"انت فعلًا طلبت من فرح تمشي و تسيب البيت؟ هذا كان استفهام «أمينة» الغاضب حين اقتحمت الغرفة دون أن استئذان. ولكنه لم ينتبه سوي لحديثها الذي جعل جميع خلاياه تتحفز وقال بنبرة مستنكرة: "تمشي وتسيب البيت؟ مين قالك كدا؟ "محدش قالي. دخلت الأوضة لقيتها منهارة وبتلم هدومها وماشيه. أما سألتها قالت إنك قولتلها كدا." وثب قائمًا من مكانه وقد غلف الغضب عينيه ولون تقاسيمه. وصدح صوته في أرجاء الغرفة وهو يقول بحدة: "إيه التهريج دا؟
ما أن خطى خطوتين باتجاه باب الغرفة حتى تسمر بمكانه إثر سماعه صوت صراخها الذي اخترق أعماق قلبه. الذي كان يسبق خطواته المتلهفة التي حملته إليها بسرعة البرق. فقام بدفع باب الغرفة ليتفاجئ بها تقف أمامه بجسد مرتجف وعينين تمطران ألمًا. فهرول إليها يحتضن كتفيها بيديه وبصوت يحمل اللهفة والقلق معًا خاطبها: "إنتِ كويسة؟ حصل إيه؟ تشابهت رجفة جسدها مع شفتيها حين قالت: "عمو وفيق مات! تحدث بنبرة يشوبها التعاطف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. البقاء لله يا فرح."
تسابقت عبراتها في الانهمار على وجنتيها. وقامت بخفض رأسها. فشعر بقلبه ينشق إلى نصفين حين رأى الوجع يهزمها بهذا الشكل. فتجاهل كل شيء ونحى خلافهم جانبًا جاذبًا إياها لتستقر بين أحضانه ملجأها. الذي ما أن لامست دفئه حتى انخرطت في نوبة بكاء عنيفة. استقبلها صدره بكل رحابه حتى أنه صار يهدهدها كطفل صغير. إلى أن هدأت عواصف الألم بقلبها وأفرغت سحبها كل ما تحمله من أوجاع. فقام برفع رأسها وهو ينظر إلى عينيها التي لونت خضرتها بدماء الحزن. الذي كان أضعفه بقلبه. فقام باحتواء وجهها بين
يديه وهو يقول بنبرة رقيقة: "وحدي الله يا فرح.. محدش فينا له في نفسه حاجة." لم تكن كلمات عاشقة بقدر ما كانت حانية. لامست أوتار قلبها الذي استعاد ذكرياته المريرة من آلام الفقد واللوعة التي تجلت بنبرتها حين قالت: "ونعم بالله." احتوت يديه خصرها وهو يقول بحزم: "تعالي."
تركت له نفسها فهو خير من يؤتمن عليها. فدلف بها إلى الحمام وقام بفتح الصنبور. ومد يديه وأخذ يبلل وجهها بأنامل حانية كانت تخشى عليها من نسمة الهواء. فقد كان يصب الحنان على قلبها صبًا. بالرغم من أنه لم يتحدث ولكن أفعاله كان لها وقع البلسم على وجعها الذي لا يسكنه سوى وجوده. "غيري هدومك.. وجهزي شنطتك عشان نلحق نحضر الدفنة." برقت عينيها حين سمعت كلماته التي لا تقبل الجدال. فخرج سؤالها مندفعًا من بين شفتيها:
"إنت هتروح تعزي؟ انكمشت ملامحه تعبيرًا عن استنكار لم يتخطي حدود شفتيه. بل إنه تخطاه حين قال بخشونة: "يلا اجهزي مقدمناش وقت كتير. وأنا هخلي الجماعة يجهزوا على ما أحجز تذاكر الطيران."
كان هذا آخر ما تفوه به قبل أن ينخرط في دوامة انشغالاته لكي ينهي الأعمال المتراكمة عليه قبل أن يذهبوا إلى هناك. فلم تره سوى بعد مرور ساعتين حين كانت تستقل الطائرة برفقة «أمينة» و «مروان» و «سليم» و «جنة». التي كانت حزينة من أجل ذلك الرجل الذي لا زالت تتذكر ملامحه منذ أن رأته وهي تغادر مع أسرتها. والتي لا تشبه تلك الصورة المؤلمة التي رأته بها آخر مرة حين ذهبت إلى مزرعته للعيش بها.
شعرت بيد قوية تطوق كفها برفق. فألتفتت لتجد «سليم» الذي خاطبها بلهجة خافته: "براهنك على الحصان الخسران على فكرة." كانت تعلم المغزى خلف كلماته ولكنها آثرت المراوغة. فقالت مدعية عدم الفهم: "تقصد إيه؟ كان يرى داخلها بوضوح. ولكن قرر مجاراتها حين قال بخشونة: "الحصان اللي كنتِ عايزة تخرجي بيه الصبح ضعيف. مش قد كدا.. لو كنتِ قولتيلي كنت جبتلك حصان أحسن. على الأقل ابقى ضامن إنه ميوقعكيش."
كان لحديثه معانٍ مبطنة تختلف كليًا مع ظاهره. ولكن لعبته أعجبتها. وقررت أن تذهب معه حتى النهاية. إذ قالت بخفوت: "اصل انت مكنتش فاضي. ومحبتش أشغلك بحاجات تافهة." "اشغليني بعد كدا." قالها آمرًا. فحاولت قمع ابتسامة أضاءت عينيها في تلك اللحظة. فالتفتت تناظره بخجل تجلى في نبرتها حين قالت: "افرض كان عندك شغل أو…" "هفضي نفسك حتى لو ورايا إيه. مش هيكون أهم منك."
كان تصريحًا تاقت إلى سماعه. بالرغم من يقينها من أنه لن يتأخر ولو ثانية لتلبية ندائها. ولكنها كانت تشتاق لسماع ذلك دون أن تخبره ذلك صراحةً. فلونت حمرة جميلة خديها. الذي اشتهى تقبيلهم في تلك اللحظة. ولكن ليس أمام الجميع هكذا. ولهذا أراد مشاكستها قليلًا حين قال بنبرة خافتة بجانب أذنيها: "وعلى فكرة بقبل الهدايا وبموت في الرشاوي."
التفتت تناظره بصدمة تجلت على محياها بوضوح. مما جعله يتراجع إلى الخلف يستند برأسه وهو يحاول قمع ضحكته بصعوبة. حين أتاه صوتها المصدوم وهي تقول: "يعني إيه دا؟ ضيق عينيه وهو يقول بنبرة متهكمة بينما عينيه ترسلان نظرات عابثة: "يعني مثلًا أنا بحب كيك البرتقال أوي. وياسلام لو كان من إيديكِ الحلوة دي. يبقى كيك بالبرتقال والعسل. وتستغليني بقى. يعني معلومة كده. معلومة كده. هقر على طول."
أدارت وجهها إلى الجهة الأخرى غير قادرة على النظر إلى وجهه. فهي تعلم ماذا يقصد. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت لكلماته مفعول السحر على قلبها. الذي أخذ يدق بعنف. جعل الدماء تتدفق بقوة في سائر جسدها. الذي شعر هو برجفته. فقام بالتشديد من قبضته الممسكة بكفها وهو يقول بجانب أذنيها: "عدي الجمايل بقى." انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت: "تقصد إيه؟ كانت عينيه تحمل العبث بينما أجابها بنبرة هادئة:
"إحنا طايرين بقالنا ربع ساعة." شهقة كادت أن تفلت من بين شفتيها حين وصل إلى عقلها المغزى وراء حديثه. فهذا الماكر أخذ يتلاعب بالكلمات حتى يشغلها عن إقلاع الطائرة الذي تخشاه. فتعاظم الحنق بداخلها من مكره. فهي تعلم بأنه كان مستمتعًا بإرباكها. لذا قالت بجفاء: "ياريت تنام أحسن." أطلق تنهيدة قوية من أعماقه وهو يقول بتحسر: "هو طول ما إنتِ ورايا هشوف النوم." ***
بأقدام مرتعشة دلفت إلى الغرفة التي كانت مُعبأة برائحة الموت. حتى أن جدرانها كانت باهتة تشبه بهوت معالمها التي لونها الذعر. فهي بحياتها لم تر شخص فارق الحياة أبدًا. وكم كانت تخشى رؤية الجثث حتى في العروض السينمائية كانت تُدير رأسها. ولكن كما يقولون الحب يفعل المستحيل. فهي لم تستطع البقاء في الغرفة وتركه في هذه اللحظات العصيبة. وبأمر من قلبها الذي كان له سلطة قوية على سائر جسدها خطت إلى الداخل. وحين رأته يجلس منكف الرأس منحني الجزع تبدد كل شعور لديها. وحل محله الألم على رؤيته هكذا. وانتحب قلبها تزامنًا مع صوت بكائه المكتوم الذي شعرت به. فامتدت يدها تلامس كتفه برقة
تجلت في نبرتها حين قالت: "ياسين.. شد حيلك." خيط من السكينة بدأ بالتسرب إلى قلبه رويدًا رويدًا حين سمع صوتها. فقام بإرجاع رأسه للخلف. فإذا به يتفاجئ بها سندًا لوجعه الذي احتضنته ذراعيها. وطوقته بكل ما أوتيت من حب تجلى في نبرتها حين قالت: "أنا عارفة إنك بتتعذب. الفراق صعب.. صعب أوي. بس افتكر إنه دلوقتي مرتاح. مفيش ألم ولا وجع."
كلماتها هونت من وجعه قليلًا. فهي محقة. فقد كان يتألم بحق ولا يوجد سبيل للراحة. وكانت رؤيته هكذا تؤلم جميع من حوله. الآن هو هادئ وملامحه ساكنة. لأول مرة منذ زمن طويل يرى هذا السلام بادٍ على محياه. وهذا ما جعل وجعه يسكن قليلًا. ولكن ألم الفراق قاتل ينخر العظام ويذيبها. وخاصةً حين يأتيك بغتة دون أن تكن مستعدًا له. خرج صوته متحشرجًا حين قال:
"كان نفسي أودعه… آخر مرة شفته كان امبارح الصبح. قعد يبصلي كتير. كأنه كان بيودعني بس أنا مفهمتش.. لو أعرف مكنتش سبته." انخرط قلبها وجعًا على حديثه الذي ذكرها بمصابهم. حتى وإن كان شقيقها سيئًا. ولكنها كانت تحبه وافتقدت وجوده كثيرًا. ولكنها لم تفصح عما يدور بداخلها. بل قامت بتمرير يدها على ذراعيه بحركات دائرية صعودًا على كتفيه في محاولة لتهدئة عضلاته المتشنجة. وهي تقول بصوت عذب:
"محدش يعرف الغيب غير ربنا. وانت كنت دايمًا جنبه مسبتوش أبدًا. ودا عمره. ادعيله بالرحمة." خرجت الكلمات مُعذبة من فمه حين قال: "ربنا يرحمك يا بابا…" تزاحمت الذكريات بقلبها. فخرجت على هيئة أنهار جرت على خديها. فقامت بالانحناء واحتضان رأسه بذراعيها. وهي تقول بهمس بجانب أذنه: "عندي فكرة حلوة. إيه رأيك أجيب المصحف ونقعد نقرأ قرآن جنبه لحد ما ييجي معاد الغُسل."
كانت قريبة منه لا بجسدها فقط بل بقلبها. حتى أنه شعر بروحه تعانق روحها في تلك اللحظة. فقامت يديه باحتضان يديها والتشديد عليها تعبيرًا عن امتنانه. ثم قال بنبرة معذبة: "هاتي المصحف بتاعه. هتلاقيه في الرف التاني من الدولاب."
على مضض تركته يديها. فشعر بالجليد يحيط به. وكأن انسحابها عنه سلب دفء جسده. فصارت عينيه معلقة بها. إلى أن جلبت المصحف وجاءت بشال والدته المُلقى على أحد المقاعد. وقامت بلفه على خصلات شعرها المسترسلة على ظهرها. والتفتت لتجلس بجواره. وما هي إلا لحظات حتى خرج صوتها العذب وهي تقرأ آيات الذكر الحكيم. الذي كان له مفعول السحر على قلبه. الذي استكان وهدأ لدقائق. حين أتمت سورة البقرة. من بعدها ناولته الكتاب العزيز ليقول بتلاوة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم.
*** "يا بابا بقولك اتكلمت معاها وهي رافضه خالص حتى النقاش." هكذا صدح صوت «شيرين» في الهاتف. فأجابها «ناجي» بسخرية: "دا المتوقع منها عشان متعرفش حاجة. لكن أنا هثبتلها إن كلامي صح." زفرت بقوة قبل أن تقول بتحذير: "بابا لآخر مرة هسألك. كلامك عن طنط أمينة حقيقي؟ يعني أنا بصراحة مش مصدقة. حاسة إن في حاجة غلط. ولو فعلاً احساسي صح فأتأكد إني مش هساعدك في المخطط الحقير دا." صرخ «ناجي» بغضب: "حتى أنتِ يا شيرين مش مصدقاني!
مش مصدقة أبوكي؟ تراجعت «شيرين» وقالت بخفوت: "يا بابا كلامك مش معقول بصراحة. إزاي طنط أمينة كانت بتحبك. وهي من وهي صغيرة كانت مخطوبة لخالي زي ما قالولنا." «ناجي» بغضب:
"أمينة كانت بتحبني أنا. ولما لقت إن منصور نصيبه أكتر مني عشان أبوه معندوش غير ولدين وبنت وكدا نصيبه هيكون كبير من التركة. سابتني وراحت اتجوزته. وبعدها أنا حبيت أمك واتجوزتها. وأمينة كانت هتموت لما شافتنا سعدا ومبسوطين مع بعض. وهي اللي خططت ودبرت لكل إللي حصل عشان تطلعني خاين وتبعدني عن أمك. أمك اللي طول عمرها ماشية وراها مغمضة." تعاظم الغضب بداخلها بعد أن نجح الشيطان في إشعال نيران الفتنة بقلبها. فقالت بانفعال:
"يبقى ماما لازم تعرف كل ده. ولو معاك الأدلة زي ما بتقول يبقى توريهالها." «ناجي» بحنق: "أوريلها إيه وهي رافضة تسمع حتى اسمي! «شيرين» بتفكير: "سيب الموضوع دا عليا. أنا لازم أستغل فرصة إن محدش هنا وأخليك تشوفها." "حلو أهو أنتِ كدا بنت أبوكي بصحيح…" "النهاردة بالليل أنا هاخدها ونخرج كأننا رايحين نشتري أي حاجة. وهكلمك قبلها أعرفك هنتقابل فين بالظبط." التمعت عينيه بشر قبل أن يقول: "هستناكي."
أنهت مكالمتها وتوجهت للشرفة تستنشق الهواء النقي. فإذا بها ترى «ريتال» التي كانت تلهو في الحديقة. ولكن فجأة تسمر جسدها وكأن هناك صاعقة برق ضربتها. حين شاهدت أفعى سوداء تقترب من الطفلة ببطء. فلم تشعر بنفسها سوى وهي تصرخ بملء صوتها: "ريتاال حاسبي…" التفتت «ريتال» تناظر «شيرين» التي كان الذعر يجتاحها بقوة. دفعتها لأن تهرول إلى الأسفل وهي تصيح: "دادة نعمة. عم عبدو. انتوا فين؟
كان صراخها يرن في أنحاء القصر وهي تهرول إلى الحديقة. وفجأة سمعت صوت صرخة قوية كانت لـ «ريتال». فهوى قلبها رعبًا بين قدميها. وصاحت بذعر: "ريتاال…" شهقة قوية خرجت من جوفها لدى رؤيتها ذلك الظل الضخم لرجل كان يحتضن «ريتال» بقوة وبيده سلاح ناري. فتوجهت عينيها تلقائيًا إلى الأفعى الغارقة بدمائها. فطنت إلى أن ذلك الغريب قام بقتلها بسلاحه. ولكن كيف؟ فهي لم تسمع صوت لطلق ناري؟
تقدمت عدة خطوات مقتربة منهم. في البداية لم تتعرف إليه. ولكن ما أن أصبحت على بعد خطوتين حتى تفاجئت حين علمت هوية ذلك الضخم. فخرج صوتها مصدومًا: "طارق! ***
أخيرًا وصلوا إلى ذلك المنزل الكبير الذي اتشح بالسواد. فقد كان الحزن يحيط به من كل جانب ينعي فقيده الراحل. والذي رحل وترك خلفه قلوب تتعذب. كان على رأسهم «عبد الحميد» الذي لون الحزن ملامحه التي بدت أكبر بكثير من سنوات عمره الخمس والسبعون. فتبدل من ذلك الرجل القوي الصارم الذي يهابه الجميع إلى آخر أحنى الوجع قامته وهدم جبال صلابته. فحين وقعت عيني «سالم» على مظهره تأثر كثيرًا وشعر بالتعاطف معه.
"شد حيلك يا حاج عبد الحميد.. البقاء لله." هكذا تحدث «سالم». فأجابه «عبد الحميد» بنبرة حاول أن تكون ثابتة: "الدوام لله.. تعبت نفسك يا سالم بيه." «سالم» بخشونة: "ولا تعب ولا حاجة. إحنا أهل.. البنات جوا مع الحريم ومعاهم الحاجة." «عبد الحميد» بتأثر: "فيها الخير.. منجيلكوش في حاجة عفشة."
التفت «سالم» يناظر «عمار» الذي كان وجهه مكفهرًا والغضب بادٍ على محياه وينبعث من نظراته. وكانت هذه طريقته في التعبير عن غضبه. فقام «سالم» بمد يده يصافحه وهو يقول بفظاظة: "البقاء لله." كانا رجلين صالحين. ولكن فواجع أقدارهم هي من جعلتهم يومًا خصمين. والآن لم يكن يتوقع «عمار» أن يأتي أحد لحضور مراسم العزاء. فإذا به يتفاجئ بالجميع. ومن بينهم ذلك الذي ظنه خصمه ذات يوم. فمد يده يصافحه بخشونة تجلت في نبرته حين قال:
"الدوام لله… جيت يعني؟ «سالم» بفظاظة: "وإيه اللي مش هيخليني آجي؟ إحنا أهل وبينا نسب لو ناسي! لم ينسى. ولكنه كان دائمًا مندفعًا يصيب الآخرين بسهام ظنونه السيئة. ولكن مؤخرًا بدأ بالتعرف إلى طباعه الخاطئة. وإن لم يكن قد أخذ القرار بتصحيحها بعد. "لا منسيتش.. اتفضلوا."
في الداخل التفت الفتيات حول «تهاني» التي كانت تبكي بحرقة وهي تتجهز لفراق زوجها الغالي ورفيق دربها. الذي وبالرغم من مرضه الشديد إلا أنها كانت ترفض وبشدة فكرة خسارته. وحين استيقظت صباحًا شعرت بشيء سيئ جعل قلبها ينقبض. فالتفتت متلهفة إلى مخدعه تريد الاطمئنان عليه. فإذا به تجد وجهه ساكنًا يلون السلام معالمه. فشعر قلبها بأن تلك الراحة البادية على ملامحه هي علامة الموت.
لم تصرخ ولم تصيح. فقط اكتفت بعبرات حارقة خرجت من أعماق قلبها وهي تخبر ولدها بالخبر المشؤوم. وداخلها يحترق حزنًا على وجعه الذي لم يستطع إخفاءه عن عينيها. فأخذت تبكي الحي والميت وهي تتضرع إلى الله عز وجل أن يلهمهما الصبر والسلوان على مصابهم. "شدي حيلك يا طنط." هكذا تحدثت «فرح» وهي تربت على كتف «تهاني» بمواساة. فأجابتها الأخيرة بخفوت: "الشدة على الله يا بتي."
بينما لم تستطع «جنة» الحديث. فقد كانت تشعر بالاختناق من أصوات البكاء ومظاهر الحزن حولها. فشعرت بالدوار يلفها. فاقتربت منها «فرح» قائلة بقلق: "جنة أنتِ كويسة؟ أومأت برأسها دون حديث. ولكن كان وضعها يزداد سوءًا. ف قامت «فرح» بجلب هاتفها والاتصال بـ «سليم» الذي ما أن رأي اسمها على الشاشة حتى أجاب بلهفة: "في حاجة يا فرح؟ "جنة تعبانة…" لم تكد تنهي «فرح» جملتها حتى هب واقفًا متوجهًا بأقدام مرتعبه إلى الخارج وهو يقول بلهفة:
"إنتوا فين؟ "إحنا في البيت جوا مع الحريم. أنا هسندها ونطلعها لحد فوق." أجابها بحزم: "أنا مستنيكِ بره قدام الباب." أنهت جملتها واستأذنت من «تهاني» التي لم تعارض. وقامت بإسناد «جنة» إلى خارج الغرفة. ف لمحها ذلك الذي كانت كل خلية به ترتعب خوفًا عليها. وخاصةً حين رآها مستندة على كتف «فرح». فساقته خطواته الفهدية إليها. وما أن وصل قربها حتى امتدت يديه تحاوطها بلهفة تجلت في نبرته حين قال: "جنة."
كان يتحدث ويد تحيط بخصرها. والأخرى تربت بخفة على ملامحها. فرفرفت برموشها وهي تهمس باسمه: "سليم." لم يحتمل قلبه همسها المتعب. وقام بثني ركبته ووضع يده الأخرى خلف ظهرها وحملها بخفة. وهو يوجه حديثه لـ «فرح»: "اطلعي قدامي وريني الأوضة بتاعتها." أطاعته «فرح» بصمت. وما أن وصل إلى الغرفة حتى وضعها برفق فوق المخدع. وهو يقول بنبرة ترتجف ذعرًا: "خليكِ جمبها وأنا هكلم الدكتور ييجي يشوفها. شكلها ميطمنش."
ما أن أوشك على الانسلاخ عنها حتى تفاجئ بها تمسك بكفه تأبى تركه لها. وهي تقول بصوت متعب: "متسبنيش.. أنا خايفة." فعلتها تلك أضرمت النيران بأوردته. تمسكها به لجوئها إليه وتصريحها بذلك كانت أشياء لم يكن يتخيل حدوثها. وخاصةً في هذا الوقت. وبأمر من قلبه قام باحتضانها بقوة. وكأنه يثبت بالبرهان بأنه بجانبها ولن يتركها أبدًا. فرق قلب «فرح» وتسرب السرور إليها حين رأت ما حدث. وقالت بخفوت:
"خليك جمبها أنت.. هي تلاقيها تعبت من الجو العام. جنة طول عمرها بتهرب من المواقف دي ومبتتحملش. هخلي حد من البنات يعملها حاجة تهديها. وأن شاء الله هتبقي كويسة." لم يكن يملك قدرة على الحديث. فطاقته بالكامل كرسها في بث الأمان والطمأنينة في قلب تلك التي سكنت بأحضانة. وكأنه بيتها التي لا ملجأ لها إلا هو. ***
تمت مراسم الدفن وانقضى اليوم الطويل. ودلف «عبد الحميد» إلى الداخل. وخلفه حفيديه ورجال عائلة الوزان على رأسهم «سالم» الذي ما أن خطي إلى الداخل والتقمتها عينيه حتى تعاظم الشعور بداخله. واختلط عشقه بالحزن على ملامحها الزابلة. وخاصةً حين رآها وهي تعانق جدها الذي لأول مرة يراه منكسرًا بهذا الشكل. "البقاء لله يا جدو." "الدوام لله يا بتي."
تشابكت نظراتهم. وكأنها تخبره لقد خابرت هذا الشعور من قبل. بينما هو يعتذر عن كونه كان غائبًا وتركها تتحمل كل هذا بمفردها حين توفي والداها. تحمحم «عبد الحميد» بخشونة. وخرج صوته متحشرجًا حين قال: "انتوا تعبتوا النهاردة. خدي جوزك واطلعي عشان ترتاحوا."
رجفة قوية ضربت سائر جسدها حين سمعت كلمات جدها. وتلقائيًا تشابكت نظراتها مع خاصته. ولكنها سرعان ما نظرت إلى الجهة الأخرى إلى «أمينة» التي صافحت «عبد الحميد» وقامت بتعزيته. قبل أن تقول بنبرة شبه آمرة: "جدك عنده حق. خدي جوزك واطلعي ارتاحوا فوق يا فرح." لا تعرف ماذا تفعل. فالجميع يطالعها وهي عاجزة عن الحديث أو الحركة. فجاء صوته لينقذها من حيرتها إذ قال بخشونة:
"يالا يا فرح.. إنتِ تعبتي من السفر. بكرة الصبح ابقي اقعدي مع جدك براحتك." بدأ عذرًا مقبولًا لحيرتها وتخبطها الذي ظهر بقوة على ملامحها. بينما هي أطاعته بصمت. وداخلها سؤال ملح لا تعرف إجابته: "كيف ستنام معه بغرفة واحدة؟ دلف إلى الداخل وهي أمامه. وقام بإغلاق باب الغرفة وهو لا يتطلع إليها. فقد كان يعلم ما يدور بخلدها. لذا توجه مباشرة إلى الحقائب التي جاءت إلى هنا مسبقًا. وقام بإخراج ملابس النوم وهو يقول بخشونة:
"هدخل أغير في الحمام. خدي راحتك."
نظرت إلى باب الحمام الذي أغلقه خلفه. وقامت بسحب نفس قوي إلى داخل رئتيها. بينما ضجيج قلبها لم يهدأ. واختلط بذكريات سيئة تجاهد حتى تتغلب عليها. فقامت بجر قدميها حتى تصل إلى حقيبتها. وقامت بإخراج ثوب قطني باللون الكحلي يصل إلى أسفل ركبتيها. وكإنسان آلي أنهت تغيير ملابسها. وذهبت رأسًا إلى السرير. فلا تملك أدنى طاقة للحديث أو حتى النظر إليه دون أن تركض إلى أحضانه بكل ما تحمل من آلام وأوجاع تكالبت عليها.
حاولت التظاهر بالنوم حين سمعت صوت الباب يغلق. وفجأة برقت عينيها حين شعرت بثقله على السرير. فأخذت دقات قلبها تقرع كالطبول. وتنبهت جميع حواسها. وحمدت ربها أنها كانت تعطيه ظهرها ل ألا يرى وجهها الآن.
سكنت لثوانٍ غير قادرة حتى على التنفس. فهو قريبًا منها لدرجة لم تختبرها من قبل. بينما كان بعيد كل البعد عنها ومحرم عليها حتى الاقتراب منه. تكالبت جميع أوجاعها على قلبها. الذي كان في أضعف حالاته. فتقاذف الدمع من عينيها بغزارة. بينما كانت تحاول جاهدة ألا تخرج صوتًا يدل على مدى ضعفها واحتياجها إليه. ولكن القلب للقلب يحن والروح بالروح تشعر. خرج صوته الذي كان محشو بالحنان حين شعر بألمها وبكائها الذي تحاول كتمانه.
فهمس باسمها: "فرح." أخذت نفسًا قويًا تحاول منع نوبة انهيارها. ولكنه لم يعطها خيار. فشعرت بلمسته الحارقة على ذراعها. فلم تستطع الصمود أكثر. فقامت بالالتفات إليه وهي تقول من بين شهقات لم تفلح في كتمانها: "سالم. ينفع تاخدني في حضنك!
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدت ذراعيه تحيطها بكل ما أوتي من عشق. تجاهل لأجله كل شيء. حتى أن كبرياءه لم يصمد أمام ضعفها هذا. فصار يهدهدها برقة لم يتخيل أنه يملكها. بينما تعالي بكائها حتى صار نحيبًا. أخذ يتردد بين جنبات صدره. الذي كان يخفق بعنف تأثرًا بانهيارها. الذي كان أكثر من مؤلم له ولقلبه. ***
دلف إلى الغرفة وهي خلفه. فقام برمي ثقله على المقعد الذي اهتز قليلاً. بينما أرجع رأسه للخلف وهو يغمض عينيه بتعب نابع من قلب يتألم بشدة. وقد كانت تنتظره بعينين اختلط بهم العشق مع الأسى على حاله. فقامت بالاقتراب منه ومدت أناملها الرقيقة لتلامس جوانب رأسه. وهي تحركها بحركات دائرية أضفت بعض الراحة إلى ضجيج عقله. وهدأ ذلك الصداع المميت الذي كاد أن يفتك به. فارخت معالمه قليلاً. فجاء صوتها الحاني حين قالت: "أجهزلك الحمام؟
"لا." "طب مش هتاكل أي حاجة بردو؟ استفهمت بنبرة يائسة. تجاهلها وقال بصوت محشو بالوجع: "حلا. عايز أنام في حضنك."
أنهى جملته تزامنًا مع هطول دمعة يتيمه من طرف عينيه تحكي مقدار وجعه الذي فتت قلبها. فقامت بمد يديها وجذبته من يده. وتوجهت إلى السرير وجلست نصف جلسة. بينما فتحت ذراعيها مرحبة باحتضان وجعه. فارتمى بكامل ثقله بين أحضانها وهو يرتجف من شدة البكاء. الذي شاطرته إياه. فاختلطت عبراتهم كما تعانقت أرواحهم في تلك اللحظة التي لن تنسى أبدًا. فالقلب لا ينسى أبدًا تلك اليد التي انتشلته من بحور الألم وربتت على أوجاعه ولملمت شتاتها. وكانت ملجأه في أكثر لحظاته جزعًا.
*** جاء الصباح وانتصرت أشعة الشمس على دجى الظلام الذي خيم على القلوب التي أضعفها الألم وشوه معالمها الحزن. لولا وجود تلك اليد الحانية التي رممت أوجاع الماضي وحاكت بأناملها شقوق الروح لما كنا تجاوزنا. هكذا كانت تشعر وهي تنظر إلى نفسها في المرأة. فهي لولا انهيارها بين ذراعيه ليلة البارحة لما كانت الآن على قيد الحياة. فالألم حتمًا كان سيجهز عليها. وبالرغم من ذلك فهي لا تعلم كيف ستنظر إلى عينيه؟
يغمرها خجل كبير أن تقف أمامه بعد أن طلبت منه أن يحتويها بين ذراعيه. نعم هو زوجها ولكن! "أوف بقى. وبعدين يا فرح. ماشي لسه متجوزتوش. بس هو جوزك بردو. اتعاملي عادي ومتجيبيش سيرة امبارح خالص." هكذا أخذت قرارها. وبناءً عليه استجمعت قوتها وخرجت من الحمام لتتفاجئ به يقف أمامها يناظرها بعينين تغزوها اللهفة التي خالطت نبرته. حين اقترب منها قائلًا: "عاملة إيه دلوقتي؟ تحمحت بخفوت قبل أن تجيبه بارتباك: "الحمد.. الحمد لله. أحسن."
كانت نظراته تحثها على الحديث. الذي خرج منها رغمًا عنها ضاربة بعرض الحائط جميع قراراتها: "سالم.. يعني.. بخصوص. امبارح.. أنا." لاح شبح ابتسامة على شفتيه حين سمع حديثها. ولكنه قاطعها بحزم قائلًا: "امبارح عدا… خلينا في النهاردة. متأكدة إنك بقيتي كويسة؟ رفع من عليها الحرج. فهتأت نبرتها كثيرًا. وخرج صوتها ثابتًا حين قالت: "مش أحسن حاجة. بس أكيد مش زي امبارح." جاء سؤاله مباغتا. فهي لم تتوقع أن يشعر بها بتلك الطريقة:
"كنتِ لوحدك لما والدك توفي؟ لامست نبرته وترًا حساسًا داخلها. وأعاد استفهامه ألمًا تجاهد بقوة حتى تنساه. فأومأت برأسها بالإيجاب. بينما تجمعت طبقة كريستالية من الدموع في حدقتيها حين قالت بخفوت: "مشهد امبارح دا اتكرر كتير أوي على فكرة. بس مكنتش بلاقي حد يحضني كدا.. أنا كنت لوحدي في كل حاجة." "بس أنتِ دلوقتي مش لوحدك يا فرح."
قال جملته بينما امتدت يديه تمسكانها من أكتافها. وعينيه تناظرها بنظرات اجتمع بها ألف شعور. بينهم الحب واللهفة والألم. وأخيرًا الأمان الذي غلفها للحظات. لسوء حظهم قطعها صوت الهاتف الذي بدد الأجواء حولهم. ف تحمحم «سالم» بخفوت قبل أن يلتقط الهاتف مجيبًا: "أيوا يا متر. طمني عملت اللي قولتلك عليه؟ المحامي بصدمة: "سالم بيه. في حاجة مهمة حصلت ولازم تعرفها." «سالم» بتوجس: "حصل إيه؟
"البنت اللي اسمها لبنى قدمت شكوى في عدى صاحب حازم بيه الله يرحمه إن هو اللي اغتصبها وأجبرها تقول على إن حازم هو اللي عمل كدا." «سالم» بصدمة: "إيه!!! تجاوز عن صدمته لدى رؤية الفضول الذي لون معالمها. فأشار لها بيده بأنه سينزل إلى الأسفل. وما أن خرج من باب الغرفة حتى قال بغضب: "إنت متأكد من الكلام دا؟ "طبعًا متأكد.. أنا حتى روحتلهم زي ما حضرتك قولتلي لقيتهم عزلوا من المنطقة أول امبارح بالليل."
لم يستطع تصديق ما تسمعه أذناه. فما يحدث مريب للغاية. ولكن لابد له من أن يصل إلى نهاية تلك الدوامة في أسرع وقت. لذا قال بصرامة: "هما أكيد هيقبضوا على عدى." "هما فعلاً قبضوا عليه." «سالم» بحنق: "عايزك تحضر التحقيق ضروري. بصفتك المحامي بتاعه. وأنا بكرة بالكتير هكون عندك." أنهى مكالمته وتوجه إلى الداخل. فوجدها جالسة على مخدعها. وأمارات الغضب بادية على محياها. فقال بفظاظة:
"فرح. معلش أنا لازم أكون في القاهرة بكرة ضروري. فمش هقدر أحضر أيام العزي كلها." زحف الألم إلى قلبها. فقد كانت تعلم بأن هناك شيئًا يحدث معه. ولكنها لا تجرؤ على السؤال. تعلم بأنه حتمًا لن يجيبها. وعلى ذكره للرجوع تذكرت أنها باللحظة التي عرفت هذا الخبر المشؤوم كانت على وشك مغادرة المنزل. فماذا تفعل الآن وهو لم يذكر شيئًا. وخاصةً حين سمعته وهو يحادث «سليم» ليتجهز حتى يغادروا بعد ساعة من الآن. اقتربت منه وهي تقول
بنبرة مرتعشة وقلب مرعب: "أنا.. يعني.. قبل ما أعرف الخبر كنت.. أقصد.. كنت ناويه أمشي. يعني.. إنت.. قلت…" كان يلملم أشياءه بيد وبالأخرى يعبث بالهاتف. وفجأة التفت يناظرها وهو يقول بفظاظة: "فرح. معلش مش مركز معاكِ. ورايا حاجات مهمة لازم أخلصها قبل ما نتحرك. أجهزي دلوقتي ونبقى نكمل كلامنا في الطيارة واحنا راجعين."
أنهى كلماته وتوجه إلى الخارج. حتى لا يلتفت ويقوم بتوجيه لكمة قوية لرأسها الغبي. ولم يتسن له رؤية ابتسامتها التي أضاءت وجهها. فقد كانت تعلم بأنه تجاهل حديثها عن المغادرة عمدًا. فحين قال جملته الأخيرة لمعت عيناه وكأنه يخبرها بأنه حتمًا لن يغادر من دونها. وقد كان هذا أكثر ما تتوق إليه. ***
كان يقف بالخارج يستند على سيارته بملل. فقد خاطبه «سالم» يخبره بأنهم سيعاودون أدراجهم اليوم. وقد خرج ليستنشق بعض الهواء النقي. فإذا به يرى تلك الفتاة المجنونة التي اتهمته ذلك اليوم بأنه سفاح حين رأته يحاول إسعاف ذلك الرجل «عمار». "إنتِ يا نيزك.. عاملة إيه؟ هكذا تحدث «مروان» مازحًا. فناظرته «نجمة» بنظرة شاملية من أعلى رأسها حتى أخمص قدميه. فأردف ساخرًا: "إيه ياختي.. شكلي مش عاجبك ولا حاجة؟ بتبصيلي من فوق لتحت كدا ليه؟
«نجمة» بامتعاض: "افتكرتك. مش إنت الچدع اللي كنت بتحاول تقتل الكبير؟ تعاظم الحنق بداخله وقال مستنكرًا: "هو إنتِ يا بنتي. إنتِ الغباء عندك مُركز؟ بقولك كنت بنقذه." أجابته بامتعاض: "ومالك فخور أكده ليه؟ كنك عملت حاجة زينة. دانت بلّيت الدنيا بيه." قهقه «مروان» على حديثها وقال بمزاح: "آه صح أنا نسيت إنك مش بتطيقيه.. الصراحة هو مينطقش." نهرته قائلة: "مالك فشتك عايمة أكده ليه. احترم الموت اللي إحنا فيه؟ فصاح منزعجًا:
"إنتِ مش طيقاني كدا ليه يا بت. إنتِ ما تيجي تاخديلك قلمين أحسن؟ "لاه وأنا هبلة. أحسن الأجي معاك سنجه ولا حاجة تخلص عليا.. إني مش مستغنية عن عمري." «مروان» باستنكار: "سنجه! إنتِ مدية نفسك حجم كبير أوي. دانتِ آخرك قصافة ونخلص الدنيا من لسانك الطويل دا." «نجمة» بانفعال: "شفت.. اهو إني مغلطتش لما جولت إنك سفاح.. وبعدين إيه جصافة دي. ليه سوحلية ولا سوحلية يعني؟ «مروان» باستنكار: "سوحلية!
إلا هي إيه السوحلية دي يا أبلة نجمة؟ اختراع جديد وصلتيله بذكائك؟ "بتتريج.. هجول إيه مانت چاهل! هكذا أجابته بسخرية. فتابع بنفس لهجتها: "طبعًا جاهل. أي حد جمبك هيكون جاهل. ودا عشان إنتِ منبع المفهومية كلها." "أيوا دي حقيقة…" "التواضع عايز منك إيه؟ بالك إنتِ لو مش حلوة شوية كنت ناولتك كف خماسي طيرت صواميل مخك.. وكنت ريحت البشرية من غباوتك."
شهقة قوية خرجت من جوفها جذبت أنظار ذلك الذي كان يقف مع الرجال. ولكن انتفخت أوداجه غضبًا حين وجدها تقف مع ذلك الشاب هناك. فترك الرجال وتقدم يتشاجر مع خطواته. فاخترقت كلماتها مسامعه فجن جنونه أكثر: "كنك بتعاكسني إياك! لم يكد «مروان» يجيبها حتى صدح صوت محشو بالغضب خلفهم: "واقفة عندك بتعملي إيه يا بت إنتِ؟ انتفضت في وقفتها حين رأته. وخرج صوتها مرتعبًا حين تمتمت: "إني مبعملش حاجة؟ كت معدية جام وجفني." تكلم «مروان» بخفوت:
"جالك الموت يا تارك الصلاة." "بتوقفها ليه يا چدع إنت؟ هكذا سأل «عمار» بغضب. مما جعل «مروان» يستاء من صراخه هكذا. فقال بنبرة حانقة: "عادي كنت بسلم عليها." جفلت ملامحه لدي ذكرها لتلك الحادثة. ف تراجعت للخلف خطوتين وهي تقول بخفوت: "ماله ده. هو إني اللي كنت ضربته ولا إيه؟ صاح «مروان» يعنفها: "الله يخربيتك.. إنتِ بتفكريه! "بصيلي إني يا بغل إنت؟ إني سامعها وهي عتِجولك بتعاكسني؟ هكذا صاح «عمار». فقال «مروان» بغضب:
"محصلش يا عم إنت. هو إنت واقف رامي ودانك معانا ولا إيه؟ وتدخلت «نجمة» لتهدئة الأوضاع: "أيوا محصلش حاجة. دا أهبل حد ياخدله على حديت." لم يزده حديثها إلا جنونًا. فقد ظن أنها تدافع عنه. فقام بجلبه من تلاليبه وهو يقول بغضب بلغ حد الجنون: "إني بجي هعجله." صاح «مروان» يمنعه من أي فعل طائش:
"بقولك إيه.. أنا لحد آخر لحظة مش عايز أمد إيدي عليك.. وإنت إيدك طارشة وممكن تأذيني. ما صدقت عيني تخف الله يخربيتك.. مش هعرف أشقط البت اللي مستنياني هناك دي." «عمار» بوعيد: "تشقط البت.. مش لما تدور على حد يشقطك من يدي اللول." أنهى كلماته وقام بتوجيه لكمة قوية كانت من نصيب عين «مروان» اليمنى. فأخذت «نجمة» تصيح هنا وهناك. فهرول الجميع على صوتها. وكان أول من تواجد هو «سالم» الذي انتزع «مروان» من يد «عمار» وقام بتكبيله.
وهو يقول بغضب جحيمي: "شيل إيدك عنه بدل ما أكسرهالك." وما أن أوشك على توجيه لكمة قوية إلى «عمار» تدخل الغفر و «سليم» حتى يمنعوا اشتباكهم. فصاح «عمار» بغضب: "قبل ما تيجي تتعارك ربي البغل ده اللي عم يعاكس حريمنا." توقف «سالم» مصدومًا مما حدث. فالتفت يناظر «مروان» الذي اسودت عينه اليمنى بفعل تلك اللكمة. وقال بنبرة متوعدة: "الكلام دا حقيقي؟ «مروان» بلهفة: "تعرف عني الكلام دا بردو؟ التفت «سالم» يناظر «عمار»
الذي صرخ في نجمة: "عاكسك ولا لاه؟ «نجمة» بمراوغة: "عاكسنيش چوي يعني." "انطجي الحجيجة يا بت." كانت عينيه ترسل سهام التحذير. فصرخت قائلة بذعر: "عاكسني.. وجالي يا جمر." برقت عيني «مروان» وقال بتحسر: "الهي يجيكِ ويحط عليكِ يا بعيدة.. هتروحي من ربنا فين؟ أقوله كنتِ بتقولي عليه إيه؟ "أوقف المهزلة دي فورًا…" هكذا صدح صوت «سالم» الصارم. والذي نظر إلى «عمار» قائلًا بفظاظة:
"عندي دي يا عمار. وعمومًا إنت اديته اللي فيه النصيب. وإحنا أصلًا ماشيين." "همرجها المرادي لكن لو اتكررت…" قاطعه «سالم» بصرامة: "مش هتتكرر تاني. الموضوع انتهي. خلاص. يالا عالعربيات…" كانت جملته الأخيرة موجهة لكلا من «سليم» و «جنة» و «فرح» ووالدته و «مروان» الذي قست النظرة الموجهة إليه. فأخذ يتمتم بتحسر: "أنا في حد تففلي في حياتي والله. تاني مرة أتشلفط قبل ما أروح أعلق البت. شكلك فقر يا سما الكلب إنت." ***
رحلة العودة كانت هادئة. فبعد أن قاموا بتوديع «حلا» والجميع انطلقوا عائدين. وقد كان «سالم» ملامحه لا تبشر بالخير. وللمرة التي لا تعرف عددها توشك أن تسأله ما به. ولكنها تتراجع في اللحظة الأخيرة. وقد قررت أن تحادثه حين يعودوا إلى المنزل لتحل تلك الأمور العالقة بينهم. فلم تعد تحتمل هجرًا آخر. يكفيها هذا القدر من العذاب. توقفت السيارات أمام المنزل. وما أن ترجل الجميع منها حتى تفاجئوا بذلك الصوت الذي
زلزل أرجاء المكان حولهم: "سالم يا وزاااان. موتك على إيدي….." جاءت الكلمات تزامنا مع طلقات الرصاص التي انطلقت فوق رؤوسهم. وووووو…. يتبع….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!