الفصل 2 | من 27 فصل

رواية بين الحقيقة و السراب الفصل الثاني 2 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
26
كلمة
5,513
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

حياة الصغار أتمنى أن تعود وأنسى معها آلامي التي اقتحمت روحي ودمرت كياني. طفولتي اندثرت تحت التراب وأصبحت سراب. حياتي أصبحت حقيقتها ضباب وارتياب، وما بين الحقيقة والسراب أرواح داخلها خراب.

في منزل باهر الجمال، زوج ريم. عاد باهر من عمله، فهو يدير مع أخيه سلسلة المطاعم المشهورة في الإسكندرية بالأسماك البحرية ذات النكهة المميزة بمطاعمهم. ليناول وجبة الغداء مع زوجته وأبنائه، فهو عكس أخيه يحب التجمع مع أبنائه على طاولة الطعام. دلف إلى داخل المنزل وصعد إلى الطابق الثاني لكي يسلم على والدته ويطمئن عليها أولاً. دلف إليها بوجه مبتسم وهو يقبل رأسها: "إزيك يا ماما، عاملة إيه يا برنسيسة إسكندرية بحالها." واسترسل

وهو يغمز لها بمداعبة: "اللي يشوفك كده ميقولش عندك شابين طوال عراض زيي أنا وزاهر." "الله أكبر عليكم يا حبايبي، ربنا يحرسكم ويحميكم من العين يا رب." قالتها والدته بصدق. وأكملت بنبرة متهكمة: "برضه جاي على ملي وشك عشان تتغدى مع البرنسيسة ريم هانم؟ ما كنت اتغديت مع أخوك، ما هو مبيجيش زيك كده كل يوم ويتعب نفسه، ولا الست ريم هانم تزعل وتعلق لك المشنقة." استوعب سؤالها وأردف بنبرة عتاب محاولاً تجنب سخريتها:

"ليه يا ماما دايماً مش متقبلة ريم؟ ودايماً شايفاها زوجة الابن المتسلطة والمتحكمة؟ واسترسل بعتاب: "على فكرة بقى، إنتي مربية رجالة مفيش حريم بتحكمهم. كل الحكاية إني بحب أتجمع مع ولادي ومراتي على سفرة واحدة. وكمان بابا الله يرحمه معودنا على كده، كان يسيب شغله ويجي يتغدى معانا." لوت شفتيها بامتعاض وأردفت بنفس سخريتها: "ولما إنت راجل كده زي ما بتقول، سايب البرنسيسة تشتغل رسامة وخياطة ليه؟

هي محتاجة فلوس عشان تجرسنا وسط الناس بشغلها على النت؟ انتصب قائماً كي ينهي الجدال العقيم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع مع والدته وأردف وهو ينظر إليها باستعطاف: "يا ماما قلت لك ميت مرة، ريم مبتشتغلش عشان الفلوس ولا عشان محتاجة. وبعدين ليه مسمية شغلها ده خياطة أو رسامة؟

مع إن دي مهنة عظيمة لكل ست بتشتغلها عشان تحسن من مستواها حياتها وتقف جنب جوزها. وريـم مصممة يا ماما ومصممة شاطرة جداً وموهوبة وبتشتغل بهدف تضييع الوقت عشان متحسش بملل. ولا إنتي عايزاهـا تبقي زي هند قاعدة مع دي شوية ودي شوية وجايبة لجوزها مشاكل." اقتنعت بحديثه لكن عن هند فقط وأكملت بتشبث: "وليه متكونش زي أختك؟ ماهي ولا بتقعد مع دي ولا دي ولا بتجيب مشاكل، وبرضه حافظة قيمة جوزها ومركزه وسط الناس." تأفف بضيق وتحدث بحدة:

"لو سمحتي يا ماما، يا ريت متتكلميش معايا في الموضوع ده تاني. ريم شخصية وأختي شخصية، وطالما مراتي في حالها ومبتجبليش مشاكل خلاص." أمسكته من يده وأجلسته كي تراضيه لأنها رأت علامات الضيق ارتسمت على وجهه: "يا حبيبي، أنا بقعد باليومين هي فوقي وأنا تحتها ومبشوفهاش." وأكملت وهي بحزن مصطنع: "والعيال ولادك بيوحشوني وببقى نفسي أشوفهم، وهي مبتردش تنزلهم إلا ورجلها على رجلهم." ربت على ظهرها مردداً بحنان:

"خلاص يا ماما، هتكلم معاها في موضوع النزول والولاد ده. أما موضوع التصميم والهواية اللي هي بتحبها، معلش يا أمي اعذريني." ابتسمت بانتصار لاعتقادها أنها غصت اليوم على ريم ورددت بخبث: "لأ يا حبيبي، متتكلمش معاها. أنا مش عايزة أعمل لك مشاكل مع مراتك وتقول لك أمي ومش أمي، آه." "ولا مشاكل ولا حاجة يا حبيبتي، ريم عاقلة ودماغها كبيرة."

قالها باهر وهو منتوي الخروج مودعاً والدته وصعد إلى شقته في الطابق الرابع وهو ينفض جميع ما قالته له والدته عن باله. دلف المنزل وما أن استمع لابنه الصغير قدومه، هرول إليه مسرعاً بسعادة عارمة، وأخذه بين أحضانه مردداً بابتسامة: "حبيب بابي اللي واحشني قد الدنيا بحالها." ونظر يميناً ويساراً متسائلاً بلهفة: "آمال فين مامي؟ خطت إليه تحتضنه كعادتها عند عودته من الخارج، استقبلها بين أحضانها وقبلها من جبهتها مردداً بحب:

"حبيبتي الجميلة اللي واحشاني جداً." قبلته من وجهه وأردفت بابتسامة عذبة: "حمد الله على السلامة يا قلبي، إنت كمان واحشني جداً." واسترسلت وهي تشير إلى الطاولة: "يلا يا حبيبي اقلع الجاكت واغسل إيديك، أنا جهزت الأكل على السفرة. بسرعة بقى عشان إحنا جعانين جداً ومستنينك ومرضناش ناكل حاجة خالص إلا لما تيجي." ذهب إلى المرحاض كي يطهر يديه وتحدث: "حالاً أهو، هغسل إيدي وأجي لكم يا حبايب بابا."

وجلست العائلة الصغيرة مجتمعين على طاولة الطعام بكل حب وألفة، متسامرين بضحكات ومشاغبات باهر مع أطفاله وزوجته ريم، وقرر أن يقضي باقي يومه معهم. ريم لها ولدان من باهر، عمر في سن الخامسة من العمر، وياسين عمره شهرين فقط. *** في منزل جميل المالكي، تقف راندا ووالدتها فريدة في المطبخ يجهزان الطعام. راندا أتت لتقضي اليوم هي وأبناؤها مع والدها ووالدتها وأخيها لأنها ستسافر إلى زوجها في نهاية الأسبوع. فريدة بحزن:

"يعني خلاص يا راندا هتاخدي الولاد وتسافري آخر الأسبوع؟ واسترسلت بوحشة وهي تنظر إلى أحفادها: "أنا متعودة على وجود الولاد حواليا بجد هفتقدهم أوي ومش عارفة هستحمل بعادك وبعادهم إزاي؟ احتضنتها راندا وقبلتها من وجهها وأردفت بحب: "يا حبيبتي، إنتوا كمان هتوحشوني أوي، متتصوروش ببقى متضايقة عشان خاطر هبعد عنكم التلت شهور دول كلهم." واسترسلت وهي ترفع يديها الاثنتين:

"ولكن ما باليد حيلة يا أمي، للأسف ظروف الشغل هنا في البلد صعبة جداً ولو إيهاب فكر يرجع مش هيلاقي مكتب يعيشنا المستوى الاجتماعي والمادي اللي إحنا عايزينه." رد عليها رحيم أخوها وهو يخرج من غرفته: "طب يا روني، ما كفاية كده ويرجع يفتح له مكتب هنا ورزقكم على الله." وجهت أنظارها تجاه أخيها وأردفت بعملية:

"للأسف يا رحيم، سوق العمل هنا بقى صعب والجنية قيمته قلت جداً، وزيد عليهم كمان إن كل الفلوس اللي بيبعتها لنا إيهاب يدوب عملنا بيها الفيلا بتاعتنا ولسة كمان بنشطب فيها. قدامنا سنة كمان على ما نخلصها." واسترسلت بتوضيح أكثر: "لو رجع بقى واستقر هنا هنضطر نحط كل الفلوس اللي معانا في المكتب وتشطيباته ونستنى بقى عقبال ما نكون عملاء يثقوا فينا، وبعد سنين الغربة دي كلها يبقى الحال كما هو عليه." استوعب أخوها

حديثها وأردف بنبرة حنونة: "فعلاً سوق العمل هنا بقى فيه خمول رهيب وربنا يستر. ومين عايش في الدنيا مرتاح يا أختي، توكلي على الله وقلوبنا ودعواتنا محاوطاكم." ربتت على ظهره بحنان مماثل ورددت: "حبيبي ربنا يخليكم ليا وميحرمنيش منكم أبداً، ومسير الأيام هتجمعنا وساعتها بإذن الله مش هنفترق أبداً." وما إن أنهت كلامها حتى سمعت أباها عائداً من البنك، هرول إليه أحفاده مسرعين باحتضانه. استقبلهم جميل بحفاوة مقبلاً كل منهم من

رأسه وردد بوجه يشع سعادة: "يا دي النور يا دي النور، أحفادك حبايبك منورين بيتك يا جميل. واحشني يا مهاب إنت وحبيبة جدها سموكة القمر." وأمسك كل منهم بكف يداه وأجلسهم على الأريكة وهو متوسطهم مردداً بحزن: "خلاص هتسيبوا جدو وتسافروا." احتضنوه وقبلوه من وجهه وقال مهاب: "إنت كمان هتوحشنا أوي يا جدو، وأكتر حاجة هتوحشني إنك تعملي كوباية القهوة التمام ونقعد أنا وأنت في البلكونة ونديها شطرنج لحد نص الليل."

ثم ضم شفتيه وهو يضع إصبعه السبابة عليهما واسترسل بتأثر مصطنع: "تصدق يا جدو إني بجد هفتقد قعدتك ودروسك اللي بتديهالي في الحياة لما أسافر." "بس بقى يا مهاب، سيب لي جدو شوية. هو مفيش غيرك اللي حبيب جدو." قالتها سما وهي تشدد من احتضان جدها الحبيب. ابتعد جميل عن مهاب بحدة مصطنعة وأردف بنبرة حب لسما: "ابعد يا ولد يا مهاب، خليني أشبع من سمكة حبيبة جدها اللي بتعمل لي أحلى كيكة وجمبها كوباية شاي."

ارتمت بين أحضانه وابتسمت لإطرائه الشديد لكل ما تفعله له وتحدثت بابتسامة عريضة: "ياه يا جدو، إنت الوحيد اللي بتعمل لي قيمة وبترفع من معنوياتي اللي دايماً حابطها لي الواد ده." وأشارت بعينيها إلى أخيها وهي تخرج له لسانها على سبيل المداعبة، وبدوره ألقى بالوسادة في وجهها واشتعلت الحرب بينهم بمشاكسة. فضت والدتهم النزاع الأخوي المعتاد في كل منزل وكعادة كل أم رددت بصوت عالٍ: "بسسسس، عيب يا بنت، عيب يا ولد."

ونظرت إلى والدها وقالت: "يلا يا بابا ادخل غير هدومك، أنا وماما جهزنا الغدا." واسترسلت بحزن مصطنع: "ولو إنك انشغلت مع الأشقية دول ومسألتش على بنوتك حبيبتك." أجابها والدها وهو ينظر إلى أحفاده بحب: "متزعليش مني يا روني، دول بيخطفوا قلبي أول ما بشوفهم."

ثم ولج إلى غرفته لكي يبدل ملابسه ويخرج يتناول معهم الغداء. وضعت فريدة وراندا الطعام على الطاولة بنظام وترتيب كعادة فريدة، فهي تعشق النظام والترتيب، وما إن انتهوا حتى خرج جميل من غرفته وجلسوا جميعهم يتناولون الطعام بشهية مفتوحة نظراً لتجمعهم. ثم أردفت فريدة بحزن: "مش كانت الست ريم هانم كانت جت اتجمعت معانا في يوم زي ده؟ "إنتي كلمتيها وعرفتيها يا ماما؟ سألها رحيم وهو يشمر عن ساعديه ليتناول طعامه بارتياح. امتعضت ملامحها

وأجابته بنبرة حادة: "آه طبعاً كلمتها وبتقول إنها مش فاضية وإن وراها تصميم مطلوب تسلمه بكرة، وأنها هتبقى تروح لراندا تسلم عليها قبل ما تمشي. ومحليش التصميم إلا لما طلبت منها تيجي تتجمع معانا." تفهم جميل حديثها وأجابها بتعقل: "متكونيش أفشة كده مع ريم يا أم رحيم، البنت بتعشق التصميم وبتحبه جداً وبتحاول تتطور من هوايتها وتحقيق حلمها. المفروض مننا إننا نساعدها ونقف جنبها ومنكسرش مقاديفها." استنكرت فريدة

حديثه ونقده وأردفت بعتاب: "يعني لما أكون عايزة أجمع ولادي مع بعض على سفرة واحدة وناكل من نفس الطبق يبقى بكسر مقاديفها؟ واسترسلت بتوضيح: "فيها إيه لما كانت تستأذن من التصميم أنها هتأخره يوم عشان أختها مسافرة آخر الأسبوع، وكانت جت اتجمعت معانا وقضينا يوم مع بعض؟ ولا عشان اتجوزوا وخلفوا بقى ملناش حق نضايق أو نطلب نشوفهم في أي وقت! ضغط جميل على يديها كنوع من التهدئة وتحدث بهدوء:

"ملقيتيش إلا ريم أهدى واحدة في ولادك وتشني عليها الحرب. وبعدين البنت ملتزمة بعقد ومواعيد مع صاحب المصنع والعقد له شروط جزائية على التأخير، وغير بيتها وولادها، وأنتي قلبك كبير يا أم رحيم." "آيوة يا أخويا، إنت هتيجي في صفي عشان الست ريم هانم آخر العنقود اللي أي حاجة بتعملها على قلبك زي العسل." قالتها فريدة باستنكار لحديثه واستطردت بتهكم:

"وأنا بقى الأم الشرانية وأنت الأب الطيب الحنين، ابقى خليها تعمل لك بقى الرز المعمر اللي كنت هعمله لك." أجابها بدعابة على الفور متراجعاً: "لاااا وعلي إيه يا أم الغاليين، البت ريم غلطانة والغلط راكبها من ساسها لراسها، واعملي فيها اللي على كيفك، بس متحرمنيش من الرز المعمر بتاعك اللي يعمر الدماغ ويسلطنها."

وأكملوا سهرتهم في جو أسري ممتع وأثناء اندماجهم سمعوا صوت الجرس الخاص بفيلتهم الصغيرة يعلن عن وصول أحدهم. قام رحيم وفتح الباب وإذا بالصغار يقتحمون المنزل بمشاغبة تاركين آباءهم مهرولين إلى جدهم الحبيب جميل. ابتسم رحيم وردد بمشاغبة: "طيب مش تسلموا على خاله يا وحشين؟ هو أنا كيس جوافة واقف يعني؟ طب أنا زعلان." ومثَّل بعلامات وجهه التي أضحكت ريم وباهر بشدة، ثم ردد باهر بمداعبة: "إحنا نقدر نزعل كيس الجوافة؟

يوووه قصدي الدكتور رحيم على سن ورمح." ثم أخذه في أحضانه ليتبادلوا السلامات. ودخلت ريم سلمت على والدتها واحتضنتها بشدة وعلى أختها بالمثل وسلمت على أبيها وتحدثت بعتاب مصطنع: "إيه ده متجمعين من غيري يا أندال؟ وكمان بتاكلوا رز معمر من إيد ست الحبايب من غير ما تعزموا عليا، مكنش العشم يا وحشين، أنا مخاصماكم." تأففت والدتها وردت بحنق:

"آه يا أختي، كلي بعقلنا حلاوة، وعلى رأي المثل خذوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم. هو أنا مش متصلة بيكي وعازماكي وقايلالك إن أختك جاية هي وولادها عشان نتجمع كلنا قبل ما تسافر لجوزها." أنبتت حالها أنها فتحت ذاك الحوار وأصبحت متيقنة أن والدتها لم تمرر جلستها مرور الكرام قبل أن تفضي ما في جعبتها بالكامل، وعلمت أن أفضل رد الآن هو الاعتذار لتجنب المشاحنات فأردفت بابتسامة يصاحبها الدعابة:

"أنا اللي جبت ده كله لنفسي. إيه يا نبع الحنان، كده تقسي على ريما حبيبتك وآخر عنقودك؟ مكنش العشم برضه." ثم احتضنت والدتها وأكملت بصدق: "معلش يا أمي، حقك عليا، إنتي عارفة غصب عني والله، أنا ملتزمة بتصاميم بوقت محدد لازم أخلصها وإلا هتعرض لشروط جزائية." لوت شفتيها بامتعاض وهتفت بحدة: "وإنتي إيه اللي يخليكي تلزمي نفسك وتحطي شروط تورطك؟ مسبتيش نفسك حرة ليه؟

وقت ما تخلصي تبعتي عشان متضغطيش على نفسك وتقصري في حق نفسك وحق اللي حواليكي." رأى باهر أن فريدة لن تصمت إلا أن ترى دموع ريم بسبب تأنيبها لها فتدخل لكي ينهي الحوار مردفاً بدعابة: "ولا سلمتي عليا ياحماتي ولا رحبتي بيا ولا بأحفادك ولا كأنك شايفة حد غير ريما هانم، أنا زعلان جداً، أنا زعلان خالص." ابتسمت على حركات وجهه وأومأت ببشاشة: "لأ بقى ده إنت حبيب قلبي الغالي وأبو أحفادي وأخو رحيم."

ثم نظرت إلى أحفادها واحتضنتهم بحب حقيقي، وداعبتهم وانشغلت معهم ونسيت أمر ريم والتصميم في حضرة أعز الولد. ثم نظر جميل إلى فريدة مرددا بفخر: "سمعت إن بقى ليكي ماركة مشهورة ومكسرة الدنيا ياريما ستور يا عالمي." ابتسمت ريم على فخر أبيها وتحدثت وهي تشير على حالها بفخر مصطنع: "أيون أيون، أنا بقيت مشهورة بس للأسف مغمورة. والله أنا خسارة في البلد دي." ابتسموا جميعاً على مداعباتها وأردف زوجها بجدية:

"مغمورة آه قلتي لي، طب متحلميش بقى يا حبي عشان متفقيش على كابوس. إحنا بينا شرط إنك لو هتشتغلي يبقى مش مباشر، إنتي عارفة إني بغير عليكي من الهوا الطاير، ومش مستعد بقى لحوارات التصميم اللي معرفش مصنع مين مكلمك وآتيليه مين عايزك وحوار الإغراء بالفلوس عشان تروحي للمصنع ده ولا المصنع ده." واستطرد وهو ينظر داخل عينيها بحب:

"أنا عايز نعيش أنا وإنتي وأولادنا في هدوء بعيداً عن ضوضاء السوشيال ميديا وعالم الأعمال اللي مبينتهيش."

لم يعجب جميل حديث باهر وتحطيمه لآمال غاليته ولكنه صمت لعدة أشياء أهمها أن ابنته موافقة على حديث زوجها ولم تعترض، وأيضاً لم يريد أن يحشر نفسه بينهم، هم أدرى بشؤون بيتهم. أما ريم فحزن داخلها لأجل تصميم زوجها على غمر موهبتها داخل أركان منزلها فقط، وأعدت نفسها للتحدث معه في ذلك الموضوع على انفراد، ثم التهت مع عائلتها في جو كله مرح وسعادة لا تريد هي إفسادها بمزاجها السيئ. ***

في منزل مالك الجوهري. يجلس على الأريكة وأمامه اللابتوب الخاص به يراجع بعض التصميمات المرسلة إليه من علي. وجد أن أكثرها يحتاج إلى تعديلات، دونها أولاً بأول لكي يرسلها إليه، فهو المسؤول عن التصميمات الأون لاين ومتابعة أصحابها. إلى أن جاء أمامه التصميم المبهر الذي ينتظره كالعادة ويعرف صاحبته جيداً من أشياء كثيرة، من هدوئه الذي يخطف بريق العين، ومن اكتماله. نادراً ما يجد لصاحبة هذا التصميم أخطاء، فهي تنفذ تصميمها بحرفية عالية، ومن توقيعها أسفل التصميم توقيع خاص بتصميمها فقط. وحدث حاله وهو يتناول قهوته ويشرب معها السيجار المفضل لديه قائلاً

بإعجاب: "ياترى عندك كام سنة يا ريما ستور عشان تصميماتك اللي في منتهى الروعة دي؟ اللي زيك بالخبرة والإبداع ده أكيد عمرك معدي ٥٠ سنة." وأكمل متسائلاً حاله بحيرة: "ياترى ليه مختفية ورافضة الظهور؟ واحدة زيك كان المفروض أقل حاجة يبقى عندها مشغل وأتيليه ويجي لها أشهر الناس يصمموا عندها."

وبقي على حيرته وتعجبه إلى أن خرجت والدته تدعوه إلى تناول العشاء. ذهب إلى طاولة الطعام وسأل والدته وهو يمسك الشوكة بيده اليسرى والسكينة باليمنى ويقوم بتقطيع الدجاج من أمامه بضيق: "هو الأستاذ مازن سهران برة كالعادة كل يوم نتعشى من غيره؟ ونظر في ساعة يده مردفاً بحدة: "والساعة حالياً داخلة على 11 وهو ولا في دماغه." ربتت أمه على يده مردفة بحنان:

"أمنتك أمانة يا مالك، ما تعصب نفسك يا بني كل لما تيجي تاكل لقمة وتنكد على نفسك. وهو برضه شاب يا بني اعذره، بيعمل زي أصحابه الشباب اللي من سنه." أجابها متهكماً بسبب دفاعها المستميت عن تصرفات ذلك الفاشل: "لحد امته يا ماما هتفضلي تبرري له أفعاله الزبالة دي؟ البيه السنة بياخدها بسنتين ومش حاسس ولا دريان بعمره اللي بيضيع في التفاهة والهيافة اللي هو عايشها."

واسترسل بضيق وهو يتناول هاتفه لكي يتصل به ويرى أين هو إلى الآن، وما إن أجابه أخيه انفجر فيه بحدة: "الأستاذ اللي بيضيع مع شلة المراهقين اللي زيه ناوي يجي امتى إن شاء الله؟ توتر مازن من حدة أخيه وابتلع لعابه وأجابه بتوتر: "أنا أنا خلاص راكب العربية وجاي أهو يا مالك، وبعدين أنا متأخرتش يعني عشان تتعصب كده، دي الساعة لسة مجتش 11." "أنا مستنيك نص ساعة بالكتير ألقاك قدامي."

قالها مالك بأمر وهو يغلق الهاتف في وجهه دون أن ينتظر رده. وما إن وجدته والدته يمسك بالفوطة الخاصة بالطعام والتي بها يعلن عن انتهائه للطعام، حتى أمسكته من ذراعه وأردفت بمحايلة: "أستحلفك بالله لا تقعد تكمل عشاك اللي كل يوم والتاني متكملهوش بسبب أخوك، وأنا والله لما ييجي هتكلم معاه وهشد عليه يا أخويا." مالك بهدوء: "لأ، إله إلا الله. أنا خلاص شبعت يا أمي مقدرش آكل حاجة تاني." "لأ والله ما هتقوم إلا لما تخلص طبقك ده كله."

قالتها والدته بتصميم استجاب له مالك كي لا يحزنها، ثم أنهى طعامه وطلب من والدته فنجاناً من القهوة تطهيه بنفسها له، وذهب إلى الأريكة لكي يكمل عمله بهدوء وهو ينتظر ذلك البارد. انتهت والدته من صنع القهوة وما إن جاءت تجلس بجانبه حتى سمعوا صوت السيارة الخاصة بمازن. حدثته والدته بامتنان: "بقولك إيه يا مالك، متتكلمش معاه، سيبني أنا المرة دي أتكلم معاه يا حبيبي."

وافق مالك على حديثها لكي لا يحزنها، وتناول قهوته في هدوء دون أن يعير قدوم أخيه أدنى انتباه. نظرت إليه والدته بغضب شديد، منعته إياه بشدة: "حمد الله على السلامة من اللف يا مازن بيه، إيه مش هتسيبك من شلة الضياع اللي إنتي ماشي وراها دي وتركز وتفوق لمستقبلك؟ ثم رفعت سبابتها أمام عينيه وأكملت بشدة وهي تمد يدها الأخرى له: "هات الفيزا اللي معاك وحسك عينك تطلبها تاني إلا لما تتخرج من الكلية."

صدم هو من حديث والدته الذي يراه لأول مرة وسألها متعجباً: "هي الفيزا مالها ومال إني أنجح أو منجحش يا ماما! وبعدين إنتي معصبة نفسك ليه يا حبيبتي كده؟ غلط عليكي من السكر والضغط." صممت على أن يعطي لها الفيزا وأكملت بحدة: "أقول لك ليه يا عنيا؟ الفيزا دي اللي مقوية قلبك ومخلياك تبعتر فلوسك يمين وشمال، على شلة المقاطيع اللي بتمشي معاهم وبيستغلوك للضياع."

واستجاب مازن لإصرار والدته خوفاً من نظرات مالك التي تخترقه ظناً منه أنه سيعرف يأخذها منها وهم وحدهم. ثم انتوى الذهاب إلى أعلى ليبدل ملابسه، أوقفه صوت مالك منادياً عليه بحدة أرعبته: "مازن اقف عندك." حول بصره لأخيه وداخله يرتجف وأجابه بتوتر: "نعم يا مالك، في حاجة تانية؟ "اتأدب لما تيجي تتكلم مع أخوك الكبير اللي في مقام والدك." قالتها والدته له بتعنيف.

لم يفتح فمه ببنت شفة وانتظر تحذيرات أخيه بملل، إلى أن سمع صوت مالك مردداً بأمر قاطع: "اعمل حسابك إنك هتنزل معايا المصنع من بكرة إن شاء الله، تتابع الشغل مع علي وتتعلم منه وتشتغل تحت إيده عشان حجم الشغل كتر عليه، وأنت ما شاء الله فاضي أهو ولا وراك شغلة ولا مشغلة." واستطرد متهكماً: "أهو نستفاد من طولك وعرضك اللي ملوش لازمة في الدنيا غير السرمحة مع اللي يسوي واللي ميسواش." مط شفتيه بضيق وأردف مستنكراً:

"يعني إيه أنزل الشغل والمصنع وأنا ولا أعرف أي حاجة وكمان لسة مخلصتش دراستي يا مالك؟ أجابه مالك ببرود دون أن ينظر له: "وإيه علاقة الشغل بالدراسة؟ إنت ولا بتذاكر، ولا بتروح الكلية غير مرة كل أسبوعين لما يهفّك الشوق تغير صنف البنات الصايعة اللي إنت تعرفها." واسترسل باستهزاء وهو يشير إليه: "البيه اللي بيصحى كل يوم الضهر ومقضي بياكل مامته وينام ننه، شكل الواحدة البايرة اللي قاعدة ترازي في خلق الله بسبب وبدون سبب."

"وإن رفضت بقى يا مالك هتعمل إيه؟ قالها مازن باستنكار. "بسيطة خالص، العربية هتنسحب منك، والأيفون اللي بآلافات اللي بتتمنظر بيه، والفيزا أوردي انسحبت منك." قالها مالك بتأكيد. غضب مازن بشدة وتركه وصعد إلى الأعلى دون رد على حديثه. "بكرة الصبح إن شاء الله تظبط منبهك على 9 بالدقيقة تكون صاحي 9.30 تكون على الفطار، سامعني؟

قالها مالك دون أن ينظر إليه بكل ثقة وعاود عمله على اللابتوب. وأثناء انشغاله بعثت له رسالة عبر الواتساب. أمسك هاتفه ليرى من صاحب تلك الرسالة، وجدها من طليقته وكان محتواها: "إزيك يا مالك، أنا بجد زعلانة منك على المقابلة الوحشة اللي إنت قابلتها لي في المكتب ومش بس كده ده إنت طردتني كمان وخليت منظري وحش قدام السكرتيرة. أنا لسة بحبك يا مالك وباقية على عشرتنا مع بعض، للدرجة دي يا مالك مبقتش أفرق معاك!

للدرجة دي مبقتش تحبني ولا طايق تشوفني! قرأ هو رسالتها بملل واستغرب من أين أتت برقمه الخاص والذي لم يعطه لأحد سوى والدته وأخيه وأخته وصديقه علي. وحدث حاله: "الزفتة دي جابت رقمي منين؟ هو أنا ناقص وجع دماغ من الحرباية دي؟ هو أنا ناقص وجع دماغ من الحرباية دي؟ مش معقول يكون علي اللي أداها الرقم ده. أما أصدق إني طلقتها وخلصت من نكدها وزنها، ولا ماما طبعاً، معقولة تكون أختي ولا مازن؟

بس مازن ميجرؤش يعملها، يبقى مفيش غير الست هيام هانم ما هم طول عمرهم حبايب." واسترسل متوعداً: "ماشي يا هيام، إن ماشفت شغلي معاكي مبقاش أنا مالك." ولم يعير رسائلها انتباهاً ثم وضع رقمها ضمن الأرقام المحظورة كي لا تبعث له رسائلها التي تجلب له صداع الرأس مرة أخرى.

انتظرت هي كي يرد عليها أو يعيرها انتباهاً بعدما رأت علامة استلامه للرسالة ولكنه لم يرد. جاءت لترسل له مرة أخرى فوجدت أنه قد حظرها ورمى برسائلها عرض الحائط كما ترمي القمامة في سلة المهملات. استشاطت داخلها وانتوت غداً الذهاب إلى أخته كي تشهدها عليه وعلى تجاهله وأفعاله معها.

عجيب حقاً أمر الإنسان، الشيء يكون ملك يمينه ويفرط فيه بسهولة، وما إن يتركه ويرحل ثم يعود ويجد ذلك الشيء وينظر إليه بعين أخرى يلمع في عينيه ثانية ويريد امتلاكه وكأنه لعبة شفراتها في يده يحركها كيفما شاء ووقتما شاء. ***

في الجامعة صباحاً، يدلف رحيم بسيارته إلى الجراج كي يصطف سيارته ويصعد إلى مكتبه. وبعدما صفاها وخرج منها ذاهباً إلى مكتبه، إذا به يسمع أنيناً خافتاً لا يسمعه أحد إلا بصعوبة. سار تجاه الصوت بخطوات بطيئة جداً وإذا به يسمع صوت أحدهم يقول: "لآآآ يا مي، مش هعمل كده ولا هنفذ لك اللي إنتي عايزاه." واسترسلت وهي تبكي ألماً بصوت منخفض: "إنتي فاهمة إنتي بتطلبي مني إيه أصلاً أعمله!

إنتي عايزاني أعمل حاجة لا عمري هقبلها ويستحيل أعملها ولو على رقبتي. إنتي بتعملي كده بحكم إني مليش حد يحاسبني وإن ده عادي. يستحيل أعمل اللي إنتي عايزاه ده وإللي عندك اعمليه واللي يحصل يحصل." ثم أغلقت الهاتف وجلست تضم ساقيها تنتحب بشدة بسبب ضغط تلك المي عليها وابتزازها لها بسبب خطأ ارتكبته دون قصد أوقعها تحت براثن تلك المي. كل ذلك أمام الواقف المستمع لكل كلمة قيلت واخترقت أذنه، وحدث حاله:

"مين دي اللي عمالة تعيط بالشكل ده وواضح جداً إن حد بيبتزها على حاجة وهي رافضة." وأكمل وهو مثبت عينيه على ظهرها: "طيب أروح لها وأفهم منها وأحاول أساعدها؟ ولا أخليني في حالي أحلالي؟ لا تعمل مشكلة وإحنا هنا في الجراج؟ بس أنا متعودتش أشوف حد محتاج أو حزين وبيعيط ومروحش أشوف ماله. خلاص هروح وأمري إلى الله."

وما إن خطى أول خطوة إليها حتى وجدها غادرت الجراج بسرعة دون أن يعرفها أو يعرف ما بها. استغرب كثيراً وفي نهاية الأمر أغلق سيارته وغادر المكان دون أن يدري أو يستنتج ما سمعه لتوه، أو من تكون تلك المنطوية على حالها وتبكي على أمرها. وصل إلى مكتبه ووضع حقيبته وجلس في مكانه وفتح جروب الواتساب الخاص بقسمه ليرى لجنة المراقبة التي سيذهب إليها اليوم. علم المدرج الذي يراقبه اليوم وجمع أوراقه وذهب إليه. وأثناء سيره في الرواق المؤدي إلى المدرج اصطدم بشخص ما ووقعت أوراقه من أثر الاصطدام. رفع رأسه وإذا بها تلك المريم التائهة. نظر إليها وجدها مرتعبة وخائفة من تعنيفه لها وما إن وجدها تفتح شفتيها لكي تعتذر أسكتها قائلاً:

"على ما أعتقد اسمك مريم اللي كنتي جاية متأخرة المرة اللي فاتت. هو إنتي دايماً متلهوجة ومتأخرة كده يا بنتي؟ ودايماً بتجري كده ومش مدية نفسك الوقت الكافي اللي تظبطي فيه أمورك؟ تهتهت في الحديث ورفعت أنظارها إليه بعدما جمعت أوراقها المبعثرة وقالت باعتذار: "أنا متأسفة جداً يا دكتور، غصب عني والله، ظروفي صعبة وملخبطة شوية معلش اعذرني."

نظر داخل عينيها الزرقاويتين ووجد بهما أثر للدموع المختنقة بداخلهم وعلى وجهها آثار البكاء وأردف وهو يعرض عليها المساعدة: "طيب في حاجة أقدر أساعدك بيها؟ اعتبريني حد القدر بعتولك يساعدك ومتعتبرنيش دكتور جامعي." أجابته بشرود: "أنا مشكلتي وحكايتي كبيرة وغريبة وملهاش حل يا دكتور." واسترسلت بتيهة: "أنا الموت أرحم لي من اللي أنا فيه وبعيشه." حزن داخله لأجلها وردد باندهاش: "ياه للدرجة دي حياتك صعبة! نظرت أرضاً

وأجابت بحزن عميق: "وأصعب مما تتخيل. بعد إذنك يا دكتور عشان متتعطلش، ميعاد الامتحان كمان عشر دقايق." أذن لها أن تغادر وقبل أن تتحرك عرض عليها مساعدته قائلاً: "لو احتاجتيني، أنا مكتبي معروف جداً هنا، اسألي على مكتب الدكتور رحيم وأنا تحت أمرك في أي مساعدة." شكرته بعينيها ممتنة لذوقه وأخلاقه التي أصبحت غير موجودة في تلك الأيام، وذهب كل منهم إلى مشغولياته. *** ترى ما المجهول المخبي لريم، باهر؟ وهل سيشفى مالك من مرضه؟

وما المجهول المخبي لمريم؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...