الفصل 22 | من 27 فصل

رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
19
كلمة
8,998
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

كان عشقًا لا يسعني تجاوزه أو الفرار منه. لطالما كنت شخصًا يعرف جيدًا ما يريد. لا تخطو قدماه عبثًا ولا يتراجع عن قراراته أبدًا. ولكنه العشق! ذلك القيد الذي التف حول قلبي فأخضعه وأنا الذي لم أعرف الخضوع يومًا. وها أنا الآن عالق بك بالقدر الذي يجعل خلاصی منك دربًا من دروب المستحيل. فروحي باتت مسكنك. وكيف لي بنزعك منها بعد أن اكتملت بك وتعافت أوجاعها بوجودك. "إيه اللي جابك هنا؟

هكذا تحدثت بنبرة مرتجفة تشبه ضربات قلبها التي كانت تنتفض بشوق كبير داخلها. فاقترب منها خطوة وهو يقول باختصار: "جيت عشانك! تسابقت أنفاسها مع دقات قلبها الهادرة إثر كلماته الصريحة والتي ضربت مقاومتها الهشة فكادت أن تطيح بها، ولكنها سرعان ما استعادت نفسها وارتدت قناع الغضب وهي توجه أنظارها إلى شيرين قائلة بحدة: "افهم من كده إن كل اللي حصل ده كان فيلم بقى يا ست شيرين! شيرين بخفوت:

"يا ماما. متزعليش مني. أنا كان نفسي تتقابلوا أنتِ وبابا عشان... قاطعتها همت غاضبة: "عشان إيه؟ مين اداكِ الحق تجبريني أعمل حاجة مش عايزة أعملها؟ سألتيني الأول؟ تجرجريني وراكِ على المستشفيات في نص الليالي ولا همك خضتي عليكِ ولا خوفي ويطلع ده كله فيلم؟ توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها جراء لمسة حارقة أصابت رسغها حين لامستها أنامله وجاء صوته القريب منها ليضفي الوقود على شوقها:

"همت كفاية.. كلميني أنا. أنا اللي خلتها تعمل كده.." هناك مفترق طرق كتب على كل لافتة منهم العشق والكبرياء. وهي تقف عاجزة عن رد هجمات الألم المباغت الذي ضرب جدران قلبها. فلم تستطع إجابته ليتابع هجومه الشرس على ثباتها حين قال: "مكنش قدامي حل غير ده. ومكنتش قادر أتحمل أكتر من كده. شوقي غلبني وخلاني دوست على كرامتي واترجيتها تعمل كده عشان أشوفك.."

"بس أنا مش هقدر أدوس على كرامتي وأقف أتكلم معاك. إن كنت زي ما بتقول شوقك بيعذبك فده عقابك على غدرك بيا زمان.." اختارت أن تكمل الباقي من حياتها بكبرياء ولا تنخدع بعشق لم يجلب لها سوى العذاب وضياع أزهى سنوات عمرها. مما جعل الغضب يتعاظم بداخله. فنظرت إلى شيرين قائلًا بحدة: "اطلعي استنينا بره.." "استني.. متطلعيش. أنا مش هستنى مع راجل غريب في أوضة واحدة.." هكذا أمرتها همت والتفتت تناظره بجمود كلفها الكثير لتضفيه

على نبرتها حين قالت: "اللي عايز تقوله قوله قدام بنتك.." "ماشي يا همت. بس خليكي فاكرة إني حاولت وجيت على نفسي عشانك. لكن أنتِ لسه مصرة تدوسي عليا وعلى كل حاجة كانت بينا وأولها ولادنا." ابتلعت غصة صدئة تشكلت في حلقها وقالت بجفاء: "قول اللي عندك أو اخرج ومش عايزة أشوفك تاني.." كان وقع كلماتها عليه كبير للحد الذي جعله يقول بقسوة:

"أنتِ فعلاً مش هتشوفيني تاني. حتى لو عملتي إيه. وإن كنت هقول اللي عندي فده عشان بناتي. عشان ميشوفونيش بالصورة الوحشة اللي رسمتوها لهم عني." أنهى كلماته وقام بإخراج مظروف من جيبه وناولها إياه وهو يقول بجفاء: "ده جزء من براءتي اللي رافضة تصدقيها."

التقطت الورقة وقامت بفتحها. وما أن وقعت عينيها على الكلمات المدونة أمامها حتى برقت عينيها وخرجت منها شهقة قوية تعبيرًا عن صدمتها التي جعلتها تجلس فوق المقعد. فلم تعد قدماها قادرتين على حملها. "ها. صدقتي. شوفتي بعينك صاحبتك اللي كانت بتقول عليا خاين وهي بتقولي إنها بتحبني ومتتقدرش تعيش من غيري؟ ارتفعت عينيها تطالعه بصمت. بينما ألف شعور يتقاذفها من الداخل. فشعر بأن خطته تأتي بثمارها. فاقترب منها محاولًا

بث السم أكثر في قلبها: "وهي اللي اتفقت مع البت السكرتيرة عشان تروح تقول قدام عمي ومنصور إن فيه علاقة بينا. وأدتها فلوس كمان. عرفتي بقى إنها كانت عايزة تدمر حياتنا. وأنتِ سمحتيلها بكده.." ظلت نظراتها معلقة به ولم تنمحي صدمتها البادية على ملامحها. بينما أخذ يتابع حديثه المسموم حين قال: "ومكتفتش بكده وبس. لأ، ده حقدها طال بناتي كمان. وده أنتِ شوفتيه بعينك وشوفتي عملت إيه مع سما وقبلها شيرين. لسه برضه مصدقاها؟

لم تجبه. بل هبت من مقعدها وهي تنظر إلى شيرين قائلة بلهجة مرتجفة: "يلا عشان نمشي.." أنهت كلماتها وهرولت إلى الخارج حتى لا تنفجر في بكاء مرير كظمته بداخلها لسنوات. ***

انتصرت خيوط الصباح على دجى الظلام الذي لأول مرة كان يتمنى دوامه. فوجودها بين ذراعيه كان أشبه بحلم ظن أنه لن يتحقق يومًا وأن السعادة ضلت طريقها إلى قلبه. ولكن ليلة البارحة كانت دربًا من دروب الخيال. فقد أخذته حوريته إلى عالم مليء بالسحر الذي غلف لقائهم العاصف المدجج بمشاعر أعظم من أن توصف. فلأول مرة بحياته يشعر بمثل هذا الصفاء وكأن روحه اكتملت بقربها.

فقد اختبر معها مشاعر لم يكن يتوقع وجودها بداخله. والآن هو مستيقظ منذ أكثر من ساعة يتأملها بهدوء وبأعين اختلط بها العشق والشوق معًا. يتذكر لحظات جمعتهم وكيف كانت رقيقة محبة على الرغم من قلة خبرتها وبراءتها. إلا أنه شعر معها بسعادة أعمق من أن توصف.

أخذت أنامله ترسم بحنو ملامح وجهها الذي يعشق كل شبر به. تليها شفتيه التي كانت تسكب عشقًا طارف. أخذ يروي به ملامحها التي انكمشت بقلق حين شعرت بلمساته العذبة فوق ملامحها. فأخذت تتململ في نومتها إلى أن أشرقت شمسها على قلبه حين رفرفت رموشها كاشفة عن جنتها الخضراء التي احتوت تقاسيمه الرائعة بنظرة حانية تجلت في نبرتها حين قالت: "صباح الخير." كانت عينيه تبحران فوق ملامحها بشغف تجلى في نبرته الخشنة حين قال: "صباح الفرح.."

كانت عينيه تغازلها ويداه تتجول على كتفها بحنان دغدغ قلبها وألهب مشاعرها. وخاصةً تلك النظرات التي تقطر عشقًا فاض به قلبه. فتخضبت وجنتاها بخجل محبب جعله يشدد من احتضانها أكثر وهو يقول بغزل: "حلو التفاح اللي على الصبح ده. الواحد يفطر بقى عشان جعان." أنهى كلماته وقام بقضم خدها الشهي فتأوهت بألم: "آه.. سالم بالراحة." نظر إلى خدها الذي زاد احمراره جراء أفعاله وقال بنبرة خشنة: "محدش قالك تبقي حلوة كده عالصبح.."

أنهى كلماته وهو ما زال يتابع أفعاله العابثة مما جعلها تقول بلهفة ممزوجة بخجل كبير: "سالم. استنى. هقولك على حاجة." سالم باختصار: "مش فاضي. قولتلك بفطر.." توسعت ابتسامتها وقالت بمزاح: "أنت كده بتحلى على فكرة. وده مينفعش قبل الفطار." توقف عما كان يفعله وارتفعت رأسه تناظرها وقد غلف المكر نظراته قائلًا بتخابث: "تصدقي عندك حق.. نفطر الأول.." تتفهم مقصده فقالت باندفاع: "طب يلا نقوم نفطر." ارتفع أحد

حاجبيه قبل أن يقول بتخابث: "ونقوم ليه؟ الفطار هنا أحلى.." أنهى كلماته دافنًا رأسه بين طيات عنقها الذي ألهبته أنفاسه الحارقة. فوصل إليها المغزى من حديثه فـتراجعت عنه وهي تقول بلهفة: "لأ. أنت فهمت إيه؟ أنا أقصد ننزل يعني.. تحت نفطر وكده.."

قالت جملتها الأخيرة بلهجة يخالطها البكاء. فاشتدت يديه حولها وهو يتذكر أفعالها البارحة وحديثها مع شيرين ثم إلقائها الحقيبة ووقوفها أمامه تعلن عشقها وغيرتها. فارتسمت بسمة رائعة على شفتيه أسرتها لثوانٍ واختطفت نظراتها إلى وسامته الصارخة: "قلبنا قطة دلوقتي.. أومال فين شجاعة امبارح؟ هكذا تحدث بخبث مختتمًا حديثه بغمزة عابثة جعلت الخجل يغمرها مرة أخرى فخرج الحديث مرتجفًا من شفتيها: "تقصد إيه؟ وإيه قلبت قطة دي؟

تفرقت يديه بين ملامحها وسائر جسدها تمارس فنون العبث. بينما قال بلهجة خشنة وعينين ترسلان نظرات تغازلها: "الأسد بتاع امبارح اللي عمال يهدد هنا وهنا ومحدش قادر عليه. اعملي حسابك هتلمي الورق اللي بعترتيه ده ورقة ورقة.." نجح في أن ينحي خجلها جانبًا وانفلتت ضحكة قوية من بين شفتيها وهي تتذكر ما فعلته وتناست كل شيء وهي تقول: "بصراحة. معرفش عملت كده إزاي؟

أنا فجأة لقيتني بشيل الشنطة وبرميها ومفوقتش غير وأنت بتقولي إيه اللي عملتيه ده.. قولت بس آخرتك النهاردة يا فرح." شاركها المزاح وعينيه تطالع ابتسامتها بعشق كبير: "وعشان كده طلعتي تجري زي العيال الصغيرة. يا جبانة.." "لأ طبعًا مش جبانة. أنت اللي كان شكلك مرعب.. وبعدين أنا كنت خلصت كلامي أصلًا.." هكذا تحدثت بلامبالاة. فقال بتسلية: "أصلًا.. لأ. بس أنا مقدر.. الغيرة صعبة مفيش كلام.. لكن حلوة وبتجيب نتائج مبهرة."

أنهى كلماته غامزًا. فاكتست ملامحها بالغضب وقالت مستنكرة: "غيرة إيه لأ طبعًا. هغير من مين أصلًا. وبعدين أنا واثقة في نفسي جدًا. ومتخلقتش اللي تهزني.." فاجأها حين قال بلهجة عابثة: "طبعًا.. دي مفيهاش كلام. بس قوليلي بقى مين جاب سيرتي وخلاكِ اتعصبتي أوي كده؟ انكمشت ملامحها بحيرة من حديثه وقالت باندفاع: "مين جاب سيرتك؟ لأ معرفش.. تقصد إيه؟

"أنا بسأل بس. أصلك كنتِ محموقة أوي على سمعتي امبارح فـ قولت أكيد حد جاب سيرتي بكلام بطال ولا حاجة.." هكذا تحدث بخبث قاصدًا كشف الستار عن غيرتها التي ترفض الاعتراف بها. فكسا الخجل ملامحها وخاصةً نظراته التي كانت تطالعها بخبث مما جعلها تقول بنفاذ صبر: "طيب. خلاص. أيوا كنت غيرة. إيه مش من حقي؟ أضاءت ابتسامة رائعة ملامحه جراء اعترافها بغيرتها. فقال بنبرة خشنة: "طبعًا حقك." أسرتها إجابته القاطعة فقالت بدلال:

"أحسن تكون اتضايقت ولا زعلت من كلامي؟ راق له دلالها كثيرًا وخصوصًا عندما حاوطت عنقه بذراعيها. فقال بنبرة رجولية لطالما أسرتها: "أنا بتاعك يا باشا. تعمل وتقول اللي أنت عايزه.." ارتجت جدران قلبه حين أطلقت ضحكة قوية كانت لها وقع السحر على مسامعه. وتنبهت لها جميع حواسه. فأظلمت عينيه بنيران الرغبة الممزوجة بعشق كبير تجلى في نبرته حين قال: "ما تيجي نفطر بقى.." تسارعت دقات قلبها مع أنفاسها حين قالت بلهفة:

"سالم. عايزة أسألك سؤال ممكن؟ "ممكن." هكذا أجابها بنفاذ صبر. فقالت باندفاع: "عايزة أعرف موضوع شيرين ده من أوله لآخره.." تراجع عنها واستند على المخدع خلفه واضعًا يده خلف رأسه وهو يقول بخشونة: "بغض النظر عن إن توقيت السؤال غبي. بس هجاوبك. ملخص الحوار. جوازة زي أي جوازة مدبرة من الأهل. ولما مكملتش مفرقتش معايا." لا زالت الغيرة تقرض قلبها. فقالت باستفهام: "يعني محبتهاش؟ أجابها بفظاظة:

"مكنتش قدرت ولا سمحت إنها تتجوز حد غيري." "بس أنت عارف إنه.. يعني.." قاطعها بصرامة: "حتى لو إيه. مكنتش هقبل إنها تتكتب على اسم راجل غيري.." "طب ليه قعدت الفترة دي كلها من غير جواز؟ يعني أكيد قابلت بنات كتير حلوة مفيش ولا واحدة عجبتك." هكذا استفهمت بقلب يدق خوفًا من إجابته التي جاءت على عكس توقعاتها حين قال بفظاظة:

"الحلاوة مش كل حاجة. كتير أوي الإنسان مبيبقاش حاسس ولا شايف إنه ناقصه حاجة غير لما حد يلفت انتباهه لده أو يشوف بعينه الشيء اللي هو محتاجه.." "بمعنى؟ كانت تبغي اعترافًا مميزًا بالحب ولم يبخل عليها أبدًا. لذا أجابها قائلًا بخشونة: "قبل ما أشوفك مكنتش شايف إن ناقصني حاجة. والجواز مكنش في حساباتي. بس لما قابلتك حسيت بالاحتياج لوجودك جنبي وكنت لأول مرة أحس إني محتاج حد. وإني حياتي باهتة ملهاش لا لون ولا طعم.."

قام بالاعتدال لتصبح عينيه تعتليها وكأنه أراد أن يؤكد على حديثه بنظراته العاشقة وكلماته التي حوت سحرًا أحاط بقلبها: "أنا مكملتش غير بيكِ يا فرح.." ارتفعت يديها تحتضن وجهه بحنان وعشق خالط نبرتها حين قالت: "وأنا معرفتش يعني إيه فرح غير معاك.." لثم شفتيه كفوف يدها بحب تجلى في نبرته حين قال: "وعد مني هخلي الجاي من حياتنا كله فرح. يا فرحة قلبي اللي جتله بعد سنين شقى وتعب.." خرجت الكلمات من أعماق قلبها الذي لأول مرة

بحياته يتذوق معنى السعادة: "بحبك يا سالم.." اخترقت الكلمة أعماق قلبه الذي لن تسعفه الكلمات لوصف ما يحمله لها من عشق. ولأنه رجل اعتاد على الأفعال دون الحاجة للقول. فاقترب منها بنظرات شغوفة وأنفاس حارقة قائلًا بصوت أجش: "يبقى تسبيني أفطر بمزاج.."

لم يمهلها الفرصة لخلق أي حديث آخر. فقد فاض الشوق وطغى. فأخذ ينهل من رحيقها العذب ويبثها أشواقه الضارية وأغدقها من عشقه بسخاء. بينما يديه كانت تحيطان بها برقة وكأنها قطعة كريستال ثمينة يخشى عليها من الخدش. فصارت تبادله أشواقه بشغف أشعل لهيب الصبوة بقلبه أكثر وأكثر. فأخذها معه في رحلة إلى عالم مليء بالسحر يقتصر عليهما فقط. وقد أسلمته روحها وقلبها وجسدها طواعية. فقد جعلها تشعر وكأنها أميرة متوجة على عرش قلبه. وهذا أعظم ما قد تشعر به الأنثى مع رجلها.

وهكذا اكتمل بها واكتملت به. وقد كان ما شعرت به بين أحضان عشقه أعمق وأقوى من أن تصفه الكلمات. فهذا الرجل أصبح مسكنها وسكنها وسكينتها… *** كانت تجلس أمام الطبيب بترقب وجسد يرتعش تزامنًا مع دقات قلبها التي كانت في سباق مع أنفاسها وهي تنتظر منه أن يبدأ بالحديث. وفي خضم معاناتها شعرت به يغادر مقعده جاذبًا إياه ليصبح بجانبها وأخذت يديه تحتضنها بقوة. بينما قال بنبرة مشجعة: "متقلقيش من أي حاجة طول ما أنا جنبك."

كلماته أضافت شعورًا من الارتياح القوي على قلقها وسكن جسدها وهدأت معه دقات قلبها. فقامت بالالتفات ورسمت ابتسامة هادئة على ملامحها. وقد كان مشهدهم رائعًا للحد الذي جذب أنظار الطبيب الذي قال بالإنجليزية: (طبعًا أنا هترجم 😂) "أعتقد أنكِ بالفعل قد سلكتي طريق العلاج مع طبيبك الخاص سيدة جنة.." التفتت تناظره بعدم فهم. فقال بابتسامة هادئة: "أقصد ذلك العاشق.. الذي يستحق أن تقاتلي من أجله.."

وصلها المغزى من حديثه. فلون الخجل معالمها وقامت بإخفاض رأسها. فاقترب من أذنها قائلًا بمزاح: "شايفة الدكتور بيحسدك عليا إزاي؟ احمدي ربنا عليا بقى.." كان يتحدث بمزاح حتى لا يسمح للقلق أو الخوف أن يغزو قلبها مرة أخرى. فتفاجأت بها ترفع رأسها تناظره بخجل قائلة بخفوت: "الحمد لله…"

يود لو يتخطفها الآن ويغلق عليها داخل قلبه الذي ارتج حين سمع كلمتها التي أوحت به بمقدار ما تحمله لأجله. وما أن أوشك بإجابتها حتى سمع الطبيب الذي تحمحم بخفوت جاذبًا انتباههم وقال بعملية: "سوف نبدأ بالجلسات غدًا. لا أرى أي ضرورة لإضاعة الوقت.." شدد سليم على كتفها وهو يقول بخشونة: "أوافقك الرأي. نحن جاهزون أليس كذلك جنتي؟ أنهى كلماته بغمزة عابثة هدأت من روعها كذلك تلك الياء التملكية التي أضافها لاسمها. فـأومأت بالموافقة

ولكنها قالت باستفهام: "هل يمكنني أن أعرف كم جلسة سـأحتاج؟ "لا يمكننا الجزم بعدد الجلسات. حالتك ومدى استجابة جسدك للعلاج هو ما سيقرر." "شكرًا أيها الطبيب.." هكذا تحدث سليم والتفت إليها قائلًا: "يلا يا حبيبي.." أومأت دون حديث وتوجهت معه للخارج. وما أن وصلا للباب حتى أوقفهما نداء الطبيب على سليم الذي نظر إليها بطمأنة وتوجه إليه تاركًا إياها بعد أن اختارت أن تسبقه إلى السيارة:

"العلاج من المحتمل أن يجعل شعرها يتساقط. وحفاظًا على حالتها النفسية أقترح عليك بأن تجعلها تقوم بقصه." شعر بقلبه يتمزق حين سمع حديث الطبيب وأومأ له قبل أن يتوجه بخطٍ مثقلة إلى حيث تنتظره. وحاول رسم ابتسامة هادئة على شفتيه حين استقل السيارة بجانبها. فتحدثت بنبرة مهتزة: "ممكن أطلب منك طلب.." جذب انتباهه حديثها فـالتفت كليًا يناظرها وهو يقول بلهفة: "أنتِ متطلبيش أنتِ تؤمري.." حاولت رسم ابتسامة على ملامحها

وهي تقول بشفاه مرتجفة: "عايزة أتمشى لوحدي شوية.. يعني ألف في البلد كدا وأتفرج على المحلات. ناقصني شوية حاجات عايزة أشتريها. ممكن تروح أنت. وأنا هرجع لوحدي…" نجحت كلماتها في إشعال فتيل غضبه وتجلى في عينيه التي اشتعلت بحمرة قانية. ولكنه حاول بصعوبة التظاهر بالهدوء حين قال بفظاظة: "على راحتك.. شوفي حابة أوصلك فين." "أي مكان في محلات.. نزلني هناك.."

هكذا تحدثت باختصار. فهي لم تكن غافلة عن غضبه الذي يحاول قمعه والذي تجلى في يديه التي كانت تشتد على المقود وقيادته الجنونية. ولكنها لم تستطع إلا الابتعاد عنه في وضعها الحالي. صف السيارة أمام أحد المحلات وقال بخشونة: "لما تخلصي كلميني أبعتلك السواق يجي ياخدك." "تمام.."

قالتها وترجلت من السيارة دون أن تلتفت إليه متوجهة إلى أحد المحلات. فقام بإدارة السيارة والمغادرة. فما أن شاهدته يغادر حتى انهمرت عبراتها تروي مقدار الألم الذي يحيط بقلبها. وبأقدام أثقلتها الألم توجهت إلى إحدى صالونات التجميل وداخلها حريق تصاعدت أبخرته إلى رئتيها فجعلت تنفسها مؤلمًا.

وعلى قدر ألمها جاء ألمه. فقد كان يتوقع هذا. فبعد أن تركها صف السيارة بعيدًا عن أعينها. قام بالترجل يراقبها من بعيد وداخله يتمنى أن يخيب ظنه. ولكن للأسف كانت تشعر بما أخبره به الطبيب ولم ترغب أن يكن بجانبها. وقد انفطر قلبه لتحملها كل هذا الثقل والألم وحدها. فانبثقت دمعة من طرف عينيه تحكي مقدار قهره. فوَد لو يتوجه إليها يعتصرها بين ذراعيه ويخبرها أمام العالم أجمع بأنها أجمل النساء بعينه وأنه لا يريد من العالم أحد سواها…

*** "ياسين. يلا عشان تفطر.." هكذا تحدثت حلا مع ياسين الذي كان يقف في الشرفة يدخن سيجارة. فأجابها بفظاظة: "مش جعان.." وضعت صينية الفطور على المنضدة واقتربت منه قائلة بلهجة حانية: "مينفعش يا ياسين. أنت من امبارح محطتش لقمة في بقك. وده غلط عليك.." كان متألمًا حد الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال: "قولتلك مش جعان يا حلا. بطلي تضغطي عليا. مش عيل صغير قدامك أنا. هتعرفيني الغلط من الصح."

تألمت حين خاطبها بتلك الطريقة. وكعادتها تجاوزت عن ألمها قائلة بغضب: "والله لو مش عايزني أعاملك. على إنك طفل صغير. بطل حركات العيال دي. لما تقطع الأكل كده اللي راح هيرجع؟ صاح محذرًا: "متستفزنيش يا حلا وروحي شوفي هتعملي إيه." كان إنذارًا بهبوب عاصفة هوجاء يخشى عليها منها. ولكن كبرياؤها أبي أن تنصاع لتحذيره. فقالت ساخرة: "لأ والله خوفتني بجد.. ولو ممشيتش هتعمل إيه؟

أظلمت عينيه فجأة و قام برمي السيجارة من الشرفة. تجاهل الألم الذي يضرب سائر جسده وتقدم منها قائلًا بوعيد: "هخوفك بجد.."

كانت ملامحه مخيفة وعينيه حمراء بشكل ملحوظ مما جعلها تتراجع خطوة إلى الخلف. لم تكد تخطو الثانية حتى وجدتة ينقض عليها بعنف لم تتخيله وأخذ يسكب غضبه على ثغرها وسائر جسدها بفظاظة آلمتها. وأخذ يخطو بها إلى المخدع خلفهم وهو ينتزع منها كل ما يحجبها عنه. بينما هي تصارع حتى تهرب من بين براثنه. وخاصةً تلك السخونة التي تنبعث من أنفاسه والتي لم تكن طبيعية. ولكن من فرط خوفها لم تلاحظ ذلك. فأخذت تتلوي وهي تدفعه بعيدًا عنها. ولكنه كان أقوى منها بكثير وقد أحكم تقييدها بيديه. بينما اقتنصتها شفاهه تسلبها القدرة على الحديث.

فانحبست أنفاسها داخل صدرها. وحين أوشك على النيل منها صرخت بملء صوتها: "لأ يا ياسين.. متخلينيش أكرهك.."

اخترقت كلماتها المتوسلة أعماق قلبه الذي لم يكن مغيبًا كعقله الذي لم يكن يعمل في ذلك الوقت. فارتفعت عينيه تطالعها بنظرات غامضة. وقد شعر بعبراتها وكأنها جمر يحرق قلبه. وخاصةً ارتجافها الذي يوضح مدى رعبها منه. فقد أخذ صدرها يعلو ويهبط وتعالت شهقاتها. وفجأة برقت عينيها حين شعرت بيديه تحوط خصرها ورأسه يرسو فوق صدرها الذي شعر بسائل ساخن يبلله. فرفعت رأسها تناظره فوجدت عينيه مغلقة تنبعث منها عبرات حارقة. فمدت يدها تلامس وجهه الذي كان يحترق

أسفل يدها فقالت بصدمة: "ياسين.. أنت سخن كده ليه..؟

لم يجيبها. فقد ابتلعته دوامة سوداء انتشلته من براثن الألم الذي أصاب جسده بحمى الفقد الذي لم يتحملها قلبه بعد فقدانه شقيقه الأصغر أمام عينيه. والآن رحل والده الذي كان سندًا له في تلك الحياة. فلم يستطع التحمل واستسلم للمرض. وعلى الرغم من ألمها لما حدث منه منذ لحظات. ولكنها رغمًا عنها أشفقت عليه. فقامت بـاحتضان رأسه بين ذراعيها وكأن حنانها لامس قلبه. على الرغم من غفوته. فأخذ يتمتم بكلمات لن تفهم منها سوى:

"سامحيني يا حلا.." احتضنته بقوة وظلت على حالها للحظات قبل أن تحاول بصعوبة سحب نفسها من بين ذراعيه التي كانت تمسك بها كطوق النجاة. وما أن استطاعت التحرر منه حتى توجهت إلى الخزانة تخرج ملابس تستر بها جسدها وتوجهت للأسفل وهي تبحث عن تهاني التي كانت في مكتب عبد الحميد. فاندفعت تفتح المكتب دون أن تطرق الباب. فالتفتت الأعين تناظرها باستنكار انمحي حين صرخت قائلة بألم: "ياسين سخن وتعبان أوي. حد يطلب دكتور ييجي يشوفه.."

هب عبد الحميد من مكانه وبجانبه تهاني التي صرخت بذعر: "بتقولي إيه يا بتي؟ ولدي ماله؟ بينما صرخ عبد الحميد في أحد الغفر قائلًا بأمر: "مسعود. أجرى هات الحكيم بسرعة.." ثم هرول ثلاثتهم إلى غرفة ياسين الذي كان يرقد وهو يهذي من الحمى والألم الذي لم يتحمله جسده.. ***

خرج مروان مهرولًا للخارج على صوت الغفير وهو يتشاجر مع أحدهم. وقد تعالت الكثير من الأصوات والتي كانت لمجموعة من الشباب كانوا يتشاجرون مع شعبان الغفير أمام المزرعة. وما أن شاهدوا الحرس قادمين حتى هربوا بعد أن قاموا بالاشتباك بالأيدي. فأقبل مروان لمعرفة ماذا حدث: "إيه يا عم شعبان حصل إيه؟ شعبان بصوت مبحوح يكاد يكون مسموعًا: "دول شوية عيال جلّات التربية يا بيه وجايين يرموا بلاهم علينا.. بس متخافش إني علمتهم الأدب."

مروان بسخرية: "يا راجل علمتهم الأدب إيه ده أنت صوتك هرب من كتر الخوف.." "لأ يا بيه خوف إيه ده أنا ربيتهم صح.." مروان وهو يناظر ملامحه التي تلونت جراء تلك المعركة التي دارت بينه وبين أولئك المشاغبين وقال بتهكم: "ماهي أثر التربية واضح عليك ما شاء الله. تقريبًا وأنت بتضربهم حد قالك اهو أنت الضربة لفت ولزقت في خلقتك.. وإيه دي بوسة دي ولا إيه."

"بوسة إيه يا بيه. لأ ده الواد الله يحرجه غفلني وناولني بونية ملحقتش أتفاداها.." "لأ يا راجل.. دي ملحقتش تتفاداها والخريطة اللي على وشك دي كلها تغفيلات برضه. أنت كنت سكران ولا إيه؟ يالا مش مهم. قولي هما كانوا بيتخانقوا معاك ليه؟ هكذا تحدث مروان فأجابه الغفير قائلًا: "إني كنت في الجنينة سمعت صوت عربية بتزمّر والحرس كانوا بيفطروا. طلعت أشوف مين. لقيت العيال دول بيلعبوا بالمكن قدام المزرعة." مروان باستفهام: "مكن!

مكن يعني مزز كان معاهم مزز ولا إيه؟ طب مش تناديني اخص عليك ده أنا حبيبك برضه." الغفير باستنكار: "مزز إيه يا مروان بيه. بجولك مكن. فيزبا موتسيكلات لامؤاخذة." صاح مروان باندهاش: "موتسيكلات.. آآه. طب مش توضح يا راجل. أصل دماغي بتروح في حتت شمال.. المهم وبعدين.." "ولا جبلين.. طلعت أشوف مين دول لقيتهم جلوا أدبهم وكان في عربية سودا واقفة بعيد عنهم. ولما جنابك طلعت أنت والحرس فلجوا كلهم."

"إيه فلجوا دي معلش محسوبك مبيعرفش لغات؟ هكذا استفهم مروان فأجابه الغفير بامتعاض: "يعني چريوا.." "مالك كده يا راجل. خلقك ضيق ليه؟ بستفسر بس.." أنهى كلماته تزامنًا مع وصول سيارة سليم إلى المزرعة. فما أن رآه مروان حتى ترجل من السيارة وأعطى المفتاح لأحد الحرس ليصفها وتوجه إلى مروان الذي كان يعطيه ظهره. وما أن التفت حتى صاح بصدمة: "أهو سليم جه اهو… إيه ده… سلامًا قولًا من رب رحيم. انصرف انصرف.."

هكذا صاح مروان بذعر ما أن وقعت عينيه على سليم الذي قام بحلق شعر رأسه حتى يساند حبيبته في محنتها وحتى لا تشعر بالخجل منه أبدًا. وما أن رأى رد فعل مروان حتى تعاظم الغضب بداخله وقال بحنق: "إيه يا ظريف شفت عفريت؟ مروان بصدمة: "أنيل… شعرك راح فين؟ أقرعيت كده ليه؟ سليم باستفهام: "كده أحلى صح؟ أجابه مروان بصراحته الفجة: "أحلى إيه شكلك يقرف الكلب.." لكزه سليم في كتفه وهو يقول بغضب: "تعرف تخرس." مروان بامتعاض:

"الساكت عن الحق شيطان أخرس. أضلك يعني؟ سألتني قولتلك رأيي." "ده عشان أنت مبتفهمش.." هكذا تحدث بضيق. فأجابه مروان: "مبفهمش إيه أنا خايف عليك يا ابني وعلي مستقبلك. جنة لو شافتك كده هيجيلها صرع.. وهي كده كده مش طايقاك أصلًا." غضب من حديثه وقال مستفهمًا: "ليه شكلي وحش أوي كده؟ "وحش بس ده أنت عديت ليفل الوحاشة بمراحل حاليًا داخل على ليفل البشاعة." صاح سليم بانفعال: "طب غور من وشي." مروان بسماجة:

"طبعًا هغور. ناقص قرف مش كفاية عمتك همت اللي قرفاني في عيشتي." سليم بشماتة: "تستاهل." اغتاظ مروان فقال قاصدًا استفزازه: "الله يكون في عونك يا جنة هتتصبحي بالخلقة دي كل يوم الصبح." تحدث سليم محذرًا: "ملكش دعوة بجنة يا بغل أنت. وبعدين أنا حلقت شعري عشانها." مروان بذهول: "عشانها! لأ معلش مش فاهم. ده عقاب ليها مثلًا على عمايلها فيك. ولا قررت تصرعها؟

"بطل غباوة.. النهاردة كنا عند الدكتور وطلب مني أخليها تقص شعرها عشان جلسات الكيماوي." فطن مروان إلى مقصد سليم فقال باعتذار: "آسف يا سليم والله مكنتش أقصد. بس حلوة الحركة دي منك. أي نعم هنبقى مضطرين نشوف خلقتك الغلط دي كل يوم. بس مش مشكلة. كله يهون عشان خاطر عيون الست جنة." سليم بحنق: "مالك ومال عينيها ياله…" "صاحبتي يا عم.. مالك؟ هكذا أجابه مروان بسلاسة. فقام بجذبه من تلابيبه وهو يقول بغضب:

"بقولك إيه يا زفت أنت. ملكش دعوة بيها وإياك تقول صاحبتي دي تاني.. سامع ولا لأ." "طبعًا سامع." كانت تستقل سيارة الأجرة تجتاز بوابة المزرعة. فتفاجأت بأحدهم يمسك مروان من تلابيبه. فأوقفت السائق بلهفة وقامت بإعطائه حقه وهي تهرول إلى مروان قائلة باندفاع: "في إيه يا مروان. شيل إيدك عنه."

قالت كلمتها وهي تجذب يد سليم الممسكة بـ مروان. فإذا بصدمة قوية تصيبها حين التفت سليم ورآه. فسقطت الحقائب التي بيدها وتراجعت إلى الخلف تشهق بقوة واضعة يديها فوق وجهها. فخرجت الكلمات من فم مروان باندفاع: "ادي البت اللي حيلتنا اتشلت.. كله بسببك." "سليم.." هكذا خرجت الكلمة مستفهمة من بين شفتيها. فهي لم تكن تصدق ما تراه. فأجابها باحراج ويده تمسح على رأسه: "إيه رأيك في النيو لوك ده؟ "ما قولتك يقرف الكلب.."

هكذا تحدث مروان باندفاع. فأرسل له سليم سهام نظراته الغاضبة. فأومأ برأسه معتذرًا ثم التفت إلى جنة قائلًا بغزل: "إيه الحلويات دي يا أم حزومبول؟ الشعر القصير حلو عليكي أوي يا بت." أنظارها كانت معلقة على ذلك الذي لا ينفك يفاجئها دائمًا بأنه قريب منها للحد الذي يجعله يفهمها من نظرة عينيها: "شكلك زي القمر.. حلو أوي الشعر القصير عليكي."

هكذا تحدث وعينيه ترسلان نظرات إعجاب صريحة أخجلتها. فـأخفضت بصرها أرضًا. فـ تدخل مروان قائلًا بسماجة: "شوف هي قصت شعرها بقت زي القمر. أنت قصيت شعرك بقيت زي القرد. سبحان الله." ما أن أوشك على الحديث حتى تفاجأت بها تقول مندفعة: "قرد في عينك. ده أنت اللي قرد." كان اندفاعها للدفاع عنه أمرًا مثيرًا للحد الذي جعله يتجاهل حديث مروان ويناظرها بحب. فقطع مروان تواصلهما البصري قائلًا بسماجة:

"هنفضل متنحين لبعض كده طول النهار. الشمس هتسيح دماغه. بقي منه للسقف خلاص." التفت سليم يناظره وهو يعض على شفتيه بغضب. فتدخلت جنة قائلة بخفوت: "أنا تعبت من اللف وعايزة أدخل أرتاح شوية." ناظرها سليم بلهفة تجلت في نبرته حين قال: "طب يلا ندخل.. أنا كمان مصدع." امتدت يده تمسك بخاصتها متوجهًا إلى الخارج تاركين مروان خلفهم وهو يقول بسخرية: "جوز سحالي ماشيين على البحر ياخواتي."

التفت سليم ينوي الرجوع كي يوسعه ضربًا. فأوقفته جنة التي قالت في محاولة لتهدئته: "سيبك منه." طاوعها ودخل معها إلى القصر. فقال مروان بتحسر: "وأنت هتمشي مأنكج كده امتى يا منيل؟ الله يسامحك يا عمتي. طب أحلق شعري طيب ولا أعمل إيه؟ لأ أحلق شعري إيه أنا ناقص تشويه في منظري.. أما أروح أشوف البت دي بتهبب إيه؟ *** وضعت القهوة أمامه دون أن تنظر إليه. بينما كانت عينيه متعلقة بها وبكل همسة تصدر منها. وما أن همت بالمغادرة حتى

استوقتها كلماته الصارمة: "وقفي عندك.." توقفت بمكانها دون حديث مرتدية قناع جليدي أغضبه بشدة. فقال من بين أسنانه: "اللي حصل امبارح ده ميتكررش تاني سامعه ولا لأ؟ تشابهت نظراتها مع نبرتها الجليدية حين قالت: "لأ مسمعاش." "ليه اطصنجتي (اطرشتي يعني 😂) هكذا تحدث بغضب. فأجابته بجمود: "لأ. بس حديثك ميلدش عليا." "ده ليه أومال؟ صبت غضبها وألمها في قوالب الذنب التي ترسو فوق قلبه حين قالت:

"عشان إني معملتش حاجة عفشة ولا اتمسخرت. وعشان جنابك ماشي ترمي تهم على الناس بالباطل. من غير ما تتأكد. وعشان إني حرة حتى لو كنت عفشة فده ميخصش حد. ولا أنت أبويا ولا أخويا عشان تقول كده." غضب من نفسه المندفعة ومنها. فهي بكل مرة تضعه في مواجهة مع نفسه وتطرح أسئلة لا يملك أجوبتها: "كنك نسيتي إنك بتشتغلي عندنا وإن سمعتك من سمعة الدار دي.."

"كنت. كنت يا كبير بشتغل عندكوا ومشيت بعد اللي حصل. ولو كنت هنا دلوقتي فعشان الست الأصيلة اللي طبطبت عليا لما الديبة نهشت عرضي.." لا تنفك أن تذكره بجرمه الذي يؤنب نفسه في اليوم مائة مرة عليه ويلعن اندفاعه الذي جعله يؤلمها هكذا. ثم يلعن نفسه لاهتمامه المريب بأمرها. زفر بغضب قبل أن يقول: "خلصنا بقى. الموضوع ده مش هيتجل؟ "اتجل. تؤمرني بحاجة قبل ما أمشي."

هكذا تحدثت بأعين ناظرة إلى البعيد غافلة عن توسل عينيه التي غافلته وأرسلت نظرات ترجو السماح من قلبها. ولكن جاءت كلماتها لتثير غضبه من جديد. فصاح آمرًا: "مش هتمشي." "يعني إيه؟ هكذا استفهمت باندهاش. فخرجت كلماته صارمة حين قال: "مش هتمشي من هنا ولا هتشتغلي عند أي حد. وأنا بنفسي هضمن إن مفيش حد يشغلك في البلد كلها…" ازدادت دهشتها والتي تحولت بعد ذلك لغضب تجلى في نبرتها حين قالت: "إيه الافترا ده؟ أنت بتعمل كده ليه؟

"ملكش صالح. نفذي الأوامر وبس." هكذا تحدث هاربًا بعينيه من استفهام لا يستطيع الإجابة عليه. فجاءت كلماتها التالية كصاعقة أصابته: "أقولك إني. عشان أنت ظالم ومفتري ومبتجيش غير على الغلابة اللي زيي. بس إني لأ ضعيفة ولا غلبانة زي ما أنت مفكر. ومش هنفذ أوامرك ولو حصل هطلع على المأمور. وهحكيله على عمايلك دي." تعاظم الغضب بداخله حين سمع حديثها. فاقترب منها خطوتين وهو يقول بأعين تبلور بها الغضب فبدت مخيفة تشبه نبرته حين قال:

"لو طلعتي على مدير الأمن نفسه. برضه مش هتمشي من هنا. إيه قولك بقى." جن جنونها فقالت بانفعال: "اتقي الله. أنا بجري على أخواتي. هوكلهم منين." "قولي لنفسك. خليكي اشتغلي هنا. وأنا أوعدك مش هضايقك أصل. بطلي عناد بقى أنا عمري ما شفت حرمة عنيدة كده." تحدث بنفاذ صبر. فأجابته باستفزاز: "يبقى أخلص مني وسيبني أغور وأني مش هوريك وشي أبدًا…" باغتتها كلماته التي انفلتت من بين شفاهه باندفاع: "ومين جالك إني ما عايز أشوف وشك."

تراجعت خطوة للخلف وقد تعثرت نبضاتها داخل قلبها إثر كلماته. وقالت بخفوت: "تقصد إيه؟ تراجع للخلف وشبك كفوفه خلف ظهره وهو يقول بفظاظة: "متاخديش في بالك.. روحي شوفي شغلك." كانت على وشك المغادرة. ولكنها تذكرت أمرًا فتوقفت تنظر إليه قائلة بجفاء: "عايزة السلسلة بتاعتي." كان ذلك السلسال رفيق لياليه الطويلة يذكره بها والشاهد الوحيد على معاناته. لذلك لم يرد التفريط به. فقال كاذبًا: "معرفش راح فين.. باينه ضاع.." "إيه؟ ضاع..!

خرجت الكلمات متألمة من بين شفتيها. فهذا السلسال الذكرى الوحيدة من حياة لا تعلم عنها شيئًا انتُزعت منها منذ أن كانت صغيرة أصغر من أن تعرف هوية والداها اللذان توفيا في هذا الحادث الأليم. وقد وجدها ذلك الراعي ورباها كأنها ابنته. جرت الدموع بانهمار على وجنتيها. فسقطت كجمرات حارقة على قلبه الذي هاله مظهرها. وخرج صوته متلهفًا حين قال: "بتبكي ليه؟ ده سلسال هجبلك أحسن منه الصبح."

لأول مرة يتجلى الضعف بعينيها هكذا. فاخترقت سهام ضعفها قلبه. وخاصةً حين قالت: "مفيش أحسن منه.. ده كل حياتي." غزي الجنون عقله. فامتدت يديه تمسك بـ رسغها وهو يقول بريبة: "ليه؟ مين اللي جابهولك؟ ما أوشكت أن تجيبه. فسمع صوت صفوت الذي صاح يناديه: "عماااار…" ***

كان يتقدم بخطٍ مثقلة بذنب عظيم لم يرتكبه ولا يقدر على حمله أو الفرار من بين براثنه. فما كاد أن يصل إلى بره الآمن حتى صفعته الحياة تلك الصفعة القاسية التي انطبعت آثارها بقلبه وقلب حياته رأسًا على عقب.

خطى إلى داخل غرفة وكيل النيابة. فإذا به يتفاجأ بوجودها أمامه. فهوى قلبه بين قدميه. وخاصةً حين رأى تلك النظرة المحتقرة تنبعث من عيونها. فاخترقت قلبه المكلوم كسهام مشتعلة. حتى أنه لم يلتفت حين تحدث وكيل النيابة بأنه سيتركهما سويًا لبعض الوقت. فما أن غادر حتى سمع صوتها المتألم يقول: "آخر واحد في الدنيا كنت أتخيل أنه يبقى قذر بالشكل ده…" تراشقت سهام كلماتها بقلبه. ولكنه حاول التظاهر بالجمود حين قال: "أنا معملتش كده."

"كذاب." هكذا صرخت بقهر. فأجابها بقوة: "مبكدبش. معرفش مين البنت دي ولا عمري شفتها أصلًا." ساندي بسخرية مريرة: "أومال هي هتتبلى عليك كده. من الباب للطاق. هتقول اسمك وتوصف ملامحك إزاي وهي متعرفكش." كان هذا سبب عذابه الذي كان يؤرق لياليه. فتقدم جلس بكل ثقله على المقعد خلفه واضعًا يديه فوق رأسه قائلًا بقلة حيلة: "ده اللي هيجنني. تعرفني منين وليه تلبسني تهمة زي دي؟

"كان ممكن اتخدع فيك وأصدقك لو مكنتش اتأذيت منك. لكن دلوقتي أنا شايفاك على حقيقتك." لم يرفع رأسه. فلم يكن يملك ما يقوله. فقد بح صوته وهو يقول بأنه بريء من هذا الذنب العظيم. ولكن لم يسمعه أحد. ولكنها باغتته حين قالت بقسوة: "طلقني.." وثب قائمًا وهو يناظرها بصدمة. وخاصةً حين تابعت بقسوة: "عمري ما هقبل أبقى زوجة لواحد مغتصب حقير زيك." "اسكتي.. وامشي ومتجيش هنا تاني. مش عايز أشوفك. وخليكِ عارفة إن عمري ما هطلقك أبدًا."

هكذا صرخ بها من عمق الوجع الساكن بأعماقه. ويديه تمسكان باكتافها يهزها بقوة. فدفعته بعيدًا عنها وهي تصرخ بنبرة جريحة: "ليه عملت كده؟ وضع يديه فوق رأسه بقله حيلة. بينما عينيه تطوف بكل شيء حوله. إلى أن تعثر بضالته فهرول إلى المنضدة وقام بجلب المصحف الشريف. وقام بوضع يده فوقه وهو يناظرها بنظرات تحمل التوسل والألم معًا: "بحق من أنزل هذا الكتاب معملتش كده.. أنا معرفهاش.. والله ما أعرفها.."

باغتتها فعلته للحد الذي جعلها تناظره بصدمة. فوضع المصحف الشريف جانبًا واقترب منها قائلًا بصوت مبحوح من فرط الألم: "أنتِ أكتر حد في الدنيا يهمني إنه يصدقني.. حتى لو هيعدموني مش مهم عندي. المهم إنك متشوفنيش وحش كده."

رق قلبها رغمًا عنها لحديثه وتوسله. وتكالبت عليها أوجاعها فأهلكت كل ذرة ثبات بداخلها. فلم تشعر سوى وهي تندفع بين أحضانه تبكي قهرًا مارسته الحياة على كليهما. فأخذ يحتضنها بكل ما أوتي من حب تسرب إلى داخلها. فنكره عقلها الذي لم ينس خيباتها. فأخذت تضربه بكلتا يديها وهي تصرخ بألم: "ليه..؟ ليه أنت بالذات؟ ليه؟ أنا مكنش عندي غيرك! ليييه؟

كانت تصرخ وتضربه. وقد كان يتلقى ضرباتها بصدر رحب. تناسي كل ألمه وقهره وضمها بقوة إلى داخله. فاختلط نحيبها مع بكائه الصامت في لحظة مسروقة بين كل هذا الألم المحيط بهم… ***

هبط الدرج سويًا يد بيد بعد أن أقنعته بصعوبة بالغة بالنزول للأسفل. وقد وافق على مضض حتى يمكنه مباشرة أعماله. وقد كان أول من قابلاه هو سليم الذي كان متوجهًا إلى غرفة المكتب. فتفاجأ من مظهره. ولكن لم يعلق. فقد كان يرسل نظرات تحذيرية عن السؤال. فالتزم الصمت. "داده نعمة اعمليلي قهوة.." هكذا تحدث سالم إلى نعمة التي ما أن أوشكت على تلبية مطلبه حتى أوقفتها كلمات فرح التي قالت بخفوت:

"داده نعمة استني أنتِ. أنا هعمل أنا القهوة.." انكمشت ملامحه بحيرة تجلت في نبرته حين قال: "اشمعنى كده؟ إجابته بدلال راق له كثيرًا: "بمارس مهامي. مرات الكبير بقى وكده." أضاءت ملامحه ابتسامة عذبة قبل أن يقول بعبث: "طب ما تسمعي كلام الكبير وتيجي أخده وأطير من هنا." لون الخجل ملامحها فبدت شهية للغاية. فاقترب أكثر قائلًا بخشونة: "السكوت علامة الرضا. يلا بينا." جذبها من معصمها فأوقفته قائلة بخفوت:

"طلعت عيني عشان تنزل ومكملناش ثواني وعايز تطلع. بطل استهبال بقى." ضيق عينيه قائلًا بوعيد: "مقولتش أنا إن لسانك ده عايز قطعه." أرادت مشاكسته قليلًا فقالت بدلال: "لساني أنا برضه اللي عايز قطعه! أجابها بوقاحة: "طب تعالي نطلع فوق ونشوف مين هيقدر على التاني." خدعته حتى أفلتت من بين براثنه. فقالت بنبرة مرتفعة: "أيوا يا داده نعمة جايه أهو." ضيق عينيه وهو يعض على شفته السفلية قائلًا بوعيد: "هو إحنا فينا من كده؟

وصل إلى مسامعها استفهامه. فالتفتت قائلة بدلال: "أيوا فينا من كده." تابع تهديده قائلًا: "مبقاش سالم الوزان إن ما ربيتك من أول وجديد." أطلقت ضحكة رقيقة سرقت لبه الذي يهيم بها ولهًا. تضاعف بعد تلك الليلة التي قضاها بين أحضان عشقها الدافئ.

توجه إلى غرفة الجلوس. فلفت انتباهه جنة التي كانت في طريقها إلى الصالون. فأوقفه مظهرها الجديد. وقد فطن الآن السبب لما فعله أخيه. فشعر بالشفقة تتسلل إلى قلبه على تلك الصغيرة التي ضاعف الحزن والمرض عمرها. فانتظر حتى أتت وقال بنبرة خشنة: "عاملة إيه؟ لطالما كانت تهابه كثيرًا على الرغم من أنه كان شخصًا حنونًا وقد ظهر ذلك في الكثير من المواقف. ولكن كانت هيبته تجعلها تخشى الحديث معه. لذا أجابته بخفوت: "الحمد لله."

أومأ برأسه وتحمحم قليلًا قبل أن يقول بخشونة: "لايقة عليكي أوي.. التسريحة الجديدة." أضاءت ملامحها بابتسامة مشرقة قبل أن تقول بخفوت: "بجد؟ "آه فعلاً. شكلك زي القمر. خسارة في الواد سليم." أخجلها حديثه كثيرًا. وفجأة جاء صوتًا عابثًا من خلفهم: "قولها عشان مش مصدقاني. سلومة الأقرع اللي جوه ده ميستاهلكيش. اسمعي مني اهو البوص بذات نفسه قالك." تعالت ضحكاتهم. فتابع مروان مزاحه قائلًا: "أومال أنت حلو كده ليه يا كبير؟ تحمحم

سالم قبل أن يقول بفظاظة: "أنا حلو على طول يا أبو لسانين." مروان بخبث: "لأ النهاردة غير. وشك مورد كده وعينك بتلمع. بركاتك يا فروحة." ضيق عينيه بوعيد قبل أن يقول باستنكار: "إيه؟ تحمحم مروان وقال مصححًا: "أقصد بركاتك يا آنسة فرح." "آنسة فرح! طب ادخلي أنتِ يا جنة عشان في واحد صاحبنا هنا هيتروق." هكذا تحدث سالم بوعيد. فـأطاعته جنة التي غمرها الخجل. فصاح مروان يوفقها:

"استني يا به. أنتِ بتبيعيني كده في لحظة. الصداقة بتلطم منك." أوشكت يد سالم أن تطاله ولكنه أفلت بأعجوبة مهرولًا خلف جنة. فتبعهم سالم إلى الداخل وخلفه سليم الذي كان قادمًا من غرفة المكتب: "بسم الله ما شاء الله إيه القمر ده يا جنة… يالهوي مين ده؟ هكذا تحدثت أمينة ما أن رأت جنة. ولكنها سرعان ماتفاجئت حين شاهدت سليم الذي ارتسم الامتعاض على ملامحه. فقال بنفاذ صبر: "مش هنخلص بقى." أرسل سالم نظرة تحذيرية إلى والدته. فـتابعت

موجهة حديثها إلى جنة: "تعالي اقعدي جنبي يا جنة وريني الحلاوة والطعامة دي." اقتربت جنة لتجلس بجانبها بخجل. وسرعان ما وجدت مروان يجلس هو الآخر بجانب جنة. فقالت أمينة بامتعاض: "أنا بقول جنة إيه اللي مقعدك هنا؟ مروان بتهكم: "معلش يا مرات عمي بصي للترلتين اللي أنتِ مخلفاهم وأنتِ تعرفي." التفتت إلى ولديها فوجدت نظرات التوعد التي تغلف عينيهم تجاه مروان. فقالت بخفوت: "يخربيتك عملت إيه؟

"معملتش حاجة هما اللي مفتريين وبيحقدوا عليا وأولهم سلومة الأقرع ده." حين أطلق هذا اللقب على سليم. حتى انفجرت كلًا من جنة وأمينة في الضحك. فهب سليم غاضبًا: "أنت بتقول إيه ياد بيضحكها كده؟ مروان بحنق: "مقولتش يا عم هي اللي بتتلكك عشان تضحك.. أنا جيت جمبك يا بنتي؟ ثم أخفض صوته ونظر إلى أمينة قائلًا: "شوفتي اهو غيران مني عشان بعرف أضحكها إنما هو كشري مبيعرفش غير يحمر لنا في عينيه." "معلش استحملهم عشان خاطري."

هكذا تحدثت أمينة موجهة حديثها إلى مروان. بينما على صوتها وهي تنادي على أحد الخدم: "اطلعي نادي على همت والبنات عشان الغدا."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...