الفصل 30 | من 32 فصل

رواية بريق الحب الفصل الثلاثون 30 - بقلم أشرقت

المشاهدات
20
كلمة
1,729
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

ذهبت ميساء وبعد دقائق خرجت الطبيبة من غرفة ديلان. تقدم منها باران وقدرت وتسنيم بخطى قلقة ولهفة ظاهرة. خاطبها باران وصوته يلهث من الخوف: ما بها زوجتي يا دكتورة؟ طمئنيني أرجوك. نظرت إليهم الطبيبة بحزن قائلة: أجرينا لها الفحوصات اللازمة والأشعة، والنتيجة للأسف. تمتم باران قائلاً: ماذا...

الطبيبة: يوجد كسر في معصمها، مع التواء شديد بالكاحل، وأيضًا تمزق في إحدى عضلات الكتف، بالإضافة إلى كدمات متفرقة بجسدها. كل هذا لأن بنيتها الجسدية ضعيفة للأسف، لذا تأثرت كثيراً بسبب هذا السقوط العنيف. شهقت قدرت بصدمة، بينما قبض باران على يده بشدة. أغمض عينيه وكأنه يبتلع الألم، ثم فتحهما بنظرة كسيرة وهمس بصوت أجش: وكيف حالها الآن؟ هل هي بخير؟

أجابت الطبيبة: لقد قمنا بالإسعافات الأولية وكل ما يلزم، لكن ستحتاج لكثير من الوقت حتى تتعافى بالكامل. همس باران مجددًا، كأن روحه لا تزال تحت الصدمة: هل يمكنني رؤيتها؟ فقط أراها للحظة؟ نظرت الطبيبة إلى حالته بحزن، وقالت: هي نائمة الآن، لقد بكت كثيراً أثناء المعاينة. كانت تتألم ولم تكن تتحمل، دعها ترتاح قليلاً، وإن أردت يمكنك البقاء بجانبها حتى تستفيق. لكن يفضل أن تكون وحدك، لا حاجة لوجود الآخرين الآن.

نزلت كلماتها كطعنة موجعة على صدره، لكنه اكتفى بهز رأسه بخضوع، ثم التفت نحو الباب كأن أنفاسه قد علقت هناك خلفه. تقدمت تسنيم بخطى متعثرة، وعانقت أخاها بحرارة، وكأنها تحاول انتشاله من الحزن الذي ابتلعه. بكيا معًا بصمت موجع، قبل أن يقترب منهما قدرت قائلاً بنبرة منخفضة: هيا لنراها يا أولاد.

دخل باران برفقة والده، خطواته كانت مثقلة وكأن كل خلية فيه تستنجد برؤيتها. اقترب من السرير ليجدها نائمة، لكن الحزن كان يرتسم على قسمات وجهها. جلس على ركبتيه بجانبها يتأمل ملامحها التي خطها الوجع. عيناه تبحثان عن الروح التي كانت تملأ الغرفة نورًا. رأى الرباط يلف رأسها، والجبيرة تحتضن معصمها، وقدمها المثقلة بالألم موضوعة فوق وسادة. وضع جبينه على طرف السرير، وكأنه يريد أن يقترب منها قدر المستطاع ثم انهار بالبكاء.

كيف انتهى بها الحال هكذا! بالأمس كانت بين يديه، عروس تسكن خلايا روحه، وتنبض بين أضلعه. واليوم، يفصل بينه وبينها هذا السرير الملعون البارد. لا يحتضن سوى الوجع والألم. حزن قدرت لحال ابنه، اقترب منه ووضع يده على كتفه، ثم همس بنبرة مليئة بالحزن: انهض يا بني، كن قويًا فديلان تحتاجك الآن أكثر من أي وقت مضى. ثم التفت إلى تسنيم وقال: هيا يا ابنتي، إن وصل خالك ولم يجدنا سيقلق كثيرًا. رمقته

تسنيم بنظرة دامعة وقالت: وهل نترك أخي وزوجته هكذا يا أبي؟ هز رأسه يطمئنها: سنعود صباحًا، دعينا نمنحهما بعض الوقت وحدهما، ودعينا نترك لأخيك فرصة ليلتقط أنفاسه. رحل قدرت وتسنيم، أما باران فقد بقي، كأن روحه أصبحت معلقة بأنفاسها. جلس بجوارها، أمسك يدها برفق واقترب منها أكثر. طبع قبلة طويلة على يدها، ثم

همس بصوت انكسر من الحزن: حبيبتي، يا ذات وجه الملاك. ليت ما أصابك، أصابني أضعافًا. ليتني مت قبل أن أراك على هذا السرير، هزيلة متألمة هكذا. يا صاحبة العيون الجميلة، افتحيها فقط، افتحيها لأتنفس أنا من جديد. مر الليل طويلًا، وساعات الصبر تتراكم كالجمر فوق قلبه. وبينما الفجر يقترب، إذا بها تئن ألمًا، تتحرك ودمعة تسقط على خدها. قفز من مكانه واقترب منها بلهفة. وضع كفيه على وجهها برقة،

وقبل جبينها: أنا هنا يا عمري، قولي فقط هل يؤلمك شيء؟ هل أنادي الطبيبة؟ لكن نظراتها كانت مختلفة! لم تكن نظرة وجع فقط، بل كانت تائهة، صامتة، فيها شيء من العتاب المكتوم. ظلت تحدق به وهي تتذكر كلمات فاطمة العالقة داخلها، ثم أدارت وجهها بعيدًا، كأنها تهرب من عينيه. أربكته حركتها، أوجعته. أين الترحيب؟ أين الدفئ الذي لطالما حضنه في صوتها حين تنطق اسمه؟ لماذا هي هاربة بنظراتها عنه.

حركتها تلك كانت كالسهم في قلبه، لا جرح واضح يرى، لكن الألم كان يقطع أوصاله بصمت! هو الذي انتظر ساعات طوال على أحر من الجمر، يتشبث بأمل رؤيتها، بأن تسمعه وتبتسم له، تناديه باسمه كما كانت دائمًا. وها هي قد فتحت عينيها أخيرًا، لكن بينهما حاجز صامت، جدار من الجفاء لم يعتده منها. شعر وكأنها لا ترغب في وجوده، وكأن المسافة بينهما باتت أبعد من أن تجسر بكلمة.

لكنه لم يرد أن يضغط عليها، اكتفى بأن قلبه اطمأن بأنها ما زالت تتنفس، وما زالت موجودة. جلس بجوارها، يراقبها بصمت موجوع، حتى بزغ نور الصباح. دخلت الطبيبة لتطمئن عليها، وبعد الفحص سألتها: هل لا يزال الألم شديد؟ أومأت ديلان برأسها، وردت بصوت خافت: كثيرًا. أعطتها مسكنًا وقالت: يجب أن تتناولي شيئًا قبل الدواء، لا تهملي الأمر.

خرجت الطبيبة، وقبل أن تمضي دقائق، كان قدرت قد عاد بصحبة تسنيم، ومعهما "أحمد" خال باران، والذي ما إن سمع بما حدث حتى أصر على المجيء للمشفى. كان أحمد قد علم بكل شيء من قدرت، كل ما فعلته فاطمة، كل ما سببته لديلان. لكنه رفض إخبار باران خوفًا من تهوره وغضبه العارم. دخل الثلاثة إلى الغرفة، اقتربوا من ديلان واطمأنوا عليها. كان المشهد موجعًا، لكنها حاولت رسم ابتسامة باهتة، تخفي بها وجعها الذي لا يوصف.

صدح صوت باران أخيرًا وهو ينهض من كرسيه ويلتفت إليها: سأذهب وأحضر لك شيئًا تأكلينه، يجب أن تتناولي دوائك الآن. قالها بنبرة حاول أن يخفي بها اختناقه، لكنه لم يفلح. غادر الغرفة ولحقت به تسنيم، تاركين هدوء مثقل يخيم على أرجاء المكان. اقترب قدرت منها بوجه يغمره الحزن، قال بصوت منكسر: أنا أخجل منك يا ابنتي! لا أعلم كيف سمحت فاطمة لنفسها بأن تؤذيك هكذا. لقد صدمت، ولم أصدق أن تلك هي أختي.

رفعت ديلان نظرها نحوه بذهول، لا تكاد تصدق ما تسمع. فتابع قدرت وقد لمح على ملامحها أثر المفاجأة: نعم، لقد رأيت كل شيء بعيني يا ديلان. تدخل أحمد بهدوء، وجلس إلى جوارها قائلاً: أخبريني لماذا كانت تجادلك؟ ما الذي قالته لك حتى تدفعك وتسقطي بهذا الشكل؟ أخفضت ديلان عينيها، وغلبها وجع الذكرى، فردت بصوت مبحوح: لا أريد حتى أن أتذكر كلماتها، لقد جرحتني كثيرًا.

تنهدت وتابعت: قالت إنني السبب في مغادرة ابنها، رغم أنني لا أفهم شيئًا مما حدث! سادت لحظة من الصمت، ثم أردفت ديلان وقد ترددت قليلًا: وكان هناك سبب آخر! نظر أحمد لها بدھشة، وسأل: وما هو السبب الثاني؟ أجابت بصوت منخفض، يكاد لا يسمع من ثقل الحزن: كانت تلومني على زواجي من باران، قالت إنه كان سيتزوج بميساء، وأنني خطفته منها. ثم أغمضت عينيها بألم، وتابعت: قالت كلامًا قاسيًا لا يزال يجرح روحي كلما تذكرته!

نظرت لهم بعينين دامعتين: لكن ما يؤلمني أكثر هو تصرف باران، فهو لم يخبرني بشيء عن سبب طرد طلال! وعندما سألته عن ميساء نفى. قال إنه لا يوجد شيء.. لكنني الآن أشك في كل هذه التصرفات. رد قدرت بهدوء يمتص حزنها: لا يا ابنتي، باران وميساء لا يجمع بينهما شيء صدقيني، كل ما قيل من اختراع فاطمة، فباران دائمًا كان يرى ميساء كأخت له لا أكثر.

أضاف أحمد بصوت أبوي حنون: لا تلومي باران لأنه أخفى عنك بعض الأمور، ربما لم يكن يريدك أن تتألمي! لم يقصد أن يخفي، بل كان يحاول حمايتك بطريقته. لكن فجأة وأثناء حديثهم، انفتح الباب ودخل باران بعد أن سمع كل شيء. كانت كلماتهما قد وصلت إلى أذنه، فوقفت الكلمات في حلقه، قبل أن يصرخ بذهول وغضب: ماذا قالت عمتي وماذا فعلت يا أبي! ماذا فعلت لزوجتي؟ تفاجأ الجميع من وجوده، أما قدرت فقال محاولًا تهدئته: اهدأ يا بني.

لكن باران لم يهدأ، بل ازدادت نبرته حدة وهو يصرخ: أرجوك يا أبي، أخبرني الحقيقة! أحقًا ما سمعته، هل كانت هي السبب! هل عمتي فعلت هذا..! هل هي من دفعتها؟ اندفع غاضبًا نحو الباب، وجهه يشتعل من الغضب، ولكن خاله اعترض طريقه وحاول منعه من المغادرة. صرخ باران بألم: اتركني يا خالي، يجب أن أحاسب، يجب أن تدفع ثمن ما فعلته. لقد كادت تقتل ديلان. وقبل أن يتحرك أكثر!

جاء الصوت الذي خفف وطأة النار داخله، جاء رقيقًا مكسورًا: باران، لا تذهب وتتركني. التفت لها على الفور. نظر إليها بعينين اغرقتا بدموع الحسرة، وكأن قلبه يمزق لرؤيتها بتلك الحالة. كان يود لو يحتضنها، يخبئها في صدره ويقول: لن يؤذيك أحد بعد اليوم. لكن عينيها الهادئتين كانت تناشده بأن يهدأ لأجل خاطرها. قال أحمد بثبات: يجب أن تهدأ يا بني، والدك لم يصمت، وقد فعل ما يجب مع أخته. وأيضًا لا تنسى أنها عمتك في النهاية.

عقد باران حاجبيه بغضب، وصاح بحرقة: عمتي! عمتي التي كادت تودي بحياة زوجتي؟ وقبل أن يتم كلماته. دخلت صبيحة والدموع تسبق خطاها. كانت قد تواصلت مع باران بعدما حاولت الاتصال بديلان دون جدوى، وطلبت من تسنيم أن ترشدها لغرفتها فور وصولها. اقتربت وهي تبكي بحرقة، احتضنت ديلان بقوة وهمست وسط شهقاتها: ابنتي، ما هذا الذي أراه! فداك روحي يا روح الماما، كيف حدث هذا؟ ردت

ديلان بصوت مبحوح ومنهك: انزلق قدمي عندما كنت أصعد الدرج ووقعت.. لكن يا أمي، كيف عرفت..؟ صبيحة: اتصلت بك مرارًا ولم تجيبي، فزاد قلقي وحينها اتصلت بباران، وهو من أخبرني. همست ديلان محاولة تهدئتها: أنا بخير يا أمي، لا تبكي. لكن صبيحة مسحت دموعها بانفعال قائلة: كيف بخير وأنا أراك بهذه الحالة..! ديلان همست وهي تربت على يد أمها: طمئنيني على أبي! كيف سمح لك أن تأتي؟

أجابت صبيحة: هو لا يعلم شيئاً. لقد سافر منذ أسبوع مع بعض كبار العائلة. كانت هناك جنازة ومن وقتها لم يعد. سكتت قليلاً وكأن الكلمات أصبحت أثقل من أن تُقال. نظرت إليها ديلان بتعجب: ما بك يا أمي؟ قالت صبيحة بتردد: والدك وعمك لا يزالان مُصرين على أن يأخذوكِ من هنا. كانوا سيأتون قبل سفرهم بيوم، لكن عند سماعهم بخبر الحادث تراجعوا مؤقتاً حتى يعودوا. نظرت ديلان إلى باران، وعيناها كأنها تستنجد به بصمت مؤلم.

لكن قبل أن يرد هو، جاء صوت أحمد حاسماً كالسيف: لن يجرؤ أحد على أخذ كنتي.. أنا هنا، فليأتِ من يأتي. وسيرون كيف يُنتزعوها من حضن زوجها. صمت لحظة، ثم تابع بثقة: أنا على علم بكل شيء منذ البداية. كنت أتابع مع قدرت وباران! أعلم أن مشكلتهم كانت في الطريقة التي تم بها الزواج. لكن فلتتعافَ ديلان أولاً، وبعدها سأقيم حفلاً كبيراً في قصر كارابي يشهد عليه أهل إسطنبول بأكملها. وهناك نقدم ديلان ككنة لنا أمام الجميع.

ضحكت عيون العشاق، وارتفعت الروح من جديد. الآن لم يعودوا وحدهم. الآن أصبحوا أقوى بعشقهم وبعائلتهم التي تقف خلفهم كجدار حامٍ لا يُكسر. مر الوقت. واستأذنت صبيحة بالخروج، فرافقتها تسنيم وخرج أحمد وقدرت أيضاً ليتركوا ديلان ترتاح قليلاً. اقترب باران من زوجته وعيونه لا تفارقها. جلس بجانبها ولف ذراعيه حولها بحنو. أزاح خصلات شعرها برقة، وكانت تبادله نظراتها التي تحكي آلاف الكلمات.

همس لها بصوت مملوء بالألم: هل حقاً كنتِ مُمتعضة مني؟ كيف طاوعك قلبك؟ وما ذنب قلبي أنا ليُعاقب على شيء لم يفعله؟ ألن تثقي بي؟ نظرت له بعينين ذابلتين، همست بصوت كالسحر: لا تتركهم يأخذونني منك، يا روحي. وضع رأسها على صدره، وجذبها إليه أكثر قائلاً: فليأخذوا روحي أولاً، قبل أن يفصلوكِ عني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...