في صباح يوم الزفاف، كانت جميع العائلة في فندق من الفنادق الملكية باهظة الثمن منذ الصباح الباكر للتحضير لزفاف أبنائهم الذي ستتحدث عنه البلدة بأكملها. لقد تم الاتفاق أن الزفاف سيكون هنا، في قاعة ملكية رائعة تسر الناظرين إليها بلمحة واحدة فقط. أقتربت "هدى" تسير متقدمة من الطاولة في ساحة الفندق في الخارج والذي يجلس عليها "تامر" لتتحدث معه عن أمرهما.
بعد أن فكرت في كل شيء وتحدثت إلى "سلمى" مرة أخرى بعد آخر نقاش حدث بينهم وأخذت رأيها في كثير من الأمور التي تخصها وقررت أنه أولًا أنها تريد أن تعطي فرصة لذلك الرجل الذي يهتف بالحب إليها ويظهر ذلك في كل تعابيره المُقدمة إليها أو إلى أي شخص آخر من طرفها. تريد أن تنعم بالسعادة بعد أن حرمت منها بموت زوجها والذي أنبت نفسها كثيرًا بعد تفكيرها بهذه الطريقة الصعبة والسيئة بحقها وحقه وكادت أن تعود عن قرارها وتكمل بقية حياتها على ذكراه كما كانت تريد منذ البداية.
ولكن فعلته التي علمت بها مؤخرًا وخزت قلبها وجعلتها امرأة مجروح كبريائها ومخدوعة به وبكل ما كان يفعله حتى ولو كانت متأكدة من حبه لها. وحتى لو كان ما فعله بدافع شهامته ورجولته فهي الأخرى تستحق فرصة ثانية لتنعم بما حرمت منه وستفعل ذلك وتحاول قدر الإمكان أن تتناسى كل شيء. فقد قالت والدتها مثال شعبي لتشجعها على ما أرادت في النهاية بعد معرفتهم لما فعله هو "الحي أبقى من الميت" وستكون كذلك.
جلست أمام "تامر" بابتسامة وهدوء ناظرة إليه بعينيها قائلة بتساؤل: "ازيك عامل ايه؟ أجابها مبتسمًا باتساع يبادلها النظرات الهادئة: "أنا بخير طول ما أنتي بخير." ابتسمت قائلة: "شكرًا." قد قالت له ليلة الأمس أنها قد قررت شيء ما تريد إخباره به بعد كل تلك المدة التي كانت مشتتة بها تعود وتبتعد. تسائل قائلًا: "قوليلي بقى ايه اللي قررتيه وكنتي عايزة تقوليلي عليه؟ أقتربت من الطاولة رافعة يديها الاثنتين عليها متشابكين
ببعضهم وقالت بجدية وهدوء: "أنا كنت عايزة أقولك إني موافقة نتجوز مش بس تعارف ولا خطوبة." تابعها بعينيه وهي تتحدث هكذا ببساطة شديدة فنظر إليها مستنكرًا مذهولًا يقول: "بجد؟ أومأت إليه برأسها قائلة بابتسامة عريضة وهي تتابع حركاته المستغربة: "آه بجد." مرة أخرى بعدم تصديق يقترب هو الآخر من الطاولة ليقابلها بالقرب منها قائلًا بنبرة خافتة مرتعشة: "قولي والله العظيم! ابتسمت أكثر باتساع وقالت كما يريد: "والله العظيم وافقت."
اندفع قائلًا بقوة ولهفة عاشق ينظر إليها بعينين لامعة للغاية: "أنا بحبك أوي.. بحبك جدًا." وضعت عينيها على الطاولة تنظر في الفراغ بها بعيدًا عن عينيه بعد نطقه لهذه الكلمات التي من المفترض أن تبادله بمثلها ولكنها إلى الآن لم تشعر بذلك. رفعت وجهها قائلة بهدوء وبساطة: "طيب بص.. بعد فرح عامر نكتب الكتاب بس، أنا مش عايزة أعمل فرح إحنا نعمل كتب كتاب عائلي وبس." اندفع مرة أخرى بلهفة موافقًا على حديثها بجدية:
"وأنا موافق طبعًا.. أصلًا الأفراح ملهاش لازمه." عاد مرة أخرى ينفي حديثه السابق يستثني شقيقها ناظرًا إليها: "ما عدا فرح أخوكي طبعًا." أجابته ساخرة محركة رأسها للأمام باستنكار بعد عودته في حديثه: "يا شيخ! أومأ إليها قائلًا بجدية ثم مرة أخرى أعاد عليها السؤال بلهفة أكبر غير مصدق لما قالت من حديث: "آه والله.. أنتي بجد موافقة خلاص كده هتجوز؟ أومأت إليه مرة أخرى برأسها مستمتعة بحركاته وعدم تصديقه ذلك وكأنه
فاز بشيء ثمين ولا يصدقه: "آه." ابتسم هذه المرة بجدية وتحدث بصوت رجولي واضح وصريح إليها وهو يتابعها بنظراته المحبة: "مش هتندمي أبدًا إنك وافقتي تديني فرصة يا هدى.. أنا هشيلك في عنيا." ابتسمت قائلة بمجاملة بعد حديثه ذلك: "تسلم عيونك."
جلست معه كثير من الوقت تتحدث في أمور عدة ببعض المرح منه والخجل منها، تهتف بكل ما يخطر على بالها مع التحفظ الشديد على الحديث الآخر الذي ربما يصدر عفويًا منها مثله، وتحفظت أيضًا على كل ما علمته عن زوجها الراحل لأنه لا يخص أحد غيرها هي وعائلتها ولا تريد أن يظهر أمامه بأي صورة قد تخدش صورته الأصلية الأولى لدى الأشخاص القريبين منه والذي يعرفونه جيدًا.
بعد ذلك ذهبت إلى "سلمى" التي كانت تتجهز منذ الصباح مع فريق كامل لفستان الزفاف وزينة وجهها ومصففي الشعر الذين جلبهم "عامر" خصيصًا لأجلها. لأجل أن تكون ملكة متوجة في ذلك اليوم الذي لا يعرف كيف ستكون نهايته عليهم. ***
بعد أن طلبت "سلمى" من جميع العاملات معها أن تستريح قليلًا جلست على الفراش في الغرفة تعبث بالهاتف الخاص بها تبصر كل هذه المواقع التي تعلن عن حفل زفافهم الليلة. إلى هذه اللحظة قلبها لم يسكن داخل قفصها الصدري لحظة واحدة.
في البداية وحتى بعد أن قرر "عامر" موعد يوم الزفاف ظلت تحاول وتحاول في الفترة الماضية أن تؤجل ذلك، افتعلت المرض، والانشغال، وتحججت بنفسيتها السيئة ولكنه كان على علم أنها كاذبة فقط تريد تأجيل الموعد ويجهل السبب في ذلك. حاولت كثيرًا وهو لم يرضخ ولو مرة واحدة، كان الخوف ينهش قلبها كلما تذكرت وتزقزق عصافير معدتها من التوتر والقلق. لكن ما بيدها أي حيلة كي تفعلها، لقد يأست وتركت الأمر إلى الله بعد أن حاولت معه كثيرًا.
ثم بعدها حاولت في التفكير لفعل شيء بعيد عن "عامر". فكرت في "هشام" الذي يقلق منامها ويوتر قلبها وعقلها، ذلك الذي هددها أنه لن يتركه لو تزوجت منه، ما الذي تستطيع فعله معه؟ ما الذي من الممكن أن يوقفه عن حده ويبعده عنها إلى الأبد. تستغرب كثيرًا، هي لم تفعل به شيء، كان الممكن أن تقول أنه يحبها وهي من ابتعدت عنه بعد أن وعدته أنها ستتزوج منه ولكنه اعترف أنه لا يحبها من الأساس إذًا لما كل ذلك؟ لما ينتقم منها بهذه الطريقة!
قلبها كان كشمعة مشتعلة في الأيام المنصرمة، تحترق كل لحظة والأخرى وتتأكل تاركة من خلفها بقايا قلقها ورهبتها. استسلمت لواقعها المرير بعد كثير من المحاولات مع عقلها والاثنين، قطعت علاقتها بذلك الحقير وابنة عمه وابتعدت نهائيًا كي لا يصلها منه أي معلومات تزعجها أو يحاول تعكير صفوها وتركت الأمر بأكمله إلى الله داعية إياه أن يمر اليوم على خير ويخرج الجميع من هنا سالمين ثم بعد ذلك تفكر فيما سيحدث.
لا يشغلها أكثر من ذلك، حتى ما سيحدث بينها وبين "عامر" لا يشغلها نهائيًا لأنها متأكدة من أنها ما زالت ذلك الملاك البريء الذي كان دومًا يتحدث عنه ويقول إنه يخصه هو وحده. ما زالت نفسه.
وقفت عن الفراش وابتعدت عنه واقفة أمام المرآة تنظر إلى هيئتها الجديدة، لقد اكتسب شعرها في الفترة الأخيرة طولًا ملحوظًا ولم تكن تقوم بتقصيره كما كانت تفعل منذ وفاة والديها بل فعلت المفاجأة الكبرى ألا وهي قامت بصبغه باللون الذهبي وهذا كان لون خصلات شعرها الأصلية منذ البداية ولكنها كانت تحب التغيير الدائم جعلته أسود حالك، وجعلته بني يخالطه الذهبي وجعلته بني فقط وقامت بتقصيره ومرة أخرى بترك خصلات قصيرة على جبهتها وهذا ما كان يكرهه "عامر" كان يطالبها دائمًا بترك خصلاتها طويلة بلونها الأصلي لذا بعد وفاة والديها ومعرفتها خيانته قامت بتقصيره إلى نهاية عنقها ملامسًا أكتافها. واليوم أرادت أن تجعله سعيدًا. مقررة أنها حقًا ستكون بداية جديدة.
تابعت هيئتها في المرآة بابتسامة، لقد كانت الخصلات الذهبية رائعة على ملامح وجهها الخلابة، البريئة والجريئة بذات الوقت. نظرت إلى جسدها المخفي معظمه داخل ثوب أبيض حرير يصل إلى ركبتيها، لم يبق سوى أن تعود ذلك البطل الذي كان يناديه وتستقبل وزنًا آخر غير الذي فقدته لتبرز معالم أنوثتها من جديد بعد أن فقدتها قليلًا بفقدان وزنها.
نظرت إلى الساعة ووجدتها تقترب من الموعد بسرعة، فذهبت إلى الخارج لتستدعي الفريق المتكامل الذي كان معها لتبدأ بالاستعداد إلى الحفل المنتظر والمقام على شرفها.
دلفت إلى الداخل بعد أن قامت باستدعائهم من الغرفة المجاورة وجلست على المقعد أمام المرآة للاستعداد لما هو قادم. تشعر أنها في اللحظات القادمة عليها ستكون كفراشة أخذها أحدهم قاسي القلب وقام بوضعها في علبة محكمة الغلق لمدة عامين وما كان منها إلا أن تستسلم، والآن أتى آخر رقيق القلب وقام بفتح العلبة لتخرج بأجنحة مهترئة تحاول الصمود وتتطاير فوق الورود المزدهرة في حديقة ليس بها إلا أشواك. تحاول أخذ الجميل منها فقط.
وعدت نفسها أنها ستبذل كل جهدها لتكون سعيدة معه وبقربه، وعدت نفسها أن تعوضها عن كل ما مر عليها، عن فراق عائلتها التي تفتقد وجودهم في يوم كهذا، تفتقد والدها كثيرًا فقد كانت تتمنى أن يقدمها إلى "عامر" بيده ويقوم بتوصيته عليها، فهو يستمع إلى حديث والدها ولو كان سيفًا على رقبته، كانت تود والدتها أن تراها بثوب الزفاف، شقيقها يراقصها على الأنغام.
تنهدت بصوت مسموع وتمتمت بالدعاء لهم بالرحمة تصبر نفسها بأنهم في الأعلى بأفضل حال وأنها في يوم من الأيام ستذهب إليهم. الآن لتتناسى كل ما يعكر صفوها وتبتسم لما هو آت مع رفيق دربها. *** تابع اقترابه من والده الجالس على الأريكة بوجه مكفهر قاسٍ يظهر عليه الغضب الشديد. رآه وهو يجلس على الأريكة المقابلة له بوجه خجل ناظرًا في الأرضية مبتعدًا بوجهه عنه بعد فشله الذريع الذي كان لا يتوقعه.
عاد للخلف برأسه وظل يتابعه بعينيه القاسية ولم يتركه إلا وهو يردف بنبرة ساخرة: "ايه.. شايفك باصص في الأرض، فين اللي أنت تعمله وواثق منه؟ تابع حديثه ساخرًا أكثر مستهزئًا به يعزز عقدة النقص بداخله أكثر وهو يجعله يشعر بمدى فشله: "آه دا أنا نسيت أن فرحها النهارده، يلا تعوضها المرة الجاية بقى." اندفع الآخر يهتف بعصبية وحرقة ظاهرة بوضوح على ملامحه وفي نبرة حديثه: "هعوضها.. هعوضها وهتشوف."
تكمم عليه والده في بداية حديثه ثم أكمل ساخرًا: "يا واثق أنت.. بلاش فشخرة كدابة هو أنت عارف تعمل حاجة يا خايب؟ صاح "هشام" بصوت عالٍ وغضب شديد يتبعه لأجل حديث والده الذي يقلل منه: "متقولش خايب.. هو ابن عمها ده اللي لحقها مني." اندفع للأمام على حين غرة وهو ينظر إليه بقسوة داخل عيناه المتشابهة معه وقلل منه وهو يكبر في الآخر: "علشان ناصح.. طول عمره وهو ناصح بيعرف يلتقطها في الوقت المناسب."
هذا ما كان ينقصه، أن يقارن بذلك الأبله السكير من قبل والده الذي من المفترض أنه يعرف بكل ما عاناه. "تمام قول براحتك، بكرة تشوف هعمل إيه." عاد والده للخلف مرة أخرى وابتسم قائلاً: "بكرة بقى لما تتقابلوا في الجنة." عقب على حديثه الآخر بثقة: "لأ على الأرض وحياتك." ضاق ما بين حاجبيه واستهزأ به مرة أخرى ساخرًا: "ايه هتخليها تخون جوزها معاك! دا أنت معملتهاش قبل الجواز." تابع الآخر بنفس الثقة والتأكيد الذي
لا يعرف من أين يأتي بهم: "هتشوف أنا هعمل إيه." قال والده بلا مبالاة وعدم اهتمام لحديثه الذي استمع إليه كثيرًا من المرات: "لأ ابقى شوف أنت لوحدك.. ده لو لقيتها عايشة." لكن نظر إليه بجدية واعتدل في جلسته بعد حديث والده الذي عبث بأذنه فسأله بجدية: "أنت عملت إيه؟ ابتسم والده بغل وحقد كبير، لم يكن يومًا يعرفه ولكن قسوة الأيام عليه هي من قادته إليه:
"النهاردة هتسمع خبرها.. في الفرح هنسمع الصويت بدل الهيصة ويبقى مات نسل أحمد القصاص." انتفض واقفًا بلهفة وخوف وصرخ بوالده عاليًا والغل انتقل إليه في لحظة واحدة ليظهر كذئب يريد الانتقام من فريسة هاربة: "اوعى تعمل كده.. اوعى أنا لسه معملتش اللي أنا عايزه.. أنا ليا حق عندها لازم آخده بإيدي." تكمم عليه والده أمامه هو الآخر يجادله في الحديث مذكرة بعدد المرات التي تركه بها يفعل ما يشاء ولم يستطع:
"أنا اديتك الفرصة مرة واتنين ومعرفتش." لم يهتم بما قاله بل تابع عيناه متسائلاً بلهفة: "وصيت حد يعمل كده؟ أومأ إليه والده بالإيجاب مؤكدًا حديثه: "آه." أشار إليه بيده بعصبية وغضب وصوته عالٍ وهو يقدم قدم منه ويؤخر الأخرى: "إلغي.. إلغي ده سلمى ماينفعش تموت دلوقتي.. لازم انتقم.. لازم آخد حقي." عارضه والده وقال بجدية وقسوة معترفًا بخيبة ابنه الوحيد الذي لازمه الشعور بالنقص:
"مش هلغي حاجة.. أنت خايب مش عارف توقعها بقالك كتير المرة دي جه دوري." أقترب منه ووقف جاعلًا عينه بعين والده بقسوة شديدة تماثله، لازمه الشعور بالانتقام منذ الصغر على يد والده، ليس الآن وقت التخلي، هدده بجدية شديدة وقسوة في الحديث: "لو مرجعتش هروح القسم دلوقتي حالًا وأعترف بكل اللي عملناه." صرخ عليه والده وهو يتقدم منه ممسكًا بذراعه بقسوة وعنف متابعًا عيناه بعينين متسعة مذهولًا مما يفعله ولده: "أنت اتجننت؟
نفض ذراعه منه وأردف صارخًا بجنون وعنفوان وعقله رافضًا التخلي عن فكرة الانتقام بيده: "اه اتجننت إلغي بقولك."
وقف والده ناظرًا إليه بجدية وعيناه لا تتحرك من على خاصته والآخر بادله ذلك مقررًا أنه لن يتراجع مهما كلفه الأمر وحتى إن وقف أمام والده بهذه الطريقة، لحظات والأخرى ولم يتراجع فلم يجد والده حل آخر غير أن يتراجع هو عما أراد فعله، لا يريد خسارة ابنه بهذه الطريقة وتكون ابنة "أحمد القصاص" هي السبب بذلك كما كان والدها السبب في كل شيء سابقًا.
عاد للخلف وأخذ الهاتف من على الأريكة ثم عبث به وهو يرفع نظرة إلى ابنه كل لحظة والأخرى بغضب لأنه جعله يفعل ذلك رغمًا عنه. وضع الهاتف على أذنه وأردف بعد لحظات بجدية ووضوح: "إلغي اللي اتفقنا عليه النهارده." أخفض الهاتف من على أذنه بعد حديثه ثم نظر إلى ابنه وتابعه بعينيه بشك وقلق وهتف بما جال بخاطره بتساؤل: "أنت حبيتها ولا إيه؟ استنكر "هشام" حديث والده الغير منطقي بالمرة، ألا يعلم أنه لا يريد منها شيء غير الانتقام!
الانتقام الشديد الذي يجعلها تتمنى الموت ولا تراه. قال بقسوة وغل والحقد يسير بدمه: "حبيت مين دا أنا هشرب من دمها.. مش هموتها كده بالساهل.. لازم تتعذب، تتعذب زي ما أنا اتعذبت." أكمل بقهر وداخله يخطط أن يجعلها تشعر بذلك الشعور الذي لازمه طوال حياته بسبب والدها ووالدته! أليس من العدل أن تشعر هي الأخرى مثله! "لازم تتمنى الموت على إيدي.. لازم تحس باللي حسيت بيه بسبب أبوها.. لازم تشوف الويل مش تموت كده بالساهل."
ردد بكره وقسوة وهو يجلس على الأريكة تحت بصر والده الذي يرى الانتقام والعنف يشعان من عيني ابنه: "مش بالساهل أبدًا." *** أتت اللحظة الحاسمة، بعد كثير من الوقت الذي مر عليها في الغرفة تتحضر إلى ليلتها الأولى وبداية دخولها عش الزوجية، بعد أن أصبحت أجمل عروس على الإطلاق قد يراها أي شخص.
انبهر الجميع بها وبمظهرها الخلاب بعد أن انتهت من كل شيء ووقفت أمامهم عروس ملاك خارجة من الجنة، ذهب الفريق الذي كان معها خارجين من الغرفة إلى الأخرى، لن يذهب منهم أحد حتى إذا احتاجت لهم تلقاهم. دلفت "هدى" ومعها والدتها والاثنتين عندما وقعت عينيهما عليها حل عليهم الانبهار الفظيع، لقد ظهر ذلك على ملامحهم بوضوح ورأت كأن الصاعقة حلت عليهم. اتسعت عيني زوجة عمها وهي تقترب منها بلهفة قائلة بحنان وقلق:
"بسم الله ما شاء الله.. يغذي العين قول أعوذ برب الفلق." تقدمت من خلفها "هدى" ناظرة إليها باتساع كوالدتها تهتف: "ايه ده يا سلمى ما شاء الله ولا شوفت ولا هشوف عروسة في حلاوتك يا بخته عامر والله." كانت تعلم أن مظهرها رائع لقد انبهرت هي نفسها بعد أن تجهزت، تعلم أنها ملامحها بريئة وجميلة ولكن زينة الزفاف الهادئة والثوب وكل ذلك جديد عليها فظهرت به في أحسن صورة. تسائلت تنظر إليهم بتوتر: "بجد؟ أجابتها "هدى" بثقة وتأكيد:
"آه والله العظيم." تسائلت ثانيةً تتابعهم بعينيها: "فين عمي؟ عقبت على سؤالها زوجته تشير إلى الباب: "واقف مستنينا على آخر الطرقة عند السلم.. والفرح مليان معازيم من كبارات البلد." أردفت بنبرة قلقة وعينيها تلتفت من هنا إلى هنا: "الحراسة واقفة واللي بيدخل بالكارت بس صح؟ أومأت إليها "هدى" وقالت: "يلا بينا عامر وبابا والناس مستنية." تحركت "سلمى" خطوة للأمام فاوقفتها زوجة عمها وهي تضع يدها فوق رأسها قائلة:
"استني لما أقرأ عليكي قرآن أخاف من الحسد." وقفت "سلمى" مبتسمة تبادلها "هدى" منتظرة أن تنتهي زوجة عمها مما تفعل.
لحظات ثم انتهت وأخذتها تسير بها إلى الخارج، ذهبت بالرواق المؤدي إلى درج السلم والذي يقف في بدايته عمها لكي يأخذها ويسلمها بيده إلى ابنه الذي أوصاه عليها في الأمس وسيفعل اليوم أيضًا. لم يكن معها أي شخص آخر سوى زوجة عمها وابنته، لم تفلح يومًا في تكوين صداقات قوية على الرغم من أن الجميع يتمنى ذلك، ولكن لم تستطع هي فعلها كانت فقط لديها صديقة قامت بتخريب حياتها.
وقفت أمام عمها الذي وصلت إليه وعندما نظر إليها تتالت الدموع خلف بعضها من عينيه وهو يراها بتلك الهيئة الفاتنة التي تخطف الأنفاس. ذكرته بوالدها، شقيقه ورفيق عمره الذي ذهب وتركه وحده وترك له أمانه في رقبته إلى يوم أن يذهب إليه، وكم كانت هذه الأمانة رائعة جميلة مطمع للجميع. أخذها في عناق طويل وهو يبكي كثيرًا ويهتف معترفًا بجمال صنع الله بها: "سبحان الخالق.. سبحانه يا سلمى." قالت مازحة والدموع ترفرف بعينيها الزيتونية:
"عمي أنا هعيط والميكب آب بتاعي هيبوظ." ابتعد عنها ضاحكًا ثم مسح على وجهه يزيل دموع عينيه ونظر إليها: "لأ وعلى إيه.. ألف مبروك يا حبيبتي." ابتسمت إليه وبادلته كل الحب الذي يلقيه عليها قائلة: "الله يبارك فيك."
سارت زوجته وابنته في الخلف وهبطت هي من أعلى الدرج تتأبط ذراع عمها "رؤوف" مرتدية ثوب زفافها الأبيض ذو المظهر الرائع الخلاب، يلمع من الأعلى إلى الأسفل وكأنه مرصع بحبات اللؤلؤ والماس، يتناسب مع قوامها الممشوق يلتصق عليها ضيق من الخصر يظهر قوام جسدها جيدًا ويهبط فقط من الأسفل باتساع طفيف يلتف حولها على الأرضية بطوله الملحوظ، ومن جانبيه مع ظهره من الخلف طبقة أخرى رائعة المظهر تعطيه الشكل المنفرد من الخلف بشدة، ذراعيه من القماش الشفاف اللامع كما مقدمة صدره، يعلو خصلات شعرها الذهبية طرحة الثوب الأبيض الذي تهبط من فوق رأسها إلى الأرضية بشكل دائري رائع.
كل هذا وأكثر تحت نظرات العاشق الملهوف الذي يقف في نهاية الدرج ينتظر إياها تأتي إليه، كل هذا وأكثر مؤثرًا على عينيه، لقد رأى عروسه ولكنها خارجة من الجنة متنكرة في هيئة أجمل ملاك متواجد بها. عينيه رأت خصلات شعرها الذهبية، متى فعلت ذلك؟ متى قامت بتغير لون خصلاتها إلى الذهبي المفضل إليه؟ تركت العنان لخصلاتها في الخلف مع دبوس شعر به لؤلؤ وماس كما الفستان يسلب أنفاسه منه.
يعلم طوال حياته أنها لا مثيل لها بجمالها الطبيعي والخلاب ولكن إلى هذه الدرجة؟ قلبه هكذا لن يتحمل! لقد بدت رائعة المظهر، جميلة وبريئة، كيف له أن يكون قاسٍ على ريشة بريئة كهذه؟
كيف له أن يفعلها. هي الأخرى تهبط الدرج وتنظر إلى وسامته، شعره الأسود اللامع المصفف بعناية، ذقنه النابتة الذي لا يقوم بحلاقتها فقط عدل عليها، هيئة ككل وبدلته السوداء الرائعة عليه، لم يكن هذا جديد بل هو هكذا دائمًا، وسيم ورائع وفارع الطول لن تنسى هذا. وصلت إليه ووقفت امامه مع والده، نظرت إليه تبتسم بخجل وكأنها فهمت كل ما يقوله داخلها، لقد أطال النظر بها حقًا. استمع إلى والده يقول بجدية:
"سلمى معاك يا عامر مش هوصيك عليها أنا قولتلك كل اللي عندي امبارح." نظر إليها بانبهار ومازال في حالة تخبط من هيئتها ثم عاد إليها مقتربًا منها يقبل أعلى رأسها بحنان بالغ وشغف لا نهائي يدعوه لترك الزفاف الآن، أردف بصوت مبحوح داخله: "سلمى في عيوني."
أخذها من ذراعها بعد أن أعطاها باقة الورود البيضاء التي كان ينتظرها بها ثم ذهب بها ليدلف إلى قاعة الزفاف الكبيرة والشاسعة، ومن هنا بدأ العرس وليلة الزفاف الرائعة تحت أصوات الموسيقى والأغاني التي تعبر عن كل لحظة تمر عليهم مع فرحة الجميع وسعادتهم.
لقد كانت القاعة في أكبر الفنادق في البلدة، مرتبة ومنظمة وهيئتها رائعة بها ورود ومفروشات وأضواء لا مثيل لها، حتى الطاقم المتواجد بها رائع ويؤدي واجبه بحب، لم يكن بها أي شيء ملحوظ تستطيع أن تقول لقد غفلوا عنه.
لحظات تمر والأخرى عليهم والجميع في حالة سعادة لا نهائية، كل المتواجدين هنا من الأهل الأحباء والأصدقاء والمشاركين لهم في عملهم، لم يقوموا بدعوة فرد واحد يعلمون أنه لا يكن لهم الحب وللحق كان لهم التوفيق في ذلك. كل من هنا سعيد لأجلهم. إلا شخص واحد!
رأتهم وهم يقفون وتمسك بيدها تعدل معها ثوب زفافها وأخذها إلى ساحة الرقص لتتراقص بين يده مقتربة منه على أصوات الموسيقى الهادئة التي تدلي بالكلمات الرومانسية وهي تدندن معها وتنظر داخل عينيه وتلمسه بكل حرية وهو يفعل المثل بعد أن قاموا بعقد قرانهما قبل لحظات.
كانت "جومانا" الوحيدة التي تتابع ما يحدث بحزن شديد، وحرقة قلب لم تشعر بها إلا عندما تعرفت عليه وأحبته. هو من أخلف كل ذلك بها ولكنها لن تصمت، لن تترك حبها يذهب هكذا لو مهما كلفها الأمر، لن تخرب حياته وتكسر سعادته فقط ستجعله يحيي سعادتها هي الأخرى. وهو يرقص معها ويده تلامس خصرها محاوطًا إياها رفع عينيه البنية الملهوفة عليها يقول: "شكلك خطفني.. مشوفتش ولا هشوف عروسة بالجمال ده." ابتسمت بخجل وكأنه أول مرة يغازلها
وقالت متابعة عينيه: "أنت كمان شكلك عريس بجد." تناسى كل ما كان يهتف به ورأى نفسه يريد قول هذه الكلمات والآن: "سلمى أنا عايز أنسى كل اللي فات، كأنه محصلش كأننا لسه زي ما إحنا وده معاد فرحنا من سنتين.. أنا بحبك أوي يا سلمى." اتسعت ابتسامتها بقوة ولمعت عينيها بتلك المبادرة الذي خفق لها قلبها وقالت: "أعتبرني نسيت يا عامر.. أنا كمان بموت فيك."
لحظة فقط كان ينظر إليها بها ومن بعدها وجدت نفسها في عناق حاد يكاد أن يكسر أضلاعها ومن خلفه أخفى صوت التصفيق الحار صوت الموسيقى العالية. ابتسمت بسعادة شديدة وبادلته العناق متناسية كل شيء قد حدث سابقًا. ***
دلف خلفها من باب الجناح الخاص بهم، الذي كان مجهز منذ عامين لاستقبالهم فيه كزوجين، انتهى العرس الذي خطف أنفاس الجميع، لقد كان مجهز على أعلى مستوى وهو من حرص على فعل ذلك، لقد كان عرس رائع بكل ما تحمل الكلمة من معنى، بداية من المكان الذي كان أكبر فندق في البلدة، وتصميم القاعة والتجهيزات المتواجدة بها، وما جعل العرس أجمل وجودهم مع بعضهم البعض وظهورهم في أحسن صورة.
وقد حدث كل ذلك بعد أن تأكد من براءتها وعلم أن كل ما حدث كان مجرد خطة قذرة رسمت من قبل صديقتها وابن عمها ليفترقوا عن بعضهم ولتكن هي وحدها منفصلة عنه، لتقترب منهم ولينالوا ما أرادوا منها.
وقد علمت هي الأخرى أنه بريء ولم يخونها، لم يفعل أي شيء وحاول طيلة الوقت أن يجعلها تتفهم ما الذي تفعله صديقتها من خلفها لكنها لم تستمع إلى حديثه. إنما الآن كل شيء اختلف وعادت الأمور إلى طبيعتها وأفضل من السابق، الاختلاف الوحيد هو عدم وجود عائلتها معها ولكن كان هذا قضاء الله ولا تستطيع الاعتراض عليه. رحمة الله عليهم.
أغلق باب غرفة النوم بعد أن دلف إليها معها، استدارت تنظر إليه مرتدية فستان عرسها الرائع عليها، مظهره يخطف الأنفاس مع جمالها الغير طبيعي بالمرة بعد أن أعادت لون خصلاتها الطبيعية مرة أخرى وأصبح لونها ذهبي.
بعينيها كانت تلقي عليه النظرات المصاحبة للخجل المُميت خصوصًا بعد تصالحهما معًا وعودة الأمور إلى طبيعتها واعترافهم بالحب لبعضهم من جديد، اخفضت عينيها الزيتونية عن خاصته إلى الأرضية بخجل واضح وابتسامتها مهزوزة ولكنه رأى القلق واضح أكثر من كل شيء على ملامحها الرقيقة.
أقترب منها بخطوات ثابتة وعيناه عليها لم تتحرك، وقف أمامها وأمسك بيديها الاثنتين بين يديه، عينيه تهتف بالحب الموجود داخله لها، ملامحه توزع تبسمات رائعة خلابة إليها. حمحم بخشونة ثم ضغط على يديها الاثنين محركًا شفتيه وعيناه البنية عليها قائلاً بحنان مبالغ فيه: "ألف مبروك يا بطل.. أخيرًا بقيتي ليا وبرضاكي." ارتعشت شفتيها المكتنزة وهي تجيبه قائلة وعينيها تنظر في الأرضية: "الله يبارك فيك.. مسمعتش يا بطل دي من زمان أوي."
ترك يد من يديها الاثنين وقدم كف يده إلى وجهها أسفل ذقنها ليرفعه إليه ويجعلها تنظر إليه بعينيها دون خجل وبحنان خالص وشغف لا نهائي ناحيتها: "اتعودي عليها بقى من يوم ورايح." ابتسمت بخجل وقلق أكثر منه، وخوف أتى من بعده لتقع في موقف لا تحسد عليه، زقزقة عصافير بطنها وهي تراه يقترب منها ويده مازالت تتمسك بوجهها. زحف الخوف ببطء إلى قلبها وتربع داخله، القادم لا تطمئن له!
ترك يدها وعاد بيده اليسرى إلى خلف خصرها يتمسك به ضاغطًا عليه مقربها منه ويده اليمنى مازالت تتمسك بوجهها ليجذبها ناحيته أكثر، استنشق عبير أنفاسها الساخنة التي تخرج بلهث لا يدري ما سببه. أقترب منها بشفتيه واضعًا إياهم على خاصتها بحنان ورفق، بشغف وجنون وكل الكلمات متضادة في ذلك الموقف. قلبه لا يطيق الانتظار وجسده يحترق شوقًا للمساتها الحنونة الذي حُرم منها منذ زمن. لن يستطيع أن يكون هادئ أكثر من ذلك.
أقترب منها بلهفة عاشق قتله الانتظار للتمتع بأحضانها وقربها منه، أقترب بشغف مجنون عاش بعيدًا عن حبيبته في حين أنه كان يحترق بالنيران المُلتهبة وهو يراها أمامه ولا يستطيع الاقتراب وكأنها منطقة محظورة. لحظات وأخرى مرت، أخرى وغيرها مرت، أصبحت دقائق وخلفها دقائق لتكون وقت ليس بقليل أبدًا، نهش القلق قلب الاثنين، بل كل منهم وضع قلبه على كف يده في الانتظار المحكوم عليه بالإعدام قبل بداية العد.
بعد كل هذا كان "عامر" يقف في شرفة الغرفة بعد أن ارتدى بنطال بيتي وقميص داخلي فوقه، بيده سيجارة لا يعلم ما عددها أهي الخامسة أم السادسة التي لا تأخذ دقيقتين بيده وتنتهي! عينيه كان الشرر يتطاير منها، قلبه مطعون بخنجر ليس بحاد ولم يكن خنجر من الأساس بل كان سيف من السيوف الذي تستخدم في الحروب، تأتي على رأس الشخص من بعيد تحتم عليه بالقتل.
الغضب أعمى عيناه والكره احتل قلبه المقتول، أصبح السواد يملؤه وبشدة إلى نهايته، رجولته مطعونة كقلبه تمامًا، واسمه مدوس بالأقدام الموسخة. ألقى السيجارة الأخيرة على الأرضية أسفله ودعسها بقدمه دون أن يكون مرتدي حذاء بها، لم يشعر بحرقة أو جرح في قدمه بل شعر بالحرقة هذه في قلبه، وقف شامخًا، بجسد متشنج ووجه مكفهر غاضب بشدة، ملامحه الآن ملامح مجرم قاتل لا مثيل له.
استدار ودلف إلى الغرفة بعينين سوداء ليست بنية، حادة قاتلة، وقف أمامها بثبات وهدوء ورآها مرتدية روب أبيض اللون! كان من المفترض أن يكون أسود كالذي سيحدث الآن. خفضت وجهها في الأرض وتبكي بقوة كان يستمع إليها في الخارج ولكن هذا لن يغفر لها، أقترب منها ببطء وهدوء ما قبل العاصفة، إلى أن وقف أمامها بجوار الفراش، أمسك بذقنها وجعلها تستدير بوجهها إليه ليرفعه ناظرًا إلى عينيها ثم قال بجدية شديدة وقسوة لا نهائية:
"مش قولتلك لو اكتشفت إنك كدابة هاخد روحك؟ ولا أنتي مكنتيش مصدقة إني أعملها! نظرت إليه بعينيها الباكية المقهورة مما حدث، تبكي وتنتحب بقوة وشفتيها ترتعش بل جسدها بالكامل يرتعش خوفًا منه وهو ليس هينًا أبدًا هذه المرة. جعلها تنظر إليه وفي لحظة صمت لا يستمع بها إلا لشهقات بكائها لطم وجهها بكف يده بقوة شديدة جعلتها ترتمي بجسدها على الفراش، فازدادت في البكاء أكثر وهتفت بقهرة وخوف وقلبها يرتعد منه:
"وأقسم بالله ما عملت حاجة.. والله مخونتكش يا عامر صدقني." يضحك بسخرية شديدة وتعالت ضحكاته في الغرفة وهو يجذبها من ذراعها مرة أخرى قائلاً بحرقة: "أصدقك آه.. اومال لو مكنتش اتأكدت بنفسي كنتي هتقولي إيه؟
مرة أخرى هبط على وجهها بصفعة غير الأولى فصرخت بعنف وخوف شديد وهي تبتعد عنه زاحفة بجسدها إلى الناحية الأخرى من الفراش وصوتها يعلو ببكاء حاد لكنه لم يستمع إلى كل هذا ولم يراه هو فقط الآن يراها وهي تخونه وتلقي شرفه وعرضه في أحضان ذلك الحقير القذر التي تركته وركضت إليه. استند بقدمه اليمنى على الفراش وأقترب منها جاذبًا إياها من خصلات شعرها القصيرة التي تغير لونها إلى ما يحب ولكنه كاد أن يقتلعها بيده وهو
يجذبها بعنف وقسوة شديدة: "تعالي.. قولتلك هقتلك ولا لأ؟ هاتك بخصلاتها بيده بشراسة وهو يجذبها إلى أسفل الخلف كي يستطيع رؤية وجهها بوضوح، ورمت وجنتها من أثر صفعاته، رآها تبكي بعنف شديد للغاية وتنتحب أكثر والخوف على ملامحها يحكي بكل ما أخفته عنه، لقد كان مظهرها يثير له. صفعها مرة أخرى بيده بقوة وأخرى خلفها تحت صراخاتها ويدها التي تحاول إبعاده عنها وصوتها الذي يستنجد بأي أحد ولكن لا يوجد.
خرجت الدماء تسيل على جانب وجهها من شفتيها المكتنزة بغزارة واختلطت مع دموع عينيها الباكية بارتعاش.
دفعها للخلف فاصطدم ظهرها بالفراش تنام عليه، ظهرت ساقيها من ثوبها الذي لم تحكم إغلاقه ولكن هذا لم يكن إغراء بالنسبة إليه فهو يشعر بالنفور منها، نظر إليها، إلى رعبها منه وخوفها الظاهر بقوة، واستمع إلى حديثها الذي يكذب ما حدث منذ قليل ولكنه الآن في حالة اللا وعي، نظراته كانت ثابتة حادة عينيه عليها بقوة لم تشفق على أي مما صدر منها.
أقترب ينحني فوقها ثم في لحظة لم يشعر بها إلا بشراسة حبه وقسوة غرامة عليها لف يده الاثنين حول عنقها كالسابق ولكن هذه المرة لن يستفيق سيفي بوعده ويقتلها. سيغسل عاره بيده الاثنين هذه. سيجعلها تصعد إلى بقية عائلتها فهو لا يحتاج إليها بعد الآن، توسلته وصرخت كثيرًا إلى أن ضاعت أحبالها الصوتية، حاولت بيدها المرتخية أن تبعد يده عنها.
نظراته نحوها لم تكن حزن أو عتاب كما المرة السابقة بكل كانت كره خالص. كراهية لا مثيل لها ولم تراها بعينه سابقًا، شراسة وقسوة لم تتعامل معهم من قبل هذه المرة الأكثر عنفًا على الإطلاق. لم تستطع فعل أي شيء معه، ذهب صوتها بعد البكاء والصراخ، جفت الدموع من عينيها واقتربت النهاية، ارتخت يدها كليًا ووقعت جوارها على الفراش، انقطع نفسها في لحظة واحدة لم تكن اثنتين. وبقيت عينيها مفتوحة على وسعها كما هي دائمًا.
هنا انتهت "سلمى القصاص" زوجة "عامر القصاص" هنا انتهى الحب الذي كان بينهم. انتهت العلاقة السامة التي كانت تجمعهم سويًا. انتهت وهو متأكد من أنها خائنة دنست حبهم وقتلت البراءة داخلها بقذارة أفعالها. نظر إليها بعينين دامعة خائفة، عاد للخلف بخوف وارتعاب مما قد حدث، أيعقل أنه قتلها؟ قتل حبيبته؟ زوجته؟ قتل "سلمى" مناه الوحيد من الدنيا، ضرب وجنتها بيده بخفة وهو يهتف باسمها بخفوت والرهبة تقتله بعد أن دق قلبه بعنف: "سلمى!
سلمى؟ أنا مكنش قصدي.. سلمى قومي." يحاول معها كثيرًا ولكنها أمامه جثة هامدة، تنام على ظهرها عينيها متسعة مفتوحة إلى آخرها وقد توقف قلبها عن النبض وهو سلب منها أنفاسها، وجهها متورم من ضربه لها والدماء على جانب وجهها، والدموع على جانبيها تترك أثر يقتله.
تركها وعاد للخلف بجسد يرتعش، وقف على قدميه على الأرضية ولكنها لم تحمله فوقع على الأرضية جالسًا عليها ينظر إليها بعتاب خالص وخوف ورهبة، بحب وعشق، ينظر إليها بندم وقهر. حرقة قلب لرجل عاشق خانة الحب ومن حبه. خرجت الدموع من عينيه وكانت هذه المرة الثالثة والمتسبب الوحيد بها هي كسابقها. جلس ينظر إليها باكيًا بصوت ارتفع عاليًا ليملأ المكان من حوله، انتحب بعنف وقوة وتتالت شهقاته القاسية العنيفة وهو يهتف:
"ليه يا سلمى ليه.. أنا كنت بحبك أكتر من نفسي.. ليه." ارتفعت شهقاته وازداد بكائه وهو ينظر إلى جثة حبيبته التي وعدها بالقتل وقد قام بتنفيذ وعده، كانت علاقتهم سامة ولكن الحب بها عميق، قتلهم الحب، قتلهم الحب وأبعدهم الفراق وابتعدت الأرواح عن بعضها لأسباب غريبة لا يصدقها أحد. ماتت "سلمى القصاص" على يد زوجها وحبيب عمرها، سارق أحلامها "عامر القصاص" وكتبت بالجرائد جريمة "ومن الحب ما قتل".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!