نظر حمزة لحازم، جعله يجلس مكانه في صمت. سلم العميل على نورين وأبدى إعجابه بإبداعها المتميز والدقيق. قال حمزة وهو ينظر للحاضرين: "تقدروا تتفضلوا على أشغالكم، بس أنا بعد ساعة عاوز المهندسين اللي هقول أسماءهم، علشان هما دول اللي حيشاركوا معايا في مشروع المول. نورين وحازم وحاتم وشادي وإبراهيم ومنال وداليا ورنا. وباقي المهندسين يقدروا يروحوا. شكراً لمجهودكم، تقدروا انفضلوا، دلوقتي الاجتماع خلص."
قام الجميع وذهبوا لمكاتبهم. لم يكن هناك ما يحتاج للاستفسار، الكلام كان واضحاً من الذي تم اختيارهم في المشروع الجديد. قامت نجلا وهي تحمل نظرات حقد وغل لنورين، وقالت وهي خارجة: "يا بخت من كان النائيب خاله، أوعدنا يا رب لما تمشي بالحب كده مش بالشطارة." بص حمزة لحازم نظرة بمعناها أن يقوم وراها. قام حازم من مكانه وخرج وراء نجلا، وقال بصوت عالٍ ممزوج بالغضب أوقفها مكانها: "أستاذة نجلا، دقيقة من فضلك على مكتبي."
دخلت نجلا مع حازم، وكادت أن تتوقع أنه سيضحك ويشاغب كعادته، ولكنها تفاجأت بشخصية مختلفة تماماً، وكأنها تراها لأول مرة. أفاقت على صوت حازم وهو يتكلم بحزم وعصبية ويقول: "إيه اللي انتي عملتيه قدام العميل؟ ممكن أفهم؟ إحنا من إمتى بننتقد بعض قدام العملاء؟ من إمتى بنرمي كلام على بعض هنا؟ تصرفك ده غير مقبول، وأظن إنك موظفة قديمة وعارفة قواعد الشغل كويس، وإن تصرفك ده ممكن يعطي العميل صورة وحشة عننا."
فجأة انفتح الباب ودخل حمزة وشادي. التفتت نجلا لهما، ولكنها انتفضت مكانها. خبط حمزة على المكتب بشدة وقال لها: "أنا عاوز رد حالاً يا آنسة، من إمتى إحنا بنعمل كده قدام العملاء؟ وتعالي هنا، إيه رسمك الغريب ده اللي انتي رسمتيه للمول ده؟ نسميه إيه؟ استهتار ولا استهزاء بينا؟ انتي لو مبتدئة مش حترسمي بالمنظر المقرف ده."
قالت نجلا بدون تفكير: "واللهي وأنا عملت كده من ساعة ما بقت ماشية بالكوسة والوسطا، وأنا رسمت كده علشان متوقعة مين اللي هيتصقف له في الآخر، فـ ليه بقي أتعب نفسي وأفكر وأرسم رسم بجد." رفع حمزة حاجبيه وهو يستمع في صمت. ثم أكملت نجلا كلامها وقالت: "يعني لما تيجي حتة عيلة لسه متعينة امبارح وتاخد تارجت أعلى من حجمها وتاخد مميزات أقدم موظف مش معاه المميزات دي، كل ده علشان بتظبط مزاج رئيس مجلس إدارة الشركة."
استشاط حمزة من الغيظ ولم يعد قادراً على التحكم في أعصابه. ذهب إليها ومسك يدها بقوة وقال: "انتي إزاي يجيلك جرأة تقولي كلام ده؟ انتي تعرفي نورين منين علشان تتكلمي عنها بطريقة مخزية دي؟ قالت باستهزاء: "أنا مش لازم أعرفها، كفايا قوي اللي شفته بعنيا. ده كان كفايا قوي بصراحة." استغرب حمزة وكل الحاضرين من كلامها، لأن نورين من ساعة ما جت الشركة ما اجتمعتش مع حمزة في مكان بمفردهم، بل العكس، كل ما يشوفها يستشيط عليها.
قال حمزة بتعجب: "يا ريت الست المحللة تقولنا شافت إيه بعنيها، خلينا نعرف إحنا كمان." قالت بضحكة سخرية: "لما تبقي مهندسة محترمة ونازلة من عربيتك الساعة سبعة الصبح معاكوا وانتوا داخلين سوا شركة، يعني كده من غير تخمين حتكونوا جايين منين؟ من الجنينة؟ كنت بتفسحها مثلاً ولا كنتم بتبيعوا لبن بدري قوي كده؟ جن جنون حمزة وكاد أن يفتك بها لولا أن شادي مسك يده في آخر لحظة. قالت نجلا باستفزاز: "ممكن حضرتك تدي تفسير لكلامي؟
رد حمزة بغضب: "وأنا أفسرلك بتاع إيه؟ وانتي مين أصلاً علشان أفسرلك أنا بعمل إيه؟ انتي هنا موظفة في شركة تعملي الشغل اللي يطلب منك وبس، لكن تخشي في حياتي أو في حياة أي حد من الموظفين هنا ده مش من حقك أصلاً. مين عطاكي الحق بكده؟ قالت وهي تعدل شعرها: "خلاص بقي، ما تقعدش تعمل حوارات واجتماعات علشان نقعد نصفق للهانم اللي انت أصلاً قايلها تعمل إيه وتقول إيه علشان تبان إنها أشطر مهندسة هنا في الشركة."
استعجب الجميع من طريقة تفكيرها. قال حمزة: "بصي يا نجلا، أنا مش مسؤول عن طريقة تفكيرك المريضة. مش حادخل جوه مخك علشان أقنعك بحاجة انتي مش عاوزة تقتنعي بيها أصلاً ومش حتقتنعي غير باللي في دماغك. كل اللي مطلوب منك خليكي في شغلك وما تشغليش بالك بحد. ملكيش في بقي أقرب من مين أو بعد عن مين، ده ما يشغلكيش.
وقدام الكل يا نجلا، لو صدر منك التصرف ده تاني اعتبري نفسك برا الشركة خالص. أنا مش حأسكت لحد من العملاء يعيب علينا وعلى طريقتنا، مفهوم؟ قالها حمزة وتركه المكتب بأكمله وهو في قمة غضبه. دخل حمزة مكتبه دون أن يتكلم مع أحد. كان يود أن يتلقى أنفاسه ويهدأ قليلاً قبل الاجتماع الثاني. دخلت عليه نورين. لقد لمحتة وهو داخل ورأت علامات الغضب على وجهه. دخلت وقالت بصوت حنون: "باشمهندس حمزة، انت كويس؟ في حاجة أقدر أعملها لك؟
انتبه حمزة لصوتها ورفع عينه عليها وقال: "لأ يا نورين، شكراً. تعالي اقعدي." ثم أكمل: "إيه عاملة إيه انهارده؟ ما حستيش بأي تعب في رجلك؟ قالت نورين وهي تنظر لأقدمها: "لأ طبعاً. تعبت وهموت وأمشي حافية شوية. بصراحة جزمة، على قد ما هي عدلة رجلي ومش مخلية حد ياخد باله من الإعاقة، على قد ما بتوجعني جداً." وبدأت سحابة دموع تتجمع في عينها. قام حمزة وبدون خجل جلس قرفصاء وبدأ يفك رباط
الحذاء الخاص بها وقال لها: "ريحي رجلك شوية، محدش يقدر يدخل هنا من غير إذني." أغمضت نورين عينيها في خجل شديد وقالت: "حمزة، انت بتعمل معايا كده ليه؟ انت حتى متعرفش عني أي حاجة ومش معقول كل ده من مجرد كلمتين جدتك حاكت عني فيهم." قال حمزة وهو يرفع عينه لها: "تصدقي أنا كمان مش عارف بعمل معاكي كده ليه؟ مش عارف ليه مشدود ليكي قوي، كأن فيكي مغناطيس بيجذبني ليكي."
ثم قام وقف وقال: "أنا حاسس إنك جواكي واحدة قوية، حتقدري تتغلبي على ظروفك دي وتبدأي من جديد. عارف ومتأكد إنه مش سهل على الإنسان يتخلي عن حلم كان بيحلم بيه، بس إحنا اللي عملنا الحلم مش الحلم اللي عملنا. يعني نقدر نحلم من جديد تاني." ورفع وجهها الأعلى برفق وقال: "نورين، انتي لازم تثبتي للكل إنك أقوى من الإعاقة ومش الإعاقة هي اللي حتوقفك. خسرنا حلم نحلم تاني حلم جديد وفكر جديد، انتي فاهمني؟ قالت له
وهي تجفف دموعها بظهر يدها: "بس أنا يا حمزة، كنت بحب الباليه قوي، وكمان كان نفسي أحقق حلم بابا. هو كمان كان بيحب الباليه وهو اللي حببني فيه." تقدم حمزة منها وشدها من يدها برفق لتقف وقال بحنان مبالغ فيه: "ومين قالك إنك حتبطلي ترقصي؟ ضحكت باستهزاء: "هو في راقصة باليه عرجة؟ تقدم أكثر منها، يكاد بشعر بأنفاسهما، وقال: "ومين قال إن العلم توقف؟
أنا بعت أطلب حذاء باليه مخصص لحالتك، وصدقيني أنا معاكي لحد ما تحققي حلمك يا نوري." احمر وجهها لقربه الشديد منها، وأقسمت أنه سمع ضربات قلبها التي تكاد تخترق صدرها من كثرة الخفقان. قرب حمزة منها ومسك يدها وقال لها: "فرصة بقي، إحنا لوحدينا. فرجيني بترقصي إزاي." احمر وجهها بشدة وقالت: "مش حينفع أرقص، حتضحك عليا وعلى رجلي." بص في عينيها بحنان وقال: "جربي، فرجيني بترقصي إزاي، ويا ترى شاطرة في زي ما شاطرة كده في الهندسة."
وشغل من على موبايل موسيقى هادئة، وبدأت نورين تتمايل بحركات مبدعة على أنغام الموسيقى، وأخرجت كل الطاقة السلبية وهي ترقص وتجاهلت الإعاقة تماماً ونسيت نفسها واندَمَجَت مع الموسيقى وكأن صوت الموسيقي سحرها لعالم تاني تعيش فيه بمفردها على أنغام الموسيقى. ظلت ترقص وترقص اللي أن تعبت وكادت تفقد توازنها، وارتَمَت فجأة في حضن حمزة.
لحقها حمزة قبل أن تسقط وضمها إلى حضنه وكأنه يود أن يستنشق أكبر قدر من راحتها بداخلة. ظل خاضتها اللي أن التقطت أنفاسها. حملها ووضعها على أقرب كرسي، وبخضة قال لها: "إيه يا نوري؟ تعبتي؟ نطلب دكتور؟ ابتسمت نورين وهي تنهج من فرط التعب وقالت: "أنا أسعد حد انهارده، بجد شكراً جداً على كل الدعم اللي بتدهولي." وفجأة أطرق الباب. قامت نورين مسرعة ترتدي حذاءها، وجرى حمزة مسرعاً يجلس خلف مكتبه.
دخل الطارق دون النظر لرد، وكان شادي. ظل شادي ينظر لهما وعلا وجهه علامات التوتر. غمز شادي لحمزة وقال: "إيه مال لونك مخطوف كده ليه؟ انت كويس؟ صطنع حمزة الجدية وقال وهو يضغط على أسنانه: "آه يا شادي، كويس. خير، عاوز إيه في يومك ده؟ ابتسم شادي على كلام صديقه، فهو يعرفه منذ كان طفلاً ويعرفه وهو متوتر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!