ارتبكت نورين من كلام والدتها ولم تجب عليها. قالت لها الأم في حنان: "يا نوري يا حبيبتي أنا خايفة عليكي يا قلبي، كلام الناس مش بيرحم." قالت نورين وهي تحاول الهروب من أمامها: "اتاكدي يا أمي، أنا لا يمكن أعمل حاجة غلط، واعرفي كده كويس، نورين دايماً حتخلي أبوها فخور بيها دايماً." ابتسمت الأم وحضنت ابنتها وربتت على ظهرها وقالت بحنان: "ربنا يحفظك يا قلبي ويبعد عنك كل سوء يا قلب أمك، ويوفقك في شغلك يارب."
خرجت من حضن أمها وقالت لها وهي تذهب لغرفتها: "بطلي بقا يا فوفو تتعملي معايا كأني طفلة، أنا مهندسة قد الدنيا." قالت لها وفية وهي تجلس على الأريكة: "والله لو بقيتي أم وجدة، حفضل شايفاكي نوري الطفلة اللي مش بتبطل لعب وشقاوة." رمت لها نورين قبلة عبر الهواء ودخلت حجرتها وأغلقت الباب وراءها. وقفت نوري خلف الباب تبتسم في شرود وكأنها تتذكر شيئاً جميلاً، ثم نظرت
إلى ساعة الحائط وقالت: "يالهوي الوقت اتأخر وما نمتش، حأصحى بالضرب بكرة." حاولت نورين أن تغفو، ولكن النوم أبى أن يزور عينيها. كانت صورة حمزة تظهر لها كلما أغمضت عينيها. وهو أيضاً لم يكن حاله أفضل منها، لقد شغلت نورين كل تفكيره، حتى أنه نام وحلم بها. استيقظ حمزة وعلى وجهه ابتسامة لا يعلم مصدرها، ولكن في داخله شعور غريب بالسعادة.
بدل ملابسه وأعد لنفسه فنجان من القهوة وارتشفه ببطء وهو سارح في عالم تاني خالص لا يوجد فيه غير وجه نورين فقط. استيقظت نورين وهي تشعر بتحسن ملحوظ في صحتها، لقد بدت اليوم أفضل من أمس. بدلت ملابسها وارتدت ملابس عملية جداً تساعدها على الحركة طول اليوم، وذهبت تعد لنفسها قدحاً من القهوة. وأثناء احتسائها للقهوة، رن جرس الباب. ذهبت لتفتح الباب وكان الطارق حمزة. قال حمزة بأناقة معتادة: "هاه جاهزة ولا حتوقفيني كتير؟
قالت له وهي تحمل حقيبتها: "أولاً الناس بتقول صباح الخير الأول، غير كده أنا جاهزة من ساعة." ابتسم ونظر إلى مظهرها العملي غير المتصنع، والذي وجهها البريء بدون مساحيق التجميل المبالغ فيها. أعجب حمزة ببساطتها، ولكن أحب يناغشها قليلاً فقال: "إيه ده بقا هو انتي حتنزلّي معايا بالمنظر ده؟ إيه اللي انتي لابساه ده؟ انتي مش بتشوفي البنات في الشركة لابسين إزاي؟ أنا من سابع المستحيلات أمشي معاكي كده."
وفعلاً قد استفز حمزة القط الشرس بداخلها. قالت له بهدوء تام وهي تعقد ربطة شعرها: "أولاً أنا ما أجبرتكش تمشي معايا، أنا ممكن أوصل الشركة لوحدي، أنا مش نونو حأتوُه. ثانياً: ده شكلي وأنا حرة فيه، أنا ماليش دعوة غيري بيلبس إيه، المهم اللبس ده أنا مرتاحة فيه ولا لأ. ثالثاً: مين بقا عطاك الحق تقول رأيك في طريقة لبسي؟
أنا حرة أنا إيه يا باشمهندسة، حرة تمام، ويلا بقا علشان اتأخرنا. قوي على بيع اللبن كده مش حنلحق نبيع اللبن من أوله." وسابته ونزلت على الدرج وقد بدأت تتناسى الإعاقة في قدميها. لاحق بها حمزة وهو معجب جداً باختلافها عن الآخرين، وبطريقة فكرها، فعلاً تستحق أن تحتل جزء كبير من تفكيره. ذهبا إلى الشركة معاً. لمحتهم نجلاء من نافذة مكتبها ونورين تنزل من سيارته.
اشتد غضبها وقالت: "آه الله الله، بقي حكاية الاخت الفاضلة نورين مدوّراها بقا؟ آآه دي جايبة واسطة من فوق قوي، وأنا بقول عاطيها صلاحيات مش عند حد فينا؟ تمام كده، صورة بانت على أصلها." دخل حمزة الشركة وراءه تمشي نورين ببطء قليل. طلب حمزة المصعد، ولكن نورين قالت له: "معلش بقا يا بشمهندس، أنا حأطلع على السلم، سلام." استعجب حمزة من كلامها وقال وهو ينظر للأرقام المصعد: "مش فاهم، وليه ما تطلعيش معايا في الأسانسير؟
إيه حاكلك ولا إيه؟ ضحكت نورين وقالت: "لأ طبعاً، محدش يقدر يأكلني من أصله، أنا بس الأماكن المقفولة بتتعبني جداً، بحس إن مفيش أكسجين عندي خالص، بتخنق." رفع حاجبيه مستغرباً وقال: "بس انتي امبارح ركبتي معايا الأسانسير وملاحظاتش حاجة عليكي؟ كنتي زي القردة."
قالت له وهي تنظر لساعتها: "امبارح كنت تعبانة جداً وكنت ماسكة نفسي عشان محدش يعرف الفوبيا بتاعة الأماكن المغلقة اللي عندي، بس كده أنا لازم آجي كل يوم، ف لازم حضرتك تعرف، بس كده." قال لها باستغراب وتعجب: "انتي عارفة المكتب في الدور الكام يا آنسة؟ رفعت نورين أكتافها دليلاً على عدم معرفتها برقم الطابق. ضحك حمزة وقال: "أمال كنتي حتطلعي على السلم بناءً على إيه؟
قالت له: "كنت حأقف على الدور اللي حيوقف فيه الأسانسير، مش محتاجة بقا." رفع حاجب واحد بلا اكتراث وقال لها: "تمام، براحتك، بس المكتب في الدور 16، اطلعي بقا على السلم ونتقابل فوق يا نونو." برقت نورين بعينيها فور سماعها لرقم الطابق. قال لها بنفاذ صبر: "هاه، الأسانسير وصل، حتعملي إيه؟ أخلصي أنا متأخر." ضحك حمزة على سذاجتها، لأن المكتب كان في الطابق الرابع. نظرت له ولويت فمها وقالت: "أمري لله."
دخلت داخل الأسانسير مجبرة، ولكن فور إغلاق الباب بدأت تتعرق جبهتها وتحمر وجنتاها، ولكنها ظلت صامدة أمامه. لاحظ عليها تغيرات وجهها، ولكنه عمل كأنه لم يلاحظ شيئاً حتى لا يلفت انتباهها، وتعمد أن يتكلم في أي شيء كي يشتت تفكيرها في الخوف. قال حمزة دون أن ينظر لها: "هو إيه اللي حصل امبارح؟ كنت سامع صوت مامتك عالي، كانت بتزعقلك صح؟ أغمضت عينيها وهزت رأسها بالإيجاب وبدت كأنها طفلة صغيرة.
ضحك حمزة على طريقتها المرحة في التعبير. وصل بهما الأسانسير للطابق المقصود، دخل حمزة مكتبه وهي ذهبت إلى مكتبها. تقابلت مع رنا التي كانت تجلس على مكتب تحتسي قدحاً من القهوة. قالت لها رنا وهي ترفع الكوب من على فمها: "نوري حبيبتي، عاملة إيه؟ بقيتي أحسن ولا لسة تعبانة؟ أومأت نورين برأسها وقالت مؤكدة: "آه الحمد لله، كنت فين وبقيت فين، أحسن كتير الحمد لله."
قالت لها رنا: "الحمد لله يا حبيبتي، كنت قلقانة عليكي وما عندي رقمك عشان أطمنك." قالت لها نورين مداعبة: "هو ممكن سؤال يا رورو، إنتم بتيجوا بدري قوي كده ليه؟ إحنا لو حنبيع لبن كنا اتأخرنا شوية." جاء صوت من ورائها يقول بسخرية: "طيب جناب البرنسيسة تحب نفتحلها الساعة كام؟ "وانتي يهمك إيه في الوقت؟ ما انتي تقدري تيجي وقت ما تحبي وتمشي وقت ما تحبي."
تمتمت لرنا وقالت: "أصل البشمهندسة وسطتها من فوق قوي، من على السطح كده، ولا إيه؟ " وغمزت لها. قامت نورين وقفت والتفت لها وقالت بتهجم: "معلش أستاذة نجلاء، فاهمين قصدك، أصل بصراحة فهمي تقيل وعلى قدي، ممكن توضحي يعني إيه وسطتي من فوق؟ قالت نجلاء وهي تدخل مكتبها بسخرية: "ههههههههههه، ولا حاجة يا بشمهندسة." ودخلت وتركتها تغلي من جوا. التفتت نورين لرنا وقالت بعصبية: "هي البتاعة دي قصدها إيه بكلامها؟
بجد ما فهمتش، هي عايزة تقول إيه؟ قالت لها رنا: "بقولك إيه، سيبك منها، هي أصلاً مش بتبطل كلام وغيرة." "هي كده ملاحظة القرب اللي بينك وبين الباشمهندس حمزة، فده في حد ذاته مولعاها من جوا." استغربت نورين من كلام رنا وقالت: "بس أنا والباشمهندس حمزة مش مقربين زي ما انتي فاكرة."
ضحكت رنا وقالت: "يا بنتي، دي شركة من امبارح، ما عندهاش كلام غير اللي حمزة عمله. أول ما وقعتي وغبتي عن الوعي في أوضة الاجتماعات، بيقولوا كان زي المجنون وخطفك من إيد حازم وجري بيكي بسرعة." بصت لها نورين بتعجب: "آه، أنا بقيت حديث الساعة بقا هنا؟ "وده بقي يضايق الحاجة نجلاء في إيه؟ أنا بردو مش فاهمة." ضحكت رنا على طريقة
كلام نورين وقالت لها: "ههههههههههه، أصل الحاجة نجلاء بقالها سنتين حاطة عينيها على الباشمهندس، وهو أصلاً مش شايفها، وأي واحدة تيجي وتكون حلوة شوية وتلفت نظر حمزة، نجلاء بتقوم بالواجب، ويا عيني مش بتعمر معانا أسبوع." قالت لها نورين وهي تعدل من حذائها: "طيب احمدي ربنا أنها بعيدة عنك." ضحكت رنا بشدة وقالت: "أنا الوحيدة اللي ما تقدريش تتكلمي معايا مهما أعمل." تعجبت نورين وقالت: "ليه بقي إن شاء الله؟
وسطتك وصلت لقين انتي كمان؟ قامت وقفت رنا ووضعت يدها على خصرها وقالت: "عشان ببساطة أنا خطيبة حاتم أخو حمزة." التفت نورين وقالت: "أوبا أوبا، عشان كده، الله يسهله يا عم." توقفوا عن الكلام فور دخول حازم وحاتم. تقدم حاتم يسلم على رنا بشوق عارف، ثم التفت إلى نورين ورفع حاجبيه للأعلى وقال: "لأ مش معقول! أوعي تقولي إنك إنتي نوري." ابتسمت نورين وهزت رأسها في مرح. ثم كمل كلامه وقال: "تيتا كده ظلمتك لما وصفتك."
واستدار لحازم وقال له: "فعلاً يابني مختلفة." رسمت رنا على وجهها غضب مصطنع وقالت بدلع: "خلاص بقا أروح أنا، راحت عليا." التفت إليها حازم: "هي مين دي اللي راحت عليها؟ انتي حياتي وحب عمري يا رورو، بس نوري ليها معزة عندنا كلنا عشان خاطر تيتا إحسان موصية عليها جامد." قالت رنا بغمزة: "امممم، الحكاية بقى تيتا إحسان، آه ياستي، انتي وصتك عدت السطوح كمان. نجلاء دي غلبانة قوي، متعرفش إنك في حماية أكبر راس هنا." ضحكوا
الكل وقال حازم في استخفاف: "أهلاً، هي نجلاء حطتها في دمغها؟ لحقت مش بضيع وقت." هزت رنا رأسها: "أيوة." قال حازم وهو يلتفت لنورين: "الله يكون في عونك يا بنتي، الأصفينات حتنزل عليكي ترف، استقبلي بقا." قالت له نورين بشقاوة ومرح: "عيب عليك، هي اللي تخاف مش أنا. ده أنا نوري يا بني، والأجر على الله، ونشوف مين حيطفش مين." صفق حازم وقال: "يا نوري يا جاااااامد! أيوه بقا ووريهم اللعب بيكون إزاي، حلاوتك يا نوري."
ضحكوا جميعاً بصوت عالي، وفجأة دخل عليهم هولاكو بغضب عارم وقال بصوت عالي: "أنا مش قلت القهوة اللي مفتوحة هنا دي ما تنفعش؟ إحنا هنا في شركة محترمة مش في قهوة بلدي." والتفت لنورين وقال بغضب: "وانتي إيه حكايتك؟ كل شوية حبة ملمومين حواليكي وهاتك ياضحك؟ خير اللهم اجعله خير، إيه بتزغزغيهم؟ قالت بصوت منخفض: "خلاص المرة الجاية حأعيطهم ولا تزعل نفسك." سمعها حازم ولم يقدر يتحكم في الضحك، انفجر ضاحكاً حتى أدمعت عيناه.
مما أثار من غضب حمزة عليها وقال لها: "اتفضلي يا آنسة، لمي حاجتك واتنقلي المكتب عندي بسرعة." انتفضت نورين من صوته، ولكنها لم تظهر له، ولكنها لمحت نجلاء واقفة على الباب تبتسم بشماتة وتشاهد ما يحدث. استشاطت نورين غيظاً منها والتفتت إلى حمزة وقالت: "شكراً لزوقك جداً يا بشمهندس أنك وافقت على نقلي مكتبك، ما كنتش متوقعة أنك حتوافق بسرعة دي." التفتت لها حمزة وتغيرت تعبيرات وجه بتعجب، ولكنه لمح نجلاء فابتسم وفهم.
نظر حازم لحاتم وانفجر ضحك. نظر لهم حمزة محذراً وتركهم وماشي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!