"هو في إيه بيحصل بره؟ هكذا استفهمت ساندي لدى سماعها أصوات شجار في الخارج، فحاولت النهوض لترى ماذا يحدث، فتدخلت والدتها التي قالت بتوتر: "خليكِ، أنا هشوف فيه إيه." أطاعتها بصمت، فتوجهت منال للخارج، فرأت زوجها الذي كانت الصدمة تلون معالمه بالكامل، وهو يناظر عدى الذي كان ينتفض غضبًا وهو يخاطب رجال الشرطة: "والله ما عملت حاجة. اغتصاب مين وكلام فارغ إيه؟ سيبوني." تدخل سعد قائلًا باستفهام:
"حضرت الظابط، ممكن تفهمني فيه إيه؟ اغتصاب إيه ومين البنت دي؟ الضابط باختصار: "هتعرف كل حاجة في القسم. هاتوه." وبالفعل قام رجال الشرطة بأخذه، وهرول سعد خلفه بعد أن التفت إلى زوجته قائلًا بتحذير: "أوعي تجيبي سيرة لساندي، وأنا هروح أشوف الزفت ده عمل إيه. ربنا يستر." أومأت منال قائلة بلهفة: "حاضر، متقلقش بس متنساش تطمني." أومأ بالإيجاب واندفع خلف عدى، بينما قالت هي بتردد بحسرة:
"يا عيني عليكِ وعلى بختك يا بنتي. استرها من عندك يارب." "فيه إيه يا ماما؟ هكذا تحدثت ساندي، فالتفتت منال بلهفة وخرجت كلماتها مبعثرة: "إيه.. لا. مفيش. حاجة. دا... دا باين أبوكي. راكن غلط. والناس.. طلعت.. تشكي فراحوا.. يشوفوا فيه إيه.. متقلقيش. شوية وهتطلع." لم ترتح لإجابتها، ولكنها لم تكن في وضع يسمح لها بالحديث أكثر، فقد بدأ الألم بالزحف إلى جسدها بعد انتهاء ميعاد المسكن، فشعرت والدتها بذلك وتقدمت منها قائلة بحنان:
"ميعاد أدوية. يالا عشان تاخديها." لامس حنان والدتها زاوية ما بقلبها، ولكن عقلها رفض هذا الإحساس بشدة، فتراجعت خطوة للخلف قبل أن تقول بجفاء: "متشغليش بالك. أنا عارفة مواعيد أدوية وهاخدها." أنهت كلماتها وتراجعت إلى غرفتها، تاركة خلفها منال التي أخذت تتخبط بين الندم والحسرة والألم. ***
كانت أيامًا ثقيلة يحاول تجاوزها بشق الأنفس، فكل ما يحيط به يُنذر بالسوء. بالرغم من كونه شخصًا مؤمنًا وذو عقيدة راسخة بأن رب الخير لا يأتي إلا بالخير، ولكن بداخله شعور قوي بأن السوء قادم. قد يكون هذا الشعور تولد نتيجة لألمه الداخلي، والذي يحاول بقوة الصعود على السطح، وهو يقاومه، دافنًا نفسه بين طيات الأوراق، يحاول الانغماس في العمل حتى ينسى تلك اللحظة التي سيدخل بها غرفته وحده. يعلم بأنها قريبة كل القرب منه، ولكن لا تطالها يده. يتلظى بنيران الشوق والألم معًا، ولا يستطيع التعبير عن ذلك، فقد كان صامتًا على الرغم من ثرثرة عقله التي لا تتوقف.
انتصف الليل وهلك الجسد، فلم يعد يتحمل أكثر، فزفر بإرهاق ونهض ناصبًا عوده، فأعلن جسده عن ما ألم به من تعب عن طريق طقطقة قوية لعظامه التي تنشد الراحة، ولكن أي راحة، الألم الحقيقي منبعه القلب؟
بأقدام متثاقلة دلف إلى داخل غرفته، فوجدها سابحة في الظلام، إلا من نور تسلل من غرفة الملابس، يعلن بأنها لازالت مستيقظة. أدار وجهه إلى الجهة الأخرى، فقلبه بدأ نوبة تمرده، يغويه بالتوجه إلى مكانها، ولكنه قام بردعه والتوجه إلى الحمام لأخذ حمام منعش يزيل عنه آثار وأعباء هذا اليوم الطويل. وبعد أن قضى أكثر من ربع ساعة أسفل المياه الدافئة، خرج ينوي الذهاب رأسًا إلى السرير حتى يحمي نفسه من إغواء أفكار قلبه المتمرد، ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. ف حين التفت ليرتدي ملابسه، تفاجأ بأنه لم يجلب أي شيء يستر به جسده، الذي كان يحيطه بمنشفة صغيرة تطوق خصره لتصل إلى ركبتيه، وملابسه هناك في غرفة الملابس، التي هي أكثر مكان يود الفرار منه الآن.
زفر بقوة قبل أن يأخذ قرارًا بأن يذهب إلى هناك، وليكن الله بعونه، حتى تمر تلك الدقائق بسلام. كانت جالسة على السرير تستند برأسها على ظهره، وهي تتذكر كل ما حدث معها، وكيف أخطأت بحقه، وها هي تدفع ثمن خطأها ألمًا وشوقًا، لا تعلم كيف تعبر عنه؟
هبت واقفة حين سمعت صوت باب الغرفة يفتح، فعلمت أنه أخيرًا جاء، فأخذ قلبها يدق بعنف، آلمها، تود لو تخرج إليه وتخبره كم هي آسفة، بل نادمة على ما حدث، لكنها كانت تخشى أن تتلقى منه رفضًا قد لا تتحمله. ترى بعينيه تعبًا وألمًا، تعلم أنها أحد أسبابه، ولهذا لا تجرؤ عن سؤاله عما به. تريد فقط أن تخفف أحماله التي تعلم أنها ترهقه، كما تعلم أنه أبدًا لن يشتكي. فهي طبيعته.
زفرت بقوة جراء تلك المعركة الدائرة بداخلها، والتي لا تسفر عن أي نتيجة، فهي بالنهاية حائرة، خائفة، لا تجرؤ على اتخاذ القرار. "يارب، حلها من عندك بقي. أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمل." هكذا خرجت الكلمات منها معذبة، وما أن انتهت حتى تسمرت بمكانها لدى سماعها ذلك الطرق الخفيف على باب الغرفة، فالتفتت تناظر الباب بلهفة، وهي غير مصدقة، هل فعلًا سمعت طرقًا أم أن حمى الشوق بقلبها جعلتها تتخيل؟
عاد الطرق مرة أخرى، فارتسمت ابتسامة بلهاء على شفتيها، فهي لم تكن تتخيل، وبخط متلهفة توجهت إلى الباب وقامت بفتحه، فتجمدت عينيها على صدره العاري الذي يعج بالعضلات التي اختطفت بصرها لثوان. كما اختطف أنظاره مظهرها الرائع، وهي بذلك اللباس البيتي المكون من قطعتين، إحداهما بنطلون من الستان وبلوزة صيفية من نفس القماش بندقية اللون ذو حملتين رفيعتين تغرقان ببحر من الحليب الذي يلون كتفيها، التي تحيط بها خصلات شعرها المتمرد، فبدت فاتنة بحق.
وقد كان هذا أكثر ما يخشاه، إغواء قاتل قد لا يقدر على مقاومته، وحتى إن تغلب على جيوش شوقه ورغبته، فهذا سيكون هلاكًا من نوع آخر.
ولكنه لم يكن وحده من يتعذب، فرؤيته بهذه الطريقة كانت أكثر من مهلكة على قلب اختلط به العشق والشوق والندم معًا، فكان من المفترض الآن أن تكون بين ذراعيه تنعم بعشقهم الجارف معًا، تقف تناظره من بعيد بشوق ضارٍ لا تقدر عن التعبير عنه، كجائع يعرض أمامه أشهى أنواع الطعام، ولكن محظور عليه حتى الاقتراب منه. هذا كان حالها. طال الصمت عن المعتاد، وكان كلًا منهما يشكو معاناته للآخر بسيل من النظرات القوية، التي
قطعها صوته الجاف حين قال: "معلش لو صحيتك، بس كنت عايز هدوم... عشان ألبسها... هدومي كلها هنا." بللت حلقها الجاف، وقد فطنت لسبب قدومه الذي كان مخيبًا لآمالها، ولكنها حاولت أن تخفي ذلك قدر الإمكان حين قالت: "آه طبعًا. اتفضل. أنا مكنتش لسه نمت." خطت أقدامه إلى الداخل، يحاول تجاوز وجودها المهلك ورائحتها الشهية، وتقدم من أحد الأرفف ساحبًا أحد السراويل القصيرة بعجالة، ثم عاد أدراجه إلى الخارج، ولكنه توقف. لا يعلم لما؟
ولا ماذا سيقول؟ فقط أراد أن يطيل الحديث معها. يقر عينيه برؤيتها لمدة أطول، فالتفت قائلًا بنبرة خشنة: "جنة هتسافر آخر الأسبوع، عشان الجلسات. عرفتي؟ "آه عرفت. هي قالتلي. بس بتقول هيكلموا الدكتور عشان الجلسات تكون هنا وأقدر أكون موجودة معاها." هكذا تحدثت بلهفة، فقال بفظاظة: "لو حابة تروحي معاها. براحتك."
لو لم تكن تعلم سابقًا من شقيقتها بأنه رفض هذا العرض، لكانت ماتت ألمًا، فهي من أخبرتها بأن تطرح هذا الأمر على سليم لترى ردة فعله، ولكنها الآن تعلم أنه ما زال غاضبًا، بل متألمًا بسبب ما حدث، لذا تحدثت بثبات: "لا. أنا هستنى لما تروح وترجع، ومدام سليم معاها أنا مطمنة." ارتاح قلبه لإجابتها، ولم يعلق، اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه، وأوشك على الالتفات، فجاءت كلماتها التي جعلته يتوقف بمكانه: "اتعشيت ولا أجهزلك العشاء؟
أراد أن يخبرها بأن جوعه لم يكن للطعام، ولكن اكتفى بالقول: "لا. مش جعان." "بس غلط كده. أنت فين من ميعاد الغدا؟ عدى أكتر من ثمان ساعات." هكذا تحدثت بلهفة، فقد كانت تريد أن تطيل معه الحديث قدر الإمكان، ولا تعلم بأنها تضعه في تحدٍ عنيف بين ثباته التي بدأ يتلاشى، وبين شوقه الضاري لها، وخاصةً وهي بتلك الهيئة، فحاول التماسك قدر الإمكان قائلًا بفظاظة: "أنا بحب أنام خفيف." "غلط على فكرة. إن لبدنك عليك حق."
عاندته حين رأت عروقه النافرة التي تدل على مقاومته الضارية لمشاعره نحوها، وقد تذكرت حديث أمينة التي قالت بتعقل: "جوزك بيحبك. يعني قلبه في صفك. كل راجل وله طريقه، آه. بس الرجالة كلها بتجتمع في نقطة الغريزة، فلما تجمعي بين قلبه وغريزته يبقى أنتِ ملكتيه العمر كله. ولو معرفتيش تستغلي دا يبقى أنتِ غبية." علمت أنها في الطريق الصحيح، لذا قررت اللعب بشتى الاتجاهات حتى تعيده إلى أحضانها من جديد.
"متشغليش بالك. أنا متعود على كده." هكذا أجابها بفظاظة، فقد ضاق ذرعًا بعنادها وأراد الهرب من بين براثن إغوائها القاتل، فتوجه إلى داخل الغرفة، فتبعته قائلة: "أنت بتقاوح في الغلط ليه؟ توقف بمنتصف الغرفة وقال بخشونة: "عايز أغير هدومي. لو حابة تفضلي عندك تتفرجي أنا معنديش مانع."
تسمرت بمكانها لدى سماعها كلماته التي جعلت فكها يتدلى من فرط الصدمة، وخرجت شهقة قوية من جوفها لدي رؤيتها يده التي امتدت تمسك بطرف المنشفة، فالتفتت بلمح البرق إلى غرفة الملابس، مغلقة الباب خلفها بعنف، فلم ترى ضحكته العابثة ولا ذلك النفس القوي الذي خرج حارقًا من جوفه. *** وقعت فريسة لذكرياتها المؤلمة بقدر روعتها، فباتت ليلها تضحك تارة وتبكي أخرى، وهي ترى صورًا من الماضي تعكس لحظات لن تعود ولن تحيا مثلها أبدًا.
جاء الصباح وهي غارقة ببحور العذاب، حتى أنها لم تنتبه لشروق الشمس الذي أضاء الغرفة، فقلبها كان غارقًا في ظلام الوجع الذي بعد مرور تلك السنوات لم يهدأ أبدًا. طرق قوي على باب الغرفة جعلها تقوم بلملمة أوجاعها ودفنهم بصندوقها السري الذي أتقنت إخفاءه في خزانة ملابسها، وقامت بكفكفة عبراتها قبل أن تقول بصوت مبحوح: "ادخل."
أطلت شيرين برأسها من الباب، لتقع نظراتها على همت التي كانت عينيها تحكي مقدار الألم الذي تحاول جاهدة إخفاءه، حين قالت بجفاء: "خير عالصبح." تقدمت شيرين من والدتها تناظرها بقلق تجلى في نبرتها حين قالت: "مالك يا ماما؟ فيه إيه؟ همت بجفاء: "مفيش. جايه ليه؟ "لسه بردو زعلانة مني؟ أدارت رأسها الناحية الأخرى وهي تقول بنبرة قاسية: "مش عايزة أتكلم في حاجة." عاندتها بتوسل:
"طب عشان خاطري. خلينا نتكلم واسمعيني. بعد كده لو عايزة تضربيني أنا موافقة." التفتت تناظرها بحدة تجلت في نبرتها حين قالت: "أضربك؟ فكرك بالكلام ده هتضحكي عليا؟ اديني سبب واحد مقنع يخليكِ تعملي في نفسك اللي عملتيه دا؟ "كان غصب عني." هكذا أجابتها وهي تخفض رأسها، فصاحت همت غاضبة:
"كذب. أنتِ قبلتي بالوضع ده عشان تثبتي لسالم أنك مش هتموتي من غيره. تموتي نفسك بالبطيء عشان خاطره. زي برضه ما حاولتِ تموتي نفسك قدامه عشان ميروحش الفرح، ومهمكيش دموعي ولا وجع قلبي عليكِ. ليه بتبهدلي في نفسك كده؟ ردي عليا... ليه هاينة شيرين عليكِ كده؟ استفزها حديث والدتها بشكل كبير، وللحظة أوشكت على إخبارها بكل شيء، ولكنها تراجعت بآخر لحظة وقالت بنبرة متألمة:
"عشان معنديش حد غيره. محبتش حد غيره. هو كان بالنسبالي كل حاجة. قبلت بعقابه، أنا حتى فرحت بحالة أحمد. لأني فعلًا مكنتش هتحمل راجل غير سالم يقرب مني. ورجعت عشان متحملتش يكون لوحدة غيري. وبموت وأنا بتخيله معاها." "وغلطك معاه من الأول ليه؟ ماهو كان جنبك ومعاكِ وكان زمانك متجوزاه ومخلفة منه. أنتِ اللي اتملعنتي ولعبتي بديلك." هكذا أجابتها همت بقسوة، فصاحت شيرين بغضب:
"حرام عليكي تعيدي وتزيدي في الموضوع من تاني. شرحتلك ألف مرة أني غصب عني غلطت. إيه اللي يغلط عندكوا يندبح؟ همت بنبرة جريحة: "إحنا اللي بنندبح من غلط اللي بنحبهم. عشان كده مستحيل نقدر نسامح." "أنتِ زيه وشبهه على فكرة. زي ما هو عاقبني ورماني، أنتِ عاقبتي بابا واتخليتي عنه." تألمت بقوة حتى أن عينيها فاضت بعبرات غزيرة انهمرت على وجنتيها حين قالت: "وأنتِ للأسف زي أبوكي. عايزة تاخدي كل حاجة، مش مهم بتدوسي على مين؟
وعايزة برضه الناس تسامحك على كل اللي بتعمليه. من غير ما يكون ليهم حق حتى يتألموا. زمان هو خانني واستكتر عليا أتعذب من خيانته." خرج صوتها جريحًا معذبًا حين قالت: "مخانش. بابا مخانكيش أبدًا. هما اللي ضحكوا عليكِ وفهموكي كده زمان عشان يبعدوكي عنه." همت بسخرية مريرة: "الوحيد المضحوك عليه هو أنتِ. لو كنتِ ماشية وراه هتندمي عشان أبوكِ معندوش لا عزيز ولا غالي." شيرين بألم:
"حرام عليكي. أبويا عاش عمره كله على ذكراكِ. بالرغم من أنك اتخليتي عنه. وصدقتيهم." "عشان هما مكذبوش." هكذا صرخت همت بقهر، ف تراجعت شيرين للخلف مصدومة، فتابعت همت بألم: "لو هما كذابين فإحساسي عمره ما هيكذب." "طب ولو أثبتلك بالدليل أنهم كذبوا. ولو وريتك بعينيكِ أنهم كذابين تقبلي ترجعيله تاني؟ كانت تتحدث بثقة نجحت في زعزعة ثبات همت للحظات، ولكنها صاحت برفض:
"أي حاجة منه عارفة أنها كذب. أبوكي يقدر يزيف الحقائق والعكس بمنتهى الاحترافية." شيرين بقوة: "مش كل حاجة ينفع تتزيف يا ماما. بابا مش خارق. وعمومًا أنا هوريكِ بعينك أن بابا اتظلم منهم زمان وأن اللي كانوا عاملين حبايبك هما اللي طعنوكي في ضهرك." همت بريبة: "تقصدي مين؟ "أمينة. تنكري أنك كنتِ عارفة أنها آمنت بتحب زمام قبل ما أتجاوز خالي؟ تراجعت همت بصدمة: "إيه؟ ***
كان يسير بعربته بين الأروقة والطرقات، لا يعلم وجهته ولا يفهم ذلك الضيق الذي يملأ قلبه منذ البارحة. حديثها ونظراتها المتألمة وقهرها الكبير يدميان قلبه. لم يكن من أصحاب القلوب اللينة، لطالما كانت الناس تخشاه نظراً لقسوته وعنفوانه، ولكن ماذا جرى له؟
هناك مشاعر قاسية وغريبة من نوعها تجتاحه كفيضان لا يقدر على مقاومته. نيران الذنب تحرق أحشاءه من الداخل، وكلماتها تُعاد على مسامعه كل لحظة، فيزداد ألمه تشعبًا داخل صدره. فلم يعد يحتمل البقاء بغرفته وخرج منذ الصباح يجوب الطرقات، لا يعلم عما يبحث، ولكنه يحاول الهرب من ذلك العذاب الذي طرد النوم من عينيه الليلة الفائتة.
خفقة قوية ضربت قلبه حين شاهد تلك التي كانت تمشي بخطٍ مثقلة وملامح واجمة، وهي تحمل بيدها وعاء به أسمنت وتقوم بنقله إلى موقع أحد الأبنية، وبجانبها الكثير من مثيلاتها ممن يقمن بهذا العمل الشاق، فتحفزت كل خلية به وتصاعدت أبخرة الغضب إلى رأسه، خاصةً حين وجد أحد الرجال يناظرها بنظرات وقحة، فأوقف عربته بعنف جعل الخيل يصهل بقوة، وقام بالقفز من فوقها وهو يتوجه بعينين ترسلان سهامًا مشتعلة، وقام بلگز ذلك الرجل
في كتفه وهو يقول بغضب: "واقف قدام الحريم أكده ليه يا بغل أنت؟ تراجع الرجل بذعر من رؤيته وقال بتلعثم: "إني... إني بشرف عليهم يا عمار بيه." "طب غور من وشي. وشوفلهم حرمة غيرك تشرف عليهم."
أطاعه الرجل دون حديث، مبتلعًا إهانته بصمت، بينما توجه هو إلى تلك التي ضربت رجفة قوية جسدها بالكامل حين سمعت صوته، ولكنها لم تحاول الالتفات حتى، بل تابعت طريقها إلى حيث تضع ما بيدها، ولكنها تفاجئت منه حين قام بجذب ذلك الوعاء بقوة وإلقاءه أرضًا وهو يقول بفظاظة: "بتعملي إيه أهنه؟ التفتت بأعين جامدة تشبه لهجتها حين قالت: "چنابك شايف إيه؟ أغتاظ من حماقة استفهامه، فتجاوز عن إجابتها وقال آمرًا:
"تعالي عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم." "لأه." فاجأته ردها القوي والصارم، فأكفهرت معالمه واحتدت عينيه وشابهتها لهجته حين قال: "أنتِ اچنيتي يا بت. بجولك عايز أتكلم معاكِ تجوليلي لأه." أكدت على حديثها قائلة بجفاء: "أيوه لأه. إني مش فاضية للحديث مع حد ورايا شغل وكمان مفيش بيني وبينك حاجة نتكلموا فيها." ابتلع جمرات غضبه وقال من بين أسنانه:
"شغلك موجود. أنا موافجتش إنك تسيبيه. ودلوق انجري جدامي مفيش شغل ليكِ أهنه ولا أنتِ عاجبك الرچالة اللي عينها هتطلع عليكِ أكده؟ كانت كلماته مسمومة بقدر غضبه من نظرات ذلك الرجل لها، وقد جاءت في أكثر الأوقات خطأ، فسددت سهمًا آخر لها، فردته هي بحرفية لم تكن مقصودة حين قالت: "والله ده شيء ميخصكش. اللي يبص يبص. إيه مزعلك؟ كان سؤال وجهه لنفسه أولًا، والتي هربت من إجابته، والآن أعادته هي على مسامعه، فهل يهرب؟
أو السؤال هنا كيف يهرب؟ "لسانك طول. وصار لازم ينجطع. فوتي جدامي." "لأه." هكذا أجابته بقوة وإصرار، فتحولت عينيه إلى بركة من الدماء الغاضبة، فتابعت هي بجفاء: "بعد عني يا كبير. ولو مفكر إنك بفلوسك وسلطتك تجدر تبيع وتشتري في الخلج فمش كل اللي ينشرى ولا كل اللي ينباع. عن إذنك."
ألقت كلماتها بوجهه، ثم شيّعته بنظرات ساخطة، قبل أن تقوم بالعودة إلى عملها، تاركة خلفها كتلة من النيران التي أخذت تأكله من الداخل، ولأول مرة بحياته يشعر بأنه لا يعرف ماذا يقول ولا كيف يتصرف؟ فقط ظلت عينيه معلقة عليها بصمت وانهزام، كان الأول لقلبه. *** "لسه بردو متصالحتوش؟
هكذا تحدثت جنة مع فرح، التي كانت سابحة بخيالها وهي ترتشف قهوتها الصباحية برفقتها في الشرفة المطلة على الحديقة، والحقيقة أنها كانت بعالم آخر يقتصر عليه فقط، ولكن جاءت كلمات جنة لتعيدها إلى واقع أليم، فتنهدت بحرقة وهي تجيبها: "لا. ومش باين لها صلح." "ليه بتقولي كده؟ لون الامتعاض ملامحها وقالت بتحسر:
"معرفش. سالم محتاج وقت طويل على ما يقدر يسامحني ويرجع يتعامل معايا زي الأول، وخصوصًا أن شكل فيه حاجة كبيرة حصلت وهو مش عايز يقول عليها، وطبعًا مش هقدر أسأله." انكمشت ملامح جنة بقلق تجلى في نبرتها حين قالت: "حاجة زي إيه؟ "مانا قولتلك معرفش. وماليش عين أسأل. أنا كل ما أبصله بلاقي عتاب كبير أوي في عينيه. زي ما يكون كل ما يشوفني يفتكر اللي حصل. أنا بس نفسي أكون جنبه وأخفف عنه شوية."
هكذا تحدثت بحزن لون ملامحها بوضوح، فرق قلب جنة لحالها، وفجأة لمعت عينيها بحماس تجلى في نبرتها حين قالت: "بصي لو هو مش هيقول أنتِ تعرفي من بره، ووقتِها تحددي." "وهعرف منين؟ وإزاي؟ هكذا تحدثت بيأس، فتابعت جنة بحماس: "هو واحد بس اللي ممكن يساعدنا نعرف فيه إيه؟ وبناءً عليه هنقرر الخطة اللي هتمشي عليها عشان تخليه يسامحك." التفتت فرح تناظرها بعدم فهم، فأردفت جنة بحنق:
"فرح فتحي مخك شوية. أنتِ أولًا لازم تصالحيه زي ما زعلتيه. بس قبل ما تعملي كده لازم نعرف فيه إيه؟ خصوصًا أن سليم هو كمان شكله مش مظبوط ومخبي حاجة، وأنا برضه هموت وأعرف إيه الحاجة دي؟ بس برضه مش قادرة أسأل، فنعرف الأول وبعد كده نشوف هتعملي إيه؟ "طب برضه هنعرف إزاي؟ "سيبيها عليا." هكذا تحدثت جنة، وما أن انتهت حتى أتاها صوتًا عابثًا من خلفها:
"يا ساتر استر يارب. متجمعين كده يبقى بتفسدوا. مانا عارف تجمع الستات دا آخره مصايب سودا." التفتت جنة لدى سماعها صوت مروان الساخر، فهبت من مقعدها تناظره بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت: "يخربيتك. أنت جيت منين؟ ده أنا كنت لسه هقوم حالًا أدور عليك." جلس مروان على الكرسي بين الشقيقتين وهو يقول بترقب: "أكيد حظي المنيل هو اللي جابني دلوقتي. انجزي كنتِ هتقومي تدوري عليا ليه؟
اقتربت جنة تجلس أمامه وهي تقوم بوضع قطعة كيك في الطبق وتقديمها إليه قائلة بصوت رقيق ونبرة هادئة: "طب فطرت الأول. دي الكيك دي اللي أنت بتحبها على فكرة وأنا اللي عملاها." "استر... آهو أنا بقى مبخافش غير من الدخلات دي." هكذا صاح مروان بشك، فرسمت جنة الحزن على ملامحها وتجلى في نبرتها حين قالت: "اخس عليك. وأنا اللي قولت تيجي تفطر معانا وعملت الكيك اللي بتحبه." مروان بتهكم:
"ماهي دايماً المصايب بتبتدي كده. جُر رجل الزبون وبعدين زحلقة وقعه على دماغه. انجزي عايزة إيه. وهاتي الكيك دا أما أدوقه." ناولته جنة طبق الكيك، فأخذ منه قطمة تلو الأخرى، وبدأ عليه الاستمتاع بطعمه، فقال بريبة: "الكيك طعمه رائع، ودا في حد ذاته يقلق." انكمشت ملامحها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت: "يقلق إزاي؟
"عشان اللي هييجي بعده هيبقى مرار. جمال الكيك يتناسب طرديًا مع فداحة المصيبة اللي بتيجي بعده. واللي مخلياكِ قاعدة لي كده زي قرد قطع عينك في كل قطمة بحطها في بقي، لما هيجيلي تلبك معوي. اخلصي عايزة إيه؟ أخذت الفتاتان تناظرنه بصدمة تجلت في كلمات فرح حين قالت لـ جنة: "أنتِ فاهمة حاجة؟ جنة بغباء: "لأ." رمقهما بسخرية وتابع يأكل بنهم إلى أن توقف الأكل بحلقه، فسعل بقوة، فهبت جنة تناوله كوب الماء بلهفة وهي تصيح:
"ادي آخرة التفاصه." مروان من بين سعاله: "قصدك آخرة عينك اللي تندب فيها رصاصة." قهقهت جنة على مظهره، و خاصةً حين جلب قطعة أخرى إلى طبقه وهو يقول وكأن شيئًا لم يكن: "ها يا ستي قوليلي عايزة مني إيه؟ عجبني الكيك ونويت أساعدك خلاص." اقتربت جنة منه تشير إليه بالاقتراب، وهي تقول بصوت لا يسمعه سوى ثلاثتهم: "سالم وسليم مالهم؟ فيه إيه شاغلهم اليومين دول ومخليهم مش على بعضهم؟ توقف الطعام بفمه وهو يناظر عينيهم المسلطة بقوة عليه،
فصاح بمراوغة: "بيقولك بقى لما تحطي شوية خل على الكيكة بيخليها هشة كده وعاملة زي الهوا. إنما الكيكة دي مكتومة. لأ مش قد كده. أنا بقول أقوم أروح لدادا نعمة أخليها تعملنا صينية كيكة من بتوعها وبالمرة تعلمك الطريقة. عن إذنكم." أوشك على الفرار، فوجد يد جنة التي امتدت تمسك ساعده، وعينيها التي ضيقتها بشر تجلى في نبرتها حين قالت:
"اقعد. بتصيع عليا. طيب يكون في علمك أني مش أنا اللي عاملة الكيكة. وبعرفش أعمل كيكة أصلًا. نعمة اللي عاملها. ابقى اتجرأ وقول الكلمتين دول قدامها. ودلوقتي بقى. نتكلم بصراحة ومن غير لف ولا دوران. فيه إيه مخبيينه علينا. انطق وإلا متلومش غير نفسك." كانت تحادثه ويدها تلهو في حركة استعراضية بسكين الفاكهة، تريد بث الرعب في قلبه، وقد نجحت في ذلك، فقد بهتت نبرته وتراجع قائلًا:
"شوف ياخي وأنا أقول برضه. دي استحالة تكون عمايل إيديكِ انتِ تعملي قلقاس. بصارة. خبيزة، إنما كيكة لأ طبعًا." تدخلت فرح بنفاذ صبر: "انجزي هتقولنا ولا لأ؟ زل لسانه وهو يقول بحدة مفتعلة: "انتوا عايزيني أبيع ولاد عمي وأطلع أسرارهم بره؟ صاحت جنة باندفاع: "أنا قولت. يبقى أسرار فعلًا وإحنا منعرفهاش." أغمض عينيه للحظات يلعن غباءه، فتدخلت فرح قائلة برفق:
"مروان. سالم مش متظبط خالص. وأنا حاسة أن فيه حاجة والحاجة دي تخصني وهو كالعادة مبيقولش. فقلنا نسألك أنت بتعتبرنا إخواتك وأكيد هتساعدنا." مروان بتهكم: "وأنا مين هيساعدني لما يعلقني على البوابة ويبيع الكيلو مني بقرش؟ "أوف بقى. ما تنشف كده ولا حد يقدر يعمل معاك حاجة وإحنا موجودين. وبعدين مش إحنا إخواتك زي ما قولت؟ مروان باستنكار: "هموت وأعرف قلت إمتى الكلام ده! إخواتي منين؟
أنا ليا أخ واحد وأمريكا بحالها مكنتش واخدانا إحنا الاتنين، طفشت منه وجيت. بعت معايا المخفية بنته عشان تكمل مشواره في تنغيص حياتي. مين قالك إني عايز إخوات أصلًا؟ فرح بخيبة أمل: "طب خلاص يا مروان. مش عايزة أعرف حاجة." كان مظهرها محزنًا للغاية، ف تحدث بنفاذ صبر: "إيه ده أنتِ زعلتي ولا إيه؟ لأ بقولك إيه أنا نقطة ضعفي الوحيدة ألاقي مزة زعلانة." تدخلت جنة معنفة: "طب ما تقول لنفسك. ما هي مقهورة قدامك أهيه."
زفر بقوة وقال بنفاذ صبر: "طب بصي اديني فرصة آخد وأدي من نفسي كده وأشوف أنا ينفع أقول إيه وإيه اللي مينفعش أقوله. دي أسرار برضه." برقت عيني الفتاتين وصحن في آن واحد: "يعني فيه أكتر من حاجة مش حاجة واحدة؟ هنا أدرك هفوته، فقام بضرب رأسه بظهر يده وهو يتمتم بحنق: "يا وقعتك السودا يا مروان." "مروان يا بتاع سما. انجز وقول فيه إيه أحسن ما هخلي البيت كله يعرف المستخبي. وأنت عارفني مجنونة وأعملها."
"هششششش. اخرسي الله يخربيتك. هتوديني في داهية." هكذا تحدث بلهفة وهو يتلفت بكل الاتجاهات، فلمعت عينيها بخبث تجلى في نبرتها حين قالت: "يبقى تتعدل وتقول فيه إيه؟ "جنة.. جنة.." صدح صوت سليم خلفهم، فالتفت الثلاث إلى الخلف، وما أن رآه مروان حتى هب من مكانه وهو يقول بلهفة: "سليييم. حبيبي قلبي. بدور عليك من الصبح. عايزك في موضوع مهم ميتأجلش ثانية واحدة."
كانت فرصته الوحيدة في الهرب من بين براثنهم، فهرول إلى سليم، الذي تفاجأ به يجلس بينهم، ثم وثب قائمًا تجاهها يجره بعيدًا عنهم. "فيه إيه يا ابني جررني وراك كده ليه؟ مروان بلهث: "أصلك متعرفش. أنا كنت في حلقة استجواب مع المحقق كونان وأنت جيتلي نجدة من السما." سليم بنفاذ صبر: "أنا مش فاهمك حاجة يا ولد انت. استجواب إيه وكونان إيه. ده مش ناوي تعقل شوية؟ "كونان دي يبقى الهانم مراتك." هكذا أجابه مروان بتهكم، ف انكمشت
ملامحه بغضب وقال بتقريع: "مالك ومال مراتي يا حيوان؟ مروان باستفزاز: "السؤال الأصح هي اللي مالها ومالي. الهانم شقطتني وأنا ماشي في حالي وهات يا دلع وأشي كيك وشاي وطلعت في الآخر عايزة تستجوبني." أمسك سليم به من تلابيبه وهو يصيح غاضبًا: "كيك ودلع هي حصلت. ده أنا هدَفنك حي النهارده." كاد أن يختنق بين يديه، فحاول الحديث قائلًا من بين أنفاسه المتلاحقة:
"افهم يا أبو مخ مصدي. بقولك بتستدرجني عايزة تقررني وتعرف سالم ماله وإحنا مخبيين عنهم إيه؟ أفلتُه سليم بغتة وقال بلهفة: "أوعى تكون قلتلهم حاجة؟ مروان بغرور: "عيب. عيب تقول على صاحبك وحبيبك وكاتم أسرارك كده. لأ طبعًا توهتهم لحد ما أنت جيت وخلعت. بس جنة دي مش سهلة دي فقستني وأنا مش هسلك معاها. وأساليبها كلها مغرية وأنا بصراحة بضعف." لكمة قوية كادت أن تصيب فمه، ولكنه تفاداها ببراعة وهو يقول بلهفة:
"مش كل مرة يا برنس عيب." فصاح سليم غاضبًا: "ده أنا هكسر صف سنانك. أساليب إيه يا بغل اللي مغرية؟ صحح مروان حديثه إذ قال بسلاسة: "تصدق الحرمان وحش برضه. يا ابني افهم. دماغك بتروح فين؟ أقصد جابتلي كيك. قالتلي أنا اللي عملته بإيدي وأنت زي أخونا وبنحبك والكلام اللي أي حد حمار ممكن يتثبت بيه." "وطبعًا أنت اتثبت؟ هكذا تحدث سليم ساخرًا، فأجابه مروان باندفاع: "طبعًا بقولك أساليب مغرية جدًا."
"بقي الست هانم بتثبتك عايزة تعرف منك. دي مفكرتش حتى تسألني؟ ماشي يا جنة." هكذا تحدث سليم حانقًا، فأجابه مروان بمزاح: "دي غيرة ونفسنة ولا أنا بيتهيألي؟ تراجع خطوتين إثر نظرات سليم النارية، فآثر تغيير الموضوع إذ قال بجدية مفاجأة: "بس قولي تفتكر سالم ليه مصارحش فرح بموضوع الإيميل اللي اتبعت من على اللاب بتاعها ده؟ تفتكر كان شاكك فيها؟ نجح في تشتيت انتباهه، فتحدث سليم بحيرة: "والله معرفش. وهو مش مرسيني دماغه فيها إيه؟
أي حاجة تخص فرح مبيصارحش بيها." هنا تراجعت خطوة إلى الخلف بعد أن استمعت لحديثهم بتحريض من جنة، التي كانت بواد آخر وهي تتخيل سليم غاضبًا منها لما حدث مع مروان، ولكنها تنبهت على حديث فرح، التي قالت بعدم فهم: "إيميل إيه؟ وإيه حكاية شكه فيا دي؟ "جنة" بعدم فهم: "معرفش. وموعدكيش إني أقدر أعرف. لو عايزة رأيي اسأليه دا حقك مدام الموضوع كله يخصك." ارتسم التصميم على ملامحها ونبرتها حين قالت: "عندك حق."
أنهت جملتها وتوجهت رأسًا إلى مكتبه، وقامت بدق الباب، وحين أتاها أمره بالدخول، قامت بالدلوف على الفور وهي تتوجه بخطوات ثابتة إليه، تشبه نبرتها حين قالت: "عايزة أتكلم معاك في موضوع مهم." رفع رأسه يطالعها بصمت دام للحظات، قبل أن يقول باختصار: "سامعك." "إيه حكاية الإيميل دا اللي اتبعت من ع اللاب بتاعي دا؟ احتدت نظراته لثوانٍ، قبل أن يقرر الحديث بصراحة:
"من فترة اتعرضنا لعملية نصب. حد اتعاقد مع شركة ألمانية باسمنا وبعت من على إيميل الشركة أوردر للمخازن أنها تطلع البضاعة وتمن الصفقة والفلوس اتحولت على حسابه، ولحد دلوقتي معرفناش مين الشخص ده." انكمشت ملامحها بعدم فهم، سرعان ما تحول لصدمة ما أن وصل مغزى حديثه إلى عقلها، والذي لسوء حظها أكدته كلماته حين تابع بخشونة: "إيميل الشركة كان مفتوح عندي وعند سليم. وعندك! تراجعت خطوة للخلف وهي تقول بصدمة: "تقصد... قاطعها
حديثه الجاف حين أكمل: "مروان فحص التلت أجهزة. اكتشفنا أن الإيميل اتبعت من عندك." كلماته اخترقت قلبها كسهام مشتعلة نفذت إلى أعماقها بقوة آلمتها، وتجلى ذلك الألم على وجهها وتقاسيمها التي امتقعت، فخرجت الكلمات من فمها مبعثرة تمامًا كحالها في تلك اللحظة: "أنا. أنت.. أنت.. تصدق.. أن.. أنا.. أعمل.. حاجة.. زي دي؟ أنا.. عمري.. ما.." قاطعها بلهجته الخشنة وملامحه التي قست حين رأي ألمها الجلي على وجهها:
"الكلام ده عدى أوانه خلاص." بشفاه مرتعشة أجابته: "تقصد إيه؟ .. لحظة. أنت سألتني عن اللاب بتاعي قبل الفرح.. يعني... زفر بقوة قبل أن يعيد كلماته السابقة: "قولتلك الكلام عدى أوانه خلاص." وصل المغزى خلف حديثه، فهو لم يشك بها قط، وإلا لما تابع مخططه بالزواج منها، فتقدمت منه قائلة بحزن: "أنت مش شاكك فيا أصلًا. أنا متأكدة من ده." تجاهل ألمه وأجابها بفظاظته المعهودة:
"طبيعي تكوني متأكدة. ماهو مفيش واحد هيتجوز واحدة شاكك فيها. وإلا يبقى غبي." كانت تعلم ما يرمي إليه جيدًا، وقد تعاظم شعور الندم بداخلها على خطأها الجسيم بحقه، وقد هالها نظراته المعاتبة الجريحة، فهو لم يشك بها أبدًا حتى لو رأى بعينيه، وهي التي صدقت كلمات تلك الشيطانة وانساقت خلف مخططاتها بكل غباء. ياليت الزمن يعود إلى ذلك اليوم، فتنفض كل هذا العبث وترتمي بين أحضانه ولن تفارقها أبدًا. اقتربت خطوتين
وهي تقول بشفاه مرتعشة: "سالم. أنا عارفة إني غلطت في." قاطعها بقسوة كانت جديدة كليًا عليه: "اسكتي يا فرح." هبت معاندة: "سالم." قاطعها بصرامة: "امشي يا فرح." توقفت إثر اختراق الكلمة قلبها الذي اهتز، حين تابع قائلًا بجفاء: "معنديش استعداد لأي نقاش دلوقتي ومش ضامن نفسي. ولا عايز يطولك أذايا. فالأحسن تمشي." بشفاه مرتعشة وقلب محترق أجابته بخفوت: "حاضر. همشي."
لا تعلم كيف جرت قدماها للأعلى، ولكنها لم تتوقع أن يطلب منها المغادرة بتلك الطريقة. نعم خطأها فادح وعواقبه وخيمة، ولكن طلبه منها بالرحيل كان أقسى ما يتحمله قلبها. جل ما تريده الآن أن تغادر هذا المنزل لأبعد مكان تختفي به لتلعق كبرياءها الجريح وقلبها النازف.
لا تعلم ماذا كانت تضع بالحقيبة، ف عبراتها حجبت الرؤية أمامها وشهقاتها تعالت، حتى أنها جذبت أسماع أمينة التي دخلت إلى الغرفة لترى ماذا يحدث، فتفاجأت بتلك التي تحمل حقيبتها تنوي المغادرة، فاستوقفتها قائلة بصدمة: "رايحة فين يا فرح؟ أجابتها بنبرة جريحة من فرط الألم: "ماشية." أمينة باستنكار: "ماشية فين أنتِ اتجننتِ؟ فرح بنبرة متقطعة من بين شهقاتها: "لا. متجننتش. سالم اللي طلب مني أمشي." بهتت ملامح أمينة وقالت بصدمة: "إيه؟
سالم اللي طلب منك تمشي؟ "قالي لو مش عايزة يطولك أذايا امشي. امشي يا فرح." قالت جملتها الأخيرة وانفجرت في نوبة بكاء مريرة، رق لها قلب أمينة التي احتضنتها بحنان يتنافى مع تعاظم الغضب بداخلها، وأخذت تربت على كتفها في محاولة لتهدئتها، وحين لاحظت سكون جسدها قليلًا تراجعت تناظرها وهي تقول بصرامة: "استنيني هنا. وأوعي تفكري تخطي بره باب الأوضاع بالشنطة دي. اللي مش قادر يسيطر على غضبه هو اللي يمشي. معندناش ستات تسيب بيتها."
أوشكت على مقاطعتها، فنهرتها أمينة بغضب: "ولا كلمة. استنيني هنا." في الأسفل كان يشعر وكأن الكون كله يضيق به. التنفس كان ثقيلًا للحد الذي جعله يقوم بفك ربطة عنقه وحل أزرار قميصه ليستطيع الأكسجين المرور إلى رئتيه التي كادت أن تنفجر من كثرة الضغط عليها. "أنت فعلًا طلبت من فرح تمشي وتسيب البيت؟ هذا كان استفهام أمينة الغاضب، حين اقتحمت الغرفة دون أن تستأذن، ولكنه لم ينتبه سوى لحديثها الذي جعل جميع خلاياه تتحفز،
وقال بنبرة مستنكرة: "تمشي وتسيب البيت؟ مين قالك كده؟ "محدش قالي. دخلت الأوضة لقيتها منهارة وبتلم هدومها وماشية. أما سألتها قالت إنك قولتلها كده." وثب قائمًا من مكانه، وقد غلف الغضب عينيه ولون تقاسيمه، وصدح صوته في أرجاء الغرفة وهو يقول بحدة: "إيه التهريج ده؟ ما أن خطى خطوتين باتجاه باب الغرفة، حتى تسمر بمكانه إثر سماعه صوت صراخها الذي اخترق أعماق قلبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!