سرحت نورين ليوم الحادث. دخلت نورين صالة الرقص بعد الفضيحة وراسها مرفوع لأعلى. التقت عينها بوليد. تقدم منها قليلاً وهو يحك رأسه وقال لها: "انتي عجبك الفضيحة اللي حصلت؟ مبسوطة كده؟ قالت له وهي ذاهبة لتغير ملابسها: "وليد، خلص الكلام بينا. أصلاً مافيش أي كلام يتقال، وأنا أصلاً مش عايزة أسمع صوتك من الأساس." وتركته وذهبت لكي تبدل ملابسها. التفت وليد إليها وشدها
من يدها بعنف وقال لها: "بعملتك دي انتي ضيعتي مستقبلي. بس وغلاوتك ما حعدهالك يا نورين." شدت يدها منه بقوة ورفعت إصبعها محذرة: "اياك اياك تاني مرة تحط ايدك عليا أو تلمسني. آخر وأول مرة تعملها، فاهم." وتركته وذهبت. وضع وليد يده على رأسه من الغيظ. ثم التقت عيناه بفرح. بعثت له فرح نظرة مطمئنة ثم ابتسمت بخبث.
بدأت نورين في عرض رقصاتها أمام اللجنة النهائية لكي تختار بين الراقصات من ستمثل مصر في الخارج. اندمجت نورين في الرقص غير مبالية بأي شيء حولها. لم تدرك أن خشبة المسرح مفرغة من الداخل. بدأت نورين العرض واندمجت. وفجأة وبدون سابق إنذار، وقعت بها خشبة المسرح. وقعت نورين ولم تقدر على النهوض على قدميها. انقلب المسرح على قدم وساق. وأسرعت عربات الإسعاف، تم نقلها لأقرب مشفى من المسرح. وفور دخولها المشفى، خضعت لإجراء عملية جراحية في ساقها مما ترك لها إصابة في الساق اليسرى. وبعد مضي مدة طويلة، خرجت من المشفى بعد علاج خضع لشهور وهي على كرسي متحرك. وقد تسرب إليها اليأس من كل شيء وفقدت معها كل شغف الحياة، بل وفقدت الحياة.
فاقت نورين على صوت حمزة ينبهها بوصولهم. التفتت له نورين بعينان مدمعتان وقالت: "احنا وصلنا فين؟ متهيقلي من حقي أعرف دلوقتي أنا رايحة فين." لمح الدموع في عينها ولكنه تغافل عنها. قال لها وهو يفك حزام الأمان استعداداً للنزول: "طبعاً لازم تعرفي. احنا وصلنا لأول خطوة في طريقك الجديد. من هنا حتتولد نورين جديدة. يلا بقي كفايا تضيع وقت وانزلي."
نزلت من السيارة وهي تجهل كل ما حولها. دخلت معه لمبنى كبير. أدركت بعد ذلك أنها شركة كبيرة للإنشاءات. دخلت نورين المصعد معه وقلبها يخفق بشده. التقت عيناهم مرة أخرى، ولكن هذه المرة نظراتهم مختلفة. فكل واحد كان يحمل مشاعر إعجاب للآخر. نظر لها حمزة وكأنه يراها لأول مرة. كانت في عينيه نظرة مختلفة. كان الشوق في عينيه يتحدث.
أخجلت نورين من نظراته وتوردت وجنتيها من الخجل. ونظرت في الأرض هروباً من نظراته. ولكن سيطر على مشاعره كالعادة، فهو لديه قدرة في التحكم في مشاعره ولديه قدرة أخرى في إظهار عكس ما يشعر به. وارتسم على وجهه الجمود. تعجبت نورين من شخصيته ولكنها فضلت الصمت. وصل المصعد للطابق المقصود. قال لها وهو يخرج من المصعد بصيغة الأمر: "يلا تعالي وصلنا." ذهبت ورأه وهي كالمغيبة، لا تدري على أي أرض ترسو.
وصل حمزة عند مكتب كبير وأنيق. أطرق الباب ودخل. كانت وراء المكتب تجلس سيدة حسناء وأنيقة جداً. قال لها حمزة وهو يثني على جمالها بعينيه: "صباح الخير أستاذة نجلا." قالت له بقليل من الدلع وهي تعدل من شعرها لتلفت انتباهه: "صباح الخير استاذنا. إيه الزيارة الجميلة دي؟ قال لها وهو
يتجاهل طريقتها في الحديث: "اتفضلي استلمي الأستاذة نورين. مهندسة جديدة معانا. عاوزها تعرف كل حاجة عن شغلنا وعن الصفقات اللي دخلناها وعن المشاريع الجديدة. و عاوزك تخصصلها أصعب مشروع ويكون من نصيبها." قلت له متعجبة: "معقول انت حمزة الأنصاري حيمسك مهندسة جديدة تحت التدريب مشروع صعب للدرجة دي؟ انت واثق في قدرتها؟ طيب نجربها في مشروع صغير ونشوف حتصمد معانا ولا إيه؟ ثم نظرت
لها من فوق لتحت وقالت: "أصل بصراحة شكلها مش بتاعت شغل." ثم التفت لها وقالت: "سوري يا آنسة. أنا صريحة وده شغل وأنا اللي مسؤولة قدام الإدارة. وشكلك يعني مش بتاعة شغل." نظرت لها نورين وقالت وهي تجلس على المقعد أمامها وتضع ساق فوق الأخرى وبتحدي: "هو انتي تعرفيني منين يا آنسة علشان تحكمي عليا؟ حأقدر أشتغل ولا لأ؟ قبل ما تحكمي على حد ما تعرفهوش، شوفي شغله الأول وبعدين اتكلمي. ولا هو كلام وبس؟
قامت نجلا من على مكتبها وقربت من نورين وقالت بهلجة تهديد: "تمام يا آنسة. حنشوف حتقدري تصمدي لحد امتى؟ يوم يومين أسبوع؟ هنشوف." قربت منها نورين بشدة وقالت وهي تغمز بعينيها: "حتشوف يا قمر." قطع كلامهم حمزة وقال بجدية تامة، ولقد عاد حمزة الأنصاري رئيس مجلس إدارة شركات الأنصاري للبناء والتعمير والرسم الهندسي: "تمام يا أنسات. هاسيبكم أنا عشان عندي اجتماع مهم. وأنتم شوفوا شغلكم."
ثم تذكر شيء ما: "آه نجلا حضري الملف فيلا الشرقاوي. وخلي نورين تشوف الرسم الهندسي للجدار اللي عاوزين يوسعوا بيه." ثم التفت إلى نورين وقال: "وانتي يا آنسة حتشوفي الملف وعاوز في ظرف ساعة يكون الرسم الهندسي قدامي." وتركهم وغادر المكتب دون النظر لهم. قامت نجلا من مكانها وهي تتباهى بملابسها: "اتفضلي الملف اهو. ومكتبك هيكون برا. اتفضلي يا آنسة اشتغلي."
أخذت منها الملف وغادرت هي الأخرى المكتب. وبدأت تشعر بألم حاد في ساقها ولكنها تحملت الألم ولم تظهر أي علامات على وجهها. خرجت تبحث عن مكتبها. وجدت فتاة تجلس على مكتب مجاور. تقدمت منها وابتسمت وقالت لها: "أنا نورين. المهندسة الجديدة. بصراحة بدور على المكتب بتاعي مش لاقياه." ابتسمت لها الفتاة وقالت لها وهي تشير إلى المكتب المجاور: "اقعدي هنا. هو ده مكتبك." مدت
يدها تصافحها وقالت لها: "أنا رنا. زميلتك في مكتب هنا. اتشرفت بيكي يا نورين." ابتسمت لها نورين وقلت بمرح: "نوري. قوليلي نوري." ابتسمت رنا وقلت بحب: "ماشي يا نوري. وأجمل نوري والله." دخل عليهم شاب في الخامسة والعشرين من عمره يتحدث في الهاتف ولكنه توقف فجأة فور وقوع عينه على نورين. أطلق صافرة إعجاب وقال وهو يتكئ على المكتب: "بت يا رنا. هو من امتى القمر بيطلع بالنهار؟ مين دي؟ هو حمزة ذوقه اتحسن إمتى؟
قالت رنا ضاحكة: "ونبي منا عارفه. وخد التقيلة بقى. إنهاردة شوفته بيبتسم." قام من على المكتب وقال بتعجب واضح: "أحلفي كده؟ حمزة هولاكو؟ ابتسم ومخافش أحسن وشه يشقق." سمعوا ضحكات متقطعة وعيون ضاحكة تراقب حديثهم. قال لها وهو ينظر بها: "يالهوي. هو القمر بيضحك معانا كمان؟ قلتيلي بقى انتي اسمك إيه؟ قالت له بشقاوتها المعتادة ومدت يدها تصافحه: "على فكرة مقلتش اسمي. بس أنا نورين. مهندسة جديدة معاكم." اتعدل
باهتمام وقال غير مصدق: "أحلفي؟ انتي نورين أسطورة تيته إحسان صح؟ قالت نورين باستغراب: "امممم. أنا بقى نورين. انت بقى مين فيهم؟ حازم ولا حاتم؟ أطلق صافرة إعجاب ثانية وقال: "أرفع القبعة احتراماً بذكاء الآنسة دي. تيته إحسان حكتلك تاريخ حياتنا بقى؟ أنا ياستي حازم. بس قوليلي انتي إيه اللي عرفك على هولاكو؟ ابتسم وضحكت عينها: "جدتك طبعاً. اللي صحيح هي عاملة إيه؟
وفجأة عم الصمت أنحاء المكتب وصمت الجميع عن الكلام. دخل عليهم حمزة بهيبته المعتادة وأطلق نظرة غضب على نورين وقال بتحفظ تام: "خلصتي الرسم المطلوب منك يا آنسة ولا لسة؟ ارتبكت نورين من طريقته وقالت باهتزاز: "لأ. أصلي كنت لسه بتعرف على المكتب و وعلي... قطع كلامها وهو ينظر لها
نظرات غاضبة وقال بعصبية: "متهيقلي يا آنسة إحنا مش جايين هنا نلعب ونتكلم ونتعرف على بعض. إحنا هنا جايين نشتغل وبس. لكن القهوة اللي انتم عاملينها دي مش هنا. اتفضلي يا آنسة خلصي شغلك. قدامك ربع ساعة ويكون الرسم عندي. وتجبيه بنفسك عشان تحضري الاجتماع." ثم التفت إلى حازم وقال له بصيغة الأمر: "حاصلني على مكتبي بسرعة." والتفت ونظر لها نظرة محذرة دون أن يتفوه بكلام وغادر المكتب. قام حازم
من مكانه وهو يحك رأسه: "ينهار مش فايت. روحنا ورا الشمس." "نظرات حمزة ما طمنت. استرها يارب. أنا رايح عنده بدل ما يجيلي تاني." دخل حمزة مكتبه وهو في قمة غضبه والغضب ينهش بداخله. نعم، لقد غار عليها من هزارها مع أخيه ولا يدري لماذا تسرب له هذا الشعور بالغيرة. حاول أن يبعد هذا الشعور عنه ولكن كان مسيطر عليه بل ومتأكداً منه لأقصى حد. أطرق الباب ودخل حازم بشقاوته المعتادة وقال وهو يتصنع البسمة خوفاً
من رد فعل أخيه: "نعم يا ميزو. كنت عاوزني في إيه؟ خبط حمزة بيده على المكتب بشدة وقام من مكانه وقرب بشدة من حازم وقال بصوت يشبه الفحيح: "إحنا هنا في شركة مش في البيت. وأنا هنا مديرك. أنا اسمي الباشمهندس حمزة. وانت هنا المهندس حازم. إحنا مش قاعدين في بيتنا. و تاني مرة يا محترم ماينفعش تقعد تهزر مع الموظفين كده. مفهوم؟ لم يرد حازم عليه. كرر حمزه سؤاله ولكن بصوت مرتفع: "مفهوم؟
انتفض حازم وقال: "مفهوم مفهوم يا حمزة. خلاص بقى. بس بيني وبينك البت اااايه؟ أجمل بكتير من حكاوي تيته عنها. جامدة زي ما قال الكتاب." خبط حمزة على المكتب بعصبية مبالغ فيها وقال وهو يعتصر قبضة يده: "خلاص بقى نسيب شغلنا ونقعد نتغزل في الموظفين اللي عندنا؟ لاحظ حازم عصيبة أخيه المبالغ فيها وابتسم في خبث على حال أخيه فقد أصيب بداء العشق. دخل عليهم شادي وهو صديق حمزة المقرب وقال في مرح: "إيه هلاكو. صوته طالع ليه؟ خير؟
نظر له حمزه في غضب وقال: "يلا على الاجتماع. ما عندناش وقت يضيع أكتر من كده." نظر شادي إلى حازم وغمز له بعينيه. سأله ما به. رد عليه حازم بنظرة عدم اكتراث ورفع أكتافه دليل على عدم معرفته. دخلا جميعاً غرفة الاجتماعات وبدأ الاجتماع.
في حين انهمكت نورين في التدقيق في الملف ورسم التخطيط المطلوب منها بدقة وحرفية تامة. انتهت من الرسم وجمعت جميع أوراق الملف وقامت بحركة مفاجأة. شعرت بألم شديد في ساقها لم تقدر على تحمله لدرجة أدمعت عينيها من الألم. لاحظت رنا تهجم وجهها وعلامات الألم ظاهرة عليه. رنا بصوت لا يخلو من القلق: "خير يا نوري. مالك؟ ملامح وشك ما تتفسرش. في حاجة تعباكي؟ أجابت نورين بصوت مخنوق: "لأ لأ. مافيش. أنا كويسة جدا."
في هذه اللحظة طلعت نجلا من مكتبها وعلى وجهها ابتسامة سخرية وقالت باستفزاز: "يا ترى بقى موظفتنا النشيطة خلصت الرسم ولا محتاجة استعانة بصديق؟ قامت نورين وتحملت ألم ساقها: وردت بثقة: "خلصت طبعاً. دي حاجة بسيطة خالص." نجلا وقد تغيرت ملامح وجهها تماماً: "يلا بسرعة على أوضة الاجتماعات. باشمهندس منتظر الرسم." قامت نورين ببطء بسبب الألم في ساقها وتناولت الملف من على المكتب.
قالت نجلا في استهزاء: "خير يا آنسة. أجي أشيلك أوديكي ولا إيه؟ الباشمهندس ما عندوش صبر. البطيء ده شكلك مش حتعمري كتير معانا هنا. أنا حروح أنا وأنتي تعالي على مهلك. مش ناقصة علل بصراحة." ذهبت نورين بدون أن تتطلع على نجلا وكأنها لم تتحدث. وصلت لغرفة الاجتماعات وقد وصل الألم لأقصاه. طرقت الباب ودخلت. التفت إليها كل الجالسين في الاجتماع. نزل شادي قدمه من على
الأخرى وأطلق صافرة وقال: "اوبا اوبا. مين القطة دي يا واد يا حازم؟ هو في جمال كده؟ يالهوي. هو ذوق أخوك اتغير خالص في الموظفين؟ مش كفاية علينا قرفنا بنجلا؟ الواحد بيصبح بوشها." لاحظ حمزة نظرات الإعجاب في عيون كل الجالسين. استشاط غيظاً أكثر وقال بصوت متهجم: "انتي حتفضلي واقفة كده كتير؟ إيه جاية من مكتبك تقفي؟ اتفضلي خشي يا آنسة اقعدي." دخلت نورين ببطء شديد. لاحظ حمزة حركتها وأدرك أن ساقها يؤلمها.
أغمض عينيه بشدة وقال: "أقدم لكم المهندسة نورين. جديدة معانا وهي اللي ماسكة رسم فيلا الشرقاوي. اتفضلي يا آنسة اعرضي رسمك على فريق العمل." قامت نورين ببطء وفتحت لوحة مخطط الرسم وعلقاتها على الحائط المخصص لذلك وبدأت الشرح بكل دقة. أعجب حمزة بطريقة شغلها ودقتها المبالغ فيها. ولكن أثار غضبه نظرات حازم وشادي لها. فقال بصوت مرتفع: "اتفضلي اشرحي وانتي قاعدة. مش لازم جو الاستعراض ده يا آنسة."
احمر وجهها من الخجل. لقد أحرجها أمام كل الحاضرين وأدمعت عينيها قليلاً. ابتسمت نجلا في شماتة وبعثت لها نظرة تؤكد صدق حديثها أنها لم تتطول في العمل. تجاهلت نورين نظرات نجلا واستمرت في شرح المخطط. نالت نورين إعجاب كل الحاضرين من طريقة شغلها وطريقة شرحها السهلة والمبسطة. فور أن انتهت من شرح شغلها قام كل الحاضرين من مجالسهم والتصفيق حار لها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!