قال شادي وهو يجلس ويضع قدم فوق الأخرى: عاوز سلامتك يا ميزو. أنا بس كنت جاي أشوفك، وحشني قوي يا ميزو. ضغط حمزة على أسنانه بشدة، دليل على شدة غضبه: أنا زي الفل كويس، منا لسه سايبك برا. لحقت أوحشك امتى؟ قوم فز من مكانك. في هذه الأثناء، انتهت نورين من ربط حذائها وقالت وهي تستعد للرحيل: أستأذن أنا، وحاجي على معاد الاجتماع، عن إذنكم. خرجت وأغلقت الباب خلفها.
وبحركة مفاجئة، جلس حمزة على المكتب وشال شادي من ملابسه، كاد أن يخنقه. حمزة بغضب: يا بارد يا رخم! ده بزمتك وقت تخش فيه؟ وأنا مقلتلكش تخش، بتخش ليه؟ ولا هي رخامة عندكم وراثة؟ دخل عليهم حازم وبرق بعينيه، وجرى على شادي وقال له وهو يضع يده في جيبه: إيه ده في إيه؟ شكلك عملت حاجة كبيرة تستاهل. نظر له شادي من تحت يد حمزة وقال: خلصني منه يا واد، حيموتني في إيده. قال له حازم وهو يصفر: أخلصك من مين؟
أنت مجنون يابني، ده هولاكو. هو العمر بعزقة؟ التفت إليه حمزة وهو غاضب وترك شادي ومسك حازم: أنا بقي حوريك هولاكو حيعمل فيكم إيه انتوا الاتنين. اتعدل شادي وبدأ يعدل ملابسه ونظر لحازم: أحسن، تستاهل. شوف مين بقي حيخلصك من إيده. تعدل حمزة وقال: الكلام ليكم انتوا الاتنين. والثلاث الهيمان اللي سارح ورا خطبته من مكتب لمكتب. ثم رفع إصبعه محذرًا: إياكم ثم إياكم. سمعين؟
أي جحش من هنا ورايح يخبط عليا ويدخل من غير ما أقول "ادخل". ما مفهوم؟ علة حد فيكم ما بينفذش. أطلق حازم صافرة طويلة وقال: أوبااا. وغمز لشادي: هو هولاكو اتقفش متلبس ولا إيه؟ جلس شادي وقال: مش بالظبط، حاجة شبه كده. وقف حمزة وقال وهو يرفع يده: برا يلا منك له. وما أشوفش وشكم غير على الاجتماع. وما تنسوش تشوفوا النحنوح التالت فين. عندنا شغل مهم. اخلصوا. خرج كلا من حازم وشادي وعلى وجههم ابتسامة.
جلس حمزة يهدئ من روعه وماسك الهاتف المحمول واتصل برقم وقال: أيوة يا سعيد. إيه الأخبار؟ قدرت توصل لحاجة؟ قال الطرف الآخر: لأ لسه يا بيه. استشاط حمزة وقال بصوت حاد مفزع: إيه اللي لسه؟ هي معادلة كميا؟ أنت حتروح المسرح وحتسأل العمال بطريقة غير مباشرة عن راقصة اسمها نورين، ومين من البنات كانت بتكرها. وعن تفاصيل الحادث وإيه اللي حصل يومها. ومين من العمال اللي كان موجود اليوم ده. وأكيد في كاميرات مراقبة. قال الطرف الآخر:
منا عملت كده. بس العمال كلهم أول ما بتيجي سيرة الأنسة نورين الجو بيتكهرب وبيخافوا وعاوزين يمشوا. وبالنسبة لكاميرات المراقبة الشرطة اطلعت عليها. وكان اليوم ده ممسوح كله منها وكأنه ما جاش أصلاً. قال حمزة وهو يستعد لمغادرة المكتب: آه، تبقى الحكاية زي ما توقعت. مدبرة. تمام يا سعيد، خليك ورا الموضوع وأنا حتصرف بردوا. في هذا الأثناء، كان قد بدأ الموظفين الذين لم تذكر أسماؤهم يغادرون الشركة.
وقفت نورين في شرفة المكتب تحتسي قدحًا من القهوة وهي مركزة في الشارع. وفجأة فتحت فاها على الآخر ونزل الكوب من يدها. دققت النظر جيدًا وهي غير مصدقة لما يحدث. كانت نجلاء واقفة تنظر لأحد ما وهي تنظر لساعة يدها. ووقفت سيارة، سلمت نجلاء على ما بداخلها وركبت معها. وما كان داخل السيارة سوى فرح، عدوتها اللدود. وهي على يقين تام أن لها يد فيما حدث. فرح فتاة من عائلة ثرية، دائمًا تحصل على كل ما تريد دون التفكير في الغير.
وقفت نورين غير مستوعبة ما يحدث أمامها. أهي حقًا فرح أم خيالها يصور لها هذا؟ ولكن زاد تأكيدها عندما نزلت فرح من السيارة تنظر على إطارات السيارات من الخارج وركبت وانطلقت بالسيارة. استعادت نورين رباط جأشها وبلعت ريقها بصعوبة، وكأن الحادث يحصل أمامها من جديد. استعادت كل ذكريات الماضي المؤلمة، وكان ظهور فرح بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير. نظرت نورين لساعة يدها وصرخت فجأة: يالهوي! الاجتماع.
تركت نورين الكوب على مكتبها وأخذت الملف الموضوع على المكتب وجرت مسرعة غير مبالية بآلام في قدميها. دخلت حجرة الاجتماعات وتنفسّت الصعداء، كان حمزة لم يصل بعد. لمحها حازم وابتسم وشاور لها أن تأتي. ذهبت نورين حيث يجلس حازم ومالت عليه وقالت بهمس: أوف! أنا قلبي وقع في رجلي. قلت هولاكو جه وأنا راحت عليا. قال حازم وهو يضحك: آه يا بنتي، هو الجبن سيد الأخلاق. آه، بس مش لدرجة. قالت له نورين:
عيب عليك جبن إيه بس. أنا بقي منظري ياكي خالص. كل شوية يزعقلي بسبب التأخير. دخل حمزة من الباب ولمحها وهي واقفة وتميل ناحية حازم ويضحكان في همس. مر من جانبها دون أن يتحدث وقال بصوت حاد:
الكل مكانه. مافيش وقت يضيع أكتر من كده في المحادثات الجانبية. وياريت اللي عاوز يتكلم يتفضل ينسحب من الاجتماع. أنا معنديش وقت يضيع خالص. النهارده كل دقيقة ليها تمنها. أنا اتفقت مع العميل على معاد التسليم. تأخير دقيقة مش حسمح بيه. الالتزام ثم الالتزام. أنا مش حتهاون مع أي حد حيشارك في المشروع. ومن دلوقتي بقول اللي شايف نفسة مش حيقدر يلتزم يقول من دلوقتي. علشان أنا مش حرحم أي حد حيقصر في الشغل. وأظن الكل عارفني ببقى عامل إزاي وأنا شغال في أي مشروع. وبالذات المشروع ده حينقل الشركة في حتة تانية خالص. علشان كده بعيد كلامي. اللي شايف نفسة مش قدها يقول. علشان محدش يرجع يزعل من رد فعلي. حكون عنيف أكتر ما تتخيلوا مع الكل. تمام؟
حد عنده أي استفسار على أي حاجة؟ أظن كل حاجة تخص المشروع ناقشناها الصبح مع العميل. ودلوقتي حقسم الشغل عليكم. وبدأ يقسم الشغل على المهندسين على حسب الجزء اللي تم رسمه في الورق. انتهى حمزة من تقييم الأدوار ولكنه لاحظ شرود نورين من أول الاجتماع وكأنها سرحت بخيالها بعيدًا عنهم. قام حمزة من مكانه وقال: تمام يا باشمهندسين، تقدروا تروحوا. ثم التفت إلى نورين وقال: آنسة نورين، عاوزك في مكتبي شوية من فضلك.
أومأت نورين برأسها موافقة وذهبت معه دون أن تتفوه بأي كلمة. دخل حمزة مكتبه وجلس على كرسيه في انتظار دخولها خلفه. دخلت نورين ببطء متناهي وكان شعور العجز عاد من جديد. نظر لها حمزة واستغرب من طريقتها، وكأن الزمن رجع بها مرة أخرى وتوقف عند إحساسها بالعجز مرة أخرى. قال حمزة وهو يتكئ على المكتب: فيه إيه يا نوري؟ أنتي ما كنتيش معانا خالص في الاجتماع وأنا بتكلم. إيه اللي حصل وغير مزاجك كده؟
لما كنتي هنا قبل الاجتماع كان مزاجك أحسن. إيه اللي حصل؟ قالت له نورين وهي تنظر في لا شيء: تصدق بالله الدنيا دي صغيرة قوي وتضيق من خرم إبرة. كشر حمزة عن أنيابه وهو يستطيع أن يركز في كلامها: لأ مش فاهم، ممكن توضحي قصدك إيه؟ قالت نورين وهي تنظر إليه:
أنا كنت خارجة من المكتب عندك وأنا كلي طاقة وحاسة أن الدنيا رجعت تضحك ليا تاني بجد. لما رقصت وحسيت أن العجز مش نهاية، لأ دي بداية طريق جديد. ارتحت. لكن دائمًا القدر مش عاوزني فرحانة. تعدل حمزة وقال باهتمام: هو إيه اللي حصل لكل ده؟ قالت نورين وكأنها تسترجع الماضي بكل قسوة: أنا قلت أشرب قهوة لحد معاد الاجتماع. فتحت شباك المكتب قلت أشم هوا وشفت آخر حاجة ممكن أتوقعها. قال حمزة بفصول: شوفتي إيه يا نوري؟ اخلصي قلقتيني.
قالت نورين، يشبه ابتسامة: تخيل! شوفت نجلاء واقفة مستنية عربية تاخدها من تحت المكتب. حمزة بعدم اكتراث: وإيه يعني؟ تركب مع اللي عاوزة تركب معاه. إحنا إيه دخلنا؟ أنا مش فاهم. قالت نورين بعصبية: لأ دخلنا. لما تركب عربية مع أكتر حد بيكرهني يبقى دخلنا. لما تركب مع اللي آذتني واتسببت أن أعيش معاقة باقي عمري يبقى دخلنا. قام حمزة وقف وظهر على وجهه علامات الاندهاش وقال باهتمام: لأ، واحدة واحدة كده واحكيلي بالتفصيل. فيه إيه؟
علشان أنا مخي بدأ يتوه منك. جلست نورين وبدأت تقص عليه كل تفاصيل القصة كاملة من أول إعجابها بوليد اللي أن تم الحادث ومقابلة نجلاء مع فرح. استمع حمزة لقصتها كاملة وهو يغلي من داخله من الغيرة من وليد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!