الفصل 18 | من 27 فصل

رواية بين غياهب الاقدار "في قبضةالاقدار الجزء الثاني" الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
25
كلمة
9,955
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

"البت دي لازمن تموت…" تعالت الشهقات و الصيحات من حوله، وترددت عبارات المنع من جده و تهاني، ولكن بدا التصميم جليًا في عينيه، مما جعلها تتأكد أنها هالكة لا محالة. فأغمضت عينيها بقهر، انبثق منها على هيئة عبرات تزامنًا من انطلاق الرصاصة من فوهة سلاحه، لتصيب رأسها. وبعد أن استعدت للموت، ودوي صوت الرصاص بقلبها، تفاجأت بأنها مازالت على قيد الحياة.

فتحت عينيها ترفرف برموشها الكثيفة، وإذا بها تصطدم ببركة من الدماء السابحة بمقلتيه، وبجانبه ياسين الذي تدخل في اللحظة الحاسمة ليرفع فوهة سلاحه إلى الأعلى، فاخترقت رصاصته سقف الغرفة بدلًا من رأسها. "إيه يا عمار، أنت اتجننت ولا إيه؟ هكذا صرخ ياسين على عمار، الذي كانت عيناه معلقة على تلك التي كانت ترتجف بشدة، وعيناها تتوسل نافيه تلك التهمة البشعة التي ألصقت بها عنوة، ولُطخت بها ثوب روحها الطاهرة. فتعالت شهقاتها حين سمعته

يقول بقهر غلفه الغضب: "سيبني يا ياسين. الموضوع ده أنت ملكش صالح بيه." "صالح إيه وزفت إيه؟ عايزني أسيبك ترتكب جريمة زي دي وأسكت؟ هرولت تهاني إلى تلك التي كانت كل خلية بها ترتجف خوفًا وألمًا وقهرًا، خرج من بين طيات صوتها المعذب حين قالت: "حرام عليك.. أنا معملتش حاجة عفشة. أنت اللي ظالم، ومفتري." لا تعلم كيف واتتها الجرأة لنطق تلك الكلمات التي جعلت عينيه تبرقان من شدة الغضب، فقام

بدفع ياسين وهو يصيح بزئير: "بعد يا ياسين، هقطع لسانها.." لم يطعه ياسين، وصرخ به عبد الحميد معنفًا: "وجف عندك. وحالا دلوقت تخبرني حوصول إيه، وإلا تصرفي مش هيعجبك." تفرقت نظراته بينها وبين جده وجميع الموجودين، ومن بينهم حلا، التي كانت تناظره ببغض كبير، وتشفق على تلك الملقاة كالشاة بأرضية الغرفة، تحترق قهرًا ووجعًا. فإذا به يصرخ بانفعال في وجه الخدم المحيطين بهم: "بره. اخرجوا كلكم بره. مش عايز أشوف حد في الدار واصل."

طاوعه الخدم، وهرول الجميع إلى الخارج، بينما طالعته الأعين بفضول كان مقيتًا بالنسبة له، والأكثر من ذلك هو عدم قدرته على الحديث أو إخبارهم شيئًا. "هنستنى كتير على ما تفكر تحكي اللي حوصول؟ هكذا تحدث عبد الحميد، موجها حديثه إلى عمار، الذي ضاق ذرعًا بما يحدث، فقد تشكلت غصة صدئة بداخل حلقه تمنعه من الحديث. فقام بالصراخ على مسعود، الذي أتى مهرولًا، فصاح به: "هاتلي الكلب اللي اسمه مرعي هنا حالا." "أوامرك يا كبير."

وبالفعل، ما هي إلا دقائق حتى جاء مسعود برفقة مرعي، الذي ارتعب ما أن رأى تجمهر الجميع. ولكن حانت منه نظرة شامته على تلك الملقاة على أرض الغرفة، ترتجف بأحضان تهاني. "احكي يا مسعود شفت إيه بعد الفرح امبارح." "كنت بنام زي كل ليلة، وشفت مرعي خارج من الزريبة المهجورة، ولامؤاخذة يده بيد واحدة. ولما دخلت الزريبة، لقيت سلسلة نجمة واجعا جنب السور. جبتها وجيت طوالي. قلت لعمار بيه." شهقات متفرقة خرجت من أفواههن،

فصرخت نجمة بقهر: "انت شفتني بعينك يا ضلالي؟ مسعود بصدق: "لأ.. بس دي سلسلتك صح؟ وإني بعيني شايفك وأنتِ لبساها." هنا تحدث عبد الحميد بوقار: "فين السلسلة دي؟ على مضض، تقدم عمار وأعطاه إياها، فتحدث موجهًا سؤاله إلى نجمة: "السلسلة دي بتاعتك يا بت أنتِ؟ نجمة بخفوت: "أيوااا.. بس والله العظيم يا سعادة البيه ما كنت أنا." صاح بها عمار بغضب جحيمي رج جدران المكان حولهم: "ولما مش أنتِ، إيه اللي وداها هناك ووجعها ورا السور؟

شهقات متتالية خرجت من جوفها قبل أن تجيبه بنبرة جريحة: "إني.. إني.. خلصت كل شغلي.. وكنت راجعة دارنا.. وأني ماشية.. جار الزريبة المهجورة.. سمعت صوت جاي من هناك. جولت أبص أشوف فيه إيه.. وحطيت جالبين طوب.. ووقفت عليهم أشوف.. وووو.." أخفضت رأسها خجلًا، غير قادرة على إكمال حديثها. فحثها ياسين على الحديث: "كملي يا نجمة شوفتي إيه؟

أخفضت رأسها وهي تكمل: "شفت الغفير مرعي.. في وضع.. يعني.. وضع.. عفش.. مع بنته.. وفجأة جوالب الطوب اتحركت من تحتي وكنت هجع.. ولما حسيت بيه طالع يشوف مين، جريت استخبيت.. لا يشوفني.. ولما روحت البيت ملجيتش السلسلة في صدري… ومعرفش وجعت مني فين… والله العظيم ده اللي حوصول." توقف لثوانٍ حين التفتت تناظره وهي تقسم بأن هذا ما حدث. ولدهشته، وجد شعورًا قويًا يتسلل إلى داخله بأنها تقول الصدق. ولكن جاء صوت مرعي، الذي صاح نافيًا

حديثها بخسة: "متصدقهاش يا عمار بيه.. ده هي اللي كانت معايا وبتجول الكلام دا.. عشان تلبسني التهمة وتنفع هي منها…" "اخرس ياد أنت.." هكذا تحدث عبد الحميد، وهو يعاود أنظاره إلى نجمة، التي صرخت بقهر: "أتجي الله يا ظالم. أنت مش عندك ولايا تخاف عليهم؟ "اخرسي يا بت.." صاح بها عبد الحميد هي الأخرى، وضمن لثوانٍ

قبل أن يضيف: "الموضوع ده مش هيعدي بالساهل، ده شرف. وعشان كده هنجيب الحكيمة تكشف عليكِ. لو فعلا أنتِ شريفة زي ما بتجولي هيبان، ووجهتها حقك عندي.. ولو كنتي خاطئة زي ما بيقول، هدَفنك حية." كان الأمر برمته مهينًا، ولكن حتى لو كان طريق الحقيقة أشواكًا ستغرز بكرامتها وكبريائها، ستخطو به وتتجرع مرارة الألم في سبيل إثبات براءتها. أومأت بقهر وهي تخفض عينيها، قائلة بصوت يخلو من الحياة: "وأني موافقة…"

"كل واحد على شغله.. يلا.. وأنت يا مسعود اجري جيب الحكيمة على هنا.. وحسك عينك مخلوق يعرف حاجة من اللي حصلت دي، فاهم ولا لأ؟ "فاهم يا حاچ عبد الحميد…" بدأت جيوش الندم تغزو قلبه، وهو يناظر قهرها ورجفة جسدها الذي كان ينتفض بصمت، بينما انسابت عبراتها تحفر وديانًا من الوجع فوق خديها. ولأول مرة بحياته، يشعر بهذا الشعور المقيت بالألم يجتاح فؤاده، والذي لم يتحمله، فتوجه إلى الخارج. وحين مر بها، سمع صوتها

المبحوح من فرط الألم: "بيني وبينك ربنا، هأقف قدامه يوم القيامة، وهشتكيله ظلمك وجبروتك." انغرست أسهم حديثها المشتعلة بمنتصف قلبه، الذي ارتج من فرط الصدمة والألم معًا. فالتفت يناظرها، فهاله مظهرها وعينيها التي سددت إليه نظرات مشبعة بالكراهية، فكان لهذا وقعًا قويًا على قلبه، مضيفًا إلى ألمه ألمًا جديدًا، ولكن من نوع خاص لم يتخيله أو يختبره طوال حياته…

لم يتحمل ما يحدث، وخرج مهرولًا بأقدام هاربة من ألم ظن أنه باستطاعته الهرب منه، ولكنه أي هرب من ألم يستوطن أعماق الروح.. كان كل هذا يحدث أمام حلا، التي تفرقت نظراتها ما بين ياسين ونجمة، وكأنها تخبره أي أناس هم؟ ومن ثم تجاهلته، وتوجهت إلى تلك المسكينة تحتضنها دون حديث. ولدهشته، وجد عبراتها تنهمر بغزارة على وجنتيها، بينما كانت شفتيها ترتجف بقوة، وكأنها تحاول منع شهقاتها من الخروج علنًا.

فتحدثت تهاني بلطف: "خديها عندك فوق يا بتي لحد ما الحكيمة تيجي. دي بت غلبانة، وإني متأكدة أنها مظلومة." أومأت حلا بصمت، وقامت بمساعدة نجمة في الحركة، وتوجهت إلى الأعلى في صمت ينافي حديث الأعين الذي تساقط على وجنتيها… *** بأقدام مثقلة بالخيبات، وقلب يتضرع إلى خالقه أن ينجح في مسعاه، توجه إلى داخل المشفى قاصدًا غرفة تلك الفتاة التي لا يعرف من أين ألقى بها القدر في طريقهم. وما الذي يخفيه لها ولهم؟

توقف أمام الرواق، وعيناه تبحث عن رقم الغرفة المنشودة، والتي كانت تجلس أمامه سيدة في العقد الرابع من عمرها، وبجانبها زوجها الذي بدا كهلًا رغم أنه لم يبلغ العقد الخامس بعد، ولكنها الخيبة وعواقب الخزي الذي لحق بهم. "السلام عليكم." هكذا ألقى السلام عليهم، قبل أن يتابع بخشونة: "دي أوضة لبنى محمد عبد العزيز؟ أومأ الرجل، فتدخلت المرأة بقلق: "مين حضرتك؟ تشابهت عينيه ونبرته حين قال بجمود: "سالم الوزان.. أخو حازم."

قال الأخيرة بنبرة أهدأ، ملحقة بخيبة أخفاها داخل قلبه، وكما توقع، فقد انفعلت السيدة وصاحت بانهيار: "انت أخو الشيطان اللي ضيع حياة بنتي، ودمر مستقبلها…" تدخل الرجل في محاولة لتهدئة زوجته: "اهدي يا رضا.. الراجل ملوش ذنب. بعدين وطي صوتك، البنت تسمعك وهي مش متحملة…" تحدث سالم بنبرة هادئة تنافي غضبه المتقد بداخله: "سيبها تقول اللي نفسها فيه. هي عندها حق، ولو قالت أكتر من كده، أنا عاذرها…" التفت

إليه الرجل وهو يقول بجفاء: "حضرتك جاي لنا ليه؟ إحنا بينا وبينكم الحكومة، وأنا اشتكيت على أخوك، وهجيب حق بنتي حتى لو حصل إيه؟ ابتلع غصة صدئة تشكلت في حلقه، قبل أن يجيب بخشونة: "جيت عشان أجيب لك حق بنتك بنفسي.. لأن لو عملت إيه، مش هتعرف تجيبه." لون الغضب تقاسيم الرجل، وصاحت زوجته: "انت جاي تهددنا؟ ليك عين يا ظالم؟ زفر الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة، قبل أن يقول بتحذير: "أنا مبهددش ولا حاجة. ومبهددش كلامي للحريم."

زحف الندم إلى قلبه حين احتد في حديثه، فتابع بلهجة أهدأ: "وعشان ننهي جدال عقيم مالوش لازمة.. أنا جيلكم النهاردة عشان حازم أخويا توفى بعد حادثة بنتكم بيوم واحد.." شهقة قوية شقت جوفها حين سمعت حديثه، بينما ارتسمت معالم الصدمة على زوجها الذي قال: "انت بتقول إيه؟

لم يجبه، إنما أخرج شهادة وفاة شقيقه وأعطاها له. فالتقطها الرجل بيد مرتعشة لقراءة الحروف المدونة بها، والتي أثبتت أن هذا الشيطان قد رحل. فسقط على الكرسي خلفه بأكتاف متهدلة، وملامح لونتها الخيبة التي تساقطت من بين حروفه، حين قال: "يعني البنت ضاع مستقبلها. وحتى حقها مش هنعرف نجيبه.. فوضت أمري ليك يا رب." اقتربت منه زوجته تحتضنه وهي تقول بألم: "حسبي الله ونعم الوكيل. متعملش في نفسك كده، إحنا ملناش غيرك…"

ود لو يعتذر ألف مرة على تلك الفاجعة التي ضربت حياتهم، والتي للأسف كان السبب بها هو شقيقه. "أنا عارف يا أستاذ محمد، إن أي حاجة هعملها مش هتمحي أبداً الكارثة اللي حصلت. لكن أنا تحت أمرك في أي حاجة. شوف إيه اللي يرضيك وأنا معاك فيه." التفتت الأعين تناظره بيأس، تجلى في نبرته حين قال: "هتعمل إيه؟ هتقدر ترجع شرف بنتي اللي ضاع؟ ولا ترفع راسنا قدام الخلق بعد اللي حصل؟

هتقدر تخلي المجتمع يحترمها ويتعامل معاها على أنها ضحية مش مذنب؟ هتقدر تعمل إيه يا بيه؟ العمل عمل ربنا." كانت كلمات الرجل كشاحنة ثقيلة دهست على قلبه المشبع بمرارة الذنب الذي لم يعد يتحمله، فاحتدت نبرته وهو يقول: "يولع المجتمع اللي هيعاقب طفلة بريئة على ذنب ملهاش يد فيه. أنا مش هنا عشان الناس. أنا هنا عشان البنت اللي جوه دي، وزي ما قولتلك مستعد أعمل أي حاجة عشان خاطرها." "يبقى تكتب عليها."

هكذا خرج صوت رضا، والدة لبنى، التي كانت تناظره بغضب وحرقة. وأصابتها كلمته في الصميم. فبالرغم من أنه كان يتوقع ذلك، إلا أنه غضب بشدة من عرضها الأمر بتلك الطريقة، فأجابها بخشونة: "انت شايفه إن الحل ده في مصلحة بنتك؟ "طبعًا.. على الأقل هتقدر ترفع راسها بين الناس بعد كده." هكذا أجابته، فتصاعدت أبخرة النيران المندلعة بقلبه، وتحدث قائلاً بفظاظة: "بردو كل تفكيرك في الناس؟

يا مدام أهم حاجة ابنتك. فكري فيها وفي مصلحتها قبل ما تفكري في أي حد." "انت جاي عشان تعجزنا؟ نفكر في إيه؟ هو ده الحل الوحيد للكارثة دي؟ "الحل إنك تجوزيها واحد قد أبوها. عشان تنقذي سمعتك وترفعي راسك وسط الناس؟ كان حديثه حادًا يشبه ملامحه، مما جعل الزوجين ينظران إلى بعضهما بخجل.

فتابع بفظاظة: "لبنى عندها سبعتاشر سنة، وأنا عندي أربعين. بيني وبينها ٢٣ سنة. يعني لو كنت اتجوزت بدري شوية كان زمان عندي قدها.. اللي انتوا بتفكروا فيه ده جريمة أكبر من جريمة اغتصابها." أحنى الرجل رأسه بقلة حيلة، تجلت في نبرته حين قال: "والله ما بقيت عارف أفكر. إيه العمل طيب؟ أشفق على مظهره كثيرًا، ولكن لم يظهر ذلك، بل تابع بجفاء: "أنا هتبنى لبنى." ارتفعت الرؤوس تناظره بصدمة، تجاهلها وأردف

بلهجة لا تقبل الجدال: "لبنى من النهاردة بنتي. هتكفل بعلاجها وتعليمها وكل حاجة تخصها لحد ما أسلمها بإيدي لجوزها." برقت الأعين وهي تناظره، فحديثه كان كالقنبلة الموقوتة التي لم يكن يتوقعها أحد. فتابع بخشونة: "ومش لبنى بس. لبنى وإخواتها. ولو المكان اللي انتوا فيه الناس بتضايقكم بسبب اللي حصل. اختاروا أي مكان تحبوا تكونوا موجودين فيه، وأنا تحت أمركم." "انت ليه بتعمل كده؟

يعني أخوك مات، وإحنا مش في إيدينا حاجة نعملها. ليه تعرض عرض زي ده وتلزم نفسك كده؟ هكذا استفهمت رضا، التي لم تكن تتخيل عرضه أبدًا، والذي جعل الشك يتسلل إلى قلبها. وقد شعر هو بذلك، فقال بفظاظة: "كل راعٍ مسؤول عن رعيته، وحازم الله يرحمه كان مسؤول مني. حتى لو هو مبقاش موجود، فأنا موجود، وواجبي عليا أرد الحقوق لأصحابها." كانت إجابة لم تتوقعها من رجل تبلورت به كل مظاهر الشهامة والرجولة، فخرجت

كلماتها صادقة حين قالت: "انت إنسان محترم. واللي زيك قليلين. أنا مش عارفة أقولك إيه؟ تجاهل ثناءها وقال بخشونة: "مش محتاجة تقولي حاجة. وزي ما قولتلك ده واجبي." تحدث الرجل باعتذار: "ربنا يكتر من أمثالك. ويجازيك خير." أومأ برأسه وقال بعملية: "حساب المستشفى مدفوع وزيادة. والكارت ده فيه رقمي الخاص. أول ما تشد حيلها كلموني عشان ننسق مع بعض هنعمل إيه." أخذت منه رضا الكارت الصغير وهي تومئ برأسها، فتابع مؤكدًا

على حديثه: "متشيلوش هم حاجة أبدًا. من اللحظة دي لبنى بقت بنتي زيي زيكم. وأنا اطمنت على حالتها الصحية من الدكتور، وهو هيعين دكتورة نفسية تساعدها إنها تخرج من الحالة اللي هي فيها." كان أكثر ما يمكن فعله لإنقاذ حطام السفينة التي ضربتها صاعقة قوية مباغتة، فأراد لملمة شتاتها وترميم صدوعها، وقد نوى أن يفعل ذلك كما يجب أن يكون، حتى ولو كان هذا آخر ما سيقوم به طوال حياته… ***

"سيد الحبايب يا ضنايا أنت.. يا كل أملي ومنايا أنت.. يا أحلى غنوة في دنيا حلوة. يا أحلى غنوة في دنيا حلوة.. غنت وقالت معايا أنت.. سيد الحبايب يا ضنايا أنت."

كانت تلك كلمات الأغنية التي أخذ صوتها العذب يشدو بها، وهي تحمل طفلها الجميل وتداعبه بكل ما أوتيت من حنان سُكب فوق قلبها، الذي بالرغم من كل ما تعرضت له، ما زال نقيًا بريئًا قادرًا على الحب.. الحب الذي كان أقل وصف يمكن أن يوصف به شعوره نحوها، وهو يراها تحمل رضيعها بكل هذا الحنان الذي كان ينبعث من صوتها الرائع، الذي يشبه كثيرًا ملامحها الجميلة، التي يقع بعشقها كل مرة تقع عيناه عليها. "يا بختك يا محمود.."

هكذا صدح صوته الخافت من خلفها، فتجمدت بمكانها، فقد كان قريبًا منها لدرجة أن أنفاسه الساخنة دغدغت عنقها الأبيَض. فابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت الثبات بقدر الإمكان، حين التفتت تناظره، فأسرتها عيناه العاشقة للحد الذي جعلها غير قادرة على الحديث. فأردف هو بخفوت: "مكنتش أعرف إن صوتك حلو أوي كده." تنبهت لحديثه وتحديقها به، فتحمحمت بخفوت، قبل أن تعيد أنظارها إلى طفلها، وهي تقول بتوتر: "ولا حلو ولا حاجة. عادي يعني."

تابع شن هجومه العاطفي على مشاعرها، حين أجابها بلهجة خطرة: "لأ طبعًا مش عادي… بس تعرفي إنه لايق عليكِ أوي." ارتفعت نظراتها تطالعه باستفهام، فأردف بخفوت: "يعني الملامح دي أكيد لازم يبقى صوتها بالرقة والجمال ده." رجفة قوية ضربت جسدها من غزله الصريح، فبللت حلقها، قبل أن تقول بمراوغة: "مش ملاحظ إنك بتبالغ شوية.. وبتجامل شويتين."

ابتسم قبل أن يجيبها مازحًا: "يكون في علمك أنا أكتر حد في الدنيا مبيعرفش يجامل.. اللي في قلبي بقوله." لونت السخرية ملامحها، قبل أن تقول بتهكم: "آه طبعًا مصدقاك. أنا أكتر واحدة جربت." وصل إلى نقطة لا يريدها، لكنه سيستغلها لأجل القضاء على بثور الماضي. فانتظر حتى وضعت محمود في مهدِه، ثم تناول كفها، يديرها إليه، وهو يقول بخشونة: "لسه منستيش؟ "أكذب لو قلت لأ.." باغتها حين صرح قائلاً: "طب ولو قلت آسف؟

كان صريحًا وجريئًا لدرجة تخيفها، ولهذا حاولت التملص من بين يديه التي أحكمت الطوق عليها. وتابع بصوته الذي كان يحرقها من الداخل: "طب بلاش أسف. خليها بحبك…"

ارتج قلبها حين خرجت تلك الكلمة من بين شفتيه. كان لها وقعًا ساحرًا على مسامعها وروحها، التي بدأت بالالتئام رويدًا رويدًا. ولكن الماضي.. وآه من الماضي وظلمته، التي كلما تسرب النور إلى قلبها، حاصرها ماضيها وأغرقها في ظلام الذنب أكثر. فهي في تلك اللحظة تريد أن ترمي بنفسها بين ذراعيه تنشد السلام، ولكنها خائفة.. تخشى مواجهته بتلك الرسالة التي تحمل صورًا من ماضٍ قد يعلمه، ولكن أن يراها أمام عينيه، هذا ما لا تستطيع المجازفة به.

أن يراها بجانب شقيقه كان أمرًا مريعًا، فهي تعلم كم دماؤه حارة وغيرته قاسية. تخشى أن يكرهها أو يتولد بداخله شعور بالرفض تجاهها. ولذلك ابتلعت غصة الصمت، وأخفضت رأسها تخفي صراعها المرير بين كونها لن تعد تريد إخفاء شيء بقلبها، وبين خوفها من أن يرفضها قلبه. فشعر هو بمعاناتها، فامتدت يده تحوطها بحنان، تجلى في نبرته حين قال: "الصراع اللي في عينيكِ ده آخره إيه؟ "مش عارفة.."

هكذا أجابته، وهي تستند برأسها فوق صدره النابض بعشقها. فتابع بنبرة هادئة: "كتير عليكِ تتحمليه لوحدك. خليني أشيل عنك. إحنا اتفقنا إننا قبل أي حاجة أصحاب." رفعت رأسها تناظره، علها تجد بنظراته شيئًا آخر غير الحنان.. أي شيء يمكن أن يردعها من أن تخبره. ولكن كانت عينيه منبعًا للأمان الذي تريده. ف تراجعت للخلف، وتوجهت إلى المنضدة، تمسك بهاتفها وتضيئه، متوجهة إليه،

وهي تقول بنبرة جريحة: "في حاجة لازم تشوفيها.. يمكن تغير رأيك في حاجات كتير. بس.. معدش عندي استعداد أخبي حاجة. تعبت من العيشة في خوف وقلق." أنهت كلماتها التي كانت صادمة له، وقامت بوضع الهاتف في وجهه. فبرقت عيناه من شدة الصدمة حين وجدها في الصورة بجانب أخيه الراحل.. لم تكن في وضع مشين أو يبعث على الريبة، ولكن القلب وغيرته وجنونه عشقه الذي أضرم النيران في نظراته، وجعل لهجته تحتدم قليلاً،

وهو يقول: "الصورة دي كانت فين وإمتى؟ بصدق، قررت أن تتخذه مذهبًا طوال حياتها. أخبرته: "يوم لما قرر إنه يبدأ علاج.. وافقت لما قعد يترجاني عشان نوثق اللحظة دي…" بلمح البصر، وجدت الهاتف يُلقى في الحائط فتحطم إلى أشلاء، مما جعلها تتراجع للخلف بذعر. ازداد حين وجدته يقترب منها، قائلاً

بلهجة خشنة: "آخر مرة هنتكلم في الموضوع ده. انسى. انسى حازم بكل اللي حصل معاه. أو إوعي تفتكريه حتى بينك وبين نفسك. اعتبريه كابوس بشع صحيتي منه للأبد. مفهوم كلامي؟ كلماته كانت واضحة، ولكن معانيها غامضة. لا تعلم هل كان غاضبًا منها أو يغار عليها. لا تعلم شيئًا، ولم تكن تملك الجرأة لتسأله. فظلت على صمتها، ولكنها تفاجأت حين وجدته يحتضنها بقوة أذابت عظامها، خاصةً حين قال بلهجة مبحوحة

من فرط ما يعتمل بداخله: "أنتِ مراتي.. حبيبتي.. انسى أي حاجة تانية في الدنيا. لو في قلبك أي ذرة مشاعر تجاهي، اعملي اللي بقولك عليه…" من بين انغماسها في روعة شعورها وهي بين أحضانه حصنه المنيع، أجابته: "حاضر.." شدد من احتضانها، قبل أن يقول بلهجة خشنة: "من بكرة هجبلك تليفون أحسن من ده ألف مرة. وأي حاجة تحصل زي دي تعرفيني…" "حاضر…."

كان انسيابها هكذا بين يديه مثيرًا بحق، وخاصةً أن تكون مطيعة هكذا. وما أن أوشك على الاقتراب من وجهها، حتى صدح صوت بكاء محمود، الذي أخرجهم من لجة مشاعرهم الجارفة، ف تلقفته جنة بيد متلهفة، بينما هو توجه إلى الخارج، ملتقطًا هاتفه، يجري مكالمة هاتفية. وما أن أجابه سالم، حتى قال حانقًا: "سالم. اللي حصل في الملحق ده بفعل فاعل…" ***

كانت تجلس على المقعد تمسك كوب الليمون بيد، وبالأخرى تجفف عبراتها التي لا تتوقف عن السقوط، رفضًا لهذا الظلم الواقع عليها. فاقتربت منها حلا قائلة برفق: "ممكن تهدي شوية. كل حاجة هتتحل إن شاء الله."

لم تجبها، إنما أومأت برأسها بصمت، سرعان ما تبدد حين سمعت الطرق على الباب، الذي انفتح واطلت منه تهاني، وخلفها الطبيبة. فعلت دقات قلبها، الذي شعرت به يتمزق من الداخل، وهي تخضع لذلك الاختبار العنيف، ولكنه أقصر الطرق وأصعبها لإثبات براءتها. "قومي يا بتي. معلش. إني خابرة زين إنك مظلومة، بس لازم نقطعوا الشك باليقين."

تسابقت العبرات في الانهمار على وجنتيها، وأخذ جسدها يرتجف بعنف، وتعالت شهقاتها. وبالكاد استطاعت أن تتحرك في طريقها إلى السرير. فلم تحتمل حلا ما يحدث من قهر وظلم، وهرولت إلى الخارج. فلن تتحمل أن تشهد واقعة كتلك. وأثناء مغادرتها بتلك الطريقة، اصطدمت بياسين، الذي سقط قلبه رعبًا عليها، حين شاهد مظهرها المبعثر وانهيارها بهذا الشكل. ف حاوطها بذراعيه، وهو يقول بلهفة: "حصل إيه يا حلا؟ مالك؟

تعلقت نظراتها به، دون أن تكون لها القدرة على الحديث. فأخذت تشهق بقوة، وانهمرت عبراتها كالمطر. فقام بغرسها بين أحضانه بقوة، وهو يقول بحنان: "طب اهدي. اهدي وبطلي عياط، متقلقنيش.. حصل إيه لكل ده؟ تمسكت بقميصه بقوة، وهي تنتحب بعنف، فقد كانت تبكي كل شيء، ألمها وغضبها منه، ومن نفسها، ومن تلك الواقعة المريعة. أرادت أن تبكي حتى تجف ينابيع عينيها، وقد كانت أحضانه الدافئة أكثر من مرحبة لاحتضان ثورة انهيارها..

بعد عدة دقائق، استطاعت أن تتغلب على ثورتها، وبدأت تتمالك نفسها قليلاً. ف تململت بين أحضانه، التي كانت ترفض ابتعادها، ولكنه اضطر أن يتركها على مضض. ولكن يديه ظلت ممسكة بكتفيها، وهو يقول بنبرة قلقة: "حصل إيه لكل ده؟ خرجت الكلمات متلعثمة من بين شفاهها المرتجفة: "صعبان.. عليا.. البنت.. دي أوي.. منظرها.. يقطع القلب…" برقت عيناه لثوانٍ وهو يناظرها. هل كل تلك العبرات لأجل فتاة لا تعرف عنها شيئًا؟

أين تلك المتعجرفة سليطة اللسان، التي لا يهمها أحد ولا تهتم لمشاعر الآخرين؟ "كل الدموع دي عشان الخدامة؟ تراجعت عنه بغضب، تجلى في نبرتها حين قالت: "هي الخدامة دي مش بني آدمة زيها زينا؟ "بني آدمة طبعًا. بس أنتِ متعرفيهاش عشان تتأثري بالشكل ده." هكذا أجابها بهدوء، فتابعت بانفعال: "مش شرط إني أكون عارفاها عشان أتأثر بالموقف. أصعب حاجة في الدنيا هي الظلم."

لمعت عيناه بطريقة خاطفة. فهي على الرغم من تمردها وتعاليها، ولكنه تملك قلبًا رقيقًا من الداخل. فقط تحتاج لأن تحجم ذلك الاندفاع الذي يتملكها في الكثير من المواقف. "كويس إنك عارفة.. الظلم وحش جدًا. بس اللي أوحش بقى إنه يكون من حد بنحبه…" هكذا أجابها بلهجة تحمل عتبًا لا تفهمه. ولكن دقات قلبها التي تعالت بصخب، مما جعل الكلمات

تخرج مهزوزة من بين شفتيها: "الظلم وحش أيًا كان مصدره. والأوحش إننا مندّيش الإنسان فرصة إنه يدافع عن نفسه." "صح. أنا بصراحة مكنتش أعرف إنك حقانية أوي كده." هكذا تحدث بهدوء، بينما عيناه كانت تطالعها بعبث، جعل الخجل يزحف إلى وجنتيها. ولكنها قد قطعت عهدًا على نفسها بألا تضعف أبدًا، لذا قالت بغرور: "وأنت تعرف إيه عني أصلًا عشان تحكم إذا كنت حقانية ولا لأ؟

كان تحديها مثيرًا، كملامحها الفاتنة، التي لم تتأثر بحزنها. وقد كان عاشقًا، وليس على العاشق حرج. اقترب منها خطوة واحدة، وعينيه تبحران فوق ملامحها بشغف، تجلى في نبرته وهو يقول: "يبقى نتعرف…" عاندته بتكبر: "تؤ. مش عايزة أعرفك." "بس أنا عايز…" هكذا تحدث أمام شفتيها همسًا، جعل طبول الحرب تدق بقلبها. فواصلت تحديها له، إذ قالت: "مش بمزاجك."

واصل تقدمه نحوها، ف تراجعت للخلف بخوف حاولت إخفاءه، بينما كانت عينيها أسيرة لنظراته المغوية. وخاصة حين قال هامسًا: "بمزاجي. بمزاجك. مش هتفرق.. في الحالتين أنتِ خلاص بقيتي تحت رحمتي.." خربش الخوف جوانب قلبها، وتجلى في نبرتها حين قالت: "تقصد إيه؟ أوعى تفكر إن هسكتلك لو فكرت تعمل حاجة تضايقني.."

واصل تقدمه منها، وقد أظلمت عينيه، وهي تناظرها بنظرات غامضة شملتها كليًا، لتتوقف أخيرًا عند شفتيها، التي ولدت بداخلها جوعًا قاتلًا. فخرج صوته أجشًا حين قال: "حلو ده. وريني هتعملي إيه؟

لم تكد تستوعب حديثه، تفاجئت بنفسها محموله بين ذراعيه، بيد، وبالأخرى قام بفتح باب الغرفة المجاورة وإغلاقه. لتجد نفسها مسنودة عليه بجسدها، الذي حوصر بين باب الغرفة وبين جسده. وما أن رفعت رأسها تناظره، حتى أسرها بين براثن عشقه الضاري لها، الذي أخذ يسكبه بقوة فوق ثغرها التوتي، الذي كان مذاقه رائعًا، فأخذ ينهل منه بلا هوادة..

غيبت العقول للحظات، كانت أكثر من رائعة، يكللها عشقًا خالصًا، صار ينثره برقة فوق قسمات وجهها، ويديه تحتويان جسدها بحنان لم تكن تتوقعه. ولكنه اخترق حدود قلبها، الذي أحرقه لهيب الصبوة، فلم يعد يستطيع المقاومة. فقضيتها خاسرة أمامه، فكل شيء بها يشدو بعشقه..

كانت مشاعره جامحة، على الرغم من أنه حاول التحكم بها قدر المستطاع حتى لا يؤذيها. ولكن أي إرادة قد تقف أمام طوفان العشق الضاري. فحين رفع رأسه يطالعها بعينين يغلفهما الشغف، تفاجأ من قطرات الدماء التي تتساقط من بين حبات التوت خاصتها. فامتدت أصابعه تزيلها برفق، تجلى في نبرتها حين قال: "بتوجعك؟

كان صدرها يعلو ويهبط من فرط الشعور، الذي لم يكن صدرها يتحمله، فقد أوشك على الخروج من بين ضلوعها، تأثرًا بما حدث. مما جعل الكلمات تخرج مبحوحة من بين شفتيها المرتجفة: "ليه عملت كده؟ فاجأها حين قال: "عشان سببين. أولهم اعتذار عن كلامي ليكِ امبارح.. عارف إني زودت العيار شوية. بس أنتِ استفزتيني.." ترقرقت العبرات في مقلتيها، حين جاء على ذكر حديث البارحة. فتألم قلبه لألمها،

وأردف بخشونة: "مكنتش أحب إن ده يحصل.. بس أنتِ وصلتينى لأقصى درجات الغضب." حاولت كبح جماح عبراتها قدر الإمكان، حتى لا تظهر ضعفها. ولكن جاء صوتها المرتجف، يعكس مدى تأثرها، حين قالت: "والسبب التاني." امتد كفه الأيمن يلامس خدها الأيسر، وهو يقول بنبرة رقيقة: "إنك حلوة أوي.. أول مرة أشوف حد اسم على مسمى كده."

نجح في إخماد حزنها بروعة كلماته، التي جعلت الخجل يزحف إلى وجنتيها، التي ازهرت ورود حمراء، أضافت جمالاً آخاذًا على ملامحها. وتلألأت عينيها حين تابع: "أنا عارف إنك مش وحشة. عيبك الوحيد إنك متسرعة. وأنتِ كمان لازم تبقي عارفة إن إني مش وحش. وكل اللي حصل ده له تفسيرات وتبريرات. مهم أوي إنك تعرفيها." خطى بأنامله على جرح يتوسط قلبها، فخرجت كلماتها معذبة،

حين قالت: "مفيش أي مبررات في الدنيا ممكن تمحي بشاعة اللي حصل.. الليلة اللي عشتها هنا في بيتكم وأنا مخطوفة كانت أشبه بالموت." كلماتها كانت سوط جلد قلبه، الذي ارتج لحزنها، وخرج صوته متلهفًا: "والله ما كنت أعرف.. أنا اتفاجئت باللي حصل. أنا حتى مكنتش عارف إن جدي على علم بموضوع جنة.." "بس كنت عارف بالتمثيلية الحقيرة اللي عملها جدك عليا. ده ابتزني عشان أوافق اتجوزك.. قالي لو خايفة على أخواتك توافقي."

انكمشت ملامحه بغضب، حاول قمعه، قبل أن يجيب: "عارف إنه كان صعب عليكِ. بس الناس هنا تفكيرهم غير تفكيرنا، وكانت دي الطريقة الوحيدة اللي هتنقذ شكل العيلة قدام الناس، وهترد كرامة جنة." لونت الصدمة معالمها، وجاءت كلماتها مستنكرة: "و بالنسبة لكرامتي؟ مفرقتش معاكوا صح؟ "لأ مش صح.. محدش جه جنب كرامتك، ولو قارنتي اللي حصل مع جنة واللي حصل معاكِ، هتعرفي إن اللي حصلك كان ولا حاجة جنب اللي حصلها."

هكذا أجابها بحدة، اخترقت جدران قلبها، الذي نزف ألمًا جراء حديثه. وقد ظنت بأنه يوافق على ما فعله جده، فهبت مستنكرة: "أنا ذنبي إيه؟ أتقارن بيها ليه؟ كل واحد يشيل شيلته. هي غلطت واتجوزت عرفي، أنا معملتش كده عشان أتعاقب." خرج صوته غاضبًا، حين قال: "خلي بالك من كلامك يا حلا. وافتكري إن جنة مظلومة، والشيطان أخوكي هو السبب في كل ده."

كان محقًا، ولكن آلمها أن يحملها ما لا ذنب لها به. وأيضًا دفاعه عن ابنة عمه أمامها لامس أوتار غيرتها، التي جعلتها تدفعه بقوة من صدره، وهي تصيح غاضبة: "تمام أوي. خليك فاكر إني أخت الشيطان اللي أذى بنت عمك. وأوعى تفكر تقرب مني تاني."

قالت كلماتها بقلب ممزق وروح محترقة، ومن ثم هرولت إلى خارج الغرفة. وسرعان ما تجمدت خطواتها، حين رأت تهاني، التي كانت تقف بجانب عبد الحميد وتخبره شيئًا ما بجانب أذنيه، جعل ملامحه تتحول إلى غضب كبير، وهو يصيح بعنف: "عمااار…"

كان بغرفة مكتبه، ينهش بأقدامه أرض الغرفة من كثرة الذهاب والمجيء. بداخله وحوش تنهش ببعضها البعض، وهو واقع كالفريسة بينهم. ينظر إلى ساعته بين الفينة والأخرى، والتي كانت تلسعه عقاربها بكل ثانية تمر عليه. يتقاذفه الشعور من كل حدب وصوب، يتلظى في حيرة متقدة، ما بين إحساسه القوي بأنها مظلومة، وخوفه الضاري من أن تكون مذنبًا!

اخترق صوت جده أذنيه، مرورًا بقلبه، الذي كان يسبقه متلهفًا إلى الخارج. وبأنفاس مقطوعة، وصل إلى أسفل الدرج، فصاح به عبد الحميد: "هاتلي الكلب اللي اسمه مرعي ده وجهزلي الساحة الكبيرة. لازم يبكي عبرة لكل اللي يفكر يظلم وليه تاني." كان كمن سقط بقوة من ارتفاع شاهق، يتوقع أن يصطدم بالأرض في أي وقت، فيتحطم متحولًا إلى أشلاء. وفجأة، إذا بيد خفية تمسكه بقوة، مانعة سقوطه.

أطلق زفرة قوية من جوفه، الذي هدأت نيرانه، واستطاع أن يتنفس بحرية من جديد. فنيرانه الآن تحولت من مؤلمة إلى أخرى، يعززها الانتقام الذي يسري في أوردته. فتوجه إلى الخارج، وقام بتوجيه ركلة قوية إلى بطن مرعي، الذي كان يقف مرتجفًا، مما أوقعه بنفسه به. فإذا به يتفاجأ بذلك الذي أنهال عليه ضربًا مبرحًا، وكأنه يخرج كل ما بجوفه من ندم وغضب وألم…

وبأمر من عبد الحميد، قام الغفر بتخليص مرعي من يد ذلك الثور الهائج، وقاموا بجره وصلبه على إحدى الأشجار التي تتوسط ساحة المنزل الكبيرة. وقد تجمهر الناس بأعين يأكلها الفضول، لمعرفة ماذا حدث. فوقف عبد الحميد في منتصف الساحة، يحاوطه حفيداه، بينما تولى هو مهمة الحديث، إذ قال بوقار ونبرة قوية: "الكلب ده اتجرأ ورفع عينه في بت من بناتنا، وعشان كده لازمن ياخد جزاءه ويبكي عبرة. وده أول عذاب (عقاب)

بعد كده.. اللي هيغلط هيندفن حي." أنهى كلماته، وألقى نظرة ذات مغزى على عمار، الذي كان يمسك بالسوط بيده، ويتوجه إلى حيث مرعي، الذي كان ينتحب مثل النساء، وخاصة حين شاهد ذلك الذي كان يعض شفتيه باستمتاع، وعينيه تطلق سهام الشر، الذي كان يغذيه بقوة، تجلت في ضرباته المريعة، التي تلقاها ظهر مرعي، الذي تعالت صرخاته. فلم يشفق عليه أحد. وأخذ عمار يضربه حتى خارت قواه وسقط مغشيًا عليه،

فصرخ في أحد الغفر: "ودي الكلب ده للحكيم يعالجه. عشان ياخد باقي عذابه." "حاضر يا كبير.." أنهى عمار جملته، تزامنًا مع وصول سيارة صفوت، خلفها عدة سيارات كانت تحمل صباحية العروس، التي تكفل هو بها، نظرًا لزواج الأخوين في نفس التوقيت، وبعد المسافة بين البلدين. ترجل من السيارة ينظر بذهول لما يحدث، فتقدم تجاه عمار قائلاً باستفهام: "إيه يا عمار؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ عمار بجفاء: "ده واد خاين وخد جزاءه.. متشغلش بالك."

عنفه صفوت قائلاً: "انت هنستهبل يا عمار.. انت ناسي إن في حكومة ولا إيه؟ تدخل عبد الحميد، الذي أقبل وبجانبه ياسين، للترحيب بصفوت: "لأ طبعًا منقدرش ننسى يا صفوت بيه. بس أصل الموضوع حساس شوية. مينفعش نتكلموا فيه هنا.. اتفضل جوه." أطاعه صفوت بصمت إلى الداخل، فوجد النساء اللاتي كن يتابعن ما يحدث في الخارج من الشرفة، وكان من بينهن حلا، التي اندفعت إلى أحضان صفوت، وكأنه زورق النجاة بين هؤلاء البشر. "عمو صفوت.."

"صباحية مباركة يا عروسة.." عانقه صفوت بحب، بينما عيناه التقطت تلك الفتاة المبعثرة، التي تقف خلفها مباشرة، تحني رأسها، فشعر بوخز في قلبه على مظهرها. "الله يبارك في حضرتك.." "عايزين فنّانين قهوة من يد عروستنا الحلوة. على ما نقولوا الكلمتين أنا وصفوت باشا.." هكذا تحدث عبد الحميد، موجهاً حديثه لحلا، التي لم تكن تطيق النظر إلى وجهه، ولكنها وافقت على مضض. فتوجهت إلى المطبخ، ليجد نفسه وجهًا لوجه معها.

فاقترب خطوتين، يقف أمامها بعقل فارغ من أي حديث يمكن أن يمحو بشاعة ما حدث، بينما ضميره كان يواصل هجومه الضاري نحوه، معززًا شعور الذنب الذي يقرضه من الداخل. ولكنه تجاهل ذلك، وقال بنبرة خشنة: "جبتلك حقك من الكلب اللي ظلمك، وخلّيته عبرة للناس كلها." رفعت عينيها، التي كانت كبركة من الدماء، التي ما كانت إلا نزيف روحها، التي اهترئت بفعل اتهامه القاسي والمشين نحوها. فخرج صوتها متحشرجًا، يحمل راية الاتهام: "وحقي منك؟

مين هيجيبه؟ اخترقت كلماتها قلبه، الذي كان يخشى من هذا الاستفهام كثيراً، ولا يجد له إجابة. لذا حاول المراوغة، حين قال: "حق إيه؟ إني معذور. أي حد مكاني كان هيعمل كده." "تقصد أي حد ظالم كان هيعمل كده." احتدت نظراته، ولعن تهوره حين سمع حديثها، الذي كان صحيحًا. لأول مرة يعترف بذنوبه ويجابه بها عقله، الذي لم يسعفه في الحديث. فتابعت تطوق

عنقه بحلقة من نيران الذنب: "لو أنت اديت لنفسك العذر تظلمني. فاعرف إن في رب كريم فوق، قادر يسلط عليك اللي يعمل معاك زي ما عملت معايا.. ولازم تعرف إن إني عمري ما هسامحك واصل." كانت تغرس أسهمها بقلبه، الذي نزف ألمًا وندمًا. خالط لهجته حين قال: "خلي بالك من كلامك. إني غلطت لما تهورت. وده لإني شفت سلسلتك بعيني. والكلب ده أكد على الكلام. وبعدين اتراجعت عن غلطي." "بعد إيه؟ بعد ما كنت هتموتني؟

هكذا قالت صارخة من أعماق وجعها، الذي جعلها تتناسى طريقتها في الحديث معه، والذي كان يتقبلها، لا يعرف لماذا، بل إنه تابع بلهجة لا تشبه عجرته وغروره: "ربنا أراد إنه ينصر الحق، وياسين اتدخل، والحمد لله جيت سليمة.. وعرفنا الحقيقة. يبقى إيه لازمة حديثك ده دلوقتي." "صح.. مالوش لزوم.. عن إذنك…" هكذا تحدثت بشفاه مرتعشة، ثم التفتت تنوي المغادرة. فخرج حديثه متلهفًا، حين قال: "رايحة على فين؟

إجابته دون أن تلتفت إليه: "رايحة على بيتي. ماليش شغل في الدوار هنا. في بيت الظلمة." "الظلمة دول جابولك حقك.. وردوا كرامتك.." هكذا تحدث بيأس، فلم يكن يعرف أي الطرق عليه أن يسلك حتى يصحح هذا الخطأ اللعين، الذي ارتكبه برعونة. فجاءت كلماتها حتى تقضي على آخر آماله: "يردوا كرامتي بعد ما دهسوها تحت رجليهم؟ مستني مني إيه يا كبير.. أشكرك على اللي عملته معايا؟؟ حاضر. شكرًا.."

أتقنت غرس سهامها في صدره، الذي كان يتألم بشدة، ولا يقدر على مجابهة ألمه أو حديثها، الذي أجهز على قلبه، حين تابعت بصوت فاقد لكل معاني الحياة: "بس خليك فاكر. إني لو بيني وبينك الجنة، هرمي نفسي في النار، ولا إني أسامحك! ***

بعد مرور ثلاثة أيام، عاد الغائب إلى موطنه، وبداخله قلب أضناه الشوق، وأحرقه الألم، الذي لا يزال ينخر بعظامه، ويفتت روحه. ولكنه كعادته، لا يظهر أي شيء. فقد كانت ملامحه جامدة كعادتها، حين خطى إلى داخل المنزل. فكانت هي أول من وقعت عليها عينيه، التي لمعت بوميض الشوق للحظة خاطفة، سرعان ما عادت إلى جمودها، التي زلزلته فعلتها. حين هرولت إليه بقلب لهيف، تردد بشوق: "سالم…"

لم تحسب خطواتها، ولا تعرف كيف واتتها الجرأة لما فعلته، ولكنها كانت عاجزة أمام شوق جارف يجتاحها كفيضان ضرب ثباتها الهش. فوجدت نفسها تندفع إليه رغماً عنها، تحيطه بذراعيها، وكل خلية بها مشتاقة لدفء وجوده، وعذوبة رائحته، التي افتقدتها كثيرًا.. كان استقبالاً حاراً لم يتوقعه، حتى بأحلامه. فطوال طريق سفره، كان يفكر كيف سيرآها دون أن يحتجزها بين ذراعيه، يبثها أشواقه العاتية؟

من أين يأتي بتلك الصلابة، التي تجعله يتجاهل وجودها؟ وأخذ يشدد بقوة على قلبه، ويذكره بجراحه النازفة منها، حتى لا يضعف. ولكنها فاجأته بحق. احتواها بين ذراعيه للحظات، هدأ بها قلبه، وكأنه كان يحتاج هذا العناق لتهدأ روحه وتستكين من كل تلك الأعباء التي يحملها على عاتقه. فأخذ يسحب أكسجينها الدافئ، يود لو يحتجزه بين رئتيه، لتظل رائحتها عالقة بصدره للأبد. "حمد لله عالسلامة.."

هكذا تحدث بعدما تراجع ببطء عن حدود ذراعيه. فهي لم تكن تتخيل أن تفعل ما فعلته لتوها. ولكن ما حيلتها أمام عشقها وذنبها، الذي لا تعرف كيف تكفر عنه. بغبائها، ألقت بوجهه رفضًا مهينًا، تحاول مداواته بقرب لا تستطيع التفوه به، وتخجل عن الإفصاح عنه، فلم تجد حلاً سوى أن تريه كم قربه محبب إليها. "الله يسلمك…"

هكذا أجابها، بينما التقطت عينيه تلك، التي كانت تناظر ما يحدث بغضب مقيت، لم تستطع التحكم به، إذ قالت بلهجة تقطر سمًا: "طولت الغيبة عن العروسة يا ابن أخويا، لدرجة مبقتش قادرة تسيطر على مشاعرها، ولا محترمة وجود الناس حواليها." تعاظم الغضب بداخله لدى سماعه حديث همت، الذي لاقى صداه على ملامحها، التي بهتت وامتقعت خزيًا،

مما جعله يقول بفظاظة: "والله العروسة في بيتها تعمل اللي يعجبها، واللي عنده دم وبيكسف، يدور وشه الناحية التانية، ويحط لسانه في بقه." كان ردًا عنيفًا، لكنها استحقته، وأيدته أمينة، التي قالت بسخرية: "بالراحة يا سالم، عمتك متقصدش، بس أصل المشاعر والإحساس دي حاجة جديدة عليها. فتلاقيها مستغربة بس." امتقع وجه همت من حديث أمينة، التي كانت تقصد به ما حدث بالماضي. فالتفتت تناظرها بحنق،

تجلى في نبرتها حين قالت: "ومين يشهد للعروسة. وعلى رأيك، عمته غلبانة معشتش المشاعر دي، عشان فضلت أبوها وأخواتها على سعادتها، وطرمخت على حاجات كتير أوي كانت ممكن تقلب الموازين. وقالت يا بت بلاش خراب بيوت." تحفزت أمينة وانتفخت أوداجها غضبًا من حديث همت المسموم. وقبل أن يتيح لها الفرصة للحديث، صاح سالم بجفاء: "مش عايز هري كتير.. كل اللي عنده كلمة يخليها لنفسه.. واللي مخبي حاجة في قلبه، يخليها جواه أحسن له."

أنهى كلماته، والتقطت عينيه سليم، الذي كان يهبط الدرج. فوجه حديثه إليه قائلاً: "تعالى ورايا على المكتب…" أطاعه سليم، ودلف الاثنان إلى المكتب. وكان أول من تحدث هو سليم، الذي قال بنفاذ صبر: "الأوضاع في البيت مش مريحة. عمتك عاملة حزب، هي وشيرين، وأمك وفرح وجنة حزب. وكده مش صح." أجابه سالم بفظاظة: "سيبك من هري الحريم ده، وقولي نويت تنزل القاهرة امتى؟

"كلمت الدكتور امبارح، ومفروض هنروح آخر الأسبوع عشان يحدد معاد بداية الجلسات." أنهى جملته، بينما زاغت عيناه، مما جعل الشك يتسرب إلى قلبه. فقال بنفاذ صبر: "هات اللي عندك كله يا سليم." تحدث سليم بهدوء: "بصراحة حسيت إن جنة محتاجة فرح تكون جنبها، خصوصًا في الأول. مش عارف الحل بس." "الحل إنك متحسش..! هكذا قاطعه سالم بحنق، ثم أردف بفظاظة: "عايش عمرك كله من غير إحساس، وكنت شغال زي الفل. كمل بقى على كده."

أوشك سليم أن يطلق ضحكة قوية على ملامح أخيه، الذي كان الامتعاض يلون معالمه، ولكنه حاول قمعها بشتى الطرق، ولكن لم يفلح، خاصةً حين سمعته يتمتم بحنق: "قال عايزة فرح معاها.. أنا لو سارق فلوس الجوازة دي، مش هيحصل معايا كده." أفلتت ضحكة قوية من بين شفتيه، فشيعَه سالم بنظرات حانقة، جعلته يقتلها في مهدها. ثم أردف بجدية: "المهم.. عرفت أهل البنت إني هكون على تواصل معاهم…" "عرفتهم.. ومش محتاج أحذرك. أوعى جنة تحس بحاجة."

سليم بلهفة: "لأ طبعًا. وأنا أهبل." ناظره سالم بسخط، قبل أن يقول بجفاء: "مروان فين؟ "انجري قدامي.. بنت مين في مصر عشان يجيلك مقالم وكراريس بـ تلت آلاف جنيه…" هكذا كان يتحدث، وهو يجذب ريتال من ملابسها. فصاحت الأخيرة قائلة بتصحيح: "مقالم وكراريس إيه يا عمو، اسمها سبلايز." "إيه سا إيه يا عنيا؟ "سابلايز. الله يرحم أبوك. كان بيروح المدرسة بشنطة بلاستيك." هكذا تحدث حانقًا، فقالت غاضبة: "متقولش على بابي كده."

"بابي.. عيشي عيشة أهلك يا ريتال. عشان اللي جاي مرار يا بنتي. وأنتِ مقبلة على الحياة أوي، وده مش صحيح." هكذا تحدث بامتعاض، فأجابته بعفوية: "يعني أعمل إيه؟ مروحش المدرسة مثلًا؟ "وهو يعني اللي اتعلموا خدوا إيه؟ أنا مثلًا قدامك أهو. قعدت في ابتدائي تمن سنين، وفي إعدادي ستة، وفي ثانوي خمسة، وفي جامعة ييجي خمسة عشر، وفي النهاية خدت إيه يعني؟ حتى حتة البت اللي بحبها مش عارف أعلقها.. حاجة تحزن." انفلتت ضحكة قوية من فم ريتال،

التي قالت باندهاش: "قعدت كل ده في التعليم يا عمو؟ "أيوه بس ده مش معناه إني كنت خايب! لأ طبعًا كنت شاطر لدرجة إنهم كانوا ماسكين فيا، مكنوش عايزيني أخلص تعليم. كل سنة يسقطوني عشان أفضل معاهم." "والله إنك مسخرة. بتحكي للبت على مصايبك." التفت مروان على إثر ضحكتها الخلابة، التي أثرت فيه للحد الذي تعلقت عيناه بها للحظات، قبل أن يجيب بعبث: "أحلى مصايب دي ولا إيه؟ ما زالت الابتسامة تضيء ملامحها،

حين قالت ساخرة: "طب راعي إنك قدوتها. دي لو سمعت كلامك، يبقى عليه العوض ومنه العوض في البت." كان يراقب تعابيرها المرتاحة، ونظراتها الصافية بقلب مشتاق، تصدعت جدرانه من فرط العشق، الذي كان بلا أمل. ولكن الآن بدأت تنقشع الغيوم رويدًا رويدًا. "لأ بس البت حلوة. وضحكتها حلوة. ودمها سكر. تعليم إيه بقى؟ كله في الفاضي…"

كانت عيناه تنفي مزاحه، وتغازلها بطريقة جعلت دقات قلبها تدق كالطبول. كان شعورًا رائعًا، بقدر ما استنكره عقلها، فهي طوال حياتها كانت تراه أخاها لا أكثر. فما الذي يحدث الآن؟ أنقذها رنين الهاتف، الذي التقطه مروان وأجاب بابتسامة، اتبعها قائلاً بغزل ساخر: "القمر اللي ضلم إسماعيلية ونور الصعيد. عاملة إيه في غابة الوحوش يا سنو وايت. اتكعبلتي في الأقزام السبعة ولا لسه؟

كانت معتادة على مزاحه مع حلا، ولكن الآن كان الوضع مختلفًا، فقد أغضبها للحد الذي محى الابتسامة من على ملامحها، وجعلها تلتفت مغادرة، وهي تتشاجر مع خطواتها، مما جعل الاندهاش يلون ملامحه من انقلاب حالها إلى النقيض بتلك الطريقة.. ***

جالسة تنظر إلى البعيد، وداخل قلبها حرائق متقدة، لا تعلم السبيل لإطفائها. أرادت الانتقام وظفرت به، ولكنها لم ترتح كما ظنت. فهي منذ أن كانت جالسة أمام الشيخ، الذي سألها مرارًا وتكرارًا: "يا بنتي أنتِ موافقة على الجوازة دي؟ التقطت عيناها بعيني أبيها المتوسلة في تلك اللحظة. فأرادت خذلانه، كما فعل معها. وتحدثت بقوة: "موافقة.."

لم تريد النظر إلى عينيه في تلك اللحظة، خشية أن ترى بهما نظرات انتصار تكره رؤيته. فهي ما اختارته إلا ليقينها بأن والديها يكرهانه بقدر ما تكرهه هي. ولكنها أرادت أذيتهما. "متأكدة؟ لو في حد جابرك، قوليلي؟ هكذا أكد عليها الشيخ سؤاله. فمظهرها كان مريعًا بذلك الفستان الأسود، والملامح التي لم تتعافى كليًا من تلك الجروح، بل كان أغلبها متورمًا بطريقة تؤذي النظر. وقد ظن بأنها يمكن أن تكون تعرضت للإجبار على إكمال تلك الزيجة.

"قولتلك موافقة.." "اللي أنتِ شيفاه.." تم عقد القران وسط حزن عميق من كلا والديها، وخاصة والدها، الذي بعد أن غادر الشيخ، حتى نظر إلى عدي بنظرات قاتلة، تشبه لهجته، حين قال: "اللي فات مش زي اللي جاي. وحتى لو هي كارهة وجودنا دلوقتي، أنا هفضل وراها لحد ما تتقبلنا، وأصلح غلطنا في حقها. ولو فكرت إنك عشان اتجوزتها غصب عني، إني هسمحلك تمس شعرة منها، تبقى غلطان."

"انت اللي غلطان لو مفكر إني ممكن أأذيها.. طريقنا واحد، بس أنت بتكابر عشان هي اختارتني غصب عنك. منصحكش تكمل في تفكيرك ده. لو فعلاً عايز تساعدها، يبقى نحط إيدينا في إيد بعض…" هكذا أجابه عدي بصدق ارتسم بعينيه. أولاً، فبدا متحفزًا من بعيد. فالتفتت تناظر والدتها، وهي تقول بسخط: "هما بيقولوا إيه؟ منال بحنان: "أكيد بيوصيه عليكِ.." حانت منها ابتسامة ساخرة، تجلت في نبرتها حين قالت: "ضحكتيني. بيوصيه عليا!

على أساس إنه أب زي الآباء وكده؟ منال بحزن: "يمكن مكنتش زي أي أب وأم. بس إحنا لسه فيها، وعرفنا غلطنا، ومني عنينا إنك تسامحينا، وتسيبنا نعوضك عن كل اللي شفتيه.." كانت بسمتها الساخرة أكثر من مؤلمة، خاصةً أنها لم تعلق، وكأن الأمر أقل من أن تعطيه اهتمامًا. وفجأة، صدح صوت رنين الباب، فتوجه عدي لفتحه، وإذا به يتفاجأ بمجموعة من رجال الشرطة. فاندهش قائلاً: "أي خدمة؟ "انت عدي عبد الرؤوف؟ عدي باندهاش: "أيوا أنا، في حاجة؟

التفت الضابط إلى العساكر، وهو يقول آمرًا: "اقبضوا عليه.." صدمة قوية ضربته كصاعقة، حين التف العساكر حوله يقيدوه. فصاح بذعر: "يقبضوا عليا ليه؟ أنا عملت إيه؟ الضابط باحتقار: "اغتصاب بنت قاصر، والشروع في قتلها…" يتبع…. بارت ٧٠٠٠ كلمة، أتمنى يعجبكم، وأتمنى ألاقي تفاعل مرضي عليه. متنسوش (لايك + كومنت♥️) ♥️ •

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...