كان المساء هادئًا، حيث اجتمعت العائلة على طاولة الشاي، وكانت الأحاديث تدور بخفوت. سأل قدرت وهو يلتفت حوله: "أين باران وديلان؟ لم أرهما منذ عودتي من الشركة." تبادلت فاطمة وأزاده نظرات سريعة، مشحونة بالصمت، لكنهما لم تنطقا بكلمة. لاحظ قدرت التوتر، فكرر سؤاله بنبرة أكثر جدية. لترد تسنيم بتردد: "في غرفتهم يا أبي." قطب قدرت حاجبيه: "ما زال الوقت مبكرًا، هل حدث شيء؟ ترددت تسنيم،
ثم تنهدت وقالت: "أظن ذلك. ربما وقع بينهما شيء يا أبي." صمت المكان للحظة، ثم أمسك قدرت هاتفه، وكتب رسالة قصيرة لباران: "أنتظرك في غرفة المكتب، أريد أن نتحدث قليلًا." وبعد دقائق، نزل باران من غرفته، لم ينظر لأحد ولا يهتم لوجود أحد. دخل إلى المطبخ مباشرة، وبهدوء طلب من قدر أن تجهز العشاء وتأخذه إلى غرفته، ثم توجه إلى المكتب، حيث كان والده ينتظره. دخل بهدوء وقال: "سلام يا بابا."
قدرت بنبرة تحمل بعض القلق: "وعليكم السلام يا بني. هل حدث شيء؟ قلقت عندما عدت ولم أركما." تنهد باران وجلس أمام والده، ثم بدأ يروي له كل شيء. ما قالته له ميساء، ما سمعه من فاطمة وأزاده، ومحاولة طلال ورفيقه التقرب من ديلان بطريقتهم الخبيثة. انقبض وجه قدرت، ونهض غاضبًا من مكانه وهو يرد: "ماذا! كل هذا يحدث تحت سقف بيتي ولم تخبرني؟
نهض باران محاولًا تهدئته، وضع يده على ذراعه قائلًا: "بابا رجاءً، لا تغضب. ديلان لا تعلم شيئًا بعد، ولا أريد أن تعرف. حالتها النفسية لا تتحمل، قد مرت بفترة قاسية جدًا كما تعلم." صمت قدرت لثوانٍ، ثم ردف: "أفهمك يا بني، لكن لا يمكن أن يمر هذا مرور الكرام. يجب أن يعرف كل شخص حدوده، ولن أسمح بهذا مرة أخرى." هز باران رأسه مؤيدًا،
ثم قال بنبرة حاسمة: "غدًا سيأتون كبار العائلة، وبعدها، سيكون لي موقف واضح معهم، وأقسم لك أنني لن أسمح لأحد أن يقترب من زوجتي أو يجرحها بعد الآن." صعد باران إلى غرفته بعد حديثه المطول مع والده، وما إن فتح الباب، حتى شعر وكأنه دخل واحة من الجمال الأسر، عالم خارج الزمان والمكان. كانت الأجواء هادئة، دافئة، تنبض بالحياة.
ديلان رتبت الطاولة بعناية وذوق رفيع، أحاطتها بباقة من الزهور الهادئة، وأشعلت الشموع العطرية التي عبقت المكان بنفحات ناعمة، نثرت أوراق الورد فوق سريرهم، لتكتمل اللوحة بأنوثة حالمة. وقف باران في منتصف الغرفة يرمقها بانبهار، نظراته تائهة بين الأضواء والورود وأنفاس الحب. نزع سترته بهدوء، وقبل أن يتنفس ثانية، فاجأته عروسه باحتضان دافئ من الخلف، عناق ينبض بالشوق والطمأنينة.
أغمض عينيه، ثم ابتسم واستسلم لعناقها كما يستسلم القلب لأول دقاته. دفء ذراعيها كان كل ما يحتاجه بعد يوم طويل. شعر بهمها له دون صوت: "في حضنك، كل العالم يهدأ." استدار باران ليقف أمامها، عيناه تلتهمان تفاصيلها بدهشة عاشق، وكأنها خرجت من لوحة خيالية.
كانت ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا، بانسيابية تظهر جمالها ببساطة راقية. ظهرها المكشوف منح أنوثتها بعدًا آخر، أما خصلات شعرها التي جمعتها بمشبك ناعم، فقد أضافت لمظهرها سحرًا لا يقاوم. طلتها كانت أشبه بأجمل عروس، ببساطة كانت فاتنة. لاقته بابتسامة خجولة ولكنها آسرة، فاقترب منها وهمس برقة: "ما كل هذا الجمال! يا لعذابي فيك."
ضحكت برقة، ثم رفعت نفسها نحوه لتطبع قبلة هادئة قريبة من شفتيه، كأنها وعد بالحب الأبدي وليلة عشق تنتظرهما. ضمها إلى صدره، دفن وجهه بين خصلات شعرها التي انسدلت على ظهرها كحرير متلألئ. كانت اللحظة لا تحتمل أي كلمات أخرى، لكنها همست برقة: "هيا، لنتناول عشائنا معًا." جلس باران على المقعد وأجلسها قربه كطفلة مدللة، ظل يطعمها وتطعمه، والقلوب تتحدث بنظرات لا تقال، بل تشعر.
عبارات الغزل تملأ الأجواء، ونظرات العشق كانت كافية لتخبرهم بأنهم بخير، ما داموا معًا. وبعد أن انتهى العشاء، حملها باران بين ذراعيه إلى فراشهم، وكأنهما ينتقلان من لحظة عابرة إلى أبدية من الحنين. كانت أنفاس المساء دافئة، والشموع ما زالت ترقص بضوء خافت يضفي على الغرفة سحرًا لا يقاوم. استلقى بقربها، وأدار وجهه إليها. عيناه تفيض بالحب، تتأملها وكأنها الحلم الذي تمنى لو لم يستيقظ منه أبدًا. أزاح خصلة من شعرها
عن جبينها وهمس بنبرة عاشق: "ما كان الوقوع في الحب يومًا في حساباتي، ولا تخيلت أن يمس قلبي بهذا العمق.. لكنك فعلت شيئًا لم أفهمه! فكلما وقعت عيناي عليك، يرتجف قلبي وكأنها أول مرة أراك فيها.. أنا متيم بك يا ديلان، حد الجنون والتعلق." اقتربت منه أكثر، نظرت إليه بعيون امتلأت بالامتنان والحب، ابتسمت بحنان وهي ترد: "وأنت يا حبيبي لم تسكن قلبي فقط، بل سكنت روحي.. رممتني، وأعدت لداخلي الحياة."
ثم أخذت يده، ووضعتها فوق قلبها برقة وقالت وهي تشير إليه بنظراتها قبل كلماتها: "أيا سيد هذا القلب، هو لك وحدك، لا يبصر شيئًا دونك. أحببتك بقلبي وبعقلي، وبروحي وكل كياني، يا من اختاره قدري." كانت لحظة من العشق الصادق، خالية من التكلف، مليئة بالدفء، كأن الزمان توقف هناك احترامًا لهما.
خرجت كلماتها متجلجلة من أعماق قلبها لتهز كيان باران وترج وجدانه، فغرقت عيناه بدموع العشق.. دموع رجل عاش ألف انكسار، لكنه الآن يعيش الانتماء. اقترب منها، ونبرته ممتزجة بالرجفة والحنين، قال بصوت هادئ يحمل كل معاني الرجولة المحبة: "صار جنوني بك يسعدني. أريدك أن تكوني أنت مسائي وطمأنينتي، أريد أن أتعطر بنسائم أنفاسك كل ليلة، أن أضيع في حضنك وأنسى من أكون، أريدك أن تغمريني بهذا الحب للأبد يا حبيبتي."
اقترب أكثر وأكثر، ذابت المسافة بين قلبيهما، سكنت الأنفاس، وبدأت اللحظة تكتب تفاصيلها بعذوبة لا توصف. ضم شفتيها بين خاصتيه بقبلة عميقة، هادئة، تحمل كل اشتياق الماضي، ووعد الحاضر، وخلود المستقبل. ثم بدأ يفك سحاب فستانها برفق، وكأنه يتعامل مع قطعة ثمينة من الألماس، يكتشفها للمرة الأولى. تدلت خصلات شعرها على كتفها، ونظراتها المغمضة باحت له بكل حبها. وكأنها تقول: "أنا لك، بكل ما في."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!