يا... با... قال وهو يبتسم ويشجعها: "قوليها." ديلان: "با... ران." إرتسمت ابتسامة عريضة وردف: "ها، وأخيرًا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!