دخل عليها حمزة وكانت مستلقاه على سرير المشفى. فتحت عينيها أول ما شعرت به وقالت: "بعتذر عن اللي حصل، بس أنا فعلاً ما حسيتش بنفسي. آسفة لو بوظت لك الاجتماع." نظر حمزة لها بلهفة شديدة وقال: "انتي كويسة دلوقتي؟ حاسة بحاجة بتوجعك؟ قالت له وهي تتحاشى النظر لعينيه: "لا، أنا بقيت كويسة الحمد لله، أحسن كتير. وعايزة أروح البيت، زمان ماما قلقانة عليا." قرب منها حمزة وبدون مقدمات شالها فجأة وضمها لصدره.
تفاجأت نورين بما حدث وفتحت فمها على آخره. ابتسم حمزة وقال بسخرية: "اقفلي بوقك ده، أحسن حاجة تخش فيه وانتي فاتحاه كده." ابتسمت نورين في خجل من وقع كلماته وقالت: "من فضلك نزلني، ما يصحش كده، الناس بتبص علينا." نظر حمزة لوجهها ليجده مصطبغًا بالاحمر من الخجل. قال لها وهو يضعها في السيارة: "إيه يابنتي بقيتي شبه الطمطماية من كتر الكسوف؟ ليه كل ده؟
أنا شلتك عشان دكتور منعك تمشي على رجلك انهاردة خالص، ممنوع المشي، سامعة اللي بقوله؟ هزت نورين رأسها مؤكدة لكلامه. ركب حمزة السيارة وربط حزام الأمان وانطلق في القيادة. *** وفي فيلا حمزة. يدخل حازم يتبختر في مشيته وهو يطلق صفيره المعتاد. دخل حازم ليجدهم على مائدة الطعام يتناولون طعام الغداء. قال حازم وهو ينظر إليهم: "لا سلام على طعام، أنا جعان موت، عاملين أكل إيه يا بشر؟ نظر له حاتم في سخرية وهو يضع الشوكة في فمه:
"يابني انت على طول عامل دوشة كده، في إيه؟ اهدي شوية كده والأكل قدامك، كل وانت ساكت." التفت إليه حازم وأخرج يده من جيبه وقال: "لا، سيبالك العقل أنت وهولاكو، لكن أنا بحب الجنان موت." ابتسم والدهم على خفة دمهم وقال وهو ينظر لحازم: "أمال فين أخوك مش ظاهر من امبارح؟ خير بيعمل إيه؟ رفع حازم عينيه والتقت نظراته مع جدته وقال:
"عنده شغل كتير يا بابا، وبيروح ينام في شقة تيتا القديمة. انت عارف بقى حمزة لما بيكون داخل على مشروع جديد بيحب الهدوء وإنه يكون لوحده." قال الأب دون النظر له: "تمام، مافيش مشاكل." قامت الجدة من على المائدة وألقت نظرة ذات معنى لحازم وحاتم. فهم الاثنان معنى نظرة الجدة وذهبا وراءها. دخلت الجدة غرفتها وجلست على أقرب كرسي لها. أطرق الباب ودخل المشاكسان حازم وحاتم. قالت الجدة وهي تلعب بسبحتها كالمعتاد:
"واد يا حازم، إيه الأخبار؟ الخطة ماشية إزاي؟ قال لها وهو يضحك: "تمام، الصنارة غمزت والسمكة شبكت في الصنارة يا سوسو يا جااااااااامد." ابتسمت إحسان وقالت: "اتلم يا واد واحكيلي بالتفصيل إيه اللي حصل." قال لها وهو يقترب من يدها ويقبلها بحنان: "ولا حاجة، حمزة ولا أول مرة يحب بجد." أطلق حاتم صرخة استغراب: "معقول اللي بتقوله ده يا حازم؟ حمزة بجد اتعلق بنورين؟ لا دي أكيد معجزة." قال له حازم وهو يغمز بعينه:
"بصراحة البت جامدة بجد، حاجة كده مختلفة عن البنات اللي بنشوفهم حوالينا، مش بتاعة بابي ومامي، حاجة كده غير... بص أنا مهما أوصف مش زي لما تشوفها، تعالي بكرة الشركة وانت هتعرف أنا قصدي إيه." *** وعند حمزة. وصلوا بالعربية تحت البيت وكانت نورين بدأت تغفو من أثر العلاج والمحلول. نزل حمزة من السيارة وحمل نورين برفق متناهي، وكأنها قطعة زجاج يخاف عليها من الكسر. حملها وضَمَّها إلى صدره.
بدأت نورين تستنشق رائحة الأمان، فذهبت في سبات عميق من النوم، وقد كانت تفتقد الأمان منذ وفاة والدها. وكان حمزة الوحيد الذي شعرت معه بهذا الشعور. وصل حمزة لباب الشقة، أطرق الباب بقدميه بخفة. فتح الباب وظهرت والدة نورين. فور أن لمحت نورين محملة بين ذراعين حمزة، قالت وهي تخبط بيدها على صدرها: "يالهوي! إيه اللي حصلها يا حمزة يا بني؟ نورين مالها؟ أشار لها حمزة أن تصمت عن الكلام وقال بصوت منخفض يكاد يكون همس:
"فين الأوضة بتاعتها من فضلك؟ شارت وفية على حجرة نورين. ذهب حمزة ووضعها على الفراش برفق متناهي، واختلس قبلة من جبهتها برفق دون أن يشعر به أحد. أحس حمزة بخفقات في قلبه للمرة الثانية اليوم ولا يجد تفسيرًا لذلك. أغلق حمزة باب الغرفة خلفه واتجه إلى والدة نورين وقال بصوت يطمئنها: "ما تقلقيش، هي بس محتاجة راحة وتأكل كويس قوي، ده مهم في الفترة دي." قالت وفية وعيناها مدمعتان:
"ربنا يباركلك يا بني، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه، وإحنا أصلاً مالناش حد. منه لله بقى اللي كان السبب في اللي حصل لنوري." قال لها وهو يتكئ على كرسي: "هو إيه اللي حصل لرجلها بالظبط؟ كل اللي أعرفه من جدتي إنها عملت حادث وهي بترقص، غير كده ما عرفتش." قالت له وهي تمسح دموعها:
"نوري كانت بتحب الباليه جدًا، والدها الله يرحمه هو اللي حببها فيه. كان بيقعد بالساعات يفرجها على فيديوهات لأشهر راقصات الباليه لحد ما عشقت نوري الرقص الباليه. بدأت تهتم بيه بشكل مبالغ فيه حتى أصبح كل حياتها الرقص. رغم إنها دخلت هندسة وتفوقت ومع كده ما سابتش الباليه، مع إن أنا كنت متوقعة إنها أول ما تخلص دراسة هتلتفت بقى لشغلها، لكن حصل العكس، تعلقها بالباليه زاد وبقت متفرغة له أكتر من الأول. وفي يوم الحادث كانت عندها
لجنة عشان يختاروا مين أفضل راقصة حتمثل مصر في الدول العربية كلها، وكان التوقع على نوري لأنها أكتر واحدة بتعشق الباليه. وفجأة من غير مقدمات وهي بترقص قدام اللجنة، تيجي خشبة المسرح تقع بيها لتحت، وكان تحت فراغ. وقعت نوري ووقع عليها خشب المسرح."
شهق حمزة من كلامها وقال بفزع: "معقول مسرح يوقع؟ إزاي دي؟ وكمان مفرغ من تحت؟ لا أكيد الحكاية دي مدبرة، استحالة تكون صدفة." قالت له وهي تدمع عيناها حسرة على ما حدث لابنتها: "آه يا بني، ما الشرطة قالت كده وحققت بس ما وصلتش لحاجة. الكل أنكر ومعرفوش يوصلوا لحاجة، وده اللي قاهرني أكتر إن حق بنتي ضاع خلاص." قال حمزة بعفوية وبدون تفكير: "ابحث عن المرأة." قالت وفية بتعجب: "هاه؟ مش فاهمة يا بني، تقصد إيه؟
حمزة: "هو إيه اللي مش فاهماه؟ بقولك ابحث عن المرأة، يعني اللي عمل كده في نوري واحدة معاها في الفريق الرقص وغيرانة منها وعايزة تكون هي البطلة المرشحة للفرقة. واضحة ومش محتاجة تفكير، الغيرة هي الدافع." قامت وقفت وفية وهي تفكر في كلامه: "معقول يا بني يكون ده اللي حصل؟ طيب هي مين اللي ممكن تكون عملت كده؟ قال حمزة وهو يستعد للخروج من البيت:
"هو ده اللي أنا هعرفه، بس الصبر. آه صحيح، كنت هنسى، نورين بلاش تمشي على رجليها انهاردة، بس بكرة إن شاء الله هاعدي عليها نروح الشغل سوا، ما عنديش تهاون في الشغل." قالت له وفية وهي تودعه: "ماشي يا ابني، تسلم يارب." قال لها وهو يبحث عن المفتاح: "أنا قاعد هنا كام يوم، لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت متتحرجيش، انتي زي أمي."
شكرته وفية بحرارة. فتح الباب ودخل، ولكن في ضيف قد سبقه للداخل. نظر حمزة على الضيف الذي فرض نفسه ورفع حاجبيه لأعلى، استسلامًا للأمر الواقع الذي انفرض عليه. وبدأ الضيف المشاكس التجول في الشقة وكأنه يحفظها عن ظهر قلب. قال له حمزة محذرًا: "أوعى تيجي ناحية الأوضة اللي هنام فيها، سامع؟ وانت إيه اللي جابك عندي؟ ممكن أفهم؟ نظر إليه القط السمين وتركه وكأنه يبحث عن شيء مفتقده.
مسح حمزة بيده للقط وذهب إلى الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا وبعدها يأخذ قسطًا من الراحة. قال حمزة لنفسه وهو يستلقي داخل البانيو: "ياااه على ده يوم طويل ومتعب." *** استيقظت نورين وقد شعرت بتحسن في قدمها. قامت نورين وهي تشعر بشعور غريب ومازالت وجنتاها شديدة بالاحمرار. خرجت من غرفتها تبحث عن والدتها وقالت بصوت مرتفع: "ماما ماما، انتي فين؟ ردت عليها والدتها من بعيد: "أنا هنا يا نوري في المطبخ، تعالي يا قلبي."
توجهت نورين إلى المطبخ وعيناها تبحث عن شيء ما. قالت نورين: "ماما، هو ريكو فين؟ مش شيفاها، حتى مش نايم جنبي زي عادته." ضحكت وفية وقالت: "راح بيت أمه لما صدق الباب اتفتح، جري على هناك بسرعة." قالت نورين بتعجب: "ماما إحسان جت صح؟ أنا هروح أشوفها حالا، وحشاني قوي." وذهبت مسرعة قبل أن تسمع جواب والدتها. قالت وفية من بعيد: "لا يا نوري تعالي بس استني أقولك."
ولكن نورين لم تسمع صوت والدتها واستمرت في المشي. جرت على باب الجدة إحسان تطرق الجرس كعادتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!