تحميل رواية بتوقيت منتصف العبث بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
استوقفها موظف الأمن على باب الشركة. "على فين يا أستاذة؟" همست بخجل: "أنا عندي مقابلة عمل في الشركة." وكان هناك عدد محدود من المتقدمين ينتظر دوره، فجلست تنتظر سماع اسمها. وشعرت شيماء أن موقفها ضعيف. المتقدمات للوظيفة أكثر أناقة ووجاهة منها. همست في سرها: "وادي كمان مقابلة فاشلة." وكانت تقدمت للوظيفة عن طريق صديق لوالدها اسمه عيد يعمل في المخازن، وكانت تعرف أن المؤهلات لا قيمة لها هنا وأن الواسطة وحدها ستقرر من يقبل ومن يطرد. وكان اسمها الأخير كما توقعت، فهي تعرف حظها وحتى لو كان هناك ألف شخص ستكو...
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
وصل عوني مقر الشركة، لم يكن في عجلة من أمره، عندما لمح شيماء، لوح لها بيده ثم جلس.
جلس عوني في الحديقة على الأريكة وولع سيجاره، الجو كان برد فكان يفرك يديه في بعضها.
قبل شيماء ما توصله كان عوني شارد بيبص على الشركة.
جلست شيماء إلى جواره بخجل منتظرة أن يبدأ عوني الكلام ويوبخها بوصلة عتاب مملة محرجة.
"تحسي إنها حزينة؟" بدأ عوني الكلام وهو يشير على الشركة.
ولمح التجديدات الفاخرة في واجهة الشركة، فأردف: "زي العروسة اللي متجوزة غصب في ليلة فرحها."
وكان عوني يتحدث بأسى عميق وكلامه يقطر بؤس.
فكرت شيماء في سرها: "هو مش هيعاتبني ولا إيه؟"
همس عوني: "إنتي قدامك فرصة من دهب يا شيماء." وأطلق ابتسامة مخضوضة تراقصت على شفتيه النحيلتين.
"فارس بيثق فيكي، متصدقيش أي احتمال غير كده."
تأففت شيماء: "اسكت، بيثق فيه إيه بس دا عمره ما قال لي كلمة حلوة."
واصل عوني همسه: "هي كده يا شيماء، فيه ناس مش بتحب تتكلم كتير، فارس واحد منهم."
"علاقتي بمديرك عمرها ما هتكون كويسة، لكن!! أعتقد إنه يستحق فرصة تانية."
مرت غيمة حجبت أشعة الشمس وشعر عوني بالبرد، شد عوني سترته على جسده.
"يلا بينا يا مديرة."
على البوابة أوقف الحارس عوني: "انت رايح فين؟ انت انطردت من الشركة يا أستاذ."
التفت عوني نحو الحارس: "انت راجل طيب، لكن انت متعرفش إني اتعينت تاني في الشركة."
قال الحارس بصرامة: "لا انت اترفدت، مين عينك؟"
"مديرة الشركة." وشاور على شيماء.
"فعلاً أنا عينته يا عم فضل." وتسلقت درج السلم جنب عوني تحت نظرات الحارس المستنكرة.
"هنروح فين؟"
"شؤون العاملين." أوضح عوني بثقة، "عشان أقدر أتحرك محتاج صفة رسمية، لازم يعاد توظيفي في الشركة."
شيماء: "هعينك إيه؟"
عوني: "بلا مبلاة، مدير للشركة."
ضحكت شيماء: "دا مش وقت هزار يا عوني، انت عايز فارس يولع فيا."
"مش هيعمل حاجة، فارس هيشكرك لو كان أصيل."
وحتى عندما جلس عوني في مكتب شؤون العاملين كانت شيماء تظن أن كلامه مجرد مزحة.
"طلع عقد جديد من فضلك، أنا مدير الشركة الجديد."
الموظف فتح بقه وبص على شيماء بغباء.
رفعت شيماء كتفها: "اعمل اللي طلبه منك عوني لو سمحت."
بعد أن وقع عوني عقد العمل، مر على مكاتب الشركة ما تبقى من الموظفين الحانقين اللي مستلموش مرتبهم.
تركت شيماء لعوني تدبير الأمور بعد ما تأكدت إنها خربانة خربانة.
في مكتب الحسابات طلب عوني من نائب قسم الحسابات دفاتر الشركة في آخر شهرين.
الرجل رفض، عوني قال: "انت موقوف عن العمل، متحول تحقيق في شؤون العاملين." وبص على اللي بعده: "عايز الدفاتر في مكتب المدير بعد عشر دقايق."
خلال نص ساعة فصل عوني عشرة موظفين لم يبدوا استعدادهم للعمل تحت أمره.
نزل عوني وشيماء منطقة العمال وطلب عوني تجمع العمال حوله.
"ولاء قرار أصدره عوني، مكافأة شهرين لكل عامل." وشحت سيجارة من رئيس العمال.
"بصوا يا جماعة، انتو عارفين إن الشركة فلست، ولازم عشان نصرف المكافآت والأجور نخرج صفقة بسرعة. ادوني نص مجهودكم وأوعدكم قبل نص الشهر المرتبات هتكون في إيديكم وفي نهاية الشهر المكافآت كلها."
"عم حسن؟" وكان عم حسن رئيس العمال، حرك العمال: "عايزين نوريهم الرجالة لما تحب تشتغل هتعمل إيه. سيبكم من فارس خالص، كلامكم معايا أنا من اللحظة دي."
ونزع عوني قميصه: "أنا هشتغل معاكم."
سرت همهمة بين العمال، أسكته رئيس العمال: "مستنين إيه؟ سمعتم المدير الجديد قال إيه؟ يلا بينا."
طلب عوني من شيماء مراجعة الدفاتر بدقة واكتشاف التزوير والاختلاس اللي تم فيها.
"شيماء كلمي الشركة الأجنبية بخصوص صفقة جديدة بمواصفات عالية الجودة وتخفيض عشرين في المية."
انصرفت شيماء وظل عوني مع العمال، وعلى مدار أسبوع كان عوني مع العمال ينام بين المعدات ويأكل ويشرب معهم.
في اليوم الثالث عشر كانت كمية الإنتاج تسمح بإتمام الصفقة.
ترك عوني الشغل للريس حسن وراح على مكتبه.
دومه كانت معفنة وعيونه حمرة من قلة النوم.
"الشركة ردت عليكي؟"
همست شيماء بقلة حيلة: "بعت الإيميل ومحدش رد علي."
صمت عوني: "افتحي معاهم خط اتصال مباشر، أنا هتكلم معاهم."
وافق مدير الشركة الأجنبية على محادثة فيدو كول أجراها عوني بملابسه الملطخة بالتراب والعرق.
وكان عوني بمفرده داخل المكتب يشوح بيده ويحرق لفافات التبغ.
انتهت المقابلة بعد ساعة كاملة.
دخلت شيماء المكتب: "ها، عملت إيه؟ وافقوا على الصفقة؟"
نهض عوني: "أنا لازم آخد دش، عايز فوطة."
"عوني؟" صرخت شيماء: "وافقوا على الصفقة؟"
همس عوني: "هوافقوا، أمر العمال يحملوا البضاعة في الشاحنات."
"انت واثق ليه كده إنهم هيوافقوا؟"
قال عوني بثقة: "الراجل وعدني إنه هيفكر، والناس دي مش بتلعب، لما يقول هفكر يبقى بيحسب مكسبه وخسارته. يمكن مش محتاج المنتج دلوقتي، لكن أنا قدمت عرض مش هيقدر يرفضه."
"عملت إيه؟" سألت شيماء بشك.
"منحته خصم ٣٠ في المية." ولم ينتظر كلام شيماء، همس كالمجنون: "عايز فوطة، لازم أستحمى."
داخل المكتب، حطت شيماء دماغها بين يديها، حست إن الدنيا اتطربقت فوق دماغها.
ما كانتش فاهمة يعني إيه خصم تلاتين في المية وهيكون تأثيره إيه على الشركة.
بعد كده سابت كل حاجة لتصريف ربها.
سابت الشركة وروحت بعد ما عوني اختفى.
عوني اللي أخد دش في حمام الشركة ورجع نام في المكتب بعد ما العمال غادروا الشركة.
الساعة ٩ الصبح وصلت شيماء.
عوني كان نايم على الكرسي والكمبيوتر مفتوح قدامه على موقع الشركة الأجنبية والإيميل مفتوح.
فتحت الإيميل بتاع الشركة وشافت الإيميلات اللي وصلتها.
"عوني، عوني، عوني." صرخت شيماء: "الشركة وافقت على العرض!"
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
استلمت الشركة الدفعة الأولى مقابل الصفقات التي أُبرمت. أخفى عوني هذه المعلومة عن شيماء وعن كل العمال.
استمر العمل داخل الشركة بكامل الطاقة. كان عوني يعرف أن ثلاث صفقات متتالية فقط ستكون كافية بالنسبة له لاتخاذ الخطوة القادمة. وكان يخشى من المنافسة. كان يعرف في قرارة نفسه أن هناك من يسعى لتدمير الشركة، ومن الممكن أن يقدم عرضًا أقل من عرضه، متحملًا الخسائر في سبيل تحطيم شركة فارس. وكان عوني يسابق الزمن ويردد بينه وبين نفسه: "ثلاث صفقات فقط، لا أريد غيرها".
وطى داخل الشركة، لا يذهب لمنزله، ولا يغادر المكتب أو ورش الصناعة، واضعًا يده مع يد العمال كواحد منهم. لم يرغب في منحهم أملًا زائفًا ولا أحلامًا مبالغًا فيها، وكان له ما أراد. الدفعة الثانية تم تسليمها.
ضرب بديع متولي أخماسًا في أسداس:
"رأفت، أنت قلت إن الشركة انهارت، كيف تمت هذه الصفقات؟"
"والله يا بديع بيه، أنا ما سبت الشركة غير لما اتأكدت إفلاسها. ما كانش فيه جنيه واحد في الخزنة."
فكر بديع متولي: كيف للعمال أن يعملوا دون أن يأخذوا مرتباتهم؟
وأرسل رجلًا من قبله ليستقصي الأخبار. عاد الرجل بعد يوم واحد.
وضح لبديع متولي أن هناك شخصًا اسمه عوني وعد العمال بتسديد المرتبات والمكافآت.
همس بديع متولي: "يعني لسه ما استلموش حاجة؟"
"لا يا باشا، لسه."
سمع صرخ بديع متولي: "عايزك تروح هناك وتقول إن كل كلام الزفت عوني ده كذب، وإنه بيضحك عليهم، وإن شركتي مفتوحة ليهم، تعيين من غير أوراق حتى، ومرتب شهر مقدم."
كان عوني يأخذ قيلولة عندما اقتحم رئيس العمال حسن مكتبه.
"العمال رافضين يشتغلوا يا عوني، ونصهم ساب الشركة وخلع."
"وصلت إشاعة إنك كذاب، وما فيش أي حاجة من اللي وعدتهم بيها هتحصل."
لم يصدق عوني المصيبة التي نزلت فوق دماغه. ركض نحو ورش الصناعة ووجدها فارغة، والآلات كلها متوقفة.
جلس عوني على الأرض ووضع رأسه بين يديه. ووصلت شيماء الأخرى راكضة، محطمة من الصدمة.
"كل حاجة انتهت يا عوني، إحنا فشلنا."
همس عوني: "ما فشلناش، على الأقل دلوقتي عرفنا مين اللي ورا كل ده."
"بديع متولي شريك فارس السابق."
"وده هيفيد بإيه يا عوني؟ العمال رحلوا، الإنتاج توقف."
أخرج عوني سيجارة ودخنها.
"كانوا بيصبروا أسبوع واحد بس، وكانوا هيتمرغوا في النعيم. للأسف، ما لهمش حظ. والإنسان كده دايما متسرع، قليل الصبر."
"يا عم حسن؟"
"أيوه يا عوني يا ابني."
"انت عندك عناوين العمال طبعًا؟"
همس الريس حسن: "أيوه عندي."
"هاتها وتعالى معايا من فضلك."
انزوى عوني في مكتبه حتى وصل الريس حسن يحمل دفتر العناوين.
أخرج عوني حقيبة ممتلئة بالأظرف وفتحها أمام الريس حسن.
"دي مرتبات الشهر اللي فات يا عم حسن، مضاف ليها المكافآت. عايزك توصلها للعمال وتشكرهم على صبرهم معايا."
"وتطلب منهم يرجعوا الشغل تاني يا عوني؟"
"لا يا عم حسن، متطلبش منهم حاجة. دا حقهم، أنا مش هبتذلهم عشان ياخدوا حقهم. يا ريت بالأظرف دي توصل النهاردة يا عم حسن."
ثم غادر عوني الشركة. اتجه لوسط المدينة، تناول وجبة عشاء فاخرة في مسمط الأسواني، وحبس بكوب شاي وجلس مع نفسه يعيد أفكاره.
"الدفعة التالتة أكيد مش هتم. بديع متولي هيقدم أو قدم عرض أقل مننا. الخسارة مش مهمة بالنسبة له قصاد إنه يضغط على الشركة ويتسبب في انهيارها."
وضع عوني الاحتمالات أمام عينيه.
"توجد نقود كافية لدفع مستحقات البنك، ودي حاجة كويسة. لكن من غير إنتاج، الانهيار حتمي. مصروفات دون مداخيل، معادلة معروفة."
اتصل بشيماء.
"فارس لسه ما ظهرش؟"
"لا يا عوني، لسه ما ظهرش. قافل التليفون. آخر حاجة نشرها على حسابه إن شركته أفلست وإن حياته انتهت."
"طيب، إحنا هنعمل اجتماع طويل شوية بكرة الصبح. من فضلك لازم تكوني موجودة ومركّزة."
"هيفيد بإيه الاجتماع والشركة فلست والعمال سابوا الشركة يا عوني؟"
"الشركة لسه ما أعلنتش إفلاسها يا شيماء، ولسه عندنا رصيد في البنك، حتى لو كان قليل، لكنه كافي في الوقت الحالي. ثم، مش عايز أي شخص يعرف حاجة عن الشؤون المالية للشركة حاليًا بأي شكل يا شيماء."
وكان الاجتماع مطولًا، استمر حتى العصر. تم فيه إعادة ترقية وتعيين مدراء الأقسام من الموظفين القدامى الذين رفضوا مغادرة الشركة.
اكتملت عناصر إدارات الشركة بشكل كامل بعدما تلقى كل شخص مرتبه المتأخر.
وظلت أكبر عقبة في طريقه العمال. عشان يعين طاقم جديد بخبرة محتاج شهور، ووقته غير كافٍ بالمرة.
"يا عوني؟"
"إيه يا عم حسن؟"
"مجموعة كبيرة من العمال رجعت من نفسها، والآلات اشتغلت من تاني، وعايزين يقابلوا حضرتك."
"النسبة اللي رجعت للشغل كانت تقريبًا سبعين في المية من قوة العمل."
الباقي اشتغل في شركة بديع متولي. وأدرك عوني أن الاستمرار ليس مستحيلًا. بساعات عمل إضافية يمكن للشركة أن تستمر.
وأمام كل العمال، صرخ عوني: "إني قدمت عرضًا كبيرًا لشركة أجنبية، وفي حال موافقة الشركة على عرضه، الأرباح هتكون خيالية. إحنا قدمنا عرضًا لا يمكن رفضه بتخفيض 50%."
"إذا كانت شركة بيوم أريس فضت عقدها معانا، فشركة الميتد بيول هتوافق."
انتشر الخبر بسرعة البرق حتى وصل لبديع متولي.
ابتسم الرجل بدهاء، وأمر نائبه بتقديم عرض لشركة الميتد بيول أقل من عرض عوني، يعني أقل من النص.
والشركة وافقت على عرضه. كان الرجل يعيش حالة من النشوة والانتصار.
بعد يومين، أخبر عوني العمال أن الصفقة فشلت وحصلت عليها شركة منافسة. لكنه قدم عرضًا لشركة أخرى، عرض قوي لا يمكن رفضه بهامش ربح طفيف لكنه معقول.
ومرة أخرى أفشل بديع متولي الصفقة بعرض أقل من عوني.
وفي كل مرة يعلن فيها عوني عن عرض يفشل، حتى وصل عدد العروض عشرة عروض مرفوضة في مختلف بلدان العالم.
تبع….
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
هنعمل إيه يا عوني؟ إحنا بقالنا شهر بنصرف من غير ما يدخل قرش واحد حساب الشركة في البنك.
سألت شيماء بتعاسة.
ابتسم عوني، وكانت ضحكة غير متوقعة.
بصي على الإنجاز اللي عملناه يا شيماء. والله كنت هنسى في وسط همومي.
إنجاز إيه يا عوني؟
اقتحم عوني وجه شيماء الصافي بنظرته. رفع كتفه النحيل.
الشركة واقفة على رجلها بقالها شهر كامل بعد ما ظن الأعداء ومالك الشركة إنها انهارت. دا أكبر إنجاز يا آنسة شيماء.
وكان عوني عندما يتحدث بصورة رسمية يعني إنه يعد لمصيبة، أو مخاطرها.
إحنا بنصارع أكبر وحش في السوق لشهر كامل، بإدارة مهلهلة ونصف عدد العمالة.
هيكون في علمك أنا مش هسمح للشركة تنهار وأنا جواها مهما حصل. أصلي من زمان وأنا نفسي أبقى مدير شركة والحظ ابتسم لي. تفتكري ممكن أفرط في الفرصة دي بسهولة؟
وشرد عوني وهو يحدق سقف الغرفة كأنه إنسان.
عوني لسه مبدأش يا شيماء.
طيب هنعمل إيه؟ بديع متولي مقفل السوق علينا وإحنا مش قادرين نطلع المنتج ولا نشتري مستلزمات إنتاج جديدة عشان نصنع.
بديع متولي شخص ذكي، أوقع فارس الغبي بسهولة وأنا أغبى من فارس. لازم يوقعني.
هيعمل أي حاجة عشان أفشل وأنا متقبل كل ده بنفس راضية.
يعني هنسيبه يغرقنا؟
همس عوني.
فيه حاجة في إيدينا نعملها ومعملنهاش.
لم ترتاح شيماء لكلام عوني. تلك السلبية المفرطة والاستسلام تعني أن لديه خطة.
أنا هقدم عروض جديدة، متقلقيش. المنتج هيطلع حتى لو بهامش ربح ضئيل جداً. المهم مرتبات الموظفين، إن الشركة تظل قائمة في السوق.
عوني؟ تحدثت شيماء وقد ضيقت عينيها. بتفكر في إيه؟
بديع متولي ورط نفسه يا شيماء. كل العروض اللي أنا قدمتها كانت عروض خاسرة.
بديع متولي جنبني الخسارة بتهوره ومش هيقدر يتحمل الخسارة في التسويق.
بديع متولي بيصرف من المخزون ومفيش حاجة داخلة عليه.
وخلال أيام قليلة هيبدأ يحس بخسرته، لكن الوقت فات لأنه متكتف بشروط جزائية ضخمة ومضطر يتم الصفقات غصب عنه.
لبسته في شر أعماله. فتحت قدامه خطوط إنتاج ضخمة تحتاج إن شركته تعمل بكل طاقتها وبرضه خسرانة.
دلوقتي من السهل إني ألعب بصفقات صغيرة تسد العجز وتوفر هامش ربح معقول يسمح باستمرار الشركة واقفة على رجليها. أنا كنت قاصد كده.
ولم يمضِ وقت طويل حتى تحققت نبوءة عوني. العروض التي قدمها قُبلت ولم يتجرأ بديع متولي على إفشالها. أغرقه عوني في دوامة كبيرة واكتفى باللعب في المضمون.
بتتلقى العمال مرتباتهم في أوقات منتظمة كل أول شهر. وتعين عمالة جديدة وفق الريس حسن في تدريبها. اكتملت قوة العمال. ازداد ارتباط العمال بعوني. كل كلمة كان بيقولها كان بينفذها. وكان عوني واحد منهم، يأكل معهم ويشرب معهم ويخطط أمامهم للمستقبل. نجح في إشراكهم في حلمه.
لقد وعدهم بالترقيات والعلاوات وهامش ربح مع كل صفقة، مما دفع العمال للعمل بكل جد وحذر كأن الشركة شركتهم وليس فقط يعملون بها.
ومرت أربع شهور استعادت فيها الشركة نشاطها وفارس مختفي كأنه مات، لا يعرف شيء عن الشركة.
وكان عوني يفكر بعمق. اختفاء غير مبرر وغريب. على عكس شيماء، كان عوني يعتقد أن فارس يتابع أخبار الشركة من بعيد في صمت وكان يتوقع ظهوره في أي لحظة. لكن الغيبة طالت وأصيب عوني بالارتباك.
بمرور النصف الأول من العام المنصرم، تمكنت الشركة من جني الأرباح لأول مرة، وأصبح الدخل أكثر من المصروفات.
لحظة قضاها عوني في المقهى مع العمال وأعلن أمام صاحب المقهى القابع في الجهة المقابلة للشركة أن كل عامل سينال راتب عام كامل أرباح آخر صفقة تمت كما وعدهم.
يا رجالة، فيه صفقة كبيرة على الأبواب وعايزين مجهود كل واحد فيكم.
ارتفع صياح العمال. معاك يا عوني على الحلوة والمرة.
لم يتوقع أي شخص نجاح عوني في إدارة الشركة، لكن الشركة نجحت.
وكل عامل استلم مكافأته راتب عام كامل.
تبرمت شيماء من قرار عوني، لكن عوني أقنعها أن أرباح الشركة ستزيد النصف قبل نهاية العام.
كلمة شرف يا شيماء، رصيد الشركة في البنوك هيوصل ملايين.
وترك شيماء في المكتب لأمور الإدارة. قال إنه سيختفي أسبوع مع نفسه بعيداً عن الصداع.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
لم يهناء عوني في إجازاته التي طلبها، كانت شيماء تتصل به كل مدة تطلب نصح أو مشورة.
كانت شيماء تعتقد أن عوني يعرف كل شيء ويفهم كل شيء، وأن بداخله شيء غامض، لكنها تصدقه وتجعله حسن التوقع.
وكانت آلت على نفسها عدم التصرف دون الأخذ برأيه.
في آخر مكالمة همس عوني:
__ تعرفي لو كان الأمر على الشركة، أنا ما كنتش رديت على اتصالاتك.
__ وبترد ليه إن شاء الله؟
صدمته شيماء برعونتها، وكانت تمزح.
مرة أخرى همس عوني بثبات ونبرة غير محددة المعالم:
__ عشان أسمع صوتك.
ولم تفهم شيماء إذا كان عوني جاد أم يمزح كعادته، وسمحت الكلمة أن تمر.
فعوني لا يهتم إلا بشيئين فقط، الشركة وسيجارته.
وعوني نفسه لم يكرر الكلمة ولم يلمح لأي شيء آخر كعادته.
ونبرته لم تتغير على الإطلاق.
"الريس حسن طالب إجازة مدفوعة الأجر للموظفين القدامى، وده هيأخر الإنتاج. بيقول الناس دي تعبت وتستحق إجازة، وأنا مش موافقة. الصفقة اللي جايه هتوقف الشركة على رجلها. أنا طلبت منه يصبر شوية يا عوني."
قال عوني:
__ الشركات لا تهتم إلا بالإنتاج والنقود. كنتِ سمحتي بالإجازة يا شيماء، الناس دي هي السبب في الخير اللي هيدخل الشركة.
__ لا يا عوني.
اعترضت شيماء:
__ الريس حسن فاكر نفسه هيلوي دراعنا، وأنا مش هسمح بكده.
همس عوني في سره: "نفس تفكير فارس الغبي."
ثم سأل شيماء:
__ وإيه المشكلة دلوقتي؟
قالت شيماء:
__ الريس حسن رافض يشتغل. لازم تحل المشكلة دي يا عوني.
صمت عوني، وبعد دقيقة طمأن شيماء:
__ أنا هتصل بالريس حسن وأقنعه بقرارك الخاطيء. متشغليش بالك.
انتهت إجازة عوني والتحق بالعمال. ترك أمور الإدارة لشيماء.
وظل مع العمال يد بيد لأكثر من شهر حتى تمكنوا من إنهاء الصفقة الضخمة المرتقبة.
انطلقت الشاحنات محملة بالبضاعة، ولم يهدأ لعوني بال حتى وصلت البضاعة الأفرع وتم توزيعها وامتلاء رصيد الشركة بالأموال السائلة.
أخيراً عادت الشركة المهددة بالإفلاس لسابق عهدها.
وكان العمال ينتظرون المكفآت التي وعدهم بها عوني.
وكان عوني عند كلمته، نال كل موظف ما يستحق، علاوة على الأوفر تايم لساعات العمل الإضافية.
كان ذلك اليوم الذي سمح عوني لنفسه فيه أن ينظف نفسه ويبدل ملابسه ويشذب لحيته ويبدو لأول مرة بمظهر لائق.
"إيه أنت شكلك مختلف يا عوني."
ابتسم عوني:
__ يا شيماء، عندما يرغب عوني أن يبدو جذاب وأنيق، يفعل ذلك بسهولة.
وكانت الألفة جمعت بينهم، واختفت الألقاب التي كانوا يتغنون بها.
وبات كل واحد منهم قريب من الآخر ويفهمه بسهولة.
وكانت أول مرة يدعو فيها عوني شيماء لفنجان قهوة خارج الشركة.
قالها بصورة رسمية:
__ اسمحي لي، أنسة شيماء، أعزمك على فنجان قهوة لأحدثك في أمر هام.
__ الآن بعد أن استقرت الشركة، على الإنسان أن ينظر إلى نفسه بعض الشيء.
وخرجا من المكتب نحو الحديقة.
وقبل أن يخرجا من باب الشركة، فاجأهم فارس الذي أوقف سيارته للتو.
وكان ظهوره مبعث دهشة وارتباك، حيث هلل الحارث لرؤيته.
وأبدت شيماء فرحتها.
سلم فارس على شيماء بحميمية، بينما رمق عوني بنصف عين وتعداها بلا مبالاة.
همست شيماء:
__ فارس بيه؟ ده عوني اللي كان سبب في وقوف الشركة.
رفع فارس يده ومنع شيماء من إكمال كلامها:
__ أنا فاكر الموظف عوني اللي إنتي صدعتيني عشان أرجعه الشركة. إنتي عملتي اللي في دماغك ورجعته الحسابات تاني؟
قالت شيماء:
__ عوني شريك الإدارة معايا يا فارس بيه.
__ شريك إيه؟
بح فارس صوته بغضب:
__ هو أنا سبتلك الشركة عشان تلعبي فيها براحتك؟
وحاول فارس أن يتماسك:
__ أنا معنديش مانع يرجع شغله مرة تانية.
وكان عوني يستمع بصمت، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة صغيرة.
ثم قال أخيراً:
__ من فضلك يا شيماء، ممكن نروح المشوار بتاعنا؟
ترددت شيماء لحظة وقالت:
__ مفيش مانع.
__ تروحي فين؟
سألها فارس:
__ إنتي لازم ترجعي معايا المكتب عشان أشوف الدنيا حصل فيها إيه.
ودون أن يمنحها فرصة للاختيار، تردف:
__ يلا بينا.
وجذبها برفق من يدها وصعد درجات السلم.
ثم استدار نحو عوني.
ونظر للساعة:
__ أعتقد أن وقت العمل لسه ما خلصش. اتفضل ارجع على شغلك.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
أراقب عوني الآنسة شيماء بعينيه، أنتظر ردة فعلها ولم تنظر شيماء ولا مرة للخلف.
وأحس عوني بالاستياء، دفعه لتغيير رأيه بعد أن كان قد قرر ركل هذه الشركة للأبد.
منعه شيء ما من التهور، شيء لا يمكنه التحكم به أو حتى إنكاره.
وكان لدى عوني قناعة بضرورة منح الفرصة القائمة كل الوقت قبل أن يتركها بلا رجعة.
رمق عوني حارس الأمن الذي يحدجه بنظرة متقززة بسخرية.
ثم همس في سره: يومًا ما، ليس ببعيد، ستتمنى لو كنت صديقي.
دلف عوني مكتب الحسابات، استقبله مدير الحسابات بترحاب ونهض من مكانه.
منعه عوني، قال عوني: اسمع، أنت رجل طيب، لكن منذ اللحظة أنا مجرد موظف في مكتبك وأنت لا تدين لي بشيء.
عاد فارس السلحدار للشركة وتولى الإدارة.
أشعل عوني لفافة تبغ، كان غير مهتم بالشغل، ما يبقيه داخل الشركة لا علاقة له الآن بالعمل.
سأل مدير الحسابات بلا مبالاة: كم تبلغ أرصدة الشركة في البنك؟
سجل عوني الرقم في ذهنه وشكر مدير الإدارة.
قلب فارس الدفاتر والأوراق بقرف.
"إيه ده؟ الشركة عايمة في الفوضى!"
وسأل شيماء: "مين مدراء الإدارة اللي تم تعيينهم بعد غيابي؟"
ذكرت شيماء الأسماء، غمغم فارس: "دي ناس معندهاش خبرة."
"نزّلوا إعلان فورًا عن حاجتنا لمديري إدارات خبرة، بلاش لعب عيال."
فنجلت شيماء عينيها: "الناس اللي مش عاجباك دي هي اللي كانت السبب في نهوض الشركة."
ضربت حظ.
همس فارس بقرف: "شركة كبيرة زي شركتي محتاجة إدارة حديثة علمية. أنا لازم أعمل كل حاجة بإيدي."
"هو ده شكرك ليا ولعوني عن اللي عملناه في غيابك؟"
قالت شيماء وقد فاض بها الكيل: "الشركة كانت مفلسة، أفكار عوني هي اللي وقفت الشركة على رجليها."
"عوني؟ عوني مين؟"
وكأنه لا يعرفه، استمر فارس في كلامه: "كنت متوقع نجاحك في غيابي يا شيماء، انتِ اشتغلتِ معايا وقت طويل وتشربتي الخبرة مني."
ثم صرخ فجأة! وهو يرمق دفتر العلاوات والمكافآت:
"إيه ده؟ مين اللي صرف الفلوس دي للعمال؟ دا تبذير، إهدار مال الشركة، هي دي الأمانة اللي سبتها لكِ يا شيماء؟"
"أنت مكنتش هنا ومشفتش حاجة، كل قرش اتصرف كان في مكانه الصحيح."
كان أول قرار وقعه فارس السلحدار إيقاف العلاوات والمكافآت الشهرية للعمال.
"اللي عاجبه يشتغل يشتغل واللي مش عاجبه يمشي وأجيب عشرة غيره."
وحاولت شيماء إقناعه لكن فارس ركب رأسه.
"الإعلان ده يتعلق في كل ركن في الشركة."
"كل موظف لازم يعرف إن وقت السبهللة خلص خلاص."
"كان لازم أتوقع كده من موظف بسيط تولى أمور الإدارة."
"أكيد هيحاول يمنح نفسه علاوات متعلل بموظفي الشركة."
"أكيد عوني عمل كده عشان نفسه."
مر فارس على كل مكاتب الشركة وكان يعطي التعليمات بصرامة محتفظًا بوجاهته وسيطرته.
انتهى العمل وانتظر عوني خروج شيماء، لكن شيماء لم تحضر.
بعد ساعة، تملل عوني وترك الحديقة وانصرف.
جرى نظام جديد في الشركة غير النظام الذي حدده عوني.
كم سرت إشاعات عن اختلاسه وانتهازه عمله كمدير للشركة للحصول على أموال ليست من حقه.
"أنا هحوله للشؤون القانونية الحرامي ده."
اليوم التالي كان هناك تحقيق في انتظار عوني عن كل النقود التي منحها للعمال والنقود التي تقاضاها بنفسه.
وكانت صدمة عندما اتضح أن عوني لم يأخذ ولا قرش من تلك المكافآت العلاوات واكتفى بمرتبه السابق كموظف في الحسابات.
لم يقتنع فارس.
"عوني ذكي، خطط كل شيء وتلاعب في الدفاتر والحسابات."
كان عوني يفهم جيدًا لماذا يفكر فارس بتلك الطريقة دون أن يوجه له كلمة شكر أو حتى يرفعه في مصاف المدراء المهمين وربما صديق له.
إن وجود عوني في الشركة لن يحدث أبدًا طالما فارس مديرها.
إن عوني شوكة في ظهر فارس، شهادة على فشله واختفائه لحظة انهيار الشركة.
أما رغبة فارس في إظهار عوني مختلس أو حتى لص، فإن عوني يفهمها جيدًا أنه يفعلها من أجل شيماء.
ورغم أنه لا يمكن أن يفكر بها كحبيبة أو زوجة، لكن أشخاص مثله لا يحبون الخسارة.
لقد ترك عوني الموظفين يدافعون عنه، والأوراق تتحدث.
نعم، عوني ذكي وكان يتوقع حدوث ذلك الأمر.
لكنه لم يخفِ أي شيء بل أعد أدلة براءته في وجه فارس والقانون.
قد يقبل عوني أي شيء، لكن أن يكون لصًا، فأنه أمر يخل بشخصيته.
لقد كشف عوني زيف ادعاءات فارس ولم يتمكن الموظفون من إخماد غضبه.
"إذا كنت ترغب في رفدي أو طردي من الشركة يا فارس، اخترع شيئًا معقولًا وليس زائفًا."
"اسمي فارس بيه السلحدار يا عوني وأنا مديرك والشركة شركتي."
ابتسم عوني: "أنت لست مديري، ثم إن اسمك في البطاقة فارس السلحدار."
"أنا لا أعتبر نفسي ندًا لك ولا أطمع في إصلاحك، شخص مثل غبي متعفن أحمق مصيره إلى الجحيم."
"عودتي الشركة كانت من أجل شيماء، لتسديد دين لها علي."
"والآن سددت ديني ولا يوجد أي شيء يدفعني للبقاء هنا لحظة واحدة."
ومرة أخرى صمتت شيماء، جبنها وقلة ثقتها في نفسها منعها من الوقوف إلى جوار الشخص الوحيد الذي اعتبرها صديقه وربما أكثر داخل الشركة.
"اطلع بره!"
"اطلع بره شركتي مش عايز أشوف وشك تاني، مش ناقصة غير الموظفين الحثالة اللي هيدوني نصايح."
جر الحراس عوني خارج الشركة بطريقة مهينة وسط لعنات عوني وصمت شيماء.
لقد أدرك عوني في تلك اللحظة أن شيماء لا تستحق أن يدافع عنها، سقطت من نظره إلى مدى بعيد.
إن الإنسان الحقيقي يقدر الإنسان مثله دون أي اعتبارات أخرى.
رد خبر طرد عوني أرجاء الشركة.
رغم ذلك كان لدى الموظفين أمل أن يستمر عملهم في هدوء.
الوحيد الذي قدم استقالته تضامنًا مع عوني كان الريس حسن.
ركض الرجل خلف عوني حتى لحق به.
عاتبه عوني على تهوره، لكن حسن رد بلا مبالاة: "ده كان المفروض يحصل من زمان، ناولني سيجارة يا عوني واعزمني على كوباية شاي عايز أكلمك في موضوع."
استمع عوني بتركيز لكلام الريس حسن، وكان حسن ينتظر تعليق عوني.
"الموضوع ده صعب لكن مش مستحيل."
تنهد الريس حسن بارتياح: "يعني موافق؟"
"ليه لا؟ إحنا هنعمل حاجة حرام يا ريس حسن؟ إحنا هنتشارك في مشروع خاسر."
وضحك الاثنان على تفاهتهم ولا مبالاتهم.
وكان عوني يعتقد أن الحياة تستحق أن تعاملها باستهزاء في أوقات كثيرة.
رواية بتوقيت منتصف العبث الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
استقدم فارس السلحدار مدراء أقسام جدد ذوي خبرة كما طلب.
الرجل كان يعتقد أن شركة كبيرة تستحق أشخاص موسوعين.
وليس هناك أكبر من شركته بالطبع، بعد تقهقر شركة بديع متولي وغرقها في صفقات خاسرة.
وظهرت صورة فارس السلحدار في الصحيفة أكثر من مرة وهو يقود أحد اجتماعاته المهمة.
استخدم فارس طريقة تعسفية حيث جعل الموظفين الذين قام عوني بمنحهم المسؤولية في الدرجة الثانية، غير عابئ بتضحياتهم في غيابه.
ولم يترك فارس بديع متولي في حاله، أرسل له رسالة واضحة أنه كان يعرف أنه خلف مشاكل شركته في الفترة الأخيرة، لكنه، أي بديع متولي، يحتاج أكثر من محاولة ليسقط شركة فارس السلحدار.
وكانت شيماء تدور خلفه غارقة في المهام غير قادرة على إيجاد وقت خاص بنفسها.
أصبحت آلة عمل، ظل للرئيس منزوعة الإرادة.
والحقيقة أن شيماء لم تطمح أبداً في أكثر من ذلك، وكان عقلها خالياً من اللمسة الإبداعية.
بدأ عوني مشروعه رفقة الريس حسن بمعدة واحدة، آلة تمكن الريس حسن وبعض الموظفين الذين تم الاستغناء عنهم في شرائها.
كان عوني يعمل بجد بمزاجه الرائق وكان يمازح دائماً أن مشكلة العمل يا ريس حسن أنه يجبرني على التخلي عن أناقتي المعتادة.
وكان الفريق يتمتع بخبرة واسعة مكنته من إنتاج منتج دقيق خالٍ من العيوب، وإن كان بكميات قليلة جداً.
لكنه منتج رائج تتهافت الشركات على اقتنائه.
رفع عوني وفريقه الجودة قبل الكمية، من أجل ذلك نال ثقة العملاء الذين قاموا بالحجز المسبق للمنتج.
لكن عوني كان لديه تصور آخر.
بعد شهور من العمل وبعد أن نال ثقة الشركات التي تتعامل معه، راح يبرم صفقات أخرى.
وكانت الصفقات متمثلة في حق الانتفاع.
قدم عوني عرضاً للشركات المهتمة تقوم من جهتها بشراء ماكينات جديدة نظير أن تنال المنتج بسعر رمزي لعدة سنين قادمة.
وكانت حساباته دقيقة، بعد خمس سنوات الماكينة الواحدة ستصبح عشرات، مصنع صغير مضمون التسويق لأن الشركة المساهمة لن تشتري المنتج خارج شركته.
وتحركت أسهم عوني وبزغ نجم شركته.
لم يكن الأمر سهلاً، لكن شركاء عوني كانوا يثقون في عقليته بعد أن أثبت في كل مرة أنه يتمتع بعقلية تسويقية فذة.
وأصبح منتج عوني وشركائه علامة مسجلة يتمتع بسمعة ممتازة، حتى أصبح من يقتني منتج عوني محظوظاً.
المنتج الذي كان ينافس المنتجات الأجنبية المستوردة من بلاد لها باع طويل في الصناعة.
وكانت الأيام تحمل لعوني خبر غير معقول، خبر لم يتخيله حتى في الأحلام.
عندما تلقى عرضاً من شركة كوريا الجنوبية، الشركة المعروفة في الأسواق العالمية لنيل منتجه.
وكان مدير الشركة يعرف عوني في السابق عندما تعامل معه في شركة فارس، التي انحدر فيها جودة المنتج لدرجة ضعيفة جداً.
كان فارس يخسر عملائه بينما عوني العملاء يركضون نحوه.
الشركة الأجنبية التي وعدت عوني بمساهمة عملاقة في إنشاء مصنعه مع عقد احتكار لمنتجه لسنين طويلة.
بدأت شركة فارس تترنح بعد المرتبات الضخمة التي كان ينالها مديرون لا يعملون أي شيء.
ومع توقف تدفق الأموال راح الرصيد يضمحل، شعر فارس بالخطر لكن الوقت كان قد فات بعد أن فقد ثقة العملاء.
وكان واضحاً أن الشركة تسير نحو الانهيار مرة أخرى.
مثل سفينة بلا دفة تتقاذفها الأمواج والسوق لا يرحم أحداً.
تخلى فارس عن كبريائه، اجتمع شيماء وسألها عن أخبار عوني.
"سؤال كان مفاجئاً بالنسبة لشيماء."
"لا أعرف عنه شيء."
"كنت أفكر بعودته للعمل في الشركة مرة أخرى، قطع العيش حرام."
"بعد شهور يا فارس افتكرت أن قطع العيش حرام؟"
"شيماء، أنا قلبي طيب، ثم أنا بعمل كده عشانك، عوني كان صديقك."
"همست شيماء، كان يا فارس، كان، دلوقتي معرفش عنه حاجة."
"حاولي تتصلي بيه، بلغيه أن فارس السلحدار مسامحه لأن قلبه كبير وهعينه بمرتب كويس."
"ووجدت شيماء الشجاعة لتسخر من فارس، أنت فاكر عوني ممكن يرجع يشتغل في الشركة مرة ثانية؟ يبقى أنت متعرفش عوني."
"صرخ فارس، أنا بقدمله فرصة ميحلمش بيها عشانك أنت بس، لو كان مهم بالنسبة ليكي كلميه بدل ما هو قاعد على القهاوي زي العيال الصايعة لا شغل ولا مشغلة."
"كانت شيماء تعرف الأوضاع المتردية التي تمر بها الشركة."
"انت عايز عوني يمسك إدارة الشركة مرة ثانية؟"
"صرخ عوني بغرور، يمسك الشركة؟ أنتي فاكرة أن الشركة واقعة يا شيماء؟ شركتي لسه قوية، طالما أنا مدير الشركة ستظل في المقدمة."
وفي اليوم التالي مع توالي مصائب شركة فارس.
سألها عن عوني مرة أخرى، لمح بطريقة غير مباشرة حتى لا يخدش كبرياءه.
"عونى رد عليكي؟"
"مكلمتوش،" ردت شيماء بلا مبالاة.
تغيرت ملامح وجه فارس، بين كبريائه والشركة التي على وشك الضياع.
رغم ذلك لم يعقب فارس.
فتح كمبيوتر العمل ليتابع آخر الإيميلات الواردة.
ثم فتح فمه بصدمة، الشركة الأجنبية أرسلت ما يفيد إنهاء تعاملاتها مع شركته منذ تاريخ اليوم.
الشركة التي كان فارس يعتمد على أرباحها في استمرار شركته.
"مصيبة،" همس فارس ورأسه بين يديه، "الشركة الأجنبية فسخت العقد معانا."
وكان فارس قد أضاع عملاءه داخل البلد بغروره وتكبره.
وكان إنساناً سريع الانهيار ولا يعرف ثقافة الصمود.
"صرخت شيماء، فارس أنت لا يمكن تختفي زي المرة اللي فاتت. المرة دي لازم تنقذ شركتك بنفسك، دور على شركات تانية تشتري المنتج."
"في عالم الأعمال يعد الاعتماد على شركة واحدة، مصدر واحد أمر في غاية الحماقة."
بحث فارس في دفاتره القديمة، الشركات التي كانت تتعامل معه في السابق.
لكن كانت تلك الشركات ارتبطت بعقود لا يمكن الإخلال بها.
ثم إن تلك الشركات وجدت ضالتها في شركة عوني وشركائه.
ولم توافق ولا شركة التعامل مع فارس.
وخلال الكلام عرف فارس أن الشركة المهمة التي تبيع المنتج تسمى شركة عوني وشركائه، وظن فارس أنه تشابه أسماء.
لأن عوني لا يمكن له أن يكون صاحب مصنع أو شركة عملاقة امتلكت السوق كله.
وكان كلام رؤساء الشركات أن فارس إذا كان يرغب في إنقاذ شركته وتسويق منتجه سيكون من خلال شركة عوني.
مكنش فيه حل تاني قدام فارس، كان لا يرغب بخسارة شركته.
رافق شيماء نحو شركة عوني وشركائه وطلب مقابلة مدير الشركة.
صادفه الريس حسن في أروقة الشركة.
وعمل الرجل بالأصول ورحب بفارس لكن باعتدال، فقد كان يعامله معاملة الند.
وكانت شركة عوني آية في الجمال، التصميمات الأجنبية وروعتها إضافة إلى اللمحات التي وضعها عوني بنفسه.
"المدير هيقابلك بعد شوية."
انتظر فارس في الرواق، لم يكن أمامه حل آخر بعد أن اضطر لتنحية غروره جانباً.
بعد نصف ساعة سمح له بمقابلة مدير الشركة عوني، الذي كان يجلس على كرسي الإدارة يدخن سيجارة.
نهض عوني واستقبل ضيوفه.
"همس فارس بضيق، عايز أقابل مدير الشركة لو سمحت."
"ابتسم عوني، هذا المخلوق لا يتخلى عن كبريائه الذي لا يجعله يرى أمامه."
خرج عوني من المكتب بطريقة مسرحية ثم دخل مرة أخرى وعرف نفسه مدير الشركة أمامهم.
"لم يصمد فارس، انهار في مكانه، أنت مدير الشركة؟"
"همس عوني، خش في الموضوع يا فارس."
طلب فارس بأدب أن يمنحه عوني له بعض خطوط السوق لأن شركته تنهار وأن عليه أن ينحي خلافاتهم جانباً من أجل مصلحة الشركتين.
"أنا مش محتاج شركتك ولا تعاونك يا فارس، المقابلة انتهت."
حاولت شيماء أن تحل المسألة وفارس جالس مثل قرطاس طعمية من ورق.
"شركتك خاسرة ومصيرها الإفلاس، أنا هقدم لك عرض مش هتلاقيه حتى في أحلامك. أنا هشترى شركتك بسعر عادل، هشتريها رغم أنها خاسرة مفلسة."
وكتب رقماً في شيك قدمه لفارس.
"دا ابتزاز،" صرخ فارس، "إذا كنت فاكر إنك هتلوى دراعي تبقى غلطان."
مرة أخرى كتب عوني شيكاً آخر لكن برقم أقل وقدمه لفارس.
"مع كل حماقة تنطقها ستخسر ملايين، مفيش شركة في السوق هتقبل تشتري شركتك، اعتبر طلبي نابع من الشرف لا أكثر ولا أقل."
ولم يمضِ سوى نصف ساعة حتى آلت شركة فارس إلى عوني.
وخرج من المكتب يجر أذيال العار.
ظلت شيماء مع عوني في المكتب تذكره بصداقتهم القديمة.
"فنجان القهوة الذي عزمها عليه منذ سنين."
"أنت لسه فاكرة يا شيماء؟"
"أنا كنت هطلب إيدك للجواز في الوقت ده."
أطلقت شيماء ابتسامة لطيفة مبدية موافقتها.
أردف عوني، "لكن الوضع اتغير، انتي نزلتي من نظري يا شيماء، انتي إنسانة للأسف منزوعة الإرادة ولا يمكن الاعتماد عليكي. أنا كنت هجوزك لأنني شفت فيكي حاجات جميلة لكن كنت غلطان."
تحول عوني في ظرف أعوام قليلة لأسطورة في عالم الأعمال.
كانت كل الشركات التي يمتلكها للموظفين والعمال نصيب من أرباحه.
لم يفكر فارس في شيماء كزوجة كما اعتقد عوني، كانت بالنسبة له ورقة رابحة.
سرعان ما نسيها وطافت هي على شركات أخرى وتم توظيفها في إحدى الشركات بتوصية خفية من عوني.