تحميل رواية بتوقيت منتصف العبث بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
استوقفها موظف الأمن على باب الشركة. "على فين يا أستاذة؟" همست بخجل: "أنا عندي مقابلة عمل في الشركة." وكان هناك عدد محدود من المتقدمين ينتظر دوره، فجلست تنتظر سماع اسمها. وشعرت شيماء أن موقفها ضعيف. المتقدمات للوظيفة أكثر أناقة ووجاهة منها. همست في سرها: "وادي كمان مقابلة فاشلة." وكانت تقدمت للوظيفة عن طريق صديق لوالدها اسمه عيد يعمل في المخازن، وكانت تعرف أن المؤهلات لا قيمة لها هنا وأن الواسطة وحدها ستقرر من يقبل ومن يطرد. وكان اسمها الأخير كما توقعت، فهي تعرف حظها وحتى لو كان هناك ألف شخص ستكو...
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
استوقفها موظف الأمن على باب الشركة.
"على فين يا أستاذة؟"
همست بخجل: "أنا عندي مقابلة عمل في الشركة."
وكان هناك عدد محدود من المتقدمين ينتظر دوره، فجلست تنتظر سماع اسمها.
وشعرت شيماء أن موقفها ضعيف. المتقدمات للوظيفة أكثر أناقة ووجاهة منها.
همست في سرها: "وادي كمان مقابلة فاشلة."
وكانت تقدمت للوظيفة عن طريق صديق لوالدها اسمه عيد يعمل في المخازن، وكانت تعرف أن المؤهلات لا قيمة لها هنا وأن الواسطة وحدها ستقرر من يقبل ومن يطرد.
وكان اسمها الأخير كما توقعت، فهي تعرف حظها وحتى لو كان هناك ألف شخص ستكون الأخيرة دائمًا.
جلست أمام المدير الذي صفعها بأسئلة روتينية عن العمر وشهادة الخبرة وسنة التخرج.
ثم همس: "اتفضلي، لو كان فيه نصيب السكرتارية هتتصل بيكي."
كلمات سمعتها كثيرًا منذ التخرج وحتى الآن.
سمحت لنفسها أن تلتهم سندويتش داخل حديقة الشركة.
وكان يجلس في الجهة المقابلة أحد الشبان يلعب بهاتفه.
"يوه يا ماما أنا لسه خارجة حالًا."
"حصل إيه؟"
"محصلش حاجة يا ماما، كالعادة هنبقى نتصل بيكي. أنا قلتلك يا ماما بلاش أروح لكنك صممتي."
"عمك عيد قابلك؟"
"لا يا ماما."
"المقابلة كانت مع مين؟"
"مش عارفة يا ماما، كلهم شبه بعض."
"فقاعة عفونة."
رفع الشاب وجهه عن هاتفه ومن تحت نظارته رمقها بنظرة قصيرة.
"جاوبتي على الأسئلة كويس؟"
"طبعًا يا ماما، يعني أنا هنسى اسمي أو عمري؟"
"مفيش أسئلة تانية؟"
رفعت شيماء صوتها: "يا ماما انتي فاكرة الناس دي بتهتم بالمؤهلات؟ كله واسطة ومحسوبية، ده كأنهم كانوا مختاريهم قبل المقابلة أصلًا."
"متضيقنيش بقى بعد إذنك نص ساعة وهاكون في البيت."
ولم تلحظ شيماء أن الشاب الذي كان يجلس على الأريكة انصرف منذ مدة.
وقبل رحيلها سمعت نداء حارس الأمن.
"قررت إدارة الشركة إعادة المقابلات مرة تانية."
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
نداء الحارس كان بداية لحفل موسيقي تؤديه عشرات الهواتف التي ترن.
اعتدلت شيماء، حولها كان هناك العديد من الوجوه التي تغيرت ملامحها.
قامت سكرتارية الشركة بالاتصال بكل الأشخاص الذين حضروا المقابلة تعلمهم بإعادة المقابلة مرة أخرى.
وكانت إجابة السؤال الملح: "ليه كده؟"
"قرار مدير الشركة يا أستاذ."
شيماء من الأشخاص الذين يحبون الحكم على شخصيات الآخرين من نغمة هواتفهم.
من أجل ذلك قررت في تلك اللحظة وبكل سرعة وحسم أن هناك أكثر من شخص تافه عليها أن تبتعد عنه.
ويوجد اثنان من الممكن أن يصبحا أصدقائها.
وهناك شخص واحد غير واضح الملامح، بغيض ولا مبالي ويشعرها بالغضب والفضول.
لم تقابل من قبل في هذا العالم صاحب شخص ما يسير في الشارع ولفت نظرك وتمنيت أن تكون مثله بالضبط؟
نعم، نفس الحركات والملبس والنظرة.
هكذا شعرت شيماء نحو ذلك الشاب الذي دلف للشركة متأخرًا جدًا.
فردت شيماء ولم يعجبها ذلك، عندما تكون الأخيرة في كل شيء لا ينافسك شخص في سوء الحظ تعتبر ذلك سوء طالع.
أقل الأشياء من الممكن أن تغير مزاجيتها.
ارتفع صوت سكرتيرتها ناعم شاحب رفيع مثل حواجبها، وكان لها أنف غاطس مثل حبة فستق في طبق زبادي.
"التسجيل بأسبقية الحضور يا أساتذة، من فضلكم قيدوا أسماءكم في الدفتر."
سجلت شيماء اسمها مثل البقية وجلست على مقعدها.
وشعرت أن هناك شيء تغير، واختفاء ملحوظ للروتين.
صاحت السكرتيرة: "الآنسة صوفيا.. كذا اتفضلي."
اختفت داخل الباب فتاة مشرقة مثل الزهور.
لكنها لعينة صفراء.
وبعد عشر دقائق خرجت ودلف شخص آخر.
وشيماء تراقب الملامح القاتمة التي تغادر المكتب.
جنب شيماء على بعد خطوتين كان فيه بنت بتتكلم في التليفون.
"مش عارفه ايه إلى حصل يابابا، أنا أخدت الوظيفة لكن طلبوا مننا مقابلة تانية. أه قابلت محمد بيه لكن السكرتيرة بتقول المقابلة مع آدم السلحدار. بابا أنت وعدتني أن كل حاجة خلصانة. كلم آدم يابابا مش معقول إلى بيحصل ده."
"تمام، فهمت شيماء، ابنة شخص مهم تجلس إلى جوارها."
ولم تشرد شيماء لكن دورها وصل.
"شيماء على أحمد؟"
"أيوه يا فندم."
"اتفضلي."
همست السكرتيرة وهي ترمق شيماء بنصف عين وفم مغلق.
"اسمك إيه؟"
"شيماء على أحمد."
"سنك؟"
"٢٣."
"تخصصك؟"
"إدارة أعمال."
"أنت شايفه إنك تصلحي للوظيفة هنا؟"
"أيوه يا فندم."
"باختصار قوليلى إيه إلى تقدرى تقدميه للشركة؟ كلميني عن خبراتك في إدارة الأعمال، اشتغلتي فين قبل كده؟"
"على أمانة كان في فمه سيجارة ويضع قدم على قدم وتفوح منه رائحة عطر لا تعرفها شيماء ويهز كتفه ورأسه باستمرار."
"معنديش خبرات سابقة يا أفندم، لكن أقدر أوعدك إني هبذل كل جهدي في الوظيفة وأنَفذ التعليمات بكل حذافيرها بلا كلام أو سؤال، وأن أحضر إلى العمل في موعده دون دقيقة تأخير، وأغادر الشركة بعد انتهاء وقت العمل. إن لا أطالب بترقية أو حوافز أو زيادات أو أي بدلات إلا عندما ترى إدارة الشركة استحقاقي لذلك."
"باختصار أضمن لك موظفة ملتزمة مجتهدة كتومة وغير نمامة."
وكان الرجل، أو الشاب الذي قمنا بوصفه منذ قليل يهز رأسه ويرعش كتفه كضوء شمعة.
لكن شيماء غير قادرة على رؤية وجهه الذي يبتسم.
"ههمهم الشاب."
"خلصتي؟"
"أيوه يافندم."
ولاحظت شيماء أن صورتها منعكسة على مرآة جانبية.
المرآة نفسها لا تظهر وجه الشاب.
هز الشاب رأسه عدة مرات.
ولم تفهم شيماء: "ده إيه؟ تفكير أو قبول أو حتى لازمة بيفعلها ذلك الشاب باستمرار."
"سيبي تليفونك مع السكرتيرة يا آنسة شيماء، تقدري تفضلي."
"المقابلة خلصت."
تنهدت شيماء، شعرت أنها فعلت كل ما بوسعها.
ذلك الشعور الذي منحها الارتياح.
"عملت كل إلى أقدر عليه وكنت مثالية."
في طريق خروجها قابلت الشخص الغامض، الغير مبتسم والذي لا يمكنك بأي حال إدراك أن كان سعيد أو غاضب.
يمشي في حاله ولم ينظر نحوه.
لسبب ما انتظرت شيماء في الاستراحة ومرضيتش تمشي.
وبعد ربع ساعة خرج ذلك الشخص وكان شارد تلك المرة.
كأنه يتأمل خريطة العالم لأول مرة.
توقف لحظة قرب منها، كان على وشك قول كلمة، حيث انفتحت شفافاه وانقبضت ثم داعب عنقه بأظافره ورحل.
"مفيش فايدة هروح أنا كمان."
في الخارج وهي ماشية كان ذلك الشاب يسير أمامها.
أخرج سيجارة من جيب بنطاله وكانت على ما يبدو آخر لفافة تبغ.
لكنه كرمش علبة السجائر وقذفها داخل الحديقة فوق العشب.
بعد يومين وصل اتصال لشيماء من سكرتيرة الشركة، بس مكنتش نفس السكرتيرة بتاعت المقابلة، شخص آخر.
سألت شيماء: "بتعرفي تزبطي رابطة العنق؟"
شيماء: "أيوه."
"عندك ذوق في اختيار الألوان؟"
شيماء: "أيوه."
"بتتكلمي إنجليزي كويس؟"
شيماء: "أيوه."
تنهد الصوت: "أنا آسفة لكن يا شيماء، إنت أنيقة في لبسك؟"
ولم تعرف شيماء ما الداعي للسؤال لكن قالت: "تقريبًا أيوه."
"تمام، تقدري توصلي الشركة إمتى؟"
شيماء: "بعد ساعة."
الصوت: "ماشي أنا في انتظارك. أول ما توصلي الشركة اسألي عن بسنت، أوك؟"
"أوك."
بعد أن ارتدت ملابسها توجهت شيماء نحو الشركة.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الشركه غارقه في الفوضى، الكل يبدو منشغل وخائف.
مدير الشركه فارس السلحدار يقوم بمرور مفاجئ.
لم تفهم شيماء كيف يكون مرور مباغت والكل يعرف موعده.
لكن تعرف أن ليس من حقها أن تبدي أي اعتراض.
لاح من بعيد فارس السلحدار يجري خلفه مدراء القطاعات.
يوزع التعليمات والابتسامات.
"والله هو بنفسه" همست شيماء في سرها.
"الشاب اللي كان قاعد في الحديقة، ما سمع كلامي وأمر يعيد المقابلات؟"
اختفت شيماء من طريقه مثل عصا مكنسة.
ركنت خلف باب الشقة.
"كله تمام يا رجالة، أتمنى النشاط والشغل يكون دايماً كده."
"لازم تعرفوا إن الشركة مش هتنهض إلا بمجهوداتكم كلكم."
"أيه أخبار الموظفين الجداد؟ استلموا الشغل؟"
"كله تمام يا باشا، توزعوا على الإدارات زي ما حضرتك طلبت."
"طيب يلا كل واحد على مكتبه، أما بشكركم جميعًا."
"تشكرهم على إيه بس؟ دا أنت طلعت عبيط، كلهم كانوا عارفين إنك هتمر عليهم."
لم يخرج صوت شيماء ولم يسمعه سوى نصفها الآخر.
"إنتِ؟"
لوح فارس السلحدار بيده.
"موظفة جديدة؟"
وكانت شيماء سارحة في ملكوت الله.
حتى لكزتها السكرتيرة.
"فارس بيه بيكلمك!"
"تعالي هنا! مالك مبلمة كده؟ هو محدش عرفك شغلك إيه؟"
مشت شيماء ووقفت قدام فارس السلحدار وبلعت ريقها.
"أنا لسه واصلة يا فارس بيه."
"إيه رأيك في الشركة؟ لسه معتقدة إن الواسطة والمحسوبية هي اللي بتحكم الاختيارات؟"
غطست شيماء في هدومها.
همست: "أنا آسفة، مكنتش فاكرة إنك هتسمعني!!"
"إنتِ لفتي نظري لحاجة مهمة، متعتذريش. أنا دايماً بحب الموظف اللي بيقول الحقيقة."
"أتمنى تبذلي جهدك زي ما وعدتيني، تقدري تنصرفي لمكتبك."
"حاضر يا فارس بيه."
استطعم السلحدار الكلمة، لكنه شعر أنها تفقد النكهة مثل قهوة غير مستوية.
وكان يمتلك ذكاء حاد ويمكنه قراءة النفس البشرية.
لم يختر شيماء من أجل كفاءتها، بل لأنها واجهته بالحقيقة التي أغفلها مدراء الأقسام.
"إنتِ شيماء؟"
همست بسنت وهي تشير بيدها من خلف ظهر فارس السلحدار.
"أيوه أنا."
"طيب تعالي معايا، بعد إذنك يا مستر فارس."
ولم تعرف شيماء أنها ستكون بمثل هذا القرب من أكبر رأس في الشركة.
كان فارس فتح مكتبه الزجاجي وشيماء تجلس في مكتب ملحق مع السكرتيرة بسنت تشرح لها طبيعة عمله.
"لازم ترتزي يا شيماء، أنا هفضل معاكي شهر واحد وأمشي."
"لازم تحفظي كل حاجة، فارس بيه بيحب كل حاجة في ميعادها."
وجدت شيماء أمامها دفتر ضخم كتب فيه كل شيء يخص مدير الشركة.
موعد حضوره، موعد انصرافه، أوقات القهوة والشاي، الاجتماعات الدورية، الحفلات، الكثير من التفاصيل الهامشية.
حتى هاتفه وكيفية الرد عليه.
نظره الذي سيكون معلقًا بمدير الشركة، يتابع حركة يده وحركة عينه.
ملابسه.
طعامهم.
موعد إمضاء الأوراق.
"أنا هحفظ كل ده؟"
"أيوه، حفظ."
لوح فارس السلحدار بيده.
تركت بسنت المكتب ودخلت عنده.
فتشت شيماء في الدفاتر والأوراق ولفت نظرها ملف كامل خاص بأوراق تقديم السكرتارية.
وصدمها وجود أكثر من عشرة سيفيهات لبنات أكثر خبرة وجمال وأناقة منها.
همست شيماء: "هو ساب كل دول ليه واختارني أنا؟"
على مدار أسبوع تابعت شيماء ما تقوم به بسنت من أعمال بكل دقة دون أن تبارح مكانها أو يطلبها فارس بيه.
بعد خمسة عشر يوم بدأت تعتاد العمل وتحفظ عادات مدير الشركة الشاب.
جلس بصمت وتركيز وتحفظ مثل طالب كلية تربية مجتهد.
لوح فارس السلحدار بيده.
في شرودها لم تلحظ شيماء اختفاء بسنت.
بصت في الساعة، كانت عشرة الصبح موعد مراجعة الملفات.
اتلفتت حواليها وشالت الملفات ودخلت المكتب ووقفت انتباه قدام فارس إلى بيبص في الكمبيوتر.
"الملفات يا فندم."
"إنتِ إيه اللي دخلِك هنا؟" صاح فارس السلحدار بحنق وهو بيلف ناحيتها.
"ابعتيلي بسنت ومتدخليش هنا غير لما أطلبك."
في كامل الخزي والإحراج خرجت شيماء.
لقيت بسنت في وشها.
أخدت منها الملفات ودخلت عند فارس.
وقع فارس الملفات وكان بيبص عليها من ورا الزجاج كل شوية.
"بتبكي ليه؟" سألتها بسنت.
"هو شاور بايده وأنا ملقيتكيش جنبي، أخدت الملفات ودخلت."
"طردني من المكتب."
"متزعليش،" همست بسنت، "هو بيحب كل حاجة بنظام."
"لا،" همست شيماء، "طالما بيكرهني كده، عينيه ليه سكرتيرة عنده؟"
"امسحي دموعك،" نصحتها بسنت، "عشان تستمري هنا لازم تكوني قوية وقلبك ميت وتبعدي مشاعرك عن الشغل."
"يمكن كان بيختبرك؟"
مسحت شيماء دموعها بسرعة، اعتذرت لبسنت.
"تصدقي أنا عبيطة!؟ هو هيكرهني ليه يعني؟ أنا مجرد موظفة جديدة عنده."
"شاطرة يا شيماء، لازم تتعودي إن فارس بيه صارم وقاسي ونرجسي لكن قلبه طيب."
تبع…
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
"ستعرفون من أنا عندما يحين وقتي."
"لست ضعيفة أو مهمشة، لكن علينا أن ننتظر الوقت المناسب."
"كوني قوية يا فتاة، أنت لم تقبضي أول راتب لك بعد."
"لا يوجد رجل مختلف، حماقات مديرك ضدك أمر عادي."
"كبري دماغك."
أغلقت شيماء نوتتها قبل أن تراها بسنت. النوته التي توجه فيها نصائح لنفسها.
كان وجه بسنت أصفر. "لا خلاص بجد، مبقتش قادرة." ورزعت الملفات على المكتب تحت عيون فارس السلحدار المراقبة من خلف الزجاج.
"إيه أوووه،" حتى تلك اللحظة لم تتوقع شيماء رؤية موظف يتحدى مديره أو يعبر عن امتعاضه.
"بيبص علينا،" همست شيماء بخوف.
"اسكتي، زهقت يا شيماء، دا بيتحول في لحظة، إيه ذنبي أنا إنه صحي من النوم متأخر؟"
"رنيت عليه عشرين مرة، أعمل إيه يعني؟"
بلعت شيماء ريقها. "هو أنا هرن عليه زي كده؟"
رمقتها بسنت بنظرة مستنكرة. "أمال انتي فاكرة إيه؟"
ارتعشت اللمبة الصفراء في مكتب فارس.
"استدعاء سريع للسكرتيرة."
ابتسمت بسنت. رسمت على وجهها بسمة وتخلت عن غضبها.
بصت على شيماء. "اتعلمي تفصلي بين مودك وشغلك، ماشي؟ اتزان نفسي مهما كانت حالتك النفسية، الوغد اللي جوه دا مش بيرحم، لو لاحظ إنك مرتبكة بيسوق فيكي."
بعد خمس دقائق خرجت بسنت.
شيماء: "انتي بتعملي كده إزاي؟"
"بتخفي غضبك بسرعة يا بسنت."
لكن بسنت مكنش عندها وقت. كلمت مدير المشتريات يقابل فارس.
داخل المكتب كان هناك توبيخ قاتل، حتى اعتقدت شيماء أن مدير المشتريات سيصاب بسكتة قلبية.
ومضى اليوم وشيماء تشعر بتعاسة. "أنا مش هنفع في الشغلانة دي، أنا اشتغل في مكتب بعيد عن وشه."
"بالشكل ده هتفصل بعد أول يوم معاه."
وتمخرت الفكرة في رأسها. "أنا هدخل عنده وأطلب نقلي لمكان تاني."
الساعة اتنين الضهر، قبل انصراف الموظفين، طرقت شيماء باب مكتب فارس.
"بعد دقيقة، عايزه إيه؟"
"ممكن حد من وقت حضرتك ثواني؟"
"لو عندك حاجة قوليها لبسنت، أنا مشغول."
"لا، مش هينفع، لازم أتكلم مع حضرتك."
"أوف، فيه إيه؟"
"أنا، أنا بطلب من حضرتك تنقلني لمكان تاني."
"أما والله شاطرة وهنفع في العلاقات العامة."
اعتدل فارس ورسم ابتسامة وبص على شيماء.
"ضغوطات كتيرة هنا صح؟"
"الصراحة يا فندم ضغوطات كبيرة أوي."
"ممممم، وانتي شايفة إنك مش هتقدري تنتجي في بيئة معقدة زي كده؟"
"صح جدا يا فندم."
"أها، في مكتب بعيد هيكون عندك شغل معين، تخلصيه بهدوء وتركيز، تقدري تنهيه من غير ضغوط وزعيق وطلبات غريبة."
"يوة يا فندم بالضبط كده."
"أنا الصراحة مش قادرة أفهم إزاي بسنت بتقدر تتحمل الضغوط دي كلها."
"هو فعلاً الإنسان ميقدرش يتحمل أكثر من طاقته ومحتاج بيئة صحية تساعده على النجاح."
"لأنه تحت الضغط ممكن يفشل وللأسف محدش هيرحمه أو يقدر شغله."
"عليك نور والله يا فندم، ما انت حلو أهو، أمال بتبان عصبي كده ليه؟"
فارس: "من أول ما شفتك قلت عليك موظفة مختلفة فعلاً، معدش وقت طويل قبل ما تثبتي كده."
"يعني مبسوط مني يا فندم؟"
"طبعاً، جداً جداً، أنا بحب الموظفين اللي عندهم الحجة وبيقدروا يعبروا عن وجهة نظرهم."
"ربنا يبارك في حضرتك يا فندم، أنا كده استريحت، حاسة إن شلت حمل كبير من على صدري."
"طبعاً، طبعاً، أنا مش وظيفتي إني أكون مدير بس، لازم أكون قريب من الموظفين وأقدر أشعر بيهم، همومهم ومتاعبهم، وأوفر ليهم مكان مثالي للعمل."
"هو المدير هيحتاج أكتر من إيه يعني، موظف مرتاح منتج، وبالتالي شركة ناجحة، مش لازم نقرف بعضينا بحاجات فاضية."
"سكر، والله سكر يا فارس بيه، يا سلام على دماغك تتلف في حرير."
"أها، أها،" وسحب فارس السلحدار الكلمة بروية. "تمام والله."
"امشي، اطلعى بره، ومشوفش وشك هنا تاني غير لما أطلبك."
صرخ فارس السلحدار وضرب الطاولة بقبضته.
"برااارت."
ارتجت جدران المكتب وشعرت شيماء أن رجليها مش شيلاها.
"هي حاولت تمشي فعلاً، مش مرجلة منها ولا تحدي."
"لكن رجليها خانتها ولسانه اتشل من الكلام."
"مستنين إيه؟ بقولك اطلعىىىىىىى بره أغنيها؟"
"حاااضررر."
رفعت شيماء رجلها للخلف، تكرمش وجهها، عصر وانفرط، تمخطت أنفها، وراحت الدموع تنزل من عيونها.
"حاااضر."
وصلت باب المكتب وعدلت نفسها وتنفست. "أنا حية؟ أنا حية."
"ده كان ممكن ياكلني."
ثم انفجرت بكاء وصراخ.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
عدلت شيماء نوتتها بسرعة عندما دخل فارس السلحدار مكتبه.
بالأمس، راودتها رغبة في التقيؤ بعد مغادرتها مكتب فارس. وفي طريقها إلى المنزل في الحافلة، أعدت خططًا كثيرة للانتقام، خطط سرية لم تفصح عنها لأي شخص.
اليوم، بدت باردة على غير العادة. ففي كل يوم، كانت تلقي التحية على فارس: "صباح الخير يا فارس بيه"، وكان فارس لا يرد عليها. اليوم، صمتت.
ودعته يمر، وربما لاحظت أنه تردد لحظة قبل أن يعبرها. جلس فارس على مكتبه وألقى نظرة نحو الخارج. شيماء متيبسة على المكتب، تحدق بالملفات.
"إذا كان لا يراني، فأنا أيضاً لا أراه."
رفع فارس يده. حملت بسنت الملفات ودخلت المكتب.
كان فارس يرفع رأسه بين الحين والآخر وينظر تجاه شيماء. اليوم، منذ الصباح، لم ترفع عنقها وتنظره.
"دعه يحترق في قاذوراته، الوغد القميء القذر صاحب القلب المتحجر."
عنوان اليوم المكتوب على دفتر شيماء: "علينا أن نذكر أن بسنت حاولت أن تراضي شيماء وتشرح لها ظروف عمل فارس وضغوطاته، أنه لا يلقى وقتًا كي يتنفس. اعذريه من فضلك."
حاولت شيماء أن تقنع نفسها أن فارس تحدث مع بسنت لتتحدث معها وتخفف من حدة موقف الأمس، لكنه يملك لسانًا وعليه أن يعتذر بنفسه.
"هلا صوفيا؟" همست بسنت عندما لمحَت صوفيا.
"أولاً، أريد أن أقابل فارس بيه."
لم ترفع شيماء رأسها، إنها تحدق بالدفاتر، لكن الغيظ والغيرة تنهشها.
طرقَت بسنت باب مكتب المدير، وخلال لحظات كانت صوفيا في الداخل. من بين الأوراق، تلمح شيماء صوفيا جالسة على المقعد.
"إنه لا يعاملها باحتقار مثلها، وسمح لها بالجلوس. يتحدث بصوت معقول خافت ويبتسم."
تنفست شيماء هواءً ملوثًا بالكرامة.
"بسنت؟" قالت شيماء فجأة، "أنا سأخرج أشم شوية هواء في الجنينة وأشرب شاي. ولا هتاخذي إذن المدير؟"
"لا، روحي أنتِ يا شيماء، أنتِ شغالة تحت إيدي أنا."
ولابد أن أؤكد أن فارس السلحدار نظر نحو مكتب السكرتارية مرتين وهو يتحدث مع صوفيا، وكان على وشك أن يطلب قهوة لكنه غير رأيه.
"شيماء ليست موجودة في المكتب."
قعدت شيماء في الحديقة. "أنا زعلانة ليه؟" كانت تتحدث مع نفسها. "ما يعمل اللي هو عايزه، إن شاله يولع هو وهي."
وكانت غيمة كبيرة تمر فوق رأسها، غيمة داكنة تراقب شيماء داخل الحديقة. الغيمة نفسها التي دمعت من الحزن على حالها وغمرتها بدفقات من المطر.
نظرت الغيمة من النوافذ في محاولة لإيجاد وسيلة للدخول لمكتب فارس لتعاقبه. وبينما هي تتكثف وتنتشر، حولت سرب البشر إلى أشباح. لم يعد هناك أشخاص في الشارع.
الغيمة تراقب شيماء وهي تركض نحو باب الشركة. الغيمة مرت، وتوقف المطر.
وصلت شيماء المبللة من المطر وهي تصعد السلم نحو مكتبها لحكمة مفادها: "ليس هناك حاجة لأن تعكّر صفو نفسك من أجل أناس لا يردون تحية الصباح ويصرخون في وجهك بكل وقاحة."
لما وصلت شيماء، كانت بسنت في مكتب فارس، وعلى ما يبدو كان هناك سوء فهم وصل لحد الجدال. وفارس يفتش الملفات ويرزعها على المكتب. وشعرت شيماء بالآسى من أجل كل الأوراق التي تعرضت للضرب بقوة وتبعثرت على الأرض.
"أنتِ نسيتِ طيب؟ والهانم اللي قاعدة بره؟ مش وراها حاجة غير الكتابة والنحيب."
كانت بسنت تعتذر من أجل خطأ ارتكبته، وتوضح بدقة أن شيماء لا ذنب لها وأنها تفعل المطلوب منها بكل تفانٍ.
"أنتِ فاكرة الآنسة اللي بره دي، الأوزعة اللي شبه علبة البيبسي، هتقدر تحل مكانك؟ دي شركات مصرية وأجنبية وناس بتتكلم لغات ودنيا واسعة."
حنت بسنت دماغها وهمست في أذن فارس.
"صرخ فارس: عارف، عارف، أنتِ كل شوية هتفكريني؟"
"بتزليني يعني؟" همست بسنت مرة أخرى.
وكان رد فارس أن صاح: "صوفيا لا!"
"قلت ميت مرة لا."
وكانت شيماء تسمع كل كلمة، لكنها تنظر إلى الدفاتر. لقد آلت على نفسها أن لا تتحدث إلا عندما يطلب منها.
"شايفة؟ ولا هاممها أي حاجة. دي مش بتحس، دي باردة متلجة." همست شيماء في سرها. "ولا زم نعرف أن شيماء تتحدث مع نفسها طول الوقت."
"الباردة المتلجة، يوم ما ستُلقى على مؤخرتك بلا وخزة ضمير وستكون سعيدة إذا تألمت." ثم رفعت وجهها بابتسامة كبيرة وأخرجت ورقة من الطابعة وجلست مرة أخرى.
وكانت اللحظات اللاحقة تعد مفاجأة من أجل شيماء، عندما اعترفت بسنت، وهي تشرح سبب غضب فارس، أن فارس السلحدار هو الذي اختار شيماء سكرتيرة خاصة به، وأنه لحد الآن متمسك بها. كما أنها عرفت بالصدفة، أن بسنت ليست فتاة بريئة أو طيبة، وأنها عرضت على فارس أن صوفيا تتولى السكرتارية بعد رحيلها، لكن فارس رفض.
فكرت شيماء من غير ما تلاقي أي إجابة: "إذا كان اختارني، ليه بيعاملني كده؟ ليه بيشتم فيا ويقلل من مني؟"
ثم توصلت لنتيجة مرضية: "أنا مش شبه علبة البيبسي، وأنها غير مسؤولة عن آراء الآخرين تجاهها، ولا تمثل لها أدنى قيمة."
ومنذ تلك اللحظة، لازم نعرف أن شيماء اتخذت قرارًا حاسمًا جدًا.
"يجب أن أفهم الشغل وأعرفه أكتر من بسنت نفسها."
ولم يكن يتبقى أمامها سوى عشرة أيام. لكن شيماء بذلت مجهودًا ساحقًا جبارًا على مختلف الأصعدة خلال النهار والليل وأثناء النوم. جعلت جل وقتها للعمل، العمل، العمل، وحفظ القواعد والعادات.
يتبع.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
أحيانًا كثيرة أفكر، ما الفائدة أن أعمل بجد؟ من أجل من؟ ليس من أجلي بالتأكيد.
كانت الساعة تقترب من الخامسة فجرًا، وكما ترى، بدأت شيماء تهذي فعليًا بكلام ليس له معنى.
اليوم هو الثامن والعشرون من الشهر، الساعة تشير للسابعة صباحًا. سماء صافية، وشيماء محشورة بين الركاب. الوجهة شركة تعمل فيها شيماء تحت سيطرة مدير لا يرغب بها.
صعدت شيماء الدرج ووصلت المكتب قبل الموظفين.
"أموت وأنام خمس دقايق."
وبعد خمسة دقائق أخرى، همست شيماء: "لأ، خلاص مش قادرة."
انبطحت مثل الثعلب، وجهها على الطاولة تسنده بيديها. "لما توصل بسنت سوف توقظني."
لم تعرف شيماء أن بسنت لن تحضر للشركة ذلك اليوم، لأنها تعرضت لوعكة صحية. والذي سوف يوقظها مديرها فارس السلحدار.
في البداية، مر فارس أمام الآنسة شيماء، الشخص المنبطح على الطاولة، وظن أنها تفعل شيئًا ما. وبعد مضي ربع ساعة، ظن أنها ميتة لأنها لم تتحرك عندما اقترب منها.
كانت شيماء تلك اللحظة بنصف فم مفتوح، تستعد لشخرة صغيرة.
"أنت؟ أنت؟"
سمح لنفسه أن يلمسها في كتفها. أزاحت شيماء اليد بغباء وواصلت نومها.
"حية إذًا؟ نائمة؟"
تنهد فارس.
"أجبلك مخدة يا هانم؟"
شق الصوت طريقه نحو أذن شيماء. "آه، يالهوي، أعمل إيه؟" ألف فكرة ضربت معاقل ذهنها.
"أفندم!!" صرخت شيماء وهي تنهض بسرعة.
"كنتِ نائمة في المكتب أثناء العمل؟"
"لأ يا فندم، أنام إزاي؟ أنا كنت بدور على حاجة واقعة مني."
"والقيتيها إن شاء الله؟ ولا محتاجة خمس دقايق كمان؟"
"ملقيتهاش يا فندم."
"معنى كده، حمراء ليه؟"
"من الـ... بحلقة تحت الطاولة يا فندم."
"عارفة الساعة كام يا آنسة شيماء؟"
"أيوه يا فندم."
"كام يا شيماء؟"
"الثامنة إلا ربع يا فندم."
في حسابات شيماء، أنها غفت خمس دقائق فقط.
"الساعة ٨:٣٠ يا شيماء. عارفة ده معناه إيه؟"
أوشكت شيماء أن تبكي وتقول: "معناه إني نمت ساعة إلا ربع." لكنها صمتت.
"معناه إن موعد توقيع الملفات عدى من زمان، وإني اضطريت أسيب مكتبي وأجي عند حضرتك أعرفك مهام شغلك."
"بالعادة بسنت بتقدم لحضرتك الملفات يا فندم."
سألها فارس: "ليه؟"
"لأنك لم تطلب مني بصورة رسمية أدخل مكتب حضرتك."
"لكن بسنت مش هنا يا آنسة شيماء."
"ولو يا فندم، أنا منسيتش آخر مرة إنك تصرخ في وجهي وتعنفني. ليس أمرًا محببًا بالنسبة لي."
"اعملي لنفسك لفت نظر وهاتي الملفات مع الـ advice عشان أوقعه."
تمالكت شيماء نفسها، حملت الملفات وطرقت باب المكتب.
"ادخلي."
وقع فارس الملفات وسأل: "إيه البرنامج بتاعنا النهاردة؟"
"توقيع الملفات."
"الساعة تسعة الصبح مرور."
"العاشرة صباحًا لقاء عمل مع الأستاذ..."
"الثانية عشر ظهراً بريك قهوة."
"الساعة اتنين الضهر توقع وصول طرد من شركة فيدكس."
"الساعة اتنين وربع غداء خفيف."
"الثالثة عصراً قبل الانصراف مهاتفة السيدة المحترمة والدتك."
هز فارس رأسه وارتسمت على وجهه ابتسامة.
"مستنية إيه؟ جهزي نفسك للمرور."
وانطلق فارس في جولته الصباحية، وشيماء تركض خلفه.
"فارس بيه؟"
نعم، همس سيادة المدير وهو يمشي بسرعة. "ليه مفكرتش تغير ميعاد المرور؟"
"تقصدي إيه شيماء؟" ولاحظت شيماء أنه ينطق اسمها دون تكلف.
"يعني كل موظفي الشركة عارفين إنك بتمر كل يوم الساعة تسعة الصبح."
لُعثمت قدم فارس السلحدار. "تقصدي إنهم بيكونوا مستعدين للمرور؟"
"آها، بالظبط. بيكونوا على سنجة عشرة يا فندم."
"سنجة؟ إحنا داخلين خناقة ولا إيه؟" وصفعها بنظرة مستنكرة.
"آسفة يا فندم، بقصد بيكونوا في كامل الجاهزية والاستعداد."
بدأ الموظفين الآن في الركض. المكاتب تبرق من النظافة. كل موظف جالس على مكتبه.
"تعالى ورايا." أمرها فارس السلحدار قبل دخوله أول مكتب.
عدل طريقه ونزل درج السلم نحو الحديقة. جلس عن نفس الأريكة وشيماء جنبه. عفص وجهه بيده.
"تعرفي؟ الإنسان لما عينه بتتعود على حاجة مش بيشوف الأخطاء فيها. أول يوم وصلتي هنا سمعتك بتشتكي من مقابلة التعيين. الواحد وسط مشغله بيغفل حاجات مهمة. والدي الله يرحمه ساب لي تركة تقيلة، وكل حاجة لازم أعملها بنفسي عشان متعرضش للخيانة اللي اتعرض لها والدي." ثم نظر تجاه الشركة. "حاجات كتير لازم تتغير."
"تشرب شاي؟"
رفع فارس السلحدار وجهه. "بتكلميني أنا؟"
"أيوه يا فندم."
"شوفي أنا بكلمك في إيه، وإنتي بتتكلمي في إيه. وبعد كده بتزعلي لما أبهدلك." وتوقعت شيماء نوبة غضب.
كمل فارس كلامه: "روحي هاتي شاي بسرعة."
حضرت شيماء كوبين شاي وقعدت. "اتفضل."
"إنتِ جبتي لنفسك كمان؟ فاكرة نفسك شغالة في شركة والدك؟ هتشربى شاي معايا؟"
ابتسمت شيماء. "متحبكهاش يا فارس بيه، كلنا ولاد تسعة."
ورفعت نصف كوب الشاي في فمها.
ولم يعقب المدير. كان مهمومًا لدرجة كبيرة.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
لأول مرة ترى شيماء مديرها كإنسان، وكانت من قبل تعتبره متوحشًا. لم تعتقد للحظة واحدة أن إنسانًا بمثل ثرائه وشبابه قد يكون لديه هموم.
وكان لدى شيماء أسئلة كثيرة، لكن لم يكن وقتها. عليها أن تحترم تلك اللحظات التي لا تتكرر كثيرًا.
جلست بصمت، وأشعة الشمس الدافئة تغمرهم بدفئها، ويده ويدها ملتفتان حول كوب الشاي، والعشب يصرخ تحت أقدامهم.
"يوم جميل"، همس فارس بصوت خافت.
"الشمس بالكاد تظهر، والغيوم تشبه الجريدة المحترقة. نفسي أعيش عمري كله من غير مشاغل كبيرة وهموم. أحس إني حر مش متكتف في كل خطوة."
"هنلغي المرور النهاردة. من فضلك أول ما نرجع المكتب، هات لي تفاصيل الصفقة الجديدة وكل حاجة متعلقة بيها. عايز أعرف المستورد رفض الصفقة ليه."
"عبر أروقة الشركة بلا عناية. مدير يجر خلفه سكرتيرته"، هكذا فكرت شيماء بابتسامة.
أغلق فارس على نفسه المكتب، وحتى لما حان وقت رحيل الموظفين، ظل في مكانه. ولم يتحرك إلا حدود الساعة ثلاثة العصر.
قال كلمتين فقط: "تقدري تروحي يا آنسة شيماء، أنا هتأخر شوية."
ومضى أكثر من يوم. الساعة التاسعة صباحًا يخرج فارس وشيماء، ويظن الموظفون أنه وقت المرور، لكن فارس يقصد الحديقة.
وبات أمرًا معتادًا ألفه العمال داخل الشركة، وكانت الأوضاع مستقرة بين فارس وشيماء.
لقد أظهرت الفتاة أنها تستحق وظيفتها، كانت تحفظ حتى التفاصيل الصغيرة ولا تنسى أي شيء. حتى أنه سرعان ما نسي بسنت ولم يشعر بغيابها، وكان يخبر نفسه: "أحسنت الاختيار يا فارس، كان عندك حق."
والحقيقة، كان لدى فارس أكثر من اختيار، لكن بعد مقابلة شيماء، قرر أن يعطيها الوظيفة. كان محتاج موظفة أمينة تكتم الأسرار ولا تفشي أسرار الشركة للخصوم. كان عارف أن المتقدمين للوظيفة فيه أكثر من واحدة، منهم مزقوقة من خصومه، جواسيس. ووجد في شيماء ضالته.
"هيا بنا."
بصت شيماء في الساعة. "وقت البريك بتاع الشاي."
لكن هذه المرة فارس ما راحش الحديقة. مر على المكاتب بسرعة ووزع الجزاءات والخصومات، اكتشف أن الموظفين لا يراعون ضمائرهم، يشتغلون بالعين فقط عندما يلاحظون مروره.
وأمر باجتماع عاجل يناقش فيه فشل الصفقة الأخيرة، إلى اكتشف عيوب في الصناعة من قبل شركته.
ارتفعت صرخات فارس. ووسط المناقشة، صرخ على شيماء: "تعالي هنا."
وقفت قدام كل المديرين. "إنتي هتكوني مسؤولة عن الصفقة دي، عايز تقرير يومي عن سير العمل."
وجدت شيماء نفسها في خضم عمل ضخم، مضطرة للتعامل مع رؤساء الأفرع والعمال والمهندسين. تسير بين المعدات والآلات وسط سخرية مشرفي الورديات، وتتأكد من كل حاجة بنفسها.
والحقيقة، ما فيش حاجة اتغيرت، وشيماء ما كانتش فاهمة حاجة رغم وجودها المتواصل.
وفي ليلة، جات لها فكرة. بحثت عن المنتج وشروط السلامة، ذاكرت كل حاجة كويس. واحتاجت أكتر من ليلة لحد ما تفرق بين المنتج الكويس والمنتج اللي فيه نقص.
لما وصلت الشركة، كان العمال بيحملوا المنتج في العربيات وخلاص هتروح على الميناء عشان تتشحن.
يوم مشهود. مدراء الأقسام موجودين وفارس نفسه.
"كان لازم شيماء توقع على إذن الخروج. كله متوقف على توقيعها."
العربيات واقفة قدام المخزن متحملة مستعدة للتحرك.
"أنا عايزة أشوف المنتج مرة تانية."
"إنتي شفتي المنتج ووافقت عليه يا آنسة، مش عايزين تعطيل."
"لا معلش، لازم أشوف المنتج مرة تانية."
تنهد كبير العمال. "ماشي، يعني هيفرق معاكي شكل المنتج؟"
"أيوه هيفرق."
بص كبير العمال لفارس. رجل كبير شغال معاه من زمان. لكن فارس تعمد الصمت.
"افتح صندوق كبير."
بصت فيه شيماء، فتشت أكتر من مرة قبل ما تطلب من أحد العمال مساعدته.
"من فضلك افرغ محتويات الصندوق على الأرض."
نزلت شيماء على الأرض تفتش في المنتج بتركيز. وبعد ربع ساعة، نهضت وهي ماسكة واحد منه.
"المنتج دا غير موافق للمواصفات."
بص كبير العمال في المنتج. "دا واحد بس يا آنسة؟"
"أيوه واحد، وحتى لو كان نص واحد، ما ينفعش يخرج من هنا غير لما يكون ملائم للمواصفات. الشركة اللي بنتعامل معاها جديدة وفي كوريا الجنوبية، يعني كل حاجة عندهم زي الساعة. يا إما صح يا إما غلط. وعشان كده رفضوا الصفقة اللي فاتت."
"من فضلكم افرغوا محتويات كل الصناديق."
وقف العمال مبلومين.
صرخ فارس: "مستنين إيه؟ نفذوا التعليمات. أنا مش هعمل كل حاجة بإيدي."
"بعد إذنك يا مستر فارس، البضاعة كلها لازم تكون تمام، وأي تقصير هيتحمله مدير الإدارة والعمال. الشرط الجزائي ضخم جدا وممكن يتسبب في انهيار الشركة. أنا مش بشكك في ولائكم، لكن المنتج لازم يخرج من هنا تمام. أنا هشوفه حتة حتة."
حتى فضلنا شهر تأخير.
تنهد فارس بارتياح. أخيراً لقى حد ممكن يعتمد عليه. لكن فارس ما خدش باله من وجوه العمال والمدراء التي اتغيرت، وما شافش الحقد اللي جواها.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
وصلت الأخبار لموظفي الشركة
وصلت الأخبار لموظفي الشركة، إلى حصل في المخازن وأثناء شحن البضاعة.
كانت أصوات بسيطة في البداية، لكن بعد شوية الخبر انتشر، وبقى لقمة على كل لسان.
كان فيه معارضين ومناصرين وساخرين، والموضوع أخد حيز كبير من نقاشات الموظفين.
"عصفورة المدير!"
"جاسوسة!"
وسمح مدراء الأقسام بانتشار الكلام بعدما تعرضوا للإحراج على يد سكرتيرة تافهة.
سمعت شيماء كلامهم.
كلما مرت على موظفين يتحدثون، كانوا يتحاشون الحديث أمامها.
موظف واحد لم يشارك في النقاش، لم يهاجم ولم يناصر.
كان ملتزم الصمت، وكلما ذكر اسم شيماء أو الموقف الذي حصل، انشغل بين أوراقه وملفاته.
والحقيقة، لأن هذا طبعه من أول ما دخل الشركة، محدش أخد باله، أو بالأصح، اداله اهتمام.
وكانت نظرات الموظفين تقتل شيماء كلما دخلت مكتب لتوقيع أوراق.
موظفين جبناء يضربون في الظهر فور خروجها من المكتب.
وظهر الهم على وش شيماء.
كانت مقتنعة أنها ما عملتش حاجة غلط.
وحتى لم المدير أقام احتفال بنجاح الصفقة، في كلمتها وجهت شيماء الشكر للعمال والموظفين: "أنا ما عملتش حاجة، كل كان مجهودكم أنتو."
"لكن الحقد والضغينة لا دين لها!"
"بص اللئيمة بتتكلم إزاي!؟"
"عاملة نفسها طيبة..."
"تلاقي المدير أداها هبرة كويسة."
واعتبرها مدراء الأقسام عدو لهم، وكان كل واحد حريص على كرسيه.
ولم يظهروا العداوة خوفاً من فارس السلحدار.
وكان فارس غير مهتم على الإطلاق، وسعيد بإنجازه الشخصي الأكبر.
فتح سوق جديدة لمنتجاته في أكبر بلد منافس.
وأصبح يلقي على عاتق شيماء أعمال جديدة وصفقات جديدة، كأنه ترك الشركة لها.
اختفى المدير المتعجرف اللعين، وأصبح شخص آخر.
كل ما شيماء تعرض عليه موضوع، يقول: "اتصرفي انتي."
وكانت الأمور تسير كما يتخيل بكل انضباط.
ونجحت شيماء في نيل احترام العمال لما طلبت علاوة ومكافأة لهم.
أصبح عدد كبير في صفها بعدما اختفت الشكوك.
وكانت العلاوات لا تذهب إلا لمن يستحقها، وفارس يوقع بلا نقاش.
بينما يعترض على اختيارات المدراء ويرفض منحهم ما يرغبون به.
"بصوا على شيماء واتعلموا منها."
"ما فيش حوافز من غير إنتاج."
"وروني الشغل وأنا أوقع."
ورغم النجاح السريع، كانت شيماء تشعر بالتعاسة.
الكل يبتعد عنها.
داخل الحديقة، لما خرجت تأكل سندويتش، لمحت موظف.
حاولت تتذكر اسمه، لكنها فشلت.
كان قاعد بيدخن سيجارة.
قربت شيماء منه: "إزيك؟"
رفع دماغه: "أهلاً شيماء هانم."
"انت عارف اسمي؟"
"ومين ما يعرفش أشهر موظفة في الشركة."
قعدت شيماء جنبه تشرب الشاي: "انت اسمك؟"
"على عوني يا هانم."
"عوني عبد السميع."
"آه، آسفة، اعذرني."
"ما تعتذريش يا هانم، اسمي بايخ وتقيل، أنا أصلاً مش بحبه."
ضحكت شيماء: "للدرجة دي؟"
"أجل يا هانم."
"انت اتقبلت في الوظيفة؟"
"كنت مرفوض، لكن المدير عاد المقابلات، ومن حسن حظي نلت الوظيفة."
"انت شغال في قسم؟"
"قسم الحسابات يا هانم."
"انتي حققتي نجاح تستحقي عليه التحية، المفروض تكوني مبسوطة."
ولاحظ عوني قلقها.
سكتت شيماء: "بس فيه ناس كتير رأيهم غير كده."
"طظ فيهم ولا تشغلي بالك، الأوباش اللي زي كده ملين البلد في كل مصلحة بيعطلوا أمور الناس، ادفع عشان تعدي."
"انت من خايف مني؟"
"أخاف ليه يا هانم؟"
"أصل الموظفين كلهم مش بيتكلموا معايا، خايفين يبيعوني، بيقولوا على عصفورة المدير."
بصق عوني على العشب وتأمل غمامة في السماء.
"ما فيش شخص وحش بيقول على نفسه وحش."
"بصي، فكرة حياة من غير أعداء ملهاش وجود، وانتي اقتحمتي عش الدبابير، لازم تتلسعي."
"أنا متفاجئة من صراحتك والله يا أستاذ عوني."
نفس عوني دخان سيجارته في وش شيماء: "العيش بوشين منزوع الشرف."
"بصي هناك؟"
شافت شيماء مدير الحسابات بيبص عليهم.
"الراجل ده شخص مقرف."
وبصق عوني: "كله شر، ولأنه إنسان مش تمام، متوقع إني بقلك أسرار المكتب."
"إنسان قذر، عقله في معدته."
"عارفة إيه اللي هيحصل بعد كده؟"
"هيحصل إيه يا أستاذ عوني؟"
"خصم أو جزاء، ترصد أخطاء، يعني قعدتي معاكي ورطة في حد ذاتها."
وضحك عوني.
"أنا لسه مكملتش شهرين في الشغل، يدوبك انتقلت لشقة جديدة."
"ورحمة جدتي لو اترفضت لأدعي عليكِ في سري بعد كل صلاة."
وواصل عوني ضحكه.
"لو حصل معاكِ أي حاجة، قولي من فضلك."
امتعض وجه عوني: "الرجال الحقيقيين بيتحملوا نتيجة أفعالهم يا هانم، نورتي."
وقهقه عوني: "انتي الخير بيمشي وراكي."
"أتمنى أشوفك في مكان كويس وتقدر تغيري نظام الشركة لأنه ظالم جداً، ومفيش مكان فيه لموظف عادل محب للحقيقة."
"ومديرك بيساعد على كده."
"لو تعب نفسه وفكر يبص على أعداد العمال المفصولين كل شهر أو كل سنة، كان عرف إن فيه مشكلة في الشركة."
"لكن مكتفي بمكتبه الأنيق، قهوته وطعامه، والتقارير اللي بتوصله من ناس أوساخ ملين الشركة."
ارتعش جسم شيماء.
في حياتها، ما تخيلتش شخص ممكن يتكلم قدامها على مديره كده وهو قاعد مع سكرتيرته الخاصة اللي بتنقل له أخبار الشركة.
وفكرت: "ده إنسان مش عادي، ثوري حقيقي من بتوع 1919 اللي كانوا مستعدين يموتوا في الشوارع، زمن جميل اختفى من حياتنا."
"أنا لازم أمشي يا هانم، وقت البريك خلص، ولازم أجهز نفسي لوصلة تحقيق من مديري."
"انت ليه متأكد إن مديرك هيحقق معاك؟"
ابتسم عوني: "مش تحقيق رسمي يا هانم، تلقيح كلام زي النسوان واختلاق أخطاء، ومهما حلفت له بالحق، مش هيصدقني لأنه ببساطة عمره ما شاف الحقيقة ولا يعرف شكلها."
"سلام يا هانم، شكراً على وقتك، والله كان نفسي أقعد معاك أكتر من كده، لكن أنا زي ما أنتي شايفة مش بعرف أتكلم مع نساء بطريقة تعجبهم."
تابعته شيماء وهو يجر قدميه كرجل عجوز، أنفه حدود السماء.
نحيل غارق في سلامه الداخلي.
همست شيماء في سرها: "يا ريتني كنت زيه."
وتغير مودها ومزاجها للأفضل.
ولمح فارس ابتسامتها التي اختفت من زمان.
ومضى أسبوع لم تلمح فيه شيماء وجه عوني.
حتى صدفه في أروقة الشركة، حتى سألت النادل عنه.
"بيوصل بدري ويمشي متأخر يا هانم."
"قليل أوي لما يخرج للحديقة وبيتناول أكله في المكتب."
"ياخ للدرجة دي؟"
توجهت شيماء لقسم الحسابات، ورمقها الموظفين باهتمام.
"المدير في المكتب يا آنسة شيماء."
"لا، أنا جايه عشان حاجة تانية."
ولمحت عوني في ركن منعزل.
دماغه مش باينة من الملفات.
مشيت ناحيته: "إزيك يا عوني؟"
"أهلاً شيماء هانم."
نهض عوني وسلم عليها.
"إيه انت مش ظاهر ليه يا عوني؟"
"مش قلتلك الخير ماشي وراكي."
وشاور عوني على الملفات.
"ألف دوسيه مرصوص قدامه."
أطلق عوني ابتسامة خفيفة.
"اتفضلي اقعدي، أقدر أخدمك بإيه؟"
وتحول نظر موظفي المكتب نحو عوني.
وعرف المدير أن السكرتيرة الجاسوسة تجلس مع واحد من موظفي مكتبه.
"الخائن العميل، اللي اسمه لسه بالقلم الرصاص."
"أنا آسفة يا عوني."
همست شيماء بخجل.
"ما تتأسفيش من فضلك، وصلي تحياتي لمديرك اللعين."
وفكرت شيماء: "هو عوني بيكره فارس ليه كده؟"
"ما مديره كمان بيظلمه."
"المفروض أديكي الملفات دي تخلصيها على فكرة صح."
وكان عوني يتكلم بطريقة عادية كلها براءة وحسن نية بلا لف ولا دوران.
"انت تشربي شاي؟"
"لا، أنا همشي، كنت عايزة أسلم عليك مش أكتر."
"تمام يا هانم، رافقتك لعنات الفراشات الأمازونية."
ولم يمضِ سوى بقية الشهر الثالث حتى أبلغ مدير القسم شؤون العاملين عدم حاجته لخدمات عوني.
"لكل موظف مدة تدريب قدرها ثلاثة أشهر خلالها يمكن لمديرك رفدك من العمل."
وجه رأفت بيه الشكر لعوني: "لقد عملت بجد، لكن ليس بالصورة المطلوبة."
شكره عوني وسلم عليه، وضع بدلته فوق كتفه وغادر الشركة.
يتبع…
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
الصفقه نجحت يابابا.
اه، الشركه كلها معندهاش كلام إلا غير الموضوع ده.
بيقولوا سكرتيرة فارس اكتشفت أخطاء الصنع في المنتج.
لا لا، دي خريجة إدارة أعمال.
معرفش يا بابا، اهو ده اللي حصل.
الأوضاع هنا مش تمام أوي.
فيه موظفين كتير مصابين بالغضب، مش عاجبهم طريقة فارس في إدارة الشركة.
موظفين كبار.
أغلق بديع متولي التليفون.
بقى كده؟
كان متوقع الصفقة تفشل، كان متأكد من كده.
هي ظهرت من أي مكان البنت دي؟
واش عرفها المنتج وطريقة تصنيعه؟
بديع متولي كان معتمد على فشل الصفقة لأنه كان البديل المتاح قدام الشركة الأجنبية.
ملايين كتير ضاعت منه.
كده فارس هيقدر يسدد الدفعة الأولى المتأخرة على الشركة.
وتمنى بديع متولي إن يتهور فارس، إن يتسرع ويخطط لتجديد الشركة أو فتح فرع جديد حتى ينفذ منه رصيد الأموال.
ضرب بديع متولي الطاولة بيده.
حتى لو فارس متهورش لازم أجبره على كده.
أخليه يعمل كل حاجة هو مش عايز يعملها زي ما أنا مخطط.
وكانت شيماء غارقة في المهمات ولا تجد وقت لأي راحة.
تجد وقت لأكل الطعام بالعافية.
فقد زادت مسؤوليتها باعتماد فارس عليها في كل صغيرة وكبيرة.
ولاحظت بعد أسبوع اختفاء عوني.
إنه غير موجود في مكتبه أو في أي مكان.
بالتحري عرفت شيماء إن عوني طرد من الشركة.
أنا مش ممكن اسكت على كده.
وأخذت بعضها على مكتب فارس.
طُرقت الباب.
استأذنت الدخول.
فارس بيه، عندي موضوع مهم لازم أكلمك فيه.
خير يا شيماء؟
فيه موظف جديد اسمه عوني في قسم الحسابات.
رأفت بيه طرده من الشغل.
:*
وايه المشكلة يا شيماء؟
دا مدير القسم ومن حقه يطرد أي موظف مقصر في الشغل.
مش مقصر يا فارس بيه، مستر رأفت تعمد طرده.
ليه؟
همست شيماء بخجل، عشان علاقته بيا.
عوني الموظف الوحيد اللي كان بيتكلم معايا.
ابتسم فارس السلحدار.
انت فاكرة إن رأفت هيطرد موظف لأنه اتكلم معاكي؟
رأفت دماغه أكبر من كده.
دا شايل قسم الحسابات من أيام والدي الله يرحمه.
من فضلك فارس بيه، حقق في الموضوع.
عوني مظلوم.
صرخ عوني.
هو أنا هسيب شغلي وأطلع أدور ورا كل موظف اتطرد ليه؟
أكيد غلط ورأفت فصله.
تذكرت شيماء كلام عوني.
بلغي تحياتي لمديرك اللعين.
ساعتها زعلت منه، لكن دلوقتي وهي بتتكلم مع فارس اكتشفت حاجات جديدة.
بعد إذنك، أنا مصرة إن حضرتك تفتح تحقيق في الموضوع ده.
وكانت على وشك إن تقول "عشان خاطري".
لكن فارس أوقفها.
انتي بتهدديني؟
بتتدخلي في حاجات مش من اختصاصك ليه؟
اتفضلي على مكتبك.
وشيماء من الأشخاص اللي لما تحط حاجة في دماغها لازم تعملها مهما كانت العواقب.
وكانت حاسة بذنب تجاه عوني.
ذنب عميق جارح.
انت لسه واقفة؟
فيها إيه لو رفعت سماعة التليفون واتصلت على شؤون العاملين تطلب ملف عوني تشوف غلط في إيه؟
صرخ فارس.
لأني مدير الشركة.
مش وظيفتي أشغل دماغي بأمور تافهة زي عوني بتاعك.
غادرت شيماء المكتب.
كانت بتفكر تقدر تعمل إيه لعوني.
إن وقوفها دون أن تتحرك يشعرها إنها خائنة.
غادرت المكتب بعد ما حصلت على تليفون عوني.
قعدت في الجنينة واتصلت بيه.
وصلها صوت شاحب.
مين؟
أنا شيماء يا عوني.
اعتدل عوني في جلسته.
أهلاً شيماء هانم، أخبار سيادتك إيه؟
انت فين يا عوني؟
هكون فين يعني؟
في شقتي الجديدة، باستمتع بآخر أيامي فيها.
أصل لازم أدور على سكن تاني يكون رخيص.
أنا آسفة يا عوني.
آسفة بجد.
همس عوني.
مفيش داعي للأسف، أنا كنت متوقع إن دا هيحصل.
أنا أصلاً مكنتش فاهم حاجة في الملفات.
كانت دايماً بتطلع قدامي غلط وأحاول أراجع وأعدل تطلع غلط.
أنا موظف فاشل على ما يبدو.
كل ده بسببى.
لا، مش بسببك.
إلى بيحصل دا بسببنا كلنا.
كلنا مسؤولين عن الأوضاع المزرية اللي بنتعرض ليها.
أنا كلمت فارس بيه وطلبت منه يحقق في الموضوع.
ضحك عوني.
فارس بيه السلحدار؟
فارس مش محتاج ينقذني أنا، محتاج ينقذ نفسه من نفسه.
إن الأوغاد مثل فارس من المستحيل أن يتغيروا بسهولة.
حقك هيرجع يا عوني، هترجع شغلك تاني.
متتعبيش نفسك يا آنسة شيماء، انسى عوني، استمتعي بنصرك، تنفسي الوجاهة والمنصب.
أنا وشي فقر وأنا مش هيجي من ورايا غير المصايب.
سأقضي أيامي الأخيرة أعاتب نفسي لأنني لم أكن أكثر حزم في لحظاتي الفاصلة.
خدي نصيحتي، بلاش تتخانقي مع فارس بسببى.
شعرت شيماء باستياء يغمرها.
الدنيا وحشة جدا.
كنت فاكرة علاقتها بفارس هتخليه يسمع لي.
لكن حصل العكس.
ولم تعرف شيماء إن فارس أحضر رأفت لمكتبه وتحدث معه بخصوص عوني.
موظف فاشل.
شرح رأفت لفارس.
مفيش ملف أخده وحقق فيه نتيجة.
كان بيقول إن الأرقام بتهرب منه وتتحرك بمياعة.
تصور موظف بيوصف الأرقام باللعينة؟
انتو بتحركوا الأرقام بمزاجكم.
دي كانت النتيجة اللي توصل ليها عوني.
أرقامكم كاذبة مثلكم.
عادت شيماء لمكتب فارس غير دارية بما حدث في وقت غيابها.
أنا مكنتش متخيلة إنك كده.
الناس بالنسبة ليك مجرد أرقام.
غير مهمة.
شيماء لتاني مرة بقولك متتدخليش في أمور فوق اختصاصك.
متفتكريش إن نجاح الصفقة هيخليكي تلوي دراعي.
انتي مجرد سكرتيرة هنا، متنسيش نفسك.
عوني مش هيرجع الشركة تاني مهما حصل.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
كنت غاضبة جداً من نفسي، وغاضبة من فارس، وغاضبة أكثر من قلة حياتي.
ما ذنب عوني في كل الذي يحصل هذا؟
ولماذا فارس يصر على إهانتي بكلام جارح؟ أنا لم أقصد أن أتحدّاه أو ألوي ذراعه.
لماذا الناس تعتبر المطالبة بالحق جريمة تستحق العقاب؟
عوني! ذلك البائس الذي يعيش بمفرده. وحزنت لما تذكرت أنه سيترك الشقة التي كان يحلم بها.
ماذا أفعل؟ الخيارات أمامي قليلة جداً. أقدم استقالتي وأخسر أكل عيشي؟
عوني طلب مني ألا أتحدى فارس. رغم ذلك، كان كلام فارس مؤذياً جداً.
وقررت إذا كان فارس يطالب بمعاملة رسمية، سأمنحه تلك المعاملة التي يرغب بها.
وكان عندي أمل أن فارس يعتذر ويعترف بخطئه، لكن فارس منعه غروره أو شيء آخر لا أفهمه.
الملايين التي دخلت خزانة الشركة أنعشتها. سدد فارس أقساط مستحقة للبنك.
ولاحظت أنه غير متسرع في طموحات تنمية الشركة وتوسعها.
وتمت الصفقة الثانية وأصبح فيه رصيد في خزانة الشركة.
وكانت علاقتي بفارس حتى تلك اللحظة علاقة سطحية. اختفت جلسة شرب الشاي والحديث العفوي.
واكتفيت أنا بدوري كسكرتيرة لمدير الشركة.
بعد شهر، طلب مدراء الأقسام اجتماعاً مع فارس، وكنت حاضرة أسجل نتائج الاجتماع.
مدراء الشركة طالبوا فارس بتوسعات في مناطق مختلفة، فروع للشركة تساعد على شهرتها وتجديد المقر الرئيسي.
وكان أكثرهم تحمساً رأفت مدير الحسابات.
كان لقاء حميمياً والكل أبدى ثقته من تضخم الشركة، أن تأخذ المكانة التي تستحقها في السوق.
وافق فارس على المقترح، تخلى عن حذره المعتاد ومنح مدراء الأقسام الحرية في إنشاء أفرع أخرى.
لم أنسَ عوني. كنت أتحدث معه كل فترة في التليفون.
وكان في العادة لا يسألني عن أخبار الشركة، بدا غير مهتم على الإطلاق.
حتى ذكرت له اجتماع المديرين والأفرع التي سيتم إنشاؤها.
"غبي! فارس إنسان غبي ولا يفقه شيئاً في الإدارة. السوق متقلب. المفروض يحافظ على رأس المال وينتظر بداية العام الجديد. أي خطوة هياخدها دلوقتي هتخسره."
لم أقدر أفهم عوني. والصراحة، اعتقدت أن كلامه حقد وغضب من فارس لأنه لم يحقق في مشكلته.
"عارفة!؟" قال عوني، "محدش هيودي فارس في داهية غير مدراء الأقسام، خاصة رأفت. إذا كان مديرك يرغب في النجاح لازم يرفض أي عرض يقدمه ليه رأفت."
لم أعرف أرد. كيف سأفهمه أن كلام المديرين في مصلحة الشركة؟
قبل نهاية المكالمة، عوني قال لي كلمة واحدة: "بالمعدل ده للشركة هتعلن إفلاسها قبل نهاية السنة."
خلصت المكالمة مع عوني. السنة فاضل عليها أربع شهور. الخزنة مليانة فلوس. هتفلس إزاي؟؟
عوني ملوش حق يقول الكلام ده. وعاهدت نفسي ما أتكلمش مع عوني عن الشركة مرة ثانية.
إلا أنه بعد أسبوع، عوني كلمني وكان جاداً جداً.
"آنسة شيماء، لازم تقنعي فارس يوقف أعمال التطوير في الشركة بأي شكل. إذا كنتِ مهتمة بمصلحة فارس، لازم تحذريه وتقنعيه يحافظ على فلوسه."
ودي كانت المرة اللي قررت فيها ما أتكلمش مع عوني تاني. بدأت أفهم أنه إنسان زي كل إنسان وجواه حقد على فارس.
وكانت الشركة بتعيش أيام سعيدة مع أخبار التوسعات، أفرع جديدة يعني فلوس جديدة وعلاوات ومكافآت.
غير فارس سيارته وجدد المكتب وواجهة الشركة واشترى آلات جديدة.
وصلت أخبار الاجتماع لبديع متولي عن طريق بنته صوفيا.
"تنهد بديع أخيراً. عوني دق أول مسمار في نعشه. الولد ده تعبني كتير أوي. برافو عليك يا رأفت، وفيت بوعدك."
وكان فارس يوقع الشيكات بلا انتباه أو عناية ويباشر أعمال التطوير ويفتتح الأفرع الجديدة كل أسبوع.
لحد ما فارس صحي على خبر نفاذ الرصيد في خزانة الشركة.
إزاي ده حصل؟ ما كانش فيه صفقات جديدة. ومع ارتفاع أسعار مواد البناء وتغير سعر الدولار، المصاريف زادت النص.
كان فيه مصاريف من غير دخل.
أمر فارس باجتماع طارئ لما عرف أن رصيد الشركة في البنك صفر.
أنا كنت حاضرة لكن معرفش السبب. لحد ما تفاجأت بكلام فارس مع رأفت قدام المديرين.
رأفت قال: "أنا مليش دعوة، أنت كنت بتوقع الشيكات، أنا شغلي محاسبات فقط."
ارتفع صوت فارس ورأفت مقبلش الإهانة. قدم استقالته.
ووراه كل مدراء الأقسام.
وفي يوم وليلة، كل مدراء الأقسام قدموا استقالتهم ما عدا مدير المخازن.
افتكرت كلام عوني عن الشركة، وأنا اللي كنت فاكرة أن عوني بيقول أي كلام.
وحزنت إني ما كنتش برد على مكالماته. ولما حضر الشركة، رفضت أقابله.
فارس ما كانش قابل كلام من أي حد. واختفى فجأة من الشركة وقفل تليفونه.
والشركة دخلت في لخبطة بعد تأخر مرتبات العمال.
أدور على فارس مش لاقياه. والأوضاع بقت زفت في كل قسم في الشركة.
العمال والموظفين كلهم كانوا بييجوا عندي أنا عشان أحل مشاكلهم. وأنا ما كانش في إيدي حاجة أقدر أعملها.
أنا مجرد سكرتيرة.
قلت لهم: "روحوا شؤون العمال، أنا مفيش في إيدي حاجة."
رئيس العمال قال: "الكلام ده مش مضبوط. أنا لسه واصل من شؤون العاملين وقالوا إن حضرتك المسؤولة عن تصريف أمور الشركة. ده كان آخر قرار اتخذه فارس قبل اختفائه."
صوفيا سابت الشركة وطلبت من الموظفين يعملوا زيها. ووعدتهم بشغل في شركة والدها بديع متولي.
سبت الشركة كلها، هربت منها. كلمت عوني وكنت مكسوفة جداً. اعتذرت كتير لعوني عن موقفي معاها.
اعترفت بغلطي وحكيت له عن اللي حصل.
"فين فارس؟" سألني عوني.
قلت له: "فارس اختفى والشركة وقعت خلاص. حتى مرتبات الموظفين مش لاقيينها."
"جبان!" صرخ عوني، "اللي يتخلى عن موظفيه يبقى جبان. لكن هتنتظر إيه من مدير شاب مايع لقى نفسه فجأة مدير شركة."
"يا عوني، إحنا في العمال دلوقتي ولا في الشركة اللي انهارت؟"
همس عوني بحزن: "إنت عارف كل عامل بيعول قد إيه؟ أولاد وعائلة، أطفال وطلبة. الناس دي مش هتلاقي فلوس تسدد الإيجارات يا شيماء."
"مين مدير الشركة دلوقتي؟"
قلت له: "مفيش حد."
بعد شوية، قلت: "تقريباً أنا."
غمغم عوني وأطلق سبه: "إنتِ فين؟"
قلت له: "مروحة على البيت."
صرخ: "استني عندك! أنا هاجي عندك حالاً. هنرجع الشركة."
قلت له: "انت مجنون! العمال هيقطعوني بسنانهم."
صاح عوني: "ملكيش دعوة، متدخليش الشركة غير وأنا معاكي."