الفصل 4 | من 27 فصل

رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الرابع 4 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
21
كلمة
6,342
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

عصراً داخل البنك الأهلي بمدينة الإسكندرية، يجلس جميل على مكتبه يفحص بعض الميزانيات ويراجعها وهو يرتدي نظارته بمهنية. ثم استمع إلى دقات على باب المكتب وأذن للطارق بالدخول. وإذا به المهندس نادر يدلف وعلى وجهه علامات السعادة مردداً بنصر: _أخيراً وصلت له يا جميل بيه. _اترصدت له وجبت لك اسكرينات بمحاولاته للسرقة من كذا مكان. ومد يده بالملف المطبوع به الاسكرينات. أخذه منه جميل وهو يثني عليه بامتنان متطلعاً إليه وعلامات

السعادة بادية على وجهه: _عظيم عظيم يا هندسة. _كنت واثق ومتأكد إنك هتجيب آخره. _ما أنا مش بشغل معايا أي حد برده. واسترسل حديثه وهو متعمق في قراءة الاسكرينات مردداً بتساؤل: _طيب الاسكرينات دي كفيلة إنها تسجنه ولا هيقول إن ده مش إيميلي والحوارات دي، وخاصة إنك بتقول إنه ذكي ومأمن نفسه كويس جداً؟ استمع نادر إلى سؤاله بتركيز وأجابه بدقة شارحاً له:

_شوف يا فندم الاسكرينات اللي مع حضرتك هتلاقيني موضح أربع كافيهات كان متواجد فيهم وهو بيحاول يهكر بيهم البنك. _والكافيهات دي ملغمة بالكاميرات. _وإحنا لما نقدم الأوراق اللي معانا دي لمباحث الإنترنت هي بمعرفتها هتتأكد إن الاسكرينات دي صحيحة. _وكمان هتلاقي في الملف اللي مع حضرتك صورة له لقطها له لما كنت في الكافيه اللي في الجيزة اللي بالصدفة عرفت أوصل له منه. واستطرد شارحاً بتنبيه:

_هتلاقي مع حضرتك في الملف ميعاد كل مرة راح فيها كل كافيه تقريباً من سبع أيام بالظبط راح الكافيهات دي. _فإحنا لازم نتحرك بسرعة ونبلغ مباحث الإنترنت لأن الكاميرات بتتفرغ بعد 15 يوم بالظبط علشان يتأكدوا. نظر له جميل وسأله بتركيز: _طيب إنت عرفت إزاي إنه كان بيروح الكافيهات دي؟ أجابه نادر بعملية وذكاء: _كنت مكلف واحد يراقبه ويشوف وهو رايح فين في كل مرة بيروح فيها.

_وطبعاً أنا معايا رقم الأيباد بتاعه كنت ببحث عن مكان الكافيه اللي موجود فيها وأنا قاعد مكاني. _وفعلاً بتأكد إن الجهاز ده موجود في المكان ده وبسجل اليوم والساعة زي ما موجود عندك في الاسكرينات. _هايل هايل يا باشمهندس نادر بجد إنت بهرتني. قالها جميل وهو معجب بذكاء نادر وأكمل باستعجال وهو يجمع الاسكرينات الورقية من أمامه ويعطيها له قائلاً باستعجال:

_حالا تاخد محامي من الشؤون القانونية اللي تبع البنك وتروحوا فوراً على النيابة وتقدموا بلاغ فيه، مش هنستنى زي ما إنت ما قلت لي. _علشان يبقى عبرة لكل واحد يفكر نفسه ذكي عصره وأوانه ويفكر في السرقة بدل ما يستغل موهبته الإلكترونية وذكاؤه في السرقة. أخذ نادر منه الملف مردداً وهو يقوم من مكانه باستياء: _أنا مش عارف أهالي الشباب اللي زي دي إزاي سايبينهم كده ولا بيسألوهم رايحين فين ولا جايين منين ولا بيعملوا إيه؟

أجابه جميل بتوضيح: _والله يا نادر يا ابني ساعات الأب والأم بيبقوا بيسعوا على رزقهم علشان يخلوا أولادهم مش محتاجين حاجة. _فأكيد الولد ده مش راضي بحاله ولا اللي ربنا قسمه له فلجأ للسرقة واكيد أمه وأبوه مش عارفين هو بيعمل إيه. اعتدل نادر بوقفته وانتصب منتوياً الخروج مردداً باستنكار: _ما أعتقدش يا فندم إن الولد ده من ذوي الطبقات المتوسطة أو اللي تحت المتوسطة، وده واضح جداً من الكومباوند اللي ساكن فيه.

_ومن نوع الأيباد اللي شايله وطبعاً عنده كذا واحد وكمان الكافيهات اللي بيروحها ما يدخلهاش أولاد الناس اللي حضرتك بتقول عليهم. ثم استأذن من مديره باحترام وتركه. وبعد أن خرج حدث جميل نفسه بتعجب: _أنا مش عارف إيه الجيل المهبب اللي ما يعلم به إلا ربنا ده، يعني حالتهم المادية كويسة جداً وبيسرقوا. _فعلاً ما بتهونش إلا على الغلبان. ثم عاد إلى عمله. وأثناء انشغاله رن هاتفه المحمول برقم ابنته ريما. أجابها مبتسماً:

_ريما حبيبة بابا. وكاد أن يكمل سلامه عليها إلا أنه استمع إلى انهيارها وهي تردد بنحيب: _الحقني يا بابا باهر مغمى عليه وعمال أفوق فيه مش بيفوق خالص مش عارفة أعمل إيه تعالى لي بسرعة. انتفض جميل من مكانه وحدثها باطمئنان: _اهدي يا حبيبتي واشرحي لي إيه اللي حصل بالظبط علشان أتصل بالدكتور وأحكي له. تحدثت من بين شهقاتها بكلام لم يفهمه والدها بتاتاً ولكنه سألها:

_اهدي يا حبيبة بابا أنا جاي لك على طول مسافة الطريق بس وهتصل بالدكتور يحيى يجي لنا على هناك. _طيب ما ندهتيش لوالدته ليه ولا لأخوه بدل ما إنتي لوحدك كده؟ أجابته وعيونها متعلقة بباهر الملقى أمامها: _مش موجودين. _حماتي ميعاد زياراتها للقبور النهارده وبتتأخر وزاهر هو اللي بيوديها وأنا هنا لوحدي. واكملت بكائها بشدة. _طب يا حبيبتي هدي أعصابك بس علشان الولاد ما يخافوش وأنا خلاص 10 دقائق وهكون قدامك.

قالها جميل وهو يقود سيارته باستعجال. وما هي إلا دقائق حتى وصل إلى العمارة التي تسكن بها ابنته. وقبل أن يصعد إلى الطابق المنشود هاتف الطبيب واستعجله أن يأتي سريعاً. ثم صعد إلى شقة غالته ووجدها تفتح له الباب بسرعة عندما استمعت إلى صوت سيارته. وأدخلته إلى غرفة زوجها. احتضن يداها وهو داخل لكي يطمئنها. ووصل إلى باهر الملقى على سريره لا حول له ولا قوة. نظر إليه نظرة عميقة وتحسس كف يديه وجبهته وجدهم مثلجتين تماماً.

انخلع قلبه مما جال بخاطره ولكنه لم يفصح عنه خوفاً على ابنته وفضل السكوت تماماً إلى أن يحضر الطبيب ويقوم بفحصه لعل وعسى يخلف ظنه. وبعد ربع ساعة وصل الطبيب وأدخله جميل إلى غرفة باهر. أخذ الطبيب سماعته وقام بفحصه تماماً. وبعد أن انتهى نظر إليهم بأسى وحزن مردداً: _البقاء لله يا جماعة. جحظت ريما بعينيها وتحركت برأسها يميناً ويساراً وغير مصدقة ما قاله الدكتور للتو. وذهبت إليه ممسكة بتلابيب حلته وهي تهزه مرددة بانهيار:

_إيه اللي إنت بتقوله ده يا دكتور باهر مات! _لا إنت غلطان لو سمحت عيد الكشف تاني وتأكد من كلامك من فضلك يا دكتور من فضلك عيده تاني. كل ذلك بدموع تهبط على وجهها كالشلالات وحدسها يؤكد لها أنه ما زال حياً وعلى قيد الحياة وأنه لم يمت ويتركها هي وأبناءها. نزع أبوها يدها من على الطبيب وجمع معه أشياءه وتركه يغادر. إلا أنها رفضت تماماً أن يغادر الطبيب قبل أن يعيد الكشف وهجمت عليهم بكل قوتها مردفة بعنف:

_إنت بتعمل إيه يا بابا سيبه بالله عليك يكشف عليه تاني هو أكيد غلطان باهر ما ماتش هو وعدني إنه هيفضل جنبي ويكمل معانا أنا والأولاد وعدني إنه مش هيسيبني خالص هو أكيد غلطان أكيد غلطان. احتضن ابنته وربت على ظهرها كي يهدئها وهي منهارة تماماً ولم تستمع لأي من كلماته. وإلى الآن لم يصدق حدسها ما حدث. وابتعدت عن أبيها وذهبت إليه وهي تحتضنه مرددة ببكاء يمزق القلب:

_لا يا باهر قوم يا حبيبي وأنا هعمل اللي إنت عايزه ومش هشتغل وهبطل التصميم خالص. وأكملت وهي تتشبث به بشدة: _قوم يا حبيبي ما تسيبنيش مش هقدر أكمل من غيرك إنت وعدتني إننا هنكمل مع بعض لآخر العمر ما لحقتش أتهنى بيك ولا أتدفى في حضنك. جذبها أبوها من ظهرها واحتضنها وهو يربت على ظهرها مهدئاً لها: _يا حبيبتي هدي نفسك علشان خاطر أولادك بيعيطوا من منظرك.

_ده عمره والأعمار بيد الله كلنا مسيرنا سايبينها وهنروح للي خلقنا واللي أحن علينا من أي حد. _وافتكري قول الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". واسترسل حديثه وهو ينظر داخل عينيها ليحثها على الهدوء: _اهدي يا حبيبة أبوكي اهدي علشان خاطر ابنك الكبير بيرجف من الخوف والصغير مفروم من العياط كأنه حاسس. _اهدي يا ماما اهدي.

ما إن ذكر أبوها اسم أولادها جرت عليهم واحتضنتهم ودموعها على وجهها كالشلالات والتي أيقنت من داخلها أنها لم تجف بعد. احتضنتهم وهي تهدئ من روعهم فقد كان ابنها الأكبر منزوياً في ركن وجسمه يرتعش من منظر والدته وهو لا يفقه شيئاً مما حدث لأبيه إلى الآن مرددة له: _اهدي يا عمر أنا كويسة ما فيش حاجة بس يا حبيبي. هاتف أبوها زاهر أخيه وطلب منه أن يعود إلى المنزل لأمر جلل واستعجله أن لا يتأخر هو ووالدته.

وهاتف أيضاً زوجته وابنه رحيم وابنته راندا أن يأتوا على عجالة لكي يقفوا بجانب ريما التي أوشكت على الانهيار وهي جالسة بجانب زوجها تنتحب بشدة. وبعد نصف ساعة وصل الجميع وهم لا يفقهون شيئاً مما حدث فجميل فضل أن لا يحاكيهم في الهاتف خوفاً من ذعرهم. صعد زاهر ووالدته إلى مسكن باهر كل ذلك وهم يعتقدون أن باهر وزوجته بينهم مشكلة كبيرة يريدون حلها ولم يخطر ببال أحد منهم أنه توفى.

دخلوا إلى الطابق ووجدوا فريدة تحتضن الكبير وتربت على ظهره، وراندا أختها تحمل الصغير وتهدهد فيه ودموعهم تنزل على وجوههم بسخاء. استنتج باهر ما حدث فجرى مسرعاً إلى غرفة أخيه وجد زوجته جالسة على الأرض وهي تمسك يداه وتبكي بشدة. ذهب ناحيتها وسألها بدهشة: _إيه اللي حصل لأخويا يا أم عمر أخويا جرى له حاجة انطقي؟ _مات باهر مات وسابني لوحدي أنا وأولادي مات حبيبي مات! وقع الخبر على قلبه كالصاعقة.

نظر إلى أخيه بقلب مفطور وعيون محدقة على جسد أخيه ولسانه كأنه شل ولم يعد على النطق. ساقته قدماه إلى الجهة المقابلة لزوجة أخيه ممسكاً بيدها وواضعاً جبهته عليها قائلاً بانهيار: _لا يا حبيب أخوك وابن عمري مشيت وسبتني بدري واحنا لسه في أول الطريق. نطق كلماته تلك وهو ينفطر دموعاً على العزيز أخيه. أما والدته في الخارج جلست بجانب فريدة وسألتها باستغراب:

_هو إيه يا أم رحيم مالكم يا حبيبتي بتعيطوا ليه هي ريما تعبانة ولا جرى لها حاجة؟ استمعوا إلى سؤالها وبكوا جميعاً بصوت عالٍ ولم يقدر أي منهم على نطق حرف واحد. فهوى قلبها بين قدميها وجرت إلى غرفة صغيرها. وما إن وصلت وشاهدت منظر زوجته وابنها الأكبر واستنتجت ما جرى حتى سقطت مغشياً عليها من أثر الصدمة. هرولوا جميعاً ناحيتها عدا تلك ريم التي لم تتحرك من مكانها وهي تبكي على الفقيد الغالي.

بعد مدة عادت إلى رشدها ووضعت يدها على رأسها وانطلقت بالعويل مرددة: _آه يا ابني آه يا حبيبي لا يا باهر ما تسيبنيش يا حبيب أمك ضاع شبابك ما لحقتش تتهنى بعيالك يا حبيبي قوم يا زاهر قوم يا حبيبي ما تعملش في أمك كده. وظلت على عويلها ولم يقدروا عليها أن يجعلها تصمت. في نفس اليوم عصراً في دار الأيتام كانت مريم تدلف إلى الدار عائدة من الجامعة.

وأثناء دخولها لمحت تلك الشمطاء وهي تصافح مديرة الملجأ وأخذتها ودلفت معها إلى غرفة مكتبها. تبعتهما مريم بعينيها إلى أن اختفوا من أمام ناظريها وساقتها قدماها إلى أقرب مقعد وجلست عليه وهي واضعة يدها موضع قلبها مرددة لنفسها بارتعاب شديد: _يا مرك يا مريم ما تكونيش جاية توريها الفيديو يا فضيحتك يا فضيحتك. وأكملت وهي تضرب على قدميها بكف يدها:

_أعمل إيه يا رب دلني على الصح، أدخل دلوقتي عليهم وأفهم المديرة قبل ما الكلبه دي تشوه صورتي قدامها ولا أعمل إيه؟ _دبرني يارب. واستطردت ببكاء: _أنا كده هتطرد من الملجأ وأنا لسه في الجامعة ولا ليا مكان يأويني ولا حد يواسيني في مصيبتي دي. _حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا مي ربنا ينتقم منك ويوريني فيكي يوم ويشردك زي ما إنتي عايزة تشرديني. وأكملت حديثها مع نفسها وهي في حيرة اتذهب لهم أم تنتظر مصيرها المحتوم.

وفجأة رفعت أنظارها تجاه الباب وجدت المديرة وتلك مي خارجتين من المكتب تصافح كل منهما الأخرى. ثم ارتدت مي نظاراتها الشمسية قائلة لمديرة الملجأ: _أي حاجة يحتاجها الملجأ من تبرعات أو مساهمات أنا تحت أمرك يا مدام شريفة وربنا يقدرني على فعل الخير. شكرتها الأخرى بحفاوه وربتت على يديها مرددة بامتنان مغلف بالطمع:

_تسلمي لنا يا ست البنات وربنا يجعله في ميزان حسناتك وما يحرمش اليتامى دول من عطاياكي وهداياكي ولا يحرمني أنا شخصياً. واسترسلت حديثها بزيف: _ما تتصوريش معزتك عندي قد إيه يا آنسة مي بعتبرك زي بنتي بالظبط، ما أنا اللي مربياكي هنا مع أخواتك في الملجأ بس إنتي ربنا كرمك واشتغلتي شغل حلو عشان دايماً دماغك حلوة وبتفهميها وهي طايرة.

ابتسمت لها مي بسماجة لتذكرها ماضيها في الملجأ والذي تبغضه ولو ودت واقتلعت جذورها من تلك الملجأ لفعلت مع العلم أنها في حياتها لم تذكر أمام أحد أنها كانت مرباة في الملجأ. وأردفت ببرود: _طبعاً حضرتك زي والدتي وربنا يعلم أنا بحبك وبحب أخواتي هنا قد إيه تؤمريني بحاجة تانية يا مدام شريفة. ابتسمت لها الأخرى وأومأت برأسها: _ما نستغناش عنك يا ميوشة وما تغيبيش عننا يا ليدي يا جميلة.

أومأت لها برأسها بابتسامة وتركتها وذهبت إلى مكان مريم وهي تنظر لها بشماتة من تحت نظارتها. ثم أردفت قائلة بمراوغة: _يا ترى العيون الجميلة دي بتعيط ليه إيه اللي راعبك قوي كده ومخليكي مش على بعضك يا رومي؟ واسترسلت وهي تخلع نظارتها وتمسكها بيدها مرددة بسخرية: _يا ترى مصروفك خلص اللي إنتي بتاخديه من الدار هو ده اللي مخليكي قاعدة مقهورة كده وبتعيطي يا بيضا؟ استوعبت مريم سؤالها وأردفت بنبرة جادة متجنبة سخريتها منها:

_ليه بتعملي معايا كده أنا آذيتك في إيه علشان تعملي فيا كده؟ واسترسلت بعيون لامعة من أثر الدموع المتجمعة في مقلتيها: _ليه مصممة تدمريني وتدمري مستقبلي وعايزة تمشيني في طريق أنا مش حابة إني أمشيه. لوت فمها وأجابتها بنبرة ساخطة وهي تنظر داخل عينيها بجبروت: _إنتي يا بت هتدخلي لي قفص ولا إيه ومفكراني يخيل عليا الحركات دي والعياط وبيأثر فيا. واسترسلت وهي تشير لها بكفي يديها بامتعاض:

_لا يا ماما غيرك عملوا كده معايا كتير ومجوش سكة معايا، فاخلصي يا بت إنتي علشان أنا جبت آخري منك واديكي شفتيني وأنا خارجة مع المديرة قلبك وقع في رجليكي فما بالك بقى لما أسيبك يا مزة. فكرت مريم وهي تدور بمقلتيها إلى جدران الدار التي تحتويها أن تجاريها في حديثها إلى أن تنتهي من سنتها الدراسية وهي محاطة بتلك الجدران بعناية. مردفة بتردد:

_طيب ممكن تديني فرصة لحد ما أخلص السنة دي علشان خاطر أكون فاضية معاكي وعلشان ما أقصرش في مذاكرتي. ضحكت مي بصوت عالٍ وهي تنظر لها مجيبة لها بسخرية: _إنتي يا هبلة إنتي مفكراني دقة عصافير ولا لسه نونو بيضحك عليها من حتة عيلة زيك. _لا يا ماما أنا فاهماكي كويس جداً. واسترسلت وهي تكشف لها طريقة تفكيرها المكشوفة أمامها:

_إنتي عايزة بقى تخلصي السنة بسلام وأمان وبعد كده مش هيهمك حاجة ما إنتي اتخرجتي بقى وساعتها هتقولي لي أمك في العشة ولا طارت؟ واستطردت وهي تضع يدها على كتفها بتهديد: _مش مي اللي تتختم على قفاها وبعدين يا ستي لو على الدراسة مش هطلب منك غير فيديو واحد بس كل أسبوع وأظن ده مش هيعطلك عن المذاكرة مجرد فيديو هياخد ساعة منك ولا هيعطلك ولا هيبطلك، ها إيه رأيك بقى؟ وأكملت بسخرية: _أنا كده طيبة خالص وعملت معاكي الصح وزيادة.

نزعت مريم يدها من على كتفها بشدة وأردفت بقوة: _ده بعدك يا حقيرة نجوم السماء أقرب لك من إن مريم عماد تبقى منحطة ووضيعة زيك. واسترسلت حديثها وهي تشير إليها بسبابتها: _أنا عندي أنام في الشوارع وعلى الأرصفة وعندي أموت من الجوع أو أتسجن من التشرد بس بشرفي ولا إني أبقى سافلة زيك. اتسعت عيناها بذهول من تجرؤ تلك المريم عليها وإهانتها بتلك الألفاظ ورددت بنظرة محرقة لو طالت الأخضر لجعلته يابساً:

_واللي خلق الخلق يا مريم لأدفعك كل إهانة أهنتيها لأسادك يا لقيطة. قالتها بملامح وجه مكفهرة من الغضب الشديد. وما كادت أن تختفي من أمامها إلا أن مريم باغتتها وهوت على وجهها بضربة من أثرها أطاحت بها إلى الخلف مردفة بعنف: _اللقيطة دي تبقى إنتي أما أنا ليا أصل وفصل وإنتي عارفة كده كويس قوي إن أنا يتيمة مش لقيطة في فرق كبير ما بينهم هم الاتنين، كبير. واكملت مريم بتوضيح:

_في لقطاء كتير أشرف منك لأن ما لهمش ذنب في غدر الزمان بيهم واللي حملهم اللقب ده. ثم تركتها مستشاطة ودخلت إلى الدار بسرعة ودموعها منهمرة على وجهها. أما الأخرى كانت مصدومة وهي واقفة وواضعة كف يدها مكان الصفعة التي تلقتها على حين غرة وهي تتوعد بداخلها لتلك المريم بأشد أنواع الهلاك. وغادرت إلى سيارتها بخطوات سريعة وعيون تشبه عيون الشياطين في نظرتها.

أما مريم كانت مرتبكة خائفة وأمسكت هاتفها تتصفحه وأول شيء وقعت عيناها عليه منشور من أحد الصفحات العامة محتوياً: "كن بخلقك يصلح أمرك" فاطمئن قلبها أن رب الخير لا يأتي إلا بالخير. في مكتب مالك الجوهري يجلس على مكتبه وهو يشاهد ملف عارضات الأزياء المحجبات اللاتي تقدمن للمسابقة التي أجريت من أجل اختيار أفضل خمسة منهن. والذي قام علي بدوره باختيار هؤلاء الخمسة وأرسلهم إلى مالك لكي يدلي برأيه النهائي.

وأثناء انشغاله دلف إليه علي وجلس مقابله متسائلاً بمهنية: _ها يا بص إيه رأيك في الخمسة اللي أنا اخترتهم تمام ولا فيه واحدة مش عاجباك؟ رفع مالك أنظاره من على اللاب توب وأجابه وهو يومئ برأسه: _لا برافو عليك يا علي اختيارهم مناسب جداً وجميل. _دلوقتي عايز تجمعهم لي علشان خاطر أفهمهم النظام ماشي إزاي. واسترسل حديثه وهو ينظر إلى ساعته: _أنا قدامي نص ساعة كده أخلص فحص التصاميم اللي قدامي وتكون جمعتهم لي في غرفة الاجتماعات.

واستر سل متسائلاً بتذكر: _آه صحيح هي ريما ستور ما بعتتش ليه تصميم اللي كان من يومين مش عادتها التأخير يا ترى بتفكر في إيه واللي خلاها تتأخر علينا؟ أجابه علي وهو يرفع كلتا يديه كعلامة لعدم معرفته السبب: _والله ما أعرف يا مالك أنا حاولت أبعت لها اليومين اللي فاتوا لكن هي قافلة الواتس بتاعها خالص ومش بترد مش عارف في إيه بالظبط. _ممكن يكون عندها ظروف أو تعبانة مثلاً علشان كده مش عارفين نوصل لها لعل المانع خير ما تقلقش.

ثم ضرب على جبهته كعلامة للتذكير: _بقول لك صحيح جوليا أخدت الشحنة كلها وعجبتها جداً. _أنا مش فاهم يا أخي الست دي مهتمة بمصنعك إنت بالذات دوناً عن باقي المصانع؟ مط شفتيه باستنكار: _إنت هتقر علينا يا عم، امسك الخشبة ينوبك ثواب، الست بتحب شغلنا وبتقدره. تحدث علي مبتسماً بخفة: _بتحب شغلنا! آه، ماشي يا عم مالك. ثم انتصب واقفاً أمامه وأردف قائلاً:

_هروح أمر على المصنع في النص ساعة دول وهبلغ السكرتارية تجمعهم لك وهاجي لك على غرفة الاجتماعات كمان نص ساعة. وأثناء فحصه لتلك الفتيات فتح عينيه على وسعهما ممن رآها والذي لم يتوقع في يوم من الأيام أنه لن يقابلها مرة أخرى. وبعد الانتهاء من فحصه انتصب واقفاً وهو يغلق أزرار بدلته وانتوى المغادرة إلى غرفة الاجتماعات. وبعد قليل وصل إليها وولج إلى الداخل وجد علي والفتيات في انتظاره. القى عليهم السلام ببشاشة وجه مردداً

بتواضع: _السلام عليكم ورحمة الله يا أهلاً بيكم في تيم مالك الجوهري اتفضلوا اقعدوا. رددوا السلام جميعهم ومن بينهم تلك التي تبتسم ابتسامتها الحالمة ظناً منها أنه سيجن فرحاً من رؤيتها. تحدث مالك بمهنية: _دلوقتي هعرفكم على النظام اللي هنمشي عليه في مجموعة مالك الجوهري، هيجيلكم فريق مدربين سيدات هيدربوكم على طريقة العرض اللي إحنا هنعملها بإذن الله في السيزون ده. واكمل حديثه ببيان:

_أنتم عارفين إن مجموعة الجوهري بتهتم بالدقة جداً في العرض والعرض ده بالذات نازلين بتصاميم جديدة ومختلفة تماماً عن أي سنة وأنا واثق إنكم هتجتهدوا معايا علشان خاطر العرض ينجح وشغلنا ينتشر بشكل أكتر. أومأت له جميعهن بتأكيد على حديثه وأنهن سيفعلن قصارى جهدهن لكي يقدموا الأفضل وأنهن سعيدات جداً للانضمام إلى مجموعة الجوهري. وبعد وقت استغرقوه في المناقشات وهم يضعون جميع النقط على الحروف أذن لهم مالك بانتهاء الاجتماع.

خرجوا جميعاً ما عدا التي تتمهل في جمع الأوراق من أمامها كحجة للانفراد مع مالك لكي تتحدث معه. ولكن خاب أملها وهي تراه يخرج أمامهم. لملمت أشياءها باستعجال وجرت مسرعة ووجدته يهرول ناحية المصعد الكهربائي. وقبل أن يغلق مالك باب المصعد اقتحمت هي المصعد قبل أن يغلق الباب. نظر إليها مالك بإستغراب شديد وتحدث. في منزل باهر الجمالي يجلسون جميعاً في صمت تام ووجوههم تبكي دموعاً بلا صوت وقلوبهم تنزف وجعاً بلا جرح.

وما زالت الصدمة تعتلي وجوههم على ذلك الفقيد. ولكن لم تكن والدته من ضمن الجالسين لانهيارها التام. فقد أحضروا له الطبيب عند إغمائها ولكن ما إن عادت إلى رشدها عاودت العويل مرة أخرى بشكل مريع فاضطر الطبيب أن يعطيها مصل مهدئ لكي لا تفقد أعصابها أو يحدث لها انتكاسة مفاجئة فهي كانت أجرت عملية قلب مفتوح منذ عشرة أعوام فخافوا عليها أن يحدث لها شيء.

أنهى والد ريما جميع الأشياء الخاصة بالدفن وذلك لأن أخيه منهار تماماً ففعل كل شيء هو ورحيم ولده. وبعد عدة ساعات من الإجراءات دفن باهر في مشهد تقشعر له الأبدان من قسوة رؤيته. فالجميع في حالة حزن شديد وانهيار من البعض وتماسك من البعض الآخر. ومن ضمن المنهارين تماماً زوجته ريم حيث كانت جالسة على سريرها تحدث حالها بكلمات تنقطع لها القلوب:

_غادرت وتركتني ولم تعود وعلى العهد لم تبقِ، وذهبت إلى لحدك وتركتني وحدي أعاني مر البعاد بدون أن أرضى. _سأعيش وأتنفس ولكن روحي دفنت معك وقلبي مات ولم يعد يحيى. _سلام الله على العزيز زوجي من الوحدة فيا رب اجعل مسكنه خير المأوى. واكملت حديثها مع نفسها وهي تنظر إلى أطفالها بقلب ينشطر على يتمهم وهم في المهد صبياً:

_كيف لك أن تتركني وحدي يا نبض القلب وكيف لي أن أتحمل أن أعيش تلك الحياة وأمضي مع تلك الأيام بدونك يا عشقي الأبدي. _ماذا سيكون طعم الحياة بدون أنفاسك العطرة التي كنت أستنشقها. _فيا رب خفف علي قلبي وعلى روحي ألم الذكرى. كانت تحادث حالها بدموع منهمرة على وجهها والتي تأكدت أنها لن تجف بعد اليوم بعد فقيدها الغالي وهي جالسة القرفصاء على سريرها.

أما أخيه في حاله لا يختلف عنها كثيراً فقد كانوا إخوة متحابين مترابطين متعاونين وأخذ يحدث نفسه بلوعة الفراق: _غادرتني يا أخي ولم أنتهِ من أحاديثي معك، فكل أشجاني ذابت إلا اشتياقي إليك، ما زلت يا أخي أرى الود في عينيك رغم المسافات وحنيني إليك. _أخي وإن جار الزمان وافترقنا، فلا القلب يهدأ ولا الروح تنساك. _ما أجمل تلك الأيام يا أخي، كنا والحب رفيقنا نلهو معاً بلا تعب.

_يارب إن لي أخاً قابعاً داخل القبر الذي بلا جدران، فاحفظه بحفظك يا الله، وأرحمه برحمتك. _أرجو في صباحي ومسائي نهاري وليلي، سباتي وصحوتي لا أرجو من الله إلا أن يدخل جنان الخلد. _ربي إني أستودعك أخي وروحي فحاسبه برحمتك لا بعدلك، رب إني رجوتك أن تجعل أخي من الساكنين جنتك وأن ترحم قلبي وتجبر كسره. وظل على وضعه يبكي دموعاً على أخيه الذي توفى دون أن يودعه أو أن يأخذه بين أحضانه مات على فجأة ويا ويلنا من موت الفجأة.

أما عن والدته بعد أن أفاقت الأخرى والتي زارتها الكوابيس في غفوتها تجلس على الفراش تنتحب بشدة فولداها هما كل حياتها. ولم تأبى أن تتزوج بعد أبيهم وفضلت أن تعيش مع أبنائها وأحفادها. نائمة على فراشها تبكي وعيونها منتفخة من كثر البكاء مرددة: _مع السلامة يا حبيبي يا اللي فارقتني بدري بدري ويومك كان قبل يومي ما كنتش أتوقع أبداً إني أنا اللي أودعك مش إنت اللي تودعني.

_طب كنت استنى لما آخدك في حضني وأشم ريحتك لآخر مرة آه يا باهر آه يا حبيبي. _يا رب صبر قلبي يا رب آه يا قلب المكوي على فراقك يا ابني. وظلت تردد كلمات العويل وزوجة ابنها بجانبها تهدئها ولكن لا فائدة وظلت على وضعيتها كما هي. بقول لك إيه أنا هبعت لك فيديو وهقول لك على اللي هتعمله لي فيه بالظبط عايزه حاجة متكلفة متروقة علشان خاطر دي واحدة حبيبتي وعايزة أوجب معاها قوي.

استنشق الآخر زفيره بصوت مقزز من أثر المخدرات التي يتجرعها مردداً بفظاظة: _ده إنت تؤمريني يا ست الهوانم ده أنا هخلي اللي يتفرج يدعي لك على الحلويات اللي أنا هعملها لك. واسترسل حديثه وهو يلهث المخدر الذي أمامه قائلاً بطمع: _بس وحياة الغالية اللي هنوجب معاها تزودي لي الأوبيج شوية، زي ما إنت عارفة الدنيا غليت والكيف بقى مزاجه عالي قوي قوي وسعره غالي على الآخر يا ست الناس. اشمأزت هي من صوته والحركات التي يفتعلها من أثر

المخدر هادرة به باشمئزاز: _إيه القرف اللي إنت بتعمله ده وأنا بكلمك مش قادر تبطل شرب لحد ما أخلص معاك المكالمة! تاتك القرف. وأكملت بنبرة صوت حادة وعيون تنطق شراً: _إنت عارف الفلوس ما تفرقش معايا وإن أنا بخدم اللي بيظبطوا لي الشغل من غير ما يطلبوا اعمل لي إنت بس المفيد وأنا هروق عليك على الآخر، ما تتأخرش عليا زي المرة اللي فاتت وتنسى نفسك.

قالتها تلك الشمطاء وأغلقت الهاتف في وجهه وهي تنوي في داخلها من الشر ما لا يرضي رب ويؤذي العبد ويرفع من الذنب. أحياناً تبتلينا الحياة بصدمات يتوقف عندها عقلنا ونبات نجزم أن تلك الصدمات ستكون نهايتنا ولكن ما هي إلا بدايتنا. في نفس اليوم عادت راندا إلى منزلها في وقت متأخر من ساعات الليل بعدما تأكدت من نيام أختها هي وأبناؤها وتركت معها والدتها ووالدها فهم أصروا المبيت معها والأ يتركوها وحدها في تلك الأزمة الصعبة.

دخلت إلى المرحاض وأخذت حماماً يزيل عنها أثر فاجعة اليوم فهي حزينة على أختها الصغيرة حزناً شديداً. ولكن ماذا عساها أن تفعل بحزنها في تلك الفاجعة؟ وأوت إلى سريرها واتكأت بظهرها على شباكه وأمسكت هاتفها واتصلت بزوجها تخبره برجوعها. أما هو عندما وجد نقش اسمها على هاتفه أجابها على الفور مردداً بقلق: _حمد لله على السلامة يا حبايبي لسه راجعين دلوقتي؟ أجابته بصوت مختنق من أثر الدموع الظاهرة على وجهها والتي لم تهدأ إلى الآن:

_آه يا حبيبي لسه راجعين يا دوب الأولاد خدوا شاور ودخلوا يناموا هم كمان ياحبة عيني انفطروا من العياط النهارده على جوز خالتهم إنت عارف هما كانوا بيحبوه قد إيه. كان يستمع إلى حديثها بقلب حزين لابتعاده عنهم في تلك الأزمة مردداً بأسى: _ما تتصوريش كم الحزن اللي أنا حاسس بيه دلوقتي وأنا بعيد عنكم في الظروف دي بجد أنا مخنوق خنقة ما يعلم بها إلا ربنا. واسترسل حديثه بأمل مفقود:

_للأسف أول ما سمعت الخبر حاولت أحجز طيران بس ما كانش فيه طيران النهارده في الوقت ده، بس أنا حجزت بكرة إن شاء الله طيارة ستة الصبح وعلى عشرة كده هكون معاكم. فرحت بشدة لمجيئه لأنها في أشد الاحتياج إليه في تلك الأيام الصعبة وأردفت متسائلة: _طب يا حبيبي مش كده خطر عليك في الشغل إن إنت تاخد إجازة مفاجئة مش لازم تستأذن في الإجازة قبلها بتلت أيام على الأقل؟ أجابها مطمئناً إياها بتوضيح:

_ما تقلقيش يا حبيبتي أنا حكيت لهم الظرف اللي خلاني أسافر على فجأة وهو عذروني طبعاً وفوراً فضولي على إجازة أسبوع هقضيه معاكم وأعزي ريما وآخد بخاطرها وأرجع على طول. واسترسل بدعاء وملامح وجه حزينة: _ربنا يصبر قلبها ويعينها على البلاء الشديد اللي هي فيه ويعينها على تربية أولادها من غير أبوهم. واستطرد متسائلاً: _إلا قولي لي حالتها عاملة إيه يا راندا؟ تنهدت بثقل وألم انتاباها إثر سؤاله على أختها ورددت بحزن شديد:

_والله يا إيهاب ريما حالتها ما تطمنش خالص ما بتنطقش وما بتتكلمش، حتى عياطها بتعيطوا بسكوت وأنا خايفة عليها لا تنهار ولا يجي لها صدمة عصبية. ثم انفجرت في البكاء عندما تذكرت حال أختها. انخلع قلبه من بكائها وهو ليس بجانبها ولعن الغربة وأيامها بسبب عدم وجوده بجانب زوجته وحبيبته لكي يخفف عنها ويواسيها. وظل يهدئها ويطمئنها بكلماته لكي يخفف عنها ألم الحزن.

وأغلق معها الهاتف لكي تخلد إلى النوم لكي ترتاح من ذلك اليوم الشنيع عليهم جميعاً. وقام يعد حقيبته لأنه لم يتبقَ إلا سويعات قليلة على ميعاد سفره بقلب متعجل لرؤية الأحباب حتى لو كان الظرف قاسي. ترى مالمخبأ لأبطالنا من ويلات الزمن؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...