رحلة العودة كانت هادئة. بعد أن قاموا بتوديع حلا، انطلق الجميع عائدين. سالم كانت ملامحه لا تبشر بالخير. وللمرة التي لا تعرف عددها، أوشكت أن تسأله ما به، ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة. قررت أن تحادثه حين يعودون إلى المنزل لتحل تلك الأمور العالقة بينهما، فلم تعد تحتمل هجرًا آخر، يكفيها هذا القدر من العذاب. توقفت السيارات أمام المنزل. وما أن ترجل الجميع منها، حتى تفاجأوا بذلك الصوت الذي زلزل أرجاء المكان حولهم:
"سالم يا وزان. موتك على إيدي…" جاءت الكلمات تزامنًا مع طلقات الرصاص التي انطلقت فوق رؤوسهم. تعالت الشهقات وصيحات الخوف من حولهم. قام سليم بجذب جنة ووالدته للاحتماء خلف السيارة. وكذلك فعل سالم مع فرح، التي كانت ترتعب وهي تراه يشهر سلاحه بعد أن تفادى إحدى الرصاصات بأعجوبة. وما أن أوشك أن يصوب تجاه هذا الرجل، حتى قام الحرس بالإمساك به، بينما أخذ يصيح بغضب هستيري: "هخلص عليك زي ما دمرتني. مش هتفلت من إيدي انت وهي…"
أخذ يتلوى بين يدي الحراس وهو يصيح ويتوعد. بينما التفت سالم إلى مروان قائلاً بلهجة آمرة: "خد ماما والبنات على جوا…" هرولت فرح تجاهه بأقدام متلهفة وقلب مرتعب، ولكنها توقفت إثر كلماته التي أغضبتها. فهبت معاندة: "أنا مش هتحرك ولا خطوة واحدة وأسيبك مع المجنون ده…" كان رعبها الجلي شفيعًا لعنادها ولهجتها الحادة. فالتفت ناظرًا إليها بنظرات مطمئنة، تنافت مع لهجته حين قال بصرامة:
"الموضوع خلص ومفيش حاجة تقلق. الحرس قبضوا عليه…" عاندته بتوسل انبعث من عينيها أولًا: "سالم…" أمرها بلهجة أقل حدة: "استنيني فوق يا فرح…"
تراجعت إلى الخلف دون حديث، فقط نظرات حزينة غاضبة تشبه خطواتها التي قادتها إلى باب المنزل، متجاهلة نظرات شيرين، التي لأول مرة تراها خائفة، وبجانبها همت، التي كان القلق مرتسمًا على ملامحها وهي تنظر إلى ذلك الرجل الذي لم تتعرف على هويته بعد. وحين أوشكت على الدخول إلى باب المنزل، تسمرت في مكانها حين سمعت كلماته المسمومة: "مفكر إنك انتصرت عليا وخدتها مني؟ لا.. أنا اللي مش عايزها. سمعاني يا شيرين؟ أنا اللي مش عايزك…"
لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بضربة قوية أصابت رأسه من الخلف، والتي لم تكن سوى لـ طارق الوزان، الذي كان قادمًا من الخارج حين سمع حديث أحمد (زوج شيرين) "طارق…" هكذا صاح مروان باندهاش حين رأى شقيقه. ونال كلا الشقيقين نصيبهما من الصدمة حين شاهدوا ذلك الذي لم تطأ قدماه أرض الوطن منذ أكثر من عشر سنوات. اقترب مروان من شقيقه وقام بعناقه بشوق، بادله إياه طارق. بينما قام سالم بأمر الحرس أن يدخلوا أحمد (فاقد الوعي)
غرفة المكتب الخاص به. وقام بمعانقة طارق قائلاً بسخرية: "جاي في التوقيت المضبوط. أول مرة تعمل حاجة صح…" بادله طارق سخريته حين قال: "تلميذك يا كبير…" "حمد الله على السلامة يا طروق. ليك وحشة يا غالي…" هكذا تحدث سليم وهو يعانق طارق بحبور. فأجابه طارق بمزاح: "الله يسلمك يا سولوم. ليا وحشة إيه يا عم، انتوا نسيتوني ولا إني من العيلة." أجاب مروان بتهكم: "إحنا أساسًا متبريين منك من زمان ومش معتبرينك من العيلة…"
"اومال مين الجدع اللي خرملك عينك كده؟ هكذا تحدث طارق وهو يرمق مروان بسخرية. فأجاب الأخير بحنق: "واحد سبحان الله بيفكرني بيك، نفس غباوتك…" لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بلكمة طالت عينيه اليسرى، أتبعها طارق قائلًا بتقريع: "طب خد دي بقى عشان تبقى بعد كده قد المسؤولية…" تأفف سالم بنفاذ صبر: "أنا هدخل.. مش فاضي لهزارك السخيف ده.. ورايا يا سليم…" تألم مروان وصرخ بحنق: "إلهي يجيك كسر إيدك يا بعيد. أنا عملت إيه يخربيتكوا…"
طارق بحدة: "دي أقل حاجة على استهتارك. امبارح يادوب وصلت من السفر وداخل البيت لقيت تعبان كان بينه وبين ريتال خطوتين، لولا ستر ربنا كان معايا سلاحي وضربته، كان ممكن قرصها." انكمشت ملامحه بذعر ونسي آلامه وهو يقول بلهفة: "انت بتقول إيه؟ طب هي عاملة إيه دلوقتي؟ طارق بتهكم: "وهي لو فيها حاجة كنت زماني سايبك لحد دلوقتي على رجليك…" مروان بحنق: "ودا من إمتى إن شاء الله؟ الأبوة نقحت عليك كده مرة واحدة!
ما أنت سايبها وداير تلف في بلاد الله…" طارق بتأفف: "سيبك من الهري ده. هو إيه اللي داير هنا؟ الليلة دي على إيه؟ مروان باستهزاء: "على خيبتك! ما أن رأى أمارات الغضب بادية على ملامح أخيه، حتى تابع وهو يهرول بعيدًا عنه: "والله ما أنا قايلك حاجة. هروح أطمن على أم أربعة وأربعين بنتك الأول." *** "أنت أكيد مش جاي تنام لنا هنا!
هكذا تحدث سالم بتأفف وهو يناظر أحمد، الذي بدأ باستعادة وعيه شيئًا فشيئًا. وحانت منه نظرة مطولة على المكان من حوله، ومن ثم التفت إلى سالم قائلًا بحنق: "انتوا عملتوا فيا إيه؟ سالم بفظاظة: "لسه هنعمل.. متستعجلش على رزقك…" أحمد بانفعال: "هو في أكتر من اللي عملتوه! صاح بتأفف: "اللي هو إيه؟ عندي فضول أعرف إيه اللي عملته خلاك تهبل كده؟ كان الألم الذي يلون ملامحه يتنافى مع حدته وهو يقول:
"مفكر لما تأذيني في شغلي وأكل عيشي كده بتنتقم مني؟ هي دي الرجولة في نظرك! ضيق عينيه، بينما رسمت ملامحه تعبيرًا خطرًا يشابه نبرته حين قال بوعيد: "أنا ممكن أوريك دلوقتي حالا الرجولة عاملة إزاي…" انكمشت ملامحه من هذا التهديد وتلك النظرات المرعبة، التي جعلته يتراجع قائلًا: "لو كل ده عشان أطلقها، فأنا مستعد أعمل ده من الصبح. هي أصلًا متلزمنيش…" "اركنلي موضوع الطلاق على جنب دلوقتي. واشرب الليمون ده عشان نعرف نتكلم…"
هكذا تحدث سالم بنبرة فظة ونظرات تحمل خلفها الكثير، مما جعل أحمد يرتاب في أمره، ولكنه أطاعه بصمت. وبعد أن تجرع كوب الليمون كاملًا، قال بجفاء: "كلامك ونظراتك مش مريحيني.. أنت عايز مني إيه؟ مش كفاية خربت بيتي." سالم بنفاذ صبر: "مبدئيًا كده، أيًا كان اللي حصلك مش أنا السبب فيه." "والمفروض أصدقك؟ "عنك ما صدقت. مش موضوعي…" صاح أحمد بيأس: "حرام عليك. المناقصة اللي ضاعت دي فيها شقا عمري. أنا هتحبس كده…"
"لو عملت حاجة مش هخاف منك، وأنت عارف كده كويس." هكذا ألقى سالم كلماته بصرامة، جعلت الآخر يعلم بأنه يقول الصواب. فلو كان السبب وراء ما حدث له، لم يكن سينكر أبدًا. لذا أطلق تنهيدة خشنة قبل أن يقول بيأس: "اومال مين ابن المؤذية ده؟ أنا مليش أعداء غيركم." ألقى نظرة مطولة عليه، قبل أن يقول بفظاظة: "مش مهم مين اللي عمل كده.. المهم هتقدر تخرج من المصيبة دي إزاي؟ التفت أحمد يناظره بصدمة، وسرعان ما قال بترقب: "تقصد إيه؟
تشابهت ملامحه مع نبرته حين قال بجمود: "هساعدك تخرج من اللي أنت فيه…" كانت قنبلة ألقاها على مسامعه، يعلم بأن لها ضجيجًا سيكون وقعه كبير. لذا قال بارتياب: "وأنت إيه مصلحتك؟ "ميخصكش.. ليك تخرج من محنتك. وفي المقابل عايز منك حاجتين. أولهم تنسى موضوع الطلاق ده دلوقتي خالص…" ارتسم الغباء على ملامحه، فقد كان يظن بأن الطلاق خلاصه من تلك الورطة. فإذا به يتفاجأ بطلبه، فقال بعدم فهم: "انت بتقول إيه؟ أنا مش فاهم حاجة…"
تجاهل استفهامه وأخرج دفتر شيكاته وهو يقول بفظاظة: "محتاج سيولة قد إيه عشان تخرج من الأزمة دي؟ بلا وعي أجابه: "عشرة مليون…" قام سالم بتدوين الرقم على الشيك وقام بمده إليه. فالتقطه أحمد وهو ينظر غير مصدق لما يراه. وقبل أن يتيح له الفرصة للحديث، قال سالم بقسوة: "هتخرج من هنا زي ما دخلت. نفس البروباجندا والتهديدات الفارغة بتاعتك دي، بس طبعًا من غير ضرب نار عشان مفجرش دماغك وأخلص…" أحمد بعدم فهم:
"أنت.. أنت هتديني الفلوس دي أمشي بيها؟ مش خايف أغدر عليك؟ سالم بثقة: "مش هتقدر، وأنا وأنت عارفين كده كويس." انكمشت ملامحه وجف ريقه، قبل أن يتابع باستفهام: "طب إيه الحاجة التانية اللي أنت عايزها مني في مقابل مساعدتك؟ سالم باختصار: "هتعرفها في الوقت المناسب.. ومش محتاج أنبه عليك البيت ده رجلك متعتبوش. وعشان أبقى أصيل معاك. حماك العزيز هو ورا اللي بيحصلك. شوف بقى مين مسلمك ليه؟ يلا وريني عرض كتافك…"
تراجعت خطواته إلى باب الغرفة، فاستوقفته كلمات سالم الغامضة حين قال: "متنساش تسبك الدور وانت خارج…" لم يفهم المغزى من كلماته إلا عندما رأى شيرين، التي كانت تنتظر خروجه بقلب مرتعب. فتصاعدت أبخرة الغضب إلى رأسه، وخرج صوته متوعدًا: "لو اضطريت إني أبيع هدومي برضه مش هطلقك. هسيبك كده متعلقة، وده أقل بكتير من اللي تستحقيه…" جاءه صوت همت الغاضب من خلفه: "ومين قال لك إني هسكت لك؟
أنا هعرف أطلقها منك إزاي، وفضيحتك هتبقى على إيدي…" التفت إليها أحمد قائلًا بوعيد: "قصدك فضيحتنا…" سقط كف سليم القوي على جذع أحمد، وهو يقول بجفاء: "نورت يا أبو حميد. ياريت متكررهاش تاني…"
لم يضيف شيئًا، بل توجه إلى الخارج، تاركًا براكين الغضب التي تقذف حممها بكل مكان. فما أن غادر، حتى توجهت شيرين إلى مكتب سالم، مغلقة الباب خلفها. بينما هناك من تشتعل من فرط الغيرة والألم معًا، بعد أن علمت هوية ذلك الرجل. إذن، فهو يسعى جاهدًا لطلاقها منه. ومن الواضح أنه يستخدم جميع نفوذه، وإلا لما جاء الرجل وأقدم على محاولة قتله.
التفتت متوجهة إلى غرفتها، وأخذت تدور بها كمن مسها الجنون، تريد الصراخ ولا يخرج صوتها. تريد البكاء ولا تطاوعها عبراتها. شعور مقيت من الألم الذي ينهش في صدرها بدون رحمة، يقتات على روحها المعذبة بعشقه الضاري، الذي توازى ضراوته غيرة هوجاء، كان ألمها يفوق قدرتها على التحمل. فجأة، انفتح باب الغرفة ودخلت أمينة، التي كانت ملامحها لا تبشر بالخير، وتجلى ذلك في نبرتها حين قالت: "شيرين مع جوزك في المكتب بتعمل إيه؟
كانت الكلمات تمر بصعوبة على شفتيها، كذلك أنفاسها التي أحرقت صدرها، الذي كان يعلو ويهبط بعنف، حين قالت باختصار: "معرفش! "يعني إيه متعرفيش؟ هكذا تحدثت أمينة بحدة توازي حدتها، حين أجابت بنفاذ صبر: "يعني معرفش. مانتِ شوفتي إيه اللي حصل من شوية؟ جوزها جه يحاول يقتله في عز النهار…" أمينة بسخرية: "ومش عندك فضول تعرفي إيه بيحصل؟ عادي عندك إنها تبقى معاه في مكان واحد؟ كانت كلماتها كالأسهم التي تنغرس بقلبها الملتاع دون رحمة.
فصرخت بغضب: "مش عندي فضول أعرف حاجة…" "عشان هايفة.. وغبية.. قاعدة تاكلي في نفسك هنا وسايبة الميه تمشي من تحتك…" هكذا تحدثت أمينة بحدة، فتدلى فكها من الصدمة، خاصة حين تابعت أمينة بقسوة: "البيت ده في يوم من الأيام هتبقي مسؤولة عنه. لو فضلتِ كده يبقى عليه العوض فيه.. فين فرح البنت القوية اللي مبيهمهاش حد. اللي جابت سالم الوزان على ملا وشه. التمستلك العذر مرة واتنين وتلاتة، بس لأ!
فوقي. أنتِ كده بتخسري. دافعي عن بيتك وجوزك. متسمحيش للحية تدخل بينكوا…" أخذت كلمات أمينة تتردد بأذنيها وهي تنهب درجات السلم، فتوجهت بخطٍ كان وقودها غضبها المشتعل بجوفها، وغيرتها الهوجاء التي لم تعد تتحمل نيرانها المستعرة، فقد بلغ السيل الزبى، ونفذ مخزون الصبر لديها، وأعلن قلبها الحرب. ولتحترق الفتنة ومن أشعلها في الجحيم.
فتحت باب الغرفة بقوة توازي قوتها، وهي تغلقه متوجهة بخطوات ثابتة ونظرات متعالية شملت بها تلك التي كانت تقف على بعد خطوات من زوجها. ودون أن تتيح الفرصة لأحد في الحديث، جهرت بصوت كان طابعه الشموخ: "اديتك فرصة واتنين وتلاتة عشان تراجعي نفسك وتحترميها، بس للأسف الطبع دايما غلاب…" بهتت ملامح شيرين حين سمعت حديث فرح المهين، فهبت صارخة: "أنتِ مين اداكِ الحق تكلميني بالطريقة دي؟؟ بكل هدوء امتزج بالشموخ الذي أطل من عينيها،
حين أجابتها: "الحقيقة هو مش حق واحد. دي حقوق. أولهم حقي لما أشوف حد بيتلزق في جوزي في الرايحة والجاية، أوقفه عند حده. والحق التاني إني مرات سالم الوزان، كبير العيلة دي، ومسمحش بقله ذوق تحصل في بيتي. وآخر حق هو إنك تقربي لجوزي وشايلة اسم عيلته وسمعتك، مهما كان تهمني! امتقعت ملامحها وتدلى فكها من فرط الصدمة، التي جعلتها تصيح باستنكار وهي تلتف إلى سالم، المتفاجئ من حديث فرح، على العلم من كونه يرى مقدار غيرتها،
ولكن حديثها أذهله: "عاجبك اللي مراتك بتقوله ده يا سالم؟ وضع الأوراق في حقيبته، ثم التفت يناظرها بشمولية، قبل أن يتحدث بفظاظة: "عايز تفسير لكلامك ده يا فرح؟ أغتاظت من جموده وثباته واستفهامه، فهو يتجاهل ما يراه عمدًا. لذا صاحت بنبرة احتدت قليلًا: "ده مش كلامي، دي الأصول! هو ينفع إنها تتواجد معاك في مكان مقفول عليكوا؟ أنت راجل متجوز وهي ست متجوزة، ده يصح؟
حاول قمع ضحكة غادرة أوشكت على خرق قناع الجدية المرتسم على ملامحه، فحديثها كان غلافًا شفافًا لـ غيرة قاتلة تغزو غاباتها الزيتونية بضراوة. وقبل أن يتيح له الإجابة، تحدثت شيرين بتهكم: "لا والله، على أساس إننا قاعدين في الشارع. إحنا في بيتنا.. وكل اللي فيه أهلنا." فرح بسلاسة وهدوء: "والبيت ده مش فيه خدم وحرس وناس داخلة وناس طالعة…"
تعاظم الغضب بداخلها، ولكنها حاولت قمعه قدر الإمكان، وهي تلتفت ناظرة إليه تستحثه على الحديث. فتشابهت نظرته مع نبرته الجليدية، حين قال: "فرح عندها حق. دي الأصول والأصول متزعلش حد يا شيرين…" تدلى فكها من فرط الصدمة، وخرجت الكلمات مذهولة من بين شفتيها: "أنت بتعوم على عومها؟ عادت لتمسك بزمام الحديث مرة ثانية، فقد أخذت منه ما أرادت، وأتى دورها الآن، حين قالت بتسلية: "عوم إيه وكلام فاضي إيه؟
ماهو قالك الأصول متزعلش.. وبعدين لو انتِ مش خايفة على سمعتك، أنا من حقي أخاف على سمعة جوزي. وخصوصًا إنه راجل محترم، حرام يتجاب سيرته بسبب حاجات تافهة…" كانت تتحدث بشفتيها، بينما لملامح وجهها وعينيها حديث من نوع خاص، وصلت معانيه إلى شيرين، التي كادت أن تنفجر من فرط الغضب. فصاحت بوقاحة: "اعترفي إنك غيرانة وهتموتي مني وخايفة أقرب منه لأ…" قاطعتها فرح بصرامة:
"لحد هنا واستوب… الأسلوب البذيء ده مش بتاعي. واتفضلي اخرجي من الأوضة دي ومتعتبيهاش تاني…" التفتت شيرين تناظر سالم، فوجدته مشغولًا بلملمة أوراقه ووضعها في حقيبته، متجاهلًا ما يحدث. فأجبرت نفسها على الرحيل، وهي ترسل نظرات متوعدة إلى فرح، التي ما أن خرجت شيرين، حتى تفاجأت بكلماته القاسية: "لو خلصتي اللي جيتي عشانه، اخرجي واقْفِلي الباب وراكِ…"
كان قادرًا على التجاهل بطريقة مؤلمة جدًا، وقد تذكرت يومًا ما حين أخبرني بأن كبرياءه أمر لا يمكن المساس به، وأن الغفران ضل الطريق إلى قلبه. والآن أيقنت بأنه لم يكن يمزح. الغضب كان كجمرات تحرق الفؤاد وتنهب خلايا جسدها بقوة، ولكنها تجاهلته وهي تتقدم إليه قائلة بأنفاس متلاحقة: "لا مخلصتش.. عايزة أتكلم معاك…" "مش فاضي…"
هكذا أجابها ببرود دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليها، مما جعل غضبها يتعاظم حتى بدأ بالظهور على صفحة وجهها. فاقتربت منه قائلة بجفاء: "يبقى تفضي…" لم يجيبها، وقد كان صمته القشة التي قسمت ظهر البعير. فهمت بالاقتراب منه، ممسكة بالحقيبة التي كان يضع بها أوراقه الهامة، وقامت بجذبها وإلقائها في آخر الغرفة لتصطدم بالحائط، وهي تصيح بعنف: "لما أكلمك، اياكِ تديني ضهرك وتسمعني…"
هالكة لا محالة. هكذا أخبرها عقلها، وهي تناظره. فتلك اللحظة الخاطفة كانت دربًا من الجنون الذي غلف عينيه، بينما اظلمت نظراته بشكل مرعب يشبه ملامحه وصوته، حين قال بهسيس: "إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟ أتهرب من رجل حمل كل معالم الأمان بالنسبة إليها؟ أم أقف في مواجهة طوفان غضبه الضاري الذي أشعلته بقصد من قلبي الذي طرأ من جوف الوجع؟ استفهامه: هل من العدل أن احترق أنا بينما أنت تتوارى خلف جبال الثلج التي وضعتها حول قلبك؟
لم تنتظر الإجابة، ف قدماها حملتها إلى الأعلى بأقصى سرعة تمتلكها، ولأول مرة لا تهتم بالهزيمة أمامه. فليظنها خائفة، أهون من تواجه ما هو أقسى من غيرتها وهزيمتها.
أغلقت باب الغرفة خلفها، تحاول تهدئة ضرباتها التي كانت تدق بعنف، آلم ضلوعها. فوضعت يدها على صدرها تحاول تنظيم أنفاسها اللاهثة، فإذا بها تتفاجأ به يقتحم الغرفة، مغلقًا الباب خلفه بقوة، جعلتها تشهق بصدمة وهي تتراجع خطوتين للخلف، تناظر عينان اختلط بهما الغضب والعشق معًا. ففعلتها تلك جعلته لأول مرة يقف عاجزًا عن التفكير. غاضب حد الجحيم، عاشق حد الألم، وهو يتلظى بين كليهما. فتفرقت عينيه بين حقيبته الملقاة أرضًا وأوراقها
المبعثرة، تمامًا كحال قلبه الذي انتفض معلنًا ثورة قوية بداخله، جعلته ينهب خطواته في طريقه إلى تلك التي فعلت به ما لم يستطع جيش من النساء فعله. وليحترق كل شيء في الجحيم، تمامًا كما يحترق هو منذ ذلك اليوم المشؤوم، ولكنه لم يعد يملك أدنى ذرة إرادة تمكنه من تحمل المزيد.
"لما أكلمك، اياكِ تديني ضهرك وتمشي وتسبيني.. فاهمه؟ هكذا تحدث بصوت بدا مرعبًا كالبرق الذي ضرب قلبها بغتة، فأخذ يتخبط بعنف داخل صدرها، الذي عاندت ألمه قائلة بشفاه مرتجفة: "ولو مفهمتش، هتعمل إيه يعني؟ حاوط خصره بيديه، وكأنه يمنعهما من ارتكاب شيء خاطئ، بينما قست نظراته أكثر وشابهتها نبرته، حين قال: "في مليون طريقة تخليكِ تفهمي، بس أنا واثق إن ولا واحدة فيهم هتعجبك!
كانت حدة أنفاسه توحي مدى الجهد المبذول حتى لا يتخلى عن ثباته ويذيقها شيئًا ولو بسيطًا مما يجيش بصدره الآن. وخصوصًا حين تقاذفت العبرات من مقلتيها، وهي تقول بانفعال: "وحضرتك برضه المفروض تفهم إنني مراتك وليا حقوق عليك، وأبسط حقوقي كزوجة إنك تحترمني وتقدرني وتخاف على شكلي قدام الناس." كان حديثها صاعقًا بالنسبة إليه، فهو لم يفعل ما يجعلها تتفوه بتلك التراهات. فصاح مستنكرًا: "وأنا إمتى قللت من احترام سيادتك! صاحت باندفاع:
"أنت أدرى!! تأفف بضيق: "أنتِ مش واضحة، وأنا بكره اللف والدوران. كل الفيلم الهندي ده عشان إيه؟ قال جملته الأخيرة بصراخ أفزعها: "عشان بحبك وأنت مبتفهمش! غاب صوت العقل وتولى القلب دفة القيادة، فقد ضاق ذرعًا بنيرانه التي كان وقودها غيرة مجنونة وعشق أهوج فاض به صدرها، الذي كان يعلو ويهبط بقوة أمام عينيه، التي شملتها بنظرة قوية تشبه نبرته، حين قال: "قلتِ إيه؟
جف لعابها من نظرته التي بدت غامضة وملامحه التي لم تكن تفسر، ولكنها لن تتراجع، فليحدث ما يحدث، فقد خرج كل شيء عن السيطرة: "قلت إنك مبتفهمش، ومصرة جدًا على رأيي…" اقترب منها خطوتين وهو يعض على شفتيه السفلية ويهز برأسه، قائلًا بنبرة بدت متوعدة: "تعرفي إنك عاوزة تتعلمي الأدب من أول وجديد." قال جملته، بينما امتدت يديه تحتوي خصرها بقوة لم تكن مؤلمة بقدر ما كانت مربكة، وخصوصًا حين أردف بخفوت: "وأنا هعلمهولك…"
أرهبتها لهجته المتوعدة، والتي كانت تتنافى بقوة مع عينيه، التي غمرتها بنظراته العاشقة المشتاقة، فغرقت في بئر الحيرة، وقالت بتوسل خافت: "سالم…" اخترق جموده توسلها الخافت ونظراتها، التي كانت تستجدي قلبه، الذي رق ل ذعرها الجلي على ملامحها. فاقترب بأنفاسه الحارقة من أذنيها، قائلًا بهمس: "خايفة مني؟ "مرعوبة…"
قالتها بصدق، فهي بداخلها تخاف، بل ترتعب من اقترابه. فهو رجل قوي صلب، كل ما به مفعم بالرجولة. تخشى أن لا تستطيع تحمل قربه، فهي بالرغم من سنوات عمرها التي اقتربت من الثلاثين، ما زال بداخلها طفلة بريئة خجولة، تفتقد وجود والدتها، ولا تجرؤ على إخبار أحد ب هواجسها. صوته القاطع اخترق مسامعها، حين قال ساخرًا: "ليكي حق تخافي…"
برقت عينيها للحظة، وما كادت أن تستوعب حديثه، حتى وجدت نفسها خاضعة تحت سطوة عشقه الضاري، الذي أخذ يسكبه فوق ثغرها وملامح وجهها بسخاء، حتى أغرقها معه في بحر من الشعور اللامتناهي من السعادة، التي جعلت دقات قلبها تتراقص على أنغام الشغف، الذي شعرت به بين ضلوعه، بينما كان يتراجع بها إلى مخدعهما، يحملها بكفوف صُنِعت من حب أتقن سكبه فوق الخدوش، التي حفرها الخوف بقلبها، الذي تناسى معه وبين يديه كل شيء. فلم تعترض حين أخذ يتخلص من كل شيء يعوقه عنها، فبدت مجردة أمامه من كل الحواجز، يحيط بهما غطاء صنعت خيوطه من لهيب الصبوة، الذي أشعل الهواء المحيط بهم. فخرج صوته لاهثًا، متبوعًا بأنفاس حارقة ألهبت عنقها،
حين قال بجانب أذنها: "بتقولي خايفة، بس قلبك بيقولي إنه مطمنش، ولا هيطمن غير في حضني." حاوطت عنقه بذراعين حوت حنان العالم أجمع، وأيده قلبها، بينما عاندته شفاهها: "أنت مغرور أوي. وبعدين قلبي مقالش حاجة، ولا هيقول غير بأمر مني…" أضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة، قبل أن يقول بلهجة خشنة: "طب ولو خليته يعترف ويقولي على كل اللي جواه…؟
مزيج مثير ومميز من الشعور، الذي يكتنفها، جعلها تتخلى عن كل الحواجز، التي كانت بينهم، حتى خجلها وخوفها لم يعد لهما مكان، إثر هذا السحر القوي، الذي يضمهما في تلك اللحظة. "جرب! دعوة رائعة لم يكن يتوقعها من امرأة خلقت به شخصًا لم يكن يعرفه. أضاءت له دروبًا ظن أن أبوابها لم يخلق لها مفاتيح، إذا بأصادها تتحطم وتنهار أمام عشقًا لا يعلم كيف اكتنف قلبه واحتل كيانه، للحد الذي جعل الكلمات تنساب من بين شفاهه بعذوبة:
"بحبك يا فرح…" لأول مرة يلامس وقع عشقه عليها بتلك الطريقة، فقد كان قريبًا للحد، الذي جعل دقاته تمتزج مع دقاتها، كسيمفونية عزفت على أوتار قلبها، الذي أعلن استسلامه بكل رحابة. "وأنا بعشقك يا سالم يا وزان…"
فتحت أبواب الجنة على مصراعيها أمام ذلك، الذي كان ناسكًا زاهدًا في هذه الحياة، والآن حان وقت مكافأته، التي لم يكن يتخيل مدى روعتها. فقد كان لقاءً عاصفًا، مدججًا بكل أنواع المشاعر، التي لم تكن تتخيل وجودها. تلاقت الأرواح، وتعانقت القلوب، وتعَاظم الشعور، حتى ترك بصماته على كل شيء حولهم. وكلما خارت قواهم، جددتها أشواقهم من جديد، إلى أن شعر بها تستند على كتفه بأكتاف متعبه وجسد منهك. فقام بضمها، واضعًا قبلة حانية فوق
جبهتها، تعبيرًا عما يجيش بصدره من امتنان لتلك، التي جعلته يتذوق الجنة بين أحضان عشقها. وقد كان هذا أروع عناق تلقته بحياتها، للحد الذي جعل العبرات تنبثق من بين عينيها، تأثرًا برجل الحب والجليد، الذي انصهر لأجلها، وصارت نيرانًا، لم تتذوق أشهى منها بحياتها.
*** "ريتال.. طمنيني عليكِ عاملة إيه؟ هكذا تحدث مروان وهو يقتحم غرفة ريتال، التي كانت تجلس بأحضان سما، ولا زالت متأثرة بحادثة الأمس. وما أن رأت مروان، حتى ارتمت بين أحضانه وهي تقول ببكاء: "شفت يا عمو اللي حصلي. التعبان الوحش كان هيقرصني. بس ربنا ستر…" "اه للأسف ربنا ستر…" هكذا تحدث باندفاع، وسرعان ما أعاد صياغة كلماته قائلًا: "أقصد يعني.. الحمد لله إن المتسماش أبوكي جه في الوقت المناسب…"
"الحمد لله.. يالهوي إيه اللي حصل في عينك ده يا مروان؟ هكذا تحدثت سما بصدمة، بعد أن رأت عينيه المتورمتين يحيط بهما هالة من اللون الأزرق القاتم. فبدا مظهره مريعًا، خاصة حين قال بنبرة متحسرة: "دخل في قطرين، كل واحد فيهم أغبى من التاني. حسبي الله ونعم الوكيل…" اقتربت سما منه بلهفة، تجلت في نبرتها، حين قالت: "مش تخلي بالك.. استنى هجبلك القطن والمرهم وأدهنهولك، أحسن تورم أكتر من كده…"
أنهت كلماتها وهبت من مكانها، تاركة كلًا من مروان وريتال المصدومين من حديثها. وتعَاظمت صدمتهم حين شاهدوه وهي تجلب صندوق الإسعافات الأولية، وتقوم بفرد محتوياته على السرير. فخرجت الكلمات من فم مروان باندفاع: "أنتِ هتعملي إيه؟ "هعقملك الجرح وأحطلك مرهم عشان متلتهبش.. وبعد كده تحاسب على نفسك…" قالت كلمتها الأخيرة بعتاب، فخرجت كلماته متلهفة: "أحاسب على نفسي إيه؟ ده أنا بكرة هجيلك متخرط تحت جرار. مش هتعالجيني؟
بس.. هو ده المطلوب…" أخفضت رأسها خجلًا. فنظر إلى ريتال المصدومة وقال بغباء: "هي مكسوفة بجد ولا أنا بيتهيألي؟ ريتال باندهاش: "لا باينها مكسوفة بجد…" مروان باندفاع: "ده أنتِ واقعة بقى…" لكزته ريتال في كتفه وهي تقول بخفوت: "متكسفهاش عشان مش تطفش منك.. خليك ذكي." قرب رأسه منها، قبل أن يقول بصوت خافت: "عندك حق." ثم قام بإرسال غمزة في الهواء، جعلت سما تقهقه بصخب على مظهره، وهي تقول بعدم تصديق: "أنت مش معقول…"
"طبعًا مش معقول، أنا مروان الوزان يا بنتي…" "سما.. أنتِ فين؟ بدور عليكِ… الله الله.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟ هكذا تحدثت همت، التي اقتحمت الغرفة تبحث عنها، فإذا بها تتفاجأ بسما، التي كانت تقوم بوضع المرهم فوق عيني مروان، وهي قريبة منه للغاية. "أبدًا يا ماما، بحط لمروان مرهم على عينه عشان متورمش…" صاحت همت بغضب: "ما تورم ولا تتحرق، وأنتِ مالك…؟ تدخل مروان قائلًا بانفعال: "إيه يا عمتي الزفت اللي بينقط من بقك ده؟
الملافظ سعد، دا أنا ابن أخوكي. مش ابن ضرتك." همت بحنق: "وإنت اتشليت، ما تحطه لنفسك." "وبعدين إيه الفال الوحش ده بقى؟ وربنا أجيب لك دول تتصرف معاك. أنتِ إيه؟ محدش مالي عينك ولا إيه؟ "بتعلي صوتك على عمتك؟ دا البيه اللي قاعدة تمرهميه…" هكذا تحدثت همت بانفعال، موجهة حديثها لسما، التي لم تتح لها الفرصة للحديث، إذ تدخل مروان قائلًا بصياح: "إيه تمرهميه دي يا عمتي؟ لاحظي إن كلامك كبير."
"كبير ولا صغير، اتفضل قدامي، ومالكيش دعوة بالواد ده، كفاية اللي جرالنا من تحت راس العيلة دي…" هكذا تحدثت همت بصرامة، فعاندها مروان قائلًا: "أنتِ حد داسلك على طرف يا ست انتِ؟ وبعدين وربنا ما هي خارجة إلا لما تعالجني وتحطلي المرهم." ما أن أنهى جملته، حتى تفاجأ الجميع من شيرين، التي دخلت الغرفة تتلوى من الألم: "ماما.. معندكيش أي حاجة مسكنة؟ بطني بتتقطع من الألم…" التفت الجميع حولها، فقال مروان بذعر:
"يخربيتك، أوعي تكوني بلعتي ريقك، أحسن تتسممي؟ صرخت همت في وجهه: "تسمم في عينك.. ليه تعبان؟ أجابها مروان باندفاع: "ده سؤال ولا إجابة؟ لكزته سما في كتفه، واقتربت من شيرين تسندها، حتى جلست على السرير. خلفهم، وخرجت صرخة ألم قوية منها، تزامنتًا من دخول طارق، الذي قال باستفهام: "مالها شيرين فيها إيه؟ همت بذعر: "معرفش يا طارق. فجأة لقيتها بتصرخ…" كان العرق يتصبب من جبينها، فاقترب منها قائلًا بلهفة:
"لازم تروح المستشفى حالًا…" "يالا يا ابني…" أنهى كلماته، وقام بحملها بين يديه مهرولًا للخارج، وهمت خلفه. بينما أخذ مروان يتحدث إلى همت بتقريع: "لا والنبي يعني طارق يشيل ويجري، وأنا مستخسرة فيا حتة مرهم. روحي يا شيخة، حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ.. قال وأنا كنت بقول حد تطففلي في حياتي. دا حد مرجع فيها." ***
كان عشقًا لا يسعني تجاوزه أو الفرار منه. لطالما كنت شخصًا يعرف جيدًا ما يريد. لا تخطو قدميه عبثًا، ولا يتراجع عن قراراته أبدًا. ولكنه العشق! ذلك القيد الذي التف حول قلبي، فأخضعه، وأنا الذي لم أعرف الخضوع يومًا. وباتت روحي مسكنك. فكيف لي بنزعك منها بعد أن اكتمل شقها الناقص بوجودك… ***
"لسه مكلم الدكتور، وأخيرًا اداني عنوان الدكتور الألماني، وقالي كمان إنه حجز لنا معاه. والراجل بالرغم من إنه في إجازة، إلا إنه معترضش إنه يشوفك…" هكذا تحدث سليم بحبور وهو يناظرها، بعد أن فعل المستحيل حتى يصل إلى ذلك الطبيب الألماني المختص بأورام الرحم. وقد شاءت الأقدار أن يكون في إجازة إلى القاهرة. وحين علم ذلك، قام بعدة محاولات حتى يصل إليه، وبالفعل أخذ موعدًا معه حتى يقوم بالكشف عليها. "طب كويس…" اقترب منها خطوة،
قبل أن يقول باستفهام: "هو إيه اللي كويس؟ جنة بحزن حاولت إخفاءه: "كويس إنك عملت كده، ووصلت له…" "مالك..؟ هكذا استفهم بلهجة هادئة ونظرات تخترقها. فحاولت الهرب من رجل تقف أمامه مجردة من كل شيء، حتى الحواجز التي تحاول بنائها بينها وبينه تعاندها وتنحني أمام حنانه، الذي لا تقدر على مقاومته. "عادي.. تعبانة من السفر، حاسة إني عايزة أنام…"
قالت جملتها والتفتت تنوي الهرب. فقام بإمساك يدها وجذبها إلى داخل أحضانه، التي احتوت ظهرها، وقام بسكب عشقه في قبلة طويلة فوق خصلات شعرها. فلم تمانع، فقط أغمضت عينيها باستسلام، حين وصل صوته الحاني إلى أعماقها: "أوعي تفكري إنك لما تكتمي جواكِ أنا مش هحس بيكِ. غلطانة.. أنا بعرف اللي جواكِ من قبل ما تقوليه." عاندته بوهن: "سليم أرجوك…" حاوطتها ذراعيه لتقربها منه أكثر، وأخذ يسحب رائحتها العذبة إلى داخل رئتيه،
ثم قال بصوت أجش: "جربتِ تطيري قبل كده؟ كست الحيرة معالم وجهها، وقالت باندهاش: "إيه؟ سليم بابتسامة: "يبقى مجربتيش. حلو.. عشان أعلمك أنا." "تقصد إيه؟ قام بجذب وشاحها الملقي على المقعد خلفه، وقال بتخابث: "هتعرفي كمان شوية…"
جذبها من يدها دون أن يعطيها الفرصة للاستفهام، وقام بالسير بها إلى خارج البيت، متوجهًا إلى الملحق، مما جعل الاندهاش يسيطر على ملامحها، والذي تعاظم أكثر حين شاهدته يتجاوز الملحق. وأخيرًا فطنت إلى وجهته، والتي كانت إلى مزرعة الخيل. فقالت بذعر: "سليم استنى. أنا مش هعمل اللي أنت عايزه ده. أنا بحبهم بس من بعيد…"
لم يجيبها، بل قام بالتوجه إلى فرس بني اللون ذو شعر كثيف، وقد كان مظهره رائعًا، يحيط به هالة من القوة، جعلت دقات قلبها تتقاذف بعنف داخل صدرها. ولكن جاءت كلماته العابثة تبدد خوفها للحظات: "خوفك ده عيب في حقي على فكرة. يرضيكِ الخيل تاخد عني فكرة إني مش مسيطر." انكمشت ملامحها بحيرة من معاني كلماته، ولكن جاءت نظراته لتجعل الخجل يغزو خديها، فقد كانت تحمل نظرات خطرة لا تجرؤ على مواجهتها.
أخذت تناظره وهو يجهز الفرس، وبداخلها رعب لا تقدر عن التعبير عنه، والذي تبدد للحظات وهي تراقبه بإعجاب، وهي تراه يمتطي الفرس. وفجأة، وجدت نفسها تطير من الهواء، محمولة من خصرها بين يديه، التي وضعتها أمامه. فأخذت ترتجف من فرط الخوف، وصاحت برعب: "سليم أرجوك نزلني. أنا هموت من الخوف…" احتضنت يديه خصرها، وهو يقول بنبرة خافتة بجانب أذنها: "واثقة فيا؟
كان سؤالًا لا تحمل إجابته، أو بالأحرى لا تعرف كيف تصيغها. فهي تثق به أكثر من أي شخص آخر، ولكن ليست الثقة الكاملة. ولأنها كانت متخبطة ضائعة، أخذت تهز برأسها يمينًا ويسارًا. وحين شعرت بيديه تشدد من احتضانها، حتى خرج صوتها مبحوحًا حين قالت: "أنت أكتر حد واثقة فيه في الدنيا. بس مش الثقة اللي تخلي قلبي قادر يتخلى عن خوفه…" لم تكن إجابة رائعة، ولكنها كانت صادقة. وكان هذا كافيًا بالنسبة له، لذا قال بحب:
"سيبي الموضوع ده عليا…" اتبع جملته وقام بضرب الفرس، الذي أخذ ينهب الطرقات، بينما هي تغمض عينيها بقوة، ودقات قلبها تتقاذف برعب. شعر هو به، فقال بجانب أذنها: "افتحي عنيكِ وواجهي خوفك. دي الحاجة الوحيدة اللي هتخليكِ تهزميه…" لم تطيعه، فأخذت ذراعيه تبتلعها أكثر بين أحضانه، وهو يشدد على كلماته: "طول ما أنا في ضهرك، أوعي تخافي.. أنا جنبك ولآخر نفس فيا هفضل ساندك. افتحي عنيكِ يا جنة…"
تغلغلت كلماته إلى أعماقها، فلامست أوتار قلبها، الذي سئم الخوف وظلماته، التي تطمس بريق الأمل بداخلها. فحاولت أن تطiعه، وأخذت ترفرف برموشها. فحاول هو أن يهدئ من سرعة الفرس، حتى لا يزداد خوفها أكثر. بينما هي تجاهد لتقف أمام خوفها، وأخيرًا فعلتها. وقد كانت وكأن نافذة إلى الجنة قد أطلت على قلبه، الذي ود لو يطير بها، كي يخبرها أي شيء هي بالنسبة إليه. و بالفعل، اقترب منها قائلًا بخشونة: "مش نفسك تطيري بقى؟
كان الهواء يلفح وجهها، بينما يحيط بهم الليل الهادئ، وتنير طريقهم نجومه اللامعة. فبدا الأمر رائعًا، وخصوصًا حين شعرت به يقوم بفك رابط شعرها، الذي كان وكأنه ينتظر إطلاق سراحه، ليرفرف حول وجهها بسعادة، لم تكن تتوقع أن تشعر بها. والتفتت إليه قائلة بابتسامة تخللتها عبرات غزيرة: "نفسي أطير…" "افردي إيديكِ.. وأوعي تخافي." أطلق تنهيدة خشنة من جوفه، قبل أن يقول بنبرة خشنة: "أنا ماسك فيكِ بإيدي وسناني.. وأفديكِ بعمري…"
أي شعور رائع قد قذفته كلماته العاشقة بقلبها، الذي أخيرًا هزم مخاوفه. وقامت بفرد أجنحتها، بينما قام هو برفعها من خصرها إلى الأعلى. فلفح الهواء بشرتها، وتناثر شعرها بجنون، بينما شعرت بالفعل بأنها تحلق بين الغيوم، وقد كان هذا شعورًا أقوى وأعمق من أن تستطيع وصفه. ***
كانت تجلس بجانب شيرين، التي كانت تعاني من آلام حادة في القولون والمعدة. وقد قام الأطباء بعمل اللازم لها، إلى أن تجاوزت نوبة الألم الحاد. ذلك وغفت بفعل هذا المحلول المغذي الموصول بذراعيها. وقد كان كلا من طارق ومروان وسما ينتظرون في الغرفة، بجانب همت، التي كان القلق يأكلها من الداخل على طفلتها. "بقولكوا إيه؟ أنا هنزل أجيب حاجات من الكافتيريا. حد عايز حاجة أجيبهاله معايا؟ هكذا تحدث مروان، مفرقًا نظراته بينهم.
فأجابته همت بامتعاض: "ليكَ نفس تاكل أوي يا خويا." ناظرها مروان بتخابث وقال بنبرة خافتة مستفزة: "هتموتي مني أنا عارف، بس أنا قاعد على قلبك…" تحدثت شيرين بنبرة خافتة: "ماما خليهم يخرجوا، وهدي النور ده، مش عارفة أنام…" تحرك طارق ناصبًا عوده، وهو يقول بخشونة: "لو احتاجتي حاجة يا عمتي، كلميني. إحنا قاعدين في الكافتيريا تحت…"
خرج الجميع. وبعد مرور خمس دقائق، تفاجأت همت بشخص ملثم يفتح باب الغرفة، ويقوم بغلقه بالمفتاح من الداخل. فخرجت منها شهقة قوية، وصاحت بذعر: "حرااامي… الحقونا…" تحركت شيرين من مخدعها، وهي تحاول تهدئة همت، قائلة: "اهدي يا ماما، ده مش حرامي…"
كانت همت بواد آخر، وهي تقف أمام ذلك، الذي لم تتغير ملامحه بعد كل تلك السنوات، بل ازدادت وسامته بقدر تلك الشعيرات البيضاء، التي لونت ذقنه ورأسه. وكما لم يتغير إحساسها به، وكأن ما مضى لم يطمس عشقها الجارف نحوه. "ناجي! "لسه بحب اسمي منك يا همت! *** في الأسفل، خرج طارق إلى باب المشفى، وهو يتحدث بالهاتف قائلًا: "كل اللي قولناه حصل بالحرف الواحد. وزمانه فوق معاها دلوقتي…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!