"إلحقوني.. يا مختار! أنت مين؟ ابعد عني بقولك؟ آتى شاكر سريعًا على صوت صراخها وسحب الفتى الفاقد الوعي من فوقها، فهمس بصدمة: "مختار! اقترب مختار بهلع من أخيه وناداه بصوت عالٍ لعلّه يستجيب: "مختار! أنت سامعني! مين اللي ضربك كدا؟ كانت زين قد تراجعت للخلف تضم قدمها لصدرها، فاستعادت إدراكها رويدًا وتمالكت ذاتها واقتربت تتساءل: "هو.. شاكر شوفه بيتنفس! أنا حاسة إنه مش بيتنفس!
جحظت عينا شاكر عندما أدرك بأنه يتنفس بصعوبة، وقف شاكر وسحبه ليحمله على ظهره وتحرك به للأسفل، وأغلقت زين باب غرفتها بعدما سحبت كل الأموال التي وضعتها في خزانتها، ثم ركضت خلف شاكر وهي بإسدال الصلاة. توقفت السيارة أمام المستشفى العام، فخرجت زين سريعًا من الكرسي الأمامي، وكان شاكر قد خرج بالفعل بالخلف يُحاول إخراج مختار ورفعه بنفس الطريقة وركض به للداخل. "لو سمحت.. أعمل إيه! مش بيتنفس." "هاته بسـرعة على الطوارئ."
أخذه العمال رفقة بعض أفراد التمريض ودلفوا به للغرفة العامة للطوارئ، فآتى طبيب مسرعًا يفحصه ثم قال بجدية: "أنا شاكك إن عنده نزيف داخلي... بسـرعة على الأشعة وجهزوا أوضة العمليات." قاموا بدفع شاكر وزين برفق للخارج وأخذا مختار بعيدًا عنهم في لمح البصر، جلس شاكر أرضًا يضع رأسه بين قدميه وزين تقف جواره تطالعه بحزن وآسى. "مش فاهم إزاي اتضرب بالشكل دا!؟ مختار مش ضعيف؟
"يمكن حرامية اتكاتروا عليه في السوبر ماركت اللي بيشتغل فيه! "مش عارف بس ممكن... "أنا مش هستنى الافتراضيات دي، أنا هكلم مازن باشا." "أنا كنت عاوز أطلب منك بس قلقت لتتضايقي." "مفيش حاجة دلوقتي أهم من مختار وأهم من إننا نعرف إيه اللي حصل معاه." أخرجت زين هاتفها وتحركت قليلاً بعيدًا عن الضوضاء لتستطيع إخباره بكل ما حدث. وعلى الطرف الآخر انتفض مازن عندما وجد اسم زين على شاشة هاتفه تتصل به في مثل هذا الوقت. "زين! ألو؟
أنتي كويسة! "أنا في المستشفى." "مستشفى! مستشفى إيه وليـه! قولـيـلي العنوان بسرعة مسافة السكـة وهكون عندك." "أنا كويسة يا مازن اسمعني بس." أخبرته زين بما حدث فجلس يتنفس الصعداء ولكنه أبدى بعض الاهتمام: "متقلقيش أنا هحقق في الموضوع بنفسي، ابعتيلي في رسالة عنوان الشغل بتاعه." "حاضر." مرت عدة ساعات ولا يزال الاثنين بمكانهما عندما آتى مازن، فطالعته زين بترقب ووقف شاكر يصافحه: "بعتذر إننا قلقنا حضرتك في وقت زي دا."
"لا ولا يهمك أنا بعمل واجبي." "طمني يا باشا، وصلت لحاجة؟ "طمني بس الأول على مختار! "مش عارفين حاجة لسه، كل اللي عرفناه إنه عنده نزيف داخلي وبيحاولوا يوقفوه."
"خير.. خير إن شاء الله، أنا وصلت للسوبر ماركت وسألت هناك قالولي إنه أخد طلع يوصل أوردر فسألت عن العنوان اللي راح ليه قالوا إن هو اللي أخد الأوردر بنفسه وطلع يوصله ومفيش أي حاجة متسجلة عن العنوان بس بردو قعدت اتكلمت مع كل الناس اللي هناك وموصلتش لحاجة فقررت أرجع للمنطقة اللي أنتم ساكنين فيها وقولت اسأل في الأماكن اللي حواليكم لحد ما واحد جاركم قالي إنه نزل من العربية ومعاه بنت ودخلوا الاتنين العمارة بتاعتكم لكن أنا قولت أسألكم الأول قبل ما أحقق مع البنت عن اللي حصل لو تعرفوا إذا فيه بينهم حاجة!
قال شاكر بقلق: "ملك؟! أومأت زين وقالت بتأكيد: "مفيش بنات في العمارة غيري أنا وهي فأكيد هي.. أنا هروح... توقفت عن الحديث عندما وجدت ملك تأتيها بأعين حمراء ووجه باهت وأمامها السيدة أمينة تسحبها بغضب، تبدد ذلك الغضب وتحول لخوف عندما رأت زين ورأت الدماء على ثياب شاكر، فتساءلت: "مختار كويس؟! طالع شاكر ملك بوجه غاضب محتقن بالدماء وأردف بضيق: "لا مش كويس." اقتربت ملك تقول بخوف: "هو اتضرب بسببـي.. أنا آسفة."
اقتربت زين وقالت: "حضرتك الظابط قالنا إنك كنتي آخر واحدة معاه، قوليلي إيه اللي حصل!! رفعت ملك رأسها تطالع أعين الجميع التي ترقبت إجابتها وقالت بصوت خافت: "أنا كنت في حفلة إمبارح تبع حد من الكلية، أنا مكنتش هروح والله بس أنا وصاحبتي كان عندنا فضول نعرف إيه مناسبة الحفلة اللي عامل دعوة للجميع عليها دي.. لما روحنا هناك الوضع معجبناش وقررنا دقايق وهنمشي بس أنا فجأة لقيت مختار قدامي..... «عودة للماضي» "مختار!
أنت بتعمل إيه هنا؟ "أنا كنت بوصل طلبات تبع السوبر ماركت وشوفتك داخلة هنا، ممكن أعرف إيه اللي دخلك مكان زي دا!! "نعم! "نعم إيه وزفت إيه؟ أنتي مش شايفة حواليكي!!! النص سكران والنص التاني متدهول مخدرات!؟ "أنا كنت دقيقة وماشية." "ولا ثانية واحدة كمان، لو سمحتي اخرجي عشان أوصلك للبيت."
أومأت له بطاعة فهي تعلم يقينًا بأنه مُحق وأنها أخطأت وصديقتها بالذهاب لذلك المكان وأدركت بأنه لا يجب دائمًا السير خلف فضولنا وأهوائنا، ولكن قبل أن تخطو خطوة واحدة وجدت يد تسحبها للداخل مرة أخرى، فالتفتت لتجده صاحب الحفل يقول بابتسامة: "يعني أنا مصدقتش نفسي لما شوفتك ودلوقتي ألاقيكي ماشية!! اقترب مختار يرفع يد الشاب عنها يقول غاضبًا: "إيدك دي الأول واتكلم معايا أنا."
طالعه الشاب بسخرية فقد كان مختار يرتدي الزي الخاص بعمله ولكن أعينه ونظراته الحادة لم تحمل هوية شاب بسيط بل رجلاً في قمة غضبه وقوته. قال بسخرية: "أنت تعرف أنا ابن مين!؟ "ميهمنيش." اقتربت ملك تنظر لمختار تقول بحذر: "بلاش مشاكل خلينا نمشي." ضحك الشاب بسخرية: "ومين قالك إنك هتخرجي من هنا من غير ما يجيلي مزاج تمشي!! دفعه مختار بعيدًا عنها يردف بضيق: "أنت عبيط يلا ولا إيه!!
ضحك الشاب بسخرية ورفع يده يشير للحراس للإقتراب، فآتاه شابين أجسادهم كعرض الحائط لن يستطيع الوقوف لهما ندًا و لكنه سيفعل مضطرًا فهو يفضل الموت على التراجع وتركهـا له. قالت ملك ببعض الحدة: "لو سمحت يا كريم كفاية كدا.. سيبها مش وقتـه الكلام دا.. إحنا أساسا منعرفش بعض كويس عشان تجبرني أقعد هنا!! وأنا كدا كدا كنت ماشية." "الدخول هنا كان بمزاجك بس الخروج بمزاجي أنا."
دفعه مختار مرة أخرى بقوة واشتبك في معركة كانت منتصرًا في بدايتها ولكن الكثرة تغلب الشجاعة وتلك الضربات القوية والمحترفة التي كيلت له كانت كفيلة للفتك به وربما قتله حتى! ورغم ذلك كان يشعر بالرضا لكونه استطاع الوصول لذلك الشاب المغرور وإطـباحه بعدد من الضربات القوية الغاضبة. أنفه يُقطر دمًا وفمه وكذلك رأسه وشعره تلوثت بدمائه ورغم سقوطه أرضًا لم يرفض ترك ملك التي ظلت لجـواره.
اقترب شاب آخر: "كفاية يا كريم كدا.. سيبهـا مش وقتـه الكلام دا." قال كريم بحنق: "خلاص ماشي." اعتدل مختار بصعوبة وهو يتحامل على آلامه وجذب ملك للخارج. لم يتوقف نزيفه ولم تتوقف قدماه كذلك حتى أوقف سيارة أجرة وقال بضيق: "اركبـي." قالت ملك بخوف: "مختار أنت لازم تروح مستشفى." طالعها مختار بأعين سوداوية من شدة غضبه وقال مجددًا وهو يصك على أسنانه: "اركبـي العربية."
جلست ملك خائفة في الكرسي الخلفي بينما ارتمى هو بجسده المتألم على الكرسي الأمامي بجوار السائق وظل متمسكًا حتى توقف السائق أمام عمارتهم فأعطى الرجل أمواله وتحرك للداخل دون أن يلتفت لها، تملكه الدوار حقًا وأصبحت رؤيته مشوشة ومال برأسه على الباب أمامه ولم يكن سوى باب زين فـدقه بـطاقتـه المتبقية قبل أن يسقط فاقدًا للوعي عندما سمع صوتًا يأتيـه من الداخل. «عودة»
بالطبع لن يتسائل شاكر عن السبب الذي جعله يفعل ذلك، فهو أخيه وإن كان لا يوجد بينهم رابط دم ولكنه أخيه بل وتؤامه فالإثنان بنفس العمر. كانت زين على وشك بدأ النزاع مع ملك ولكن أوقفها صوت الأبواب خلفهم وخروج
الطبيب الذي قال بتمهل: "كان عنده نزيف شديد وقدرنا نوقفه، عنده ضلع مكسور وعنده شرخ في الجمجمة وارتجاج في المخ. وضعه مش مستقر لحد دلوقتي، إحنا علقناله كيسين دم ومحتاجين كمان اتنين ومش موجود فصيلته تاني في بنك الدم فممكن تشتروا كيس أو حد يتبرع، دلوقتـي هيتنقل العناية المركزة فياريت حد يشوف الحسابات." أومأ شاكر بتيه بعدما رحل الطبيب، بالكاد يستطيع الصمود والوقوف على قدميه. أدرك للتو بأنه لم يحمل أي أموال معه.
قالت زين: "طيب إحنا ممكن نتبرعله." "تمام.. بنك الدم في الدور الأرضي هياخدوا منكم عينة واللي فصيلته مناسبة يقدر يتبرعلـه." تركهم الطبيب واقتربت الممرضة خلفه تعطيهم ورقة وقالت بوضوح: "الصيدلية في الدور التالت محتاجين الحاجات دي بس بسرعة." .......................................................... "أعتقد الآن تعرف أين ذهبت الخمس جرعات."
التفت معتصم للسيد دراكو وأمامهما يزيد ملقى أرضًا يطالعهم بابتسامة بلهاء وهو غير واعٍ لما يحدث حوله، قال معتصم: "لا.. سيد دراكو يزيد ليس أحمق وإن كان يريد تناول المخدرات فهو لن يأخذ هذا النوع الذي نملكه فهو يسبب الإدمان في وقت قصير جدًا. وما أراه الآن شخص غير كحولي حتى كي يزيد يأخذ المخدرات دون أي مقدمات حتى!!! أنا شاكك إن القاتل.. شاكك إن دي الطريقة الرابعة علشان يقتل الشريك الرابع."
قال دراكو بسخرية: "يبدو أنك القادم سيد معتصم." تبدلت ملامح معتصم للغضب والضيق وقال بتأفف: "أنا لازم أوصله في أسرع وقت وأخلص عليه قبل ما يخلص علينا، يجب علي قتله ولكني لا أملك الوقت للتفكير في طريق... ابتسم دراكو بسخرية واقترب يقول بحدة: "رجال المافيا لا يستخدمون التفكير المطول في مثل هذه الأمور... دع الأمر لي." ................................................... في الصباح التالي...
لا يزال الجميع يقف في الاستقبال الخاص بالمستشفى فلم يتم السماح لهم بالبقاء في طابق العناية المركزة، كانت زين تنظر بأعين متعبة تجاه مازن الذي أبى أن يتركهم. كان غافيًا على الكرسي يسند رأسه للخلف على الحائط وجواره تجلس السيدة أمينة وابنتها التي تمسح دموعها في خفوت. وعلى مقربة منهم يقف شاكر ضامًا لذراعيه أمام صدره ومستندًا بقدم على الحائط خلفه ينظر أمامه في شرود وصمت تام حتى اعتدل في وقفته فجأة
وتحرك تجاه زين يهمس لها: "أنتي باقي معاكي كام؟ "ألف ونص." "طيب أنا معايا أربع آلاف في البيت هروح أجيبهم." "لا، خليك هنا عشان لو قالولك تجيب حاجة تانية وكمان أنا عاوزة أغير هدومي دي." "طيب خدي المفتاح، هتلاقيهم في الدرج الأول اللي في المكتبة." "طيب تمام، لو حصل أي حاجة بلغنـي." أومأ شاكر فتحركت زين تجاه مازن الذي استيقظ يطالع ما يحدث يحاول الاستماع لحديثهم الخافت.
"روح ارتاح يا مازن باشا أنت مكنش فيه داعي تبات هنا وأنت عندك شغل دلوقتي." قال مازن بتعب: "أنا هوصلك وبعدين أروح المكتب." لم تجادله بل أومأت وهي تسير جواره فسألته: "إحنا مش عاوزين نسيب حق مختار." قال مازن بجدية: "الواد اللي ضرب مختار دا أخوه رجل أعمال معروف أوي في البلد.. اسمه معتصم النشار." قالت زين بسخرية: "قصدك تاجر المخدرات المعروف أوي في السوق." سألها مازن بدهشة: "أنتي تعرفيه!!
تعرفي منين إنه بيتـا'جر في المخدرات؟! "عيب لما أبقى شغالة سنة كاملة في قسم بوليس وما أعرف معلومة زي دي." "لا، معتقدش إن المعلومة دي الناس ماشية تقولها في القسم عندنا." "لا صدقني كل حاجة بتتقال في القسم عندكم، بس ما علينا إذا كان وزير حتى، حق مختار لازم يرجع وإحنا بالفعل عملنا المحضر في أخو معتصم ولو إنت مش قدها يبقى سيب القضية لحد تاني."
قال مازن بضيق: "أنتي عارفة إني مبخافش يا زين بس جارك هيتحط في مشكلة كبيرة لو وقف قصاد الناس دي، هو ضربه بردو على فكرة." قالت زين بوجوم: "تمام يا مازن، فهمت.. هخلي شاكر يتنازل عن المحضر." طالعها مازن بشك، فهو يعرفها لا تستسلم بسهولة. فتح لها باب سيارته فجلست تستند بظهرها على المقعد جواره، إن أغمضت عينيها الآن فستغرق في نوم عميق ولكنها لن تفعل ذلك بكل الأحوال.
تركهـا أمام بيتها بعد دقائق ثم تحرك ذاهبًا لعمله، لا يعرف.. لا يعرف بأنها ربما، ربما تكون مرته الأخيرة لرؤيتها، فبعد رحيله بدقيقة واحدة وجدت سيارة تقف أمامها ووجدت يد تسحبها للداخل تكمم فمها وتركها فقط عندما انطلقت السيارة مرة أخرى. تعالى صوت أنفاسها وهي تنظر لذلك الجالس مقابلها، سيارة واسعة كتلك التي نراها في الأفلام الكورية ربما!
لا أعرف ولكنها تسمح للجالس في الكرسي الخلفي بتمديد قدميه بشكل مريح، سيارة فارهة كما يقولون. رجل في منتصف الثلاثينات، يطالعها من رأسها لأخمص قدميها، فتاة بسيطة عادية لا يوجد ما يميزها ترتدي ملابس الصلاة وتحت عينيها سحابة سوداء يسمونها بالهالات فوقهم زوج من الأعين المتعبة التي تسأله قبل فمها الذي قال: "أنت.. أنت مين؟! "اممم... في الواقع أنا لا أتحدث العربية." "أنا.. أنا مش بفهم إنجليزي كويس.. لا أعرف الإنجليزي."
قال الرجل بسخرية: "إذا ربما يمكننا التواصل بلغة الحب." سألته بقلق: "أنت مين؟! "أنا دراكو.. سيدك الجديد." طالعته زين بقلب مضطرب، برأسها آلاف الأسئلة ولا تملك إجابة واحدة حتى ولكنـه لم يعذبها كثيرًا وقال: "أريد يديك الساحرة في القتل عزيزتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!