أخذت ديلان تستغيث بصوت مبحوح، لكن ولا أحد يسمعها. لا أحد شعر بأنها تختنق بين الحياة والموت. ركضت فاطمة بخطوات متوترة نحو غرفة ميساء. وعندما رأتھا إبنتھا ھتفت بقلق: أمي، ما بك؟ هل حدث شيء؟ فاطمة تهمس وهي تلهث: ششش، سيحدث. نعم سيحدث ما كنت تتمنينه! ميساء بدهشة: لا أفهم، ما الذي سيحدث يا أمي؟ ماذا فعلت؟ نظرت إليها فاطمة بعين باردة وقالت: أرحتك منها! والأن باران سيصبح لك وحدك!
في الجانب الآخر، دخلت تسنيم حاملة القهوة تنظر حولها باستغراب. تسنيم تنادي: ديلان، ديلان أين ذهبت؟ ديلااااان.. بدأ القلق يتصاعد في نبرتها، شعرت بأن هناك شيئًا ليس على ما يرام. اقتربت من حافة المسبح، وقبل أن تكمل صراخها، شهقت بعنف وسقطت الصينية من يدها! صرخت: ديــــــــــلان..!! أبي، جدتي، عمتي، الحقوناااا..!
أسرعت تلقي بنفسها في الماء، تحاول إنقاذ ديلان بكل قوتها. تحاول أن ترفع جسدها الثقيل عليها والمبلل وكأنها تخرج الحياة من قاع الموت. وصلت قدر وجول مسرعتين وقلوبهم ترتجف. ھتفت قدر بذهول: ابنتي، ماذا حدث؟ جول جلست بجانب المسبح تمد يدها لتساعدها: هيا يا تسنيم، خذي نفسًا وساعديھا. أمي، أرجوك اسحبيها معي. وأخيرًا أخرجوا ديلان من الماء، كانت تتنفس بصعوبة وكأن الحياة تعاندها على البقاء. قالت تسنيم
بصوت متقطع من البكاء: جول، اتصلي بأخي باران، يجب أن يأتي فورًا. جول تخرج هاتفها بسرعة وتحاول الاتصال، لكن لا رد! قالت بقلق: السيد باران لا يرد على الهاتف! تسنيم بصوت مرتجف وصراخ: اتصلي بأبي، وأنتِ يا خالتي، ارجوكِ اتصلي بالطبيبة فورًا. جول أجرت الاتصال بسرعة، وكان قدرت قد وصل بالفعل إلى القصر. قدرت عبر الهاتف: جول أين أنتم؟ لماذا القصر خالٍ ولا أحد يجيب؟ جول باختناق: نحن عند المسبح يا سيدي، أرجوك تعال بسرعة!
لم تمر لحظات حتى وصل قدرت، وما إن رأى المشهد حتى اتسعت عيناه من الصدمة. ھتف مذهولًا: تسنيم، ما الذي يحدث هنا! ماذا جرى لديلان؟ تسنيم وهي منهارة باكية: لا أعلم يا أبي، وجدتها تغرق! لا أعلم كيف وصلت إلى هنا. أرجوك افعل شيئًا يا أبي. أتت أزاده وفاطمة، وميساء. أزاده بقلق: ماذا حدث؟ ما الذي أصاب هذه الفتاة؟
أما فاطمة، فكان وجهها شاحبًا. لم تتوقع أن تخرج ديلان بهذه السرعة من المسبح. قلبها يرتجف، ليس خوفًا عليها، بل رعبًا من أن تفتح فمها وتفضح ما حدث. كل ما كانت تفكر فيه: هل ستتحدث؟ هل ستفضحني؟ هل سينقلب كل شيء ضدي؟ حمل قدرت ديلان بين ذراعيه وصعد بها إلى غرفتها بخطوات متسارعة، يملؤه القلق. تبعته تسنيم وقدر، وجول. وضعها برفق فوق سريرها، ثم التفت قائلًا بنبرة حازمة: بدلوا لها ملابسها بسرعة إلى أن تصل الطبيبة.
خرج من الغرفة وتوجه إلى الخارج ينتظر الطبيبة، فيما كانت تسنيم قد لحقت به بعد أن ساعدوا ديلان. قال قدرت بقلق: كيف حالها الآن؟ تسنيم بصوت متهدج: لا أعلم يا أبي، لا تزال ترتجف وأنفاسها متقطعة. أرجوك، اتصل بالإسعاف، لا يمكن أن ننتظر أكثر! صمت قدرت لوهلة وهو يضع يده على جبينه، ثم قال بنبرة مثقلة: لا يمكن يا ابنتي، إن علم والدها أو أحد من أقربائها، ستكون كارثة بحقنا، الوضع حساس. ومن الممكن أن يأخذوها بكل سهولة.
نظر لتسنيم وسأل: ألن يأتي باران؟ تسنيم بنبرة هادئة رغم توترها: لا، لم يأتي بعد. أو كان اتصل ب وذهب بعدها. قدرت: أعلم، أخبرني على الهاتف وأنا بالمكتب. وبينما كان الحديث محتدمًا، أتت الطبيبة على عجل. أسرع قدرت وتسنين بمرافقتهما إلى غرفة ديلان، حيث كانت لا تزال مستلقية بضعف. اقتربت الطبيبة منها وبدأت بفحصها بدقة. الصمت سيطر على المكان، وكل الأنفاس محبوسة. قال قدرت بقلق: حضرة الطبيبة، هل ابنتي بخير؟ رفعت الطبيبة
رأسها ونظرت له بجدية: ما الذي حدث؟ تبدو وكأنها كانت في حالة غرق! كيف سقطت في الماء؟ نظرت تسنيم إلى والدها للحظة، ثم قالت بهدوء محاولة التماسك: نعم، هذا ما حدث. كانت تقف بجانب المسبح ويبدو أنها فقدت توازنها وسقطت فجأة. هزت الطبيبة رأسها وقالت: لو تأخرنا قليلًا فقط.. قدرت بقلق: ماذا تقصدين؟ هل كانت حالتها خطرة؟
ابتسمت الطبيبة تطمئنهم: هي بخير الآن لا تقلق، فقط في اللحظات الأولى كانت بحاجة للأكسجين، ولو لم يتم إنقاذها سريعًا لاضطررنا لنقلها للمشفى فورًا. لكنها الأن تحتاج فقط لبعض الأدوية والسيروم لتستعيد وعيها بالكامل. تنهد قدرت بارتياح، بينما جلست تسنيم تمسح دموعها. أما فاطمة التي كانت تتابع من بعيد، فقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها من جديد! ماذا لو تكلمت ديلان؟
فعلت الطبيبة اللازم، وعلقت السيرم لديلان، قدمت لتسنيم التعليمات الدقيقة حول أدويتها وطريقة العناية بها. ثم نظرت إليهم وقالت: حمدًا لله على سلامتها، سأغادر الأن، وإن حدث أي طارئ تواصلوا معي. سأمر عليها لاحقًا لأطمئن على حالتها. قدرت: سلمت يا حضرة الطبيبة. رافقها حتى بوابة القصر، بينما توجهت جول إلى المطبخ لتحضير شوربة ساخنة لديلان. في الغرفة، جلست قدر قرب السرير تراقب تنفس ديلان بقلق، بينما تسنيم لم تتوقف عن دموعها.
قالت قدر: ابنتي، اذهبي الأن وبدلي ملابسك حتى لا تمرضي أنتِ أيضًا. تسنيم وهي تشهق ببكاء: حسنًا، لكن أرجوكِ لا تتركيها وحدها حتى أعود. قدر: لا تقلقي، أنا هنا ولن أتركها أبدًا. بدلت تسنيم ملابسها على عجل، وعادت مسرعة لتجلس بجانب ديلان، تمسك يدها وتراقب تنفسها الخافت وقلبها الذي لا يهدأ. نظرت لوجهها الشاحب ثم التفتت إلى قدر وقالت بصوت متهدج: أتمنى أن تكون بخير، لا أعلم حقًا ماذا سأقول لأخي حين يعود!
قدر بتماسك: ابنتي لا تقلقي، ستكون بخير إن شاء الله. والأن، سأذهب لأرى إن كانت جول تحتاج مساعدتي بشيء. تركت قدر الغرفة واتجهت للأسفل. وفي الصالون، كانت أزاده تجلس ووجهها يكسوه القلق، إلى جوارها فاطمة وميساء، وكل منهن تتظاهر بالبراءة بطريقتها. دخل قدرت عليهم، نظراته حادة وصوته غاضب: أين كنتم وقت سقوط ديلان! كيف حدث هذا دون أن يلاحظ أحد؟ أزاده: لا أعلم يا بني، كنت في غرفتي طوال الوقت.
فاطمة ببرود مصطنع: وأنا أيضًا كنت مع ميساء في غرفتها، لم أرى شيئًا. نظر قدرت إليهما مطولًا، وكأن في عينيه شكوك لم ينطق بها. استدار مغادرًا ولكن في داخله نارًا لا تهدأ. ھتف قبل خروجه بنبرة متعبة: أنا سأنتظر باران في المكتب. أزاده بحدة مشوبة بالخوف: كيف تركته يخرج وهو بتلك الحال؟ لو كنت رأيته ما كنت سمحت له بذلك! نظر إليها قدرت بتعب، وقال بصوت منخفض: توبة أستغفر الله.
ثم استدار وتركهم متجهًا إلى غرفة المكتب، قلبه مثقل بالقلق والكثير من الأسئلة. في الطريق، كان باران يجلس بالمقعد الخلفي بسيارته، عقله لا يزال مشغولًا بما حدث معه. رن هاتفه، ظهر على الشاشة والدي. أجاب: ألو، بابا! قدرت: نعم يا بني، ماذا حدث؟ هل توصلتم لشيء؟ باران: تسجيلات الكاميرات رصدت السيارة التي استقلها ذلك الشاب. وبعد التتبع، عرفنا أنها تعود لصديق له. أرسلنا الرجال وجاؤوا به، لكنه يرفض الكلام تمامًا.
قدرت: وماذا ستفعلون؟ وأين أنت الآن؟ باران: لا تقلق، هو تحت أيدينا الأن، سأجعله يتكلم. أنا في طريقي عائد إلى القصر. قدرت: حسنًا ننتظرك. لكن باران شعر أن صوت والده يخفي شيئًا. سأل بحس يقظ وفضول: بابا، ما بك؟ صوتك ليس مطمئنًا هل حدث شيء أثناء غيابي؟ قدرت بعد لحظة صمت: لا تقلق يا بني، كل شيء على ما يرام. فقط أردت أن أطمئن عليك! باران: حسنًا، أنا قادم.
أغلق باران المكالمة وفتح هاتفه ليرى إشعارًا برسالة من تسنيم. فتحها فإذا بصورته مع ديلان. شرد بها طويلًا، وابتسم لا إراديًا. كانت لحظات دافئة بينهما لا تُنسى. بدأ يمرر إصبعه بلطف على وجهها بالصورة، استعاد صوتها ونظراتها، ودموعها. ثم تذكر حديث تسنيم، تذكر ألم ديلان وخوفها. قبض على يده بقوة، وانعكست ملامحه إلى الغضب. قال بجمرة في صوته: سأحرق الأرض من تحت أقدامهم، فقط بقى القليل! وصل باران إلى القصر، وما إن
رأته أزاده حتى نادت بقلق: ابني، أين كنت! كيف خرجت هكذا بدون إخبار أحد؟ لم يكترث باران لسؤالها، وجفاه واضح على وجهه. سألها: أين والدي والجميع؟ أزاده: في غرفة المكتب. (فاطمة وابنتها تبدوان فاقدتين للنطق، متشابكتين في صمت ثقيل) دخل باران بسرعة إلى والده. ھتف قدرت: ابني، جئت أخيرًا. باران: نعم يا أبي، لقد أتيت. قدرت وهو يضع يده على كتف باران: هيا تعال معي. باران: إلى أين؟ قدرت: تعال وتابعني.
خرج الاثنان من غرفة المكتب، وصعدا إلى غرفة ديلان وتسنيم. طرق الباب ودخلا، حتى تفاجأ باران مما رآه، كيف تغير الوضع في غيابه؟ كانت تسنيم منهكة من البكاء، لم تستطع حتى الحديث. نظر باران إليها وقال بقلق: تسنيم، ما الأمر! ما الذي حدث؟ ألقى نظرة داخل الغرفة فوجد ديلان مستلقية. وضعها الهش يثير الخوف. اقترب منها بلهفة: ديلان.. ديلان.. التفت إلى والده وتسنيم متسائلًا: أبي.. تسنيم.. ماذا حدث؟
بدأت تسنيم تحكي ما حدث. دموعها تنساب وهي تعتذر بحزن عميق. شعر باران بثقل كلماتها. تجمدت الدموع في عينيه بينما نظر بحسرة إلى ديلان. قال قدرت: لا تقلق يا بني. هي بخير الآن. باران: كيف هي بخير؟ أنا لا أراها كذلك! تسنيم: أخي لا تقلق. هي تحت تأثير الأدوية. صدقني ستتحسن. هكذا قالت الطبيبة. اقترب باران بخطوات حذرة وجلس بجانبها. نظرت تسنيم إلى والدها وأشارت له أن يتركهم لبعض الوقت. ثم خرجا معًا بهدوء.
أخذ باران ينظر إليها بعيون ملؤها الألم. تنهمر دموعه حزنًا على حالتها. أمسك يدها بلطف وقال بصوت يرتجف: ديلان.. افتحي عينيك. قولي لي أنك بخير. هيا. مر وقت طويل. ظل باران بجانبها، ممسكًا بيدها، ينتظر بصبر حتى تستعيد وعيها. مرت ثوانٍ، دقائق، وساعات. لكنه لا يكل ولم يمل. فجأة، فتحت ديلان عينيها ببطء. التفتت حولها فلم تجد سوى باران بجانبها. نظرت إليه ودموع الألم تسيل من عينيها، كأنها تشتكي ما حل بها في غيابه عنها.
كان جسدها يرتجف من الخوف. تذكرت كل ما مرت به في تلك اللحظات الماضية. اقترب منها باران أكثر يحاول أن يطمئنها، يمسح دموعها بحنو، يحاول فهم ما حدث لها. لكن مع كل كلمة يسألها إياها كانت تنهار أكثر. قال بصوت هادئ: تمام. اهدئي. أنتِ الآن بخير وأنا هنا. لا داعي للخوف. لا أريد أن أعرف ما حدث. لن أسألك مرة أخرى. فقط اهدئي.
نظرت إليه بعينين ذابلتين، وكأنها تخبره بكل ما يؤلمها دون أن تنطق. مدت يدها المرتجفة وأمسكت يده بقوة وكأنها وجدت بها ملاذًا تتشبث به من غرقها في الخوف. اقتربت منه دون وعي، مدفوعة بغريزة تبحث عن الأمان. أسندت رأسها على ذراعه بهدوء. لم يتحرك. فقط ضمها بحنو بالغ وهو يفهم صمتها ويحتوي انكسارها. استسلمت لنوم هادئ، وكأن حضنه كان الملجأ الذي انتظرته طويلًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!