كلما سألته هل تحبني أجابني بأفعاله، ولكن تلك المرة اشتهيت سماعه يتغنى بعشقي. ولكنّه عاندني، فرجل الجليد يفعل أكثر مما يتحدث. ولكن في المقابل كنت أنا امرأة لا تعرف الامتثال أو الإخفاق، وخاصةً حين أغدق عليّ دلالًا لم أتذوقه بحياتي، فتخلى قلبي عن قناعته المعهودة وصار معه نهمًا لا يعرف الاكتفاء أبدًا. فتدللت كفراشة تغوي السنة اللهب كي تحرقها. "لم تخبرني سابقًا كم تحبّني؟
سابقًا كان معجمي خاليًا من عبارات العشق الذي لم أتخيل أن يزورني يومًا إلى أن قابلتها فتغير كل شيء. والآن تتدلل لتغوي قلبًا صار يدق باسمها وينبض بعشقها. فتنحيت جانبًا تاركًا له العنان ليروي ظمأ احتياجها، فانسابت الكلمات من بين شفتيه تعزف أنغام الهوى:
"لم أحبك فقط. الأمر أعمق من ذلك بكثير. فأنا أحببت حياتي معك. كسرت قواعدي لأجلك. تخليت عن صمتي وصار قلبي إلى جوارك ثرثارًا للحد الذي كان مدهشًا لي، ككل شيء متعلق بكِ. باتت أنفاسك أكسجيني الدائم وأحضانك ملجأي الوحيد. وجودك يعني أني على قيد الحياة وغيبتك تنهي وجودي…" "عماااار" التفت كلًا من عمار ونجمة إلى صفوت الذي ترجل من سيارته ويقف بانتظاره. فوجه أنظاره إلى تلك التي كان الحزن يغمرها كليًا وقال بصرامة:
"ادخلي على جوه وخليكي خابرة أن كلامنا لسه منتهاش." لم تجبه إنما أومأت برأسها بخنوع لم يعتاده منها، وتوجهت إلى الداخل. وأثناء مرورها بهم استوقفها صفوت الذي تذكر تلك الفتاة التي كانت تبكي ذلك اليوم ولا يعلم لما شعر بأنه يريد محادثتها، فقال بلطف: "إزيك يا بنتي عاملة إيه؟ لامست قلبها كلمته التي لم تسمعها بهذا الحنو يومًا، فالتفتت تناظره ولأول مرة أرادت أن تخبر أحدهم بمعاناتها، وأن تجيبه قائلة: لست بخير!
ولكن توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها ولم تستطع سوى أن تومئ برأسها وتمتمت بخفوت: "الحمد لله." لم تطِل والتفتت متوجهة للداخل، وجاء صوت عمار القوي: "أهلًا يا صفوت بيه.. نورتنا." كانت نظرات صفوت تلاحقها إلى أن دخلت إلى البيت الكبير، فاخفض رأسه لا يعلم ما هذا الشعور الذي يغزو قلبه، ولكنه تجاهله قبل أن يجيب عمار الذي كانت نظراته مشتعلة بنيران غيرة قاتلة، فقد لاحظ نظرات صفوت إليها. "البقاء لله.. شد حيلك."
أنهى حديثه وهو يمد يده ليصافح عمار، الذي ما أن هم بالحديث حتى تفاجأ من تلك المرأة التي ترجلت من السيارة ترتدي نظارة سوداء كبيرة تخفي ملامحها، ففطن إلى أنها من المحتمل أن تكون زوجته، فلم يطل بالحديث اكتفى بإجابة قاتمة: "الدوام لله. اتفضلوا." "يالا يا سهام.." مد يديه إلى زوجته التي كان من الواضح أنها مترددة كثيرًا، ولكن جاءت يديه القوية لتجذبها حتى دخلت إلى المنزل. فاستقبلتهم تهاني مرحبة:
"أهلًا وسهلًا. نورتونا.. اتفضلوا." حيّتها سهام بتحفظ، بينما حياها صفوت بحرارة: "أهلًا يا حاجة أم ياسين. البقاء لله." "الدوام لله."
هكذا تحدثت تهاني بحزن، فشعرت سهام بالحرج، وما أن أوشكت بإطلاق عبارات التعزية حتى توقفت نظراتها على تلك التي كانت تخرج من المطبخ وتحمل صينية بها طعام وتصعد الدرج، فضرب عقلها سيل من الذكريات التي جعلت بسمة خافتة تتسلل إلى شفتيها وهي غارقة بعالم آخر، فلم تشعر بكلمات تهاني التي أخذت تنادي عليها بعد أن تركها صفوت برفقتها وتوجه إلى مكتب عبد الحميد لتعزيته. فجأة استفاقت من بحر ذكرياتها حين لامست يد تهاني كتفها، فقالت بحرج:
"أسفة. سرحت شوية." "لا ولا يهمك.. تعالي نقعد جوه وأنا هشيع البنات ينادوا على حلا. بس أصل ياسين ابني كان تعبان شوية يا جلبي أمه متحملش الخبر." هكذا تحدثت تهاني بحزن، فأجابتها سهام بخفوت: "ألف سلامة عليه. البقاء لله شدي حيلك." أومأت تهاني برأسها وتوجهت ومعها سهام إلى المجلس الخاص بالحريم، وما أن جلست سهام حتى استأذنتها تهاني قائلة بذوق: "هشيع البنات ينادوا على حلا.. ويعملولك قهوة. بتشربيها إيه؟ "سادة لو سمحتي."
توجهت تهاني إلى الداخل فوجدت نجمة التي كانت تهبط الدرج، فقالت: "نجمة عايزة فنجان قهوة سادة من يدك للضيفة." "حاضر يا حاجة." لاحظت تهاني حزنها، فقالت باستفهام: "مالك يا بتي؟ زعلانة كده ليه؟ حصل حاجة ولا إيه؟ احتارت كيف تشكو حزنها الذي لم يتفهمه أحد غيرها، لذا قالت بخفوت: "لا مفيش حاجة.. أنا بس كنت عايزة أطلب منك طلب لو مش هتغلى عليّ؟ "اطلبي يا بتي لو في مقدرتي هعمله."
"تعيشي يا حاجة. أنا كنت عايزة أرجع أشتغل في الزريبة من تاني. وسايجة عليكِ النبي ما تسأليني ليه." اندهشت تهاني من طلبها الغريب، ولكنها لم تكن في وضع يسمح لها بالسؤال، فيكفيها ما تعانيه، لذا قالت برفق: "اللي تحبيه يا بتي. ولو إني مستغربة بس على راحتك.. اعملي القهوة ودخليها للضيفة وأنا هطلع أطمن على ياسين. وابقي روحي كملي شغلك هناك." أومأت نجمة بامتنان تجلى في نبرتها حين قالت: "تسلمي وتعيشي يا حاجة. عن إذنك."
أنهت حديثها وتوجهت للمطبخ، بينما صعدت تهاني الدرج في طريقها إلى غرفة ياسين. ***
بأيدٍ مرتعشة كانت تحمل الصينية لتضعها على الطاولة، فهي منذ البارحة تجلس بجانبه تخشى أن تغفو عينيها وترتفع حرارته من جديد. فقد انخفضت بأعجوبة بعد أن أعطاه الطبيب العقاقير والمحاليل المغذية، وطمأنهم بأنه عندما يستيقظ في اليوم التالي سيكون بخير. وبالفعل فهو استيقظ منذ لحظات بعد ليلة عصيبة قضاها غارقًا في هلوسات لم تفهم منها شيئًا. ولكن يبدو اليوم وكأنه استعاد وعيه، ولكن هل يتذكر شيئًا مما حدث البارحة؟ "الساعة كام؟
هكذا تحدث بصوت متحشرج، فأجابته بنبرة قائمة مختصرة: "اتناشر ونص." وضع يديه فوق جبهته، فقد كان الصداع وكأنه يقيم احتفالًا صاخبًا برأسه، فأراحها على الوسادة أسفله وهو يقول بخشونة: "أنا نمت كل دا؟ ارتفع أحد حاجبيها قبل أن تقول باختصار وهي تجلب أدوية: "تخيل!
شعر بخطأ ما في لهجتها وعينيها التي بدت جامدة. فاحتار ماذا حدث، ولكن حيرته لم تدم، فقد استعاد بعضًا من ذاكرته لمشاهد بدت مشوشة، ولكن هناك جملة استقرت في قلبه لم يستطع نسيانها، وهي تتوسله قائلة: "بلاش يا ياسين متخلينيش أكرهك." زفر بقوة وشعر بغضب يتعاظم بداخله، وهو يتخيل حجم الجريمة التي كان على وشك ارتكابها والتي كانت ستكبده خسائر فادحة، أولها هي! "يالا عشان تفطر وتاخد دواك."
هكذا تحدثت وعيناها تنظران في كل الأماكن ما عداه، ففطن إلى مقدار غضبها منه، فقال بلهجة خشنة: "مش هتفطري معايا؟ "لا مش جعانة." هكذا أجابته باختصار، فقال بفظاظة: "اركنى الفطار وهاتي الدوا." توجهت أنظارها إليه بغضب تجلى في نبرتها حين قالت: "مينفعش. لازم تفطر عشان تعرف تاخد الدوا. أنت بقالك يومين مأكلتش."
كان اهتمامًا يغلفه الغضب، مما جعله يقع فريسة بين أنياب الندم لما كان على وشك أن يفعله بها، ولكن حالته الصحية والنفسية كانت في أقصى درجات السوء. "مانا مش هفطر لوحدي. وبالطبع مش هقدر أنزل أفطر معاهم تحت عشان تعبان." اغتاظت من حديثه الذي يحمل الكثير من الصدق، وابتلعت غضبها الحارق، وقامت بحمل الصينية ووضعها على الفراش وهي تقول بجفاء: "حركات العيال الصغيرة دي مابحبهاش.. اتفضل يلا عشان تفطر."
تفاجأت حين قام بحمل الصينية ووضعها على الجانب الآخر من السرير، ومد يديه إليها قائلًا بخفوت: "تعالي." تعثرت نبضات قلبها وهي ترى دعوته التي جاءت بطريقة مربكة، فعينيه كانت تحمل نظرات خاصة، هل كانت اعتذارًا؟ لا تعلم، ولكن لهجته دغدغت مشاعرها، وخاصةً حين أردف بخشونة: "متفكريش كتير يا حلا وتعالي. أنا تعبان مش قادر أناهد."
حاولت التحلي بشجاعتها قدر الإمكان، وقامت بالجلوس على جانب السرير على مسافة منه، فلون الامتعاض ملامحه، وقام بالتململ في نومته وحاول الاعتدال وهو يمد يديه لتعديل الوسادة خلفه، ولكن فشل، فزفر بحنق. فتقدمت بعفوية وهي تحاول تعديلها بشكل يكن مريحًا له، فتفاجأت بيديه اللتين طوّقتا خصرها، وشعرت بحزمة من الوخزات الموترة تجتاح جسدها، حين سمعت صوته العابث وهو يقول: "لازم أضحك عليكي عشان تقربي يعني! مينفعش تيجي من نفسك."
أيقنت بأنها وقعت في شباكه التي نصبها، وساعده في ذلك قلبها الغبي الذي يندفع إليه دائمًا، ولهذا تجاهلت النظر في عينيه اللتين كانتا تحوطانها بشكل مثير ومربك في آن واحد، فدّارت وجهها للجهة الأخرى وهي تحاول صبغ صوتها بالحدة حين قالت: "ياسين لو سمحت سيبني! "مش قبل ما نتكلم." "قول اللي عندك." هكذا تحدثت بجفاء يتخلله الارتباك جراء قربها منه بهذا الشكل، فتابع عبثه حين قال بخفوت:
"مبعرفش أتكلم مع حد غير وأنا عيني في عينه. بصيلي." زفرت بغضب كان ستارًا يحجب ضعفها أمامه، والذي بدأ يسري كالمنوم في أوصالها، ولكنها حاولت التحلي بالشجاعة والنظر إليه قائلة: "ممكن تسيبني لو سمحت." أسكتتها كلماته التي لم تكن تتوقعها أبدًا: "أنا آسف.. حقك عليا."
تجمدت بين ذراعيه للحظات، استغلها هو وقام بوضع قبلة رقيقة فوق جبهتها، ثم عاود النظر إلى عينيها لثوانٍ قبل أن يقرب رأسه ويسند جبهته على مقدمة صدرها، مطلقًا زفرة قوية أحرقَت بشرتها كما أحرقَتْها كلماته المعذبة حين قال: "معرفش عملت كده إزاي. بس أنا كنت في أسوأ حالاتي. حسيت جوايا نار عمالة تاكل فيا وكنت عايز أطفيها بأي شكل."
لم تكن يومًا ضعيفة، بل كانت قوية بنكهة غاضبة، لطالما كان طريق الغفران شائكًا، لهذا لم تكن تتبعه، ولكن الآن اختلف كل شيء، فقد وجدت ذراعيها تلتف حول عنقه بحنو لم تعهده مسبقًا، ولا تعلم من أي جهة تسرب إلى قلبها الذي كان يسيرها كـ المنومة مغناطيسيًا، لا تملك زمام أمرها لتردعه عن التفاعل مع ذلك الذي ما أن شعر بذراعيه تحاوطها حتى اشتدت يده حول خصرها، وهو يلثم موضع نبضها الذي ازدادت دقاته بدرجة جنونية، فكان وكأنه يمتص ارتباكه الناتج عن قربه منها،
وبنبرة متحشرجة خاطبها: "أوعدك اللي حصل دا مش هيتكرر تاني.. وعمري ما هقرب منك تاني غير برضاكِ." كان الأمر مروعًا بالنسبة لها، فقد اختلط الشعور بداخلها من ارتباك وإثارة وخجل، لون خديها، فبدت كـ الفاكهة الشهية التي حرمها للتو على نفسه، والتي اشتهتها الآن بقوة، فتابع بصوت تغلغل إلى داخلها محدثًا زوبعة أخرى من المشاعر: "لسه زعلانة مني؟ لم تجد بداخلها أي قدرة على الحديث، فهزت رأسها نفيًا، فلم تروِ ظمأ شوقه إليها،
فقال بنبرة شغوفة: "عينيكِ بتقول إنك لسه زعلانة. وأنا مقدرش على زعلهم." قرب رأسه منها، فاختلطت الأنفاس وتعانقت النظرات، واخترق صوته جدران ثباتها الواهي حين أردف: "ممكن أ صالحهم؟ كان استفهامًا يضعها في مأزق، فهي تشتهي قربه دون أن تعلن عن ذلك. تريد الحفاظ على كبريائها أمامه، وبنفس اللحظة تموت شوقًا أمام عينيه التي أسرتها. وهكذا اشتعلت حرب الكبرياء والشوق، ولكن خرج الأخير منتصرًا، فانفلتت الحروف من بين شفتيها
بنبرة تكاد تكون مسموعة: "ممكن." لم تكن تنهي كلمتها حتى ابتلع باقي حروفها بجوفه، وأخذ ينهل من بحور العسل المذاب فوق شفتيها بضراوة، وداخله يلعن نفسه لكونه حرم جنتها عليه، مشترطًا رضاها المرهون بجنون أفعالها، فكيف يقاوم شوقه وعشقه في آن واحد؟ كيف يمنع نفسه عن تلك المشاعر الموقوتة التي تتفجر بداخله حين يصبح قريبًا منها؟
أخذ يقربها منه أكثر ويديه تحتويها بقوة، بينما واصل قطف ثمار ثغرها بنهم، مانعًا حتى ذرات الهواء من المرور إلى رئتيها التي كادت أن تنفجر من فرط ضغطه عليها، فشعرت بأنها على شفير الهلاك بين ذراعيه، حتى أنها استندت بكامل ثقلها فوقه، وكان هذا أكثر من محبب إليه، ولكن هدوءها جعله يدرك بأنه على وشك إزهاق روحها عشقًا، فتركها على مضض، وتفاجأ حين وجد وجهها يكاد ينفجر من فرط احمراره، وصدرها الذي أخذ يعلو ويهبط ساحبًا أكبر قدر من الهواء إلى داخل رئتيها، فخرج صوته متلهفًا
حين قال: "أنتِ كويسة؟ "أنت مجنون؟ هكذا خرج صوتها مبحوحًا، بينما عيناها تعكسان نظرات تحمل الغضب والرغبة معًا، فجاء صوته عابثًا حين أجابها: "معلش الحرمان وحش." أفلتت من بين براثنه وقالت بارتباك: "حر.. حرمان إيه؟ طافت عيناه عليها بنظرة ذات مغزى شملتها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، قبل أن يقول ساخرًا: "اسألي نفسك." لم تكد تجيبه حتى سمعت طرقًا على الباب، الذي أطلت منه تهاني بعدما قامت حلا بالسماح للطارق بالدخول. ***
تجمعت العائلة لأول مرة منذ وقت طويل على طاولة الغذاء، وقد كان جمعًا مختلفًا خاصةً على قلبه، فقد قامت حبيبته بالإشراف على كل شيء يدور بالمنزل، حتى أنواع الطعام المُعد على الغداء، وقد كانت تدور بكافة أرجاء المنزل أمام عينيه كالفراشة التي تشتهي ألسنة اللهب اختطافها والاحتراق معها بعيدًا عن الأعين، ولكن للأسف مُحتم عليه الانتظار حتى ينتهي من أعماله. "الأكل له طعم تاني النهاردة يا فرح.. تسلم إيدك."
هكذا تحدثت أمينة وهي تنظر إلى فرح التي تورد خديها خجلًا لإطراء أمينة عليها أمام العائلة بأكملها. "بالف هنا يا ماما. أنا معملتش غير حاجات بسيطة.. وداية نعمة هي اللي كملت." "كفاية وقفتك.. فكرتيني بنفسي وأنا قدك كده كنت أقف أشرف على كل حاجة بنفسي، وكان عمك الحاج الله يرحمه يقولي الأكل له طعم تاني يا أمينة." تدخل مروان ساخرًا: "طبعًا كان بيشتغلِك يا مرات عمي. هو لما تقفي على الأكل وهو بيتعمل طعمه هيتغير يعني!
أنا لو من دادة نعمة أسيبلكوا البيت وأمشي. إيه الظلم ده." ناظرته أمينة شزرًا وقالت بتقريع: "ليه فاكراني نصاب زيك. وبعدين النفس الحلو بيبان لو حتى قليت بيضة.. وفرح نفسها ما شاء الله عليه." أجابها مروان بمزاحه المعهود: "ومين يشهد للعروسة. الله يباركلك يا فرح. ناوليني ورك فرخة من اللي قدامك ده." ناظره سالم بوعيد تجلى في نبرته حين قال: "بص في طبقك يا مروان أحسن لك." عانده بسخط:
"معلش يا بوص أصل شكله مغري بصراحة. ولا أنت بيتعمل لك حاجات سبيشيال؟ كان محقًا، فهي قامت بتحضير تلك الأكلة حين علمت بأنه يحبها، وقد أخبرتها والدته بذلك، فغضب من مروان لإصراره على تذوقها، فقال بتحذير: "آه بيتعملي حاجات سبيشيال. عندك اعتراض؟ "لا أنا أكيد معنديش. أنا يهمني صحتك. مانت الكبير برضه." أنهى جملته واقترب من أذن أمينة قائلًا بخفوت: "الحقي يا مرات عمي دا شكله هيحب أكل فرح أكتر من أكلك."
"لا طبعًا بتقولي إيه يا واد أنت؟ دا عمره ما يستطعم أكل حد غير أكلي." "إزاي إذا كنتِ أنتِ نفسك عمالة تشكري له في أكلها.. بصي أنتِ مش عاجباني يا مرات عمي. وهتعرينا وسط الحماوات. لينا قعدة بعد الغدا." وصل حديثه إلى مسامع سليم الذي كان يجلس على مقربة منه، فنظر إلى أخيه قائلًا بخفوت: "بيسلط أمك عليك." انكمشت ملامح سالم بغضب وصاح بلهجة فظة: "لو سمعت صوتك تاني هخليك تقوم تاكل في المطبخ." "ليه يعني هو أنا عملت إيه؟
بلاش أكلم مرات عمي اللي زي أمي ولا عشان أنا لوحدي هنا هتدهوسوا عليا؟ عاجبك يا مرات عمي." تأثرت أمينة لحديثه، فنظرت إلى سالم قائلة: "لا طبعًا مش عاجبني. إيه يا سالم الواد بيتكلم معايا متجيش عليه كده. هو إحنا عندنا كام مروان يعني؟ أجابها سليم بسخط: "واحد والحمد لله، وإلا كان زمان الواحد مات مجلوط." أشار مروان على جنة التي كانت تجلس بجانب سليم في مواجهته، فاقتربت لتسمع حديثه حين قال:
"شايفة سلومة الأقرع جوزك بيقول عليّ إيه؟ عشان تعرفي إنه غيران مني." لم تفلح في كبت ابتسامتها، فتدخل سليم غاضبًا: "بتقولها إيه يا زفت أنت؟ أشار مروان إليها بمعني أرأيتي، فالتفتت إلى سليم قائلة بغضب: "على فكرة بقى مروان ده اللي مخلي البيت له طعم.. متزعلوش لو سمحت." برقت عيناه حين رآها تدافع عنه، وتعاظم الحنق بداخله، فعض على شفتيه يكاد يدميها، فجأة صوت مروان الذي قال ببراءة:
"حبيبتي والله يا جنة. مش عارف من غيري كنتوا هتعملوا إيه في البيت الكئيب ده." أجابه سالم بفظاظة: "كان زمانا مرتاحين." تدخلت فرح قائلة بصدق: "لا حرام يا سالم. ده مروان سكر ودمه خفيف خالص." تجمد بمكانه حين سمع حديثها، فالتفت يناظرها بصدمة تحولت إلى وعيد، وخاصةً حين وجد تلك النظرات المتشفية من جانب مروان، الذي قال بتهليل:
"اللهم صلي على النبي. مرات الكبير قالتها. مروان سكر ودمه خفيف. باااس أنا كده أخدت حصانة.. إلهي ما أتحرم منك يا أميرة يا بنت الأمرا." ألقت فرح نظرات تحذيرية إليه، ولكنه لم يفهم، وتفاجأ بسما التي كان وجهها لا يفسر وهي تتراجع بكرسيها إلى الخلف وهي تقول: "الحمد لله شبعت."
برقت عيناه وهو يناظرها تخرج من الغرفة، فالتفت ليصطدم بنظرات الشماتة تغلف عيني كلًا من سليم وسالم، الذي تراجع بكرسيه للخلف وهو يناظرها بنظرة ذات معنى، ومن ثم توجه إلى الخارج، فالتفتت إلى مروان قائلة بتقريع: "عارف أنت لسانك ده عايز قصة." "عارف." قالها بحسرة بعد ما شاهد رد فعل سما، وما أن هم بالنهوض حتى رأى طارق الذي دخل الغرفة للتو مرحبًا بالجميع: "مساء الخير. بالهنا والشفا." أجابه الجميع، وأضافت أمينة:
"تعالى يا طارق عشان تاكل، واعمل حسابك أن الأكل له ميعاد متتأخرش تاني." هكذا قالت موجهة حديثها إلى همت وشيرين بعد أن رأتهم يتوجهون إلى الطاولة، فتدخلت همت بجفاء: "اللي قاعد في بيته ياكل وقت ما يحب. مفيش قوانين هنا." استمهلت أمينة نفسها قبل أن تجيبها بهدوء: "دي مش قوانين يا همت بس اتعودنا من زمان أننا بنتجمع كلنا على الأكل سوا. عيلة واحدة. ولا نسيتي."
"مبنساش حاجة يا أمينة اطمني. كل حاجة محفورة جوايا.. وخصوصًا اللي تخص العيلة." جلس طارق بجانب مروان الذي قال بجانب أذنه بصوت خافت: "اقعد. هيفوتك كتير. مصارعة المحترفين هتبدأ دلوقتي." "هما مالهم بقوا عاملين كده ليه؟ هكذا استفهم طارق، فأجابه مروان ساخرًا: "هما لسه معملوش ده. استعراض قوات. اصبر دلوقتي هتلاقي عمتك انقضت على مرات عمك وعملت فيها فنش أندرتيكر." عنفه طارق قائلًا: "بطل هيافة."
"هما لحقوا يقسوك على أخوك يا طارق." هكذا تحدث مروان بطريقة مسرحية، فناظره طارق بنفاذ صبر، فهب الآخر من مكانه قائلًا بسخرية: "للأسف مضطر أحرمكوا من وجودي لأني شبعت… اقعدوا بالعافية." قالها وهو يحاول قمع ضحكاته بصعوبة من مظهر كلًا من أمينة وهمت، التي قالت بسخط: "في داهية." "سمعتك يا عمتي. سمعتك. وقاعد على قلبك." هكذا قالها مروان وهو يناظر همت باستفزاز، تجاهلته الأخيرة بسخط تحول إلى فرح التي هبت من مكانها قائلة:
"أنا كمان شبعت عن إذنكم." ما أن غادرت فرح حتى تفاجأ الجميع من حديث شيرين حين نظرت إلى جنة قائلة: "شكلك حلو بعد ما قصيتي شعرك. كده أحلى كتير." بحثت جنة في ملامحها لترى أي بادرة سخرية قد تكون قاتلة لها، ولكن لدهشتها بدت صادقة، فقالت بتحفظ: "شكرًا." امتدت يد سليم تحاوط كفوف جنة وهو يقول بصوت يشوبه الجفاء: "لو خلصتي أكل يالا نقوم عشان ترتاحي شوية." "آه خلصت يلا." خرج كلًا من سليم وجنة، وتبعتهما أمينة التي قالت بسخرية:
"بألف هنا انتوا. إحنا قاعدين من بدري." لم يجيبها أحد، وبعد أن غادرت التفتت همت إلى طارق قائلة: "شفت اللي بيحصل في البيت يا طارق. بقيت غريبة في بيت أبويا." "أنتِ مش غريبة يا عمتي. أنتِ ليكي هنا زي ما ليهم بالظبط.. اللي يعاملك على إنك غريبة عامليه نفس المعاملة." تركت همت الملعقة من يدها وقالت بحزن: "أنا ماليش نفس. عايزة أخرج أشم هوا." "ماما طب ممكن تستني شوية أنا لسه تعبانة ومش قادرة أخرج." هكذا تحدثت شيرين،
فأجابتها همت بجفاء: "أنا مش عيلة صغيرة. هتخافي عليا أخرج لوحدي. خليكِ أنتِ أنا هلف شوية في البلد وارجع." أنهت كلماتها وتوجهت إلى الخارج، وما أن استقلت عربية الأجرة حتى أمسكت هاتفها تجري مكالمة: "أنا خرجت دلوقتي. وقدامي بالكتير ربع ساعة وأوصل." *** في الداخل كانت تأكل بصمت لا يخترقه سوى صوت المعالق التي كانت تتخبط بين جدران الصحون محدثة جلبه بسيطة، ولكن كانت الجلبة الكبيرة في قلبها التي ازدادت دقاته حين سمعت
حديثه الذي اخترق آذانها: "ليه بتعملي في نفسك كده؟ صدمها حديثه، فرفعت أنظارها لتشتبك مع نظراته التي كانت تنفذ إلى أعماقها بقوة، جعلتها تهرب وهي تنظر إلى الأمام قائلة بلامبالاة: "تقصد إيه مش فاهمه؟ "أنا شفتك وأنتِ بتاخدي الحبوب. معتقدش إنك كنتِ عايزة تموتي نفسك.. يبقى ليه خدتيها؟ ارتبكت للحد الذي جعل الملعقة تسقط من يدها، قبل أن تحاول ازدراد ريقها وتقول بنبرة مرتبكة: "انت بتقول إيه؟ حبوب إيه؟ إيه الكلام الفارغ ده؟
شوهت ابتسامة ساخرة ملامحه الوسيمة، وأطلت نظرة قاسية من عينيه حين قال بخشونة: "هو كلام فارغ فعلًا. بس الأكيد أنه حقيقي. وأتمنى يكون له تفسير قوي. ومت حاولي تهربي من الإجابة عشان مش هتعرفي." لم يكن أمامها حل سوى الظهور بمظهر القوة للهروب من هذا الذئب الذي اخترقت نظراته جلدها الرقيق، فالتفتت تناظره بغضب تجلى في نبرتها حين قالت: "مش مضطرة أبرر لك حاجة ولا أناقش الأوهام اللي في دماغك."
أنهت جملتها وهمت بالمغادرة، فامتدت يديه القوية تقبض على معصمها لتثبتها بمكانها، وهو يقترب منها قائلاً بهسيس: "ومعتقدتش بردو إن الحب واجع قلبك للدرجة اللي بتحاولي تظهريها دي. بتعملي كده ليه؟ صعقتها فعلته، ولكن نظراته جمدتها بمكانها للحظات، قبل أن تحاول نزع يدها من بين قبضته الغير رحيمة وهي تقول بغضب: "سيب إيدي. وبطل جنان. وبعدين مسمحلكش تتدخل في اللي يخصني."
"ومين قالك إن استني منك إذن.. ولا أنتِ بتعملي كده عشان كلامي وجعك." "أنت وكلامك على جزمتي." على عكس ما توقعت، فبدل من أن يغضب، ابتسم ساخرًا قبل أن يجيبها بخشونة: "لسه لسانك طويل. أيوه كده ارجعي شيرين اللي أعرفها. إنما الثانية المجروحة دي مش لايقة عليكِ." "ومين قالك إني مش مجروحة؟ دخلت جوايا وشفت قلبي." "دخلت! "لا يا شيخ!
"متنسيش إني عشت سنين كتير بره، وهناك الحب مبيدراش يعني أقدر أعرف من عينيكِ إذا كنتِ فعلًا بتحبي ولا لأ." هكذا تحدث بثقة جعلت ثباتها يهتز، ولكنها حاولت الصمود أمامه قائلة بسخرية: "وإنت بقى جاي تطبق نظريات بره علينا هنا." "متهربيش من أسئلتي. بتقللي من نفسك وتهينيها بالشكل ده ليه؟ حاولت الإفلات من بين براثنه فلم تفلح، مما جعل الغضب يتعاظم بداخلها، فصاحت مكشرة عن أنيابها:
"مش هجاوبك على حاجة وبقك اللي بينقط قذارة ده ميتكلمش عني تاني." لمعت عيناه بوميض خطر، وقام بالعض على شفتيه السفلية بوعيد تجلى في نبرته حين قال: "إيه رأيك بقى أما أدوقك قذارته اللي بجد." لم تفطن إلى ما يقصده، ولكنها تفاجأت حين جذبها بقوة، مختطفًا ثغرها بقبلة كانت ضارية للحد الذي أطاح بكامل ثباتها، حتى أنها لم تقدر على المقاومة، ولم تعرف أكان السبب صدمتها أم أنها استمتعت بتلك الزوبعة من المشاعر التي أثارها بها؟
وخاصةً حين أخذ يتعمق بداخلها أكثر، قاصدًا عقابها، ولكن لدهشته وجد نفسه مستمتعًا للحد الذي جعله يأخذ منحنى آخر أكثر رقة معها، متناسيًا كل شيء حوله، فمرت ثوانٍ وهو غارق معها بشيء لا يعرف كنهه ولم يختبره مسبقًا، بينما زاده خضوعها اشتهاءً لتقريبها منه أكثر، وفجأة دق ناقوس الخطر بعقله، فما الذي يحدث؟ وكيف هي مستسلمة له هكذا؟
دفعته بقوة، وقد ارتسم غضب جحيمي في عينيها، فقامت برفع كفها تنوي صفعه، فإذا بيده تقبض على معصمها بقوة، جذبتها لتلتصق به للحد الذي اختلطت أنفاسهم، فأحرقها لهيب ثاني أكسيد الشغف الذي ولدته قبلتها بداخله، والذي تجلى في نظراته التي شملتها بقوة، قبل أن يقول بتحذير خطر: "إياكِ تفكري تعملي كده مرة تانية!
كان متفوقًا عليها بكل شيء، والأهم من ذلك هو أنه جعلها تختبر مشاعر جارفة لم تتذوقها يومًا، وكأنه بفعلته أزال الستار عن جرح كبير كان يتوسط قلبها، نافضًا غبار التجاهل عن حرمان عظيم لطالما شعرت به، ولا تعلم ما السبب، ولكنها وجدت العبرات تتقاذف من مقلتيها كاشفة عن زيف قناع الجمود الذي تختبئ خلفه بقايا حطام امرأة لم تعرف الراحة يومًا.
أذهلته عبراتها التي بدت صادقة، وألمها الذي لون معالمها واغتتال ملامحها الجميلة، ولم يمانع حين سحبت يديها من قبضته وهي تقول بانهيار: "حقير." أنهت جملتها وهرولت إلى خارج الغرفة. *** طافت أنظارها على الغرفة التي تحمل الطابع الصعيدي الجميل والمريح في آن واحد، ولكن لازال داخلها طنين لا يهدأ، تحاول الهروب منه ولكنه يتغلب عليها. شعور الفقد والخسارة لا يعادله أي شيء في العالم، وهي أكثر من تذوقه. "اتفضلي يا ست هانم."
هكذا تحدثت نجمة إلى سهام التي كانت غارقة بأحزانها. فجذب انتباهها ذلك الصوت الذي بدأ مالوفًا لها، فالتفتت لتجد تلك الفتاة التي ذكرتها بوالدتها الراحلة، فقد كانت تملك تلك العينين الواسعتين بلونهما العسلي الذي يشبه لون عيني الريم بجمالهما، مما جعل الابتسامة تغزو ملامحها وهي تناظرها، ومدت يدها تمسك فنجان القهوة حين خرج صوتها مبحوحًا حين قالت: "اسمك إيه؟
لا تعلم لما رق قلبها لتلك السيدة التي تبدو وكأنها غارقة في الحزن حتى أذنيها مثلها تمامًا. "نجمة." ما أن قامت نجمة بلفظ اسمها حتى سقط الكوب من يدي سهام وتناثرت محتوياته على ملابسها وعلى الأرضية التي أصدرت صوتًا جراء سقوطه وتحطمه فوقها، فصرخت نجمة بذعر: "حاسبي يا ست هانم." لم تتفوه سهام بشيء، بينما أتى صوت غاضب خلفهم: "حصل إيه؟ مش تحاسبي يا نجمة. حرّجتِ الست هانم. أجرى هاتي فوطة بسرعة."
"والله ما كنت أقصد يا ست تهاني. وجع منها هي والله." هكذا تحدثت نجمة بذعر تزامنًا مع دخول صفوت وبجانبه كلًا من عمار وعبد الحميد، الذي قال مستفهمًا: "حصل إيه؟ ارتبكت نجمة وهبطت عبراتها رعبًا من رؤيته، فتدخلت تهاني قائلة برفق: "مفيش يا أب الحج دي القهوة وجعت من يدها غصب عنيها." ما أن سمع صفوت حديثها حتى هرول إلى سهام التي كانت عينيها معلقة على تلك التي كان جسدها يرتجف، وخاصةً حين عنفها عبد الحميد قائلًا:
"مش تحاسبي يا مخبلة أنتِ؟ "والله ما كنت أقصد." هاله حزنها كثيرًا للحد الذي جعل الكلمات تخرج من فمه رغمًا عنه: "خلاص يا جدي أكيد يعني مكنتش تقصد. الحوادث دي بتحصل عادي." هكذا تحدث عمار، فقال صفوت محاولًا تهدئة الموقف: "محصلش حاجة يا حاج عبد الحميد.. متخافيش يا بنتي. محصلش حاجة." قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى نجمة بطمأنة، وقد اخترقت كلمته عقل سهام التي رددت خلفه بخفوت: "بنتي!
لم يتحمل جسدها كم المشاعر التي اجتاحته في تلك اللحظة، وفقدت الوعي بين أحضان صفوت، الذي صاح برعب: "سهااام." اندفع الجميع تجاهها، فصرخ عبد الحميد على نجمة بغضب: "عاجبك كده؟ روحي روحي جيبي بصلة ولا كالونيا نفوقوها." حين سمعت حديث عبد الحميد هرولت للخارج باكية، فانفجرت براكين غضبه والتفت خلفها، فيما امتدت يديه تقبض على رسغها، قائلًا بخشونة: "وقفي هنا." "عايز مني إيه سيبني."
هكذا تحدثت من بين انهيارها، مما جعل طوفان من الألم يجتاح قلبه حين رأى حزنها، فرقت نبرته حين قال: "كل ده بكي؟ ليه يعني حصل إيه؟ "ولا حاجة. يارب تكون مبسوط دلوقتي وإني كل شوية كرامتي تتهان في دوارك. مش ده اللي انت عايزه؟ صدمة حديثها ونظراتها المعذبة، فقال ينفي قلبه بشاعة اتهامها: "لأ مش ده اللي أنا عايزه. إزاي بتفكري كده؟ "اسأل نفسك. أنا بفكر كده من فراغ؟ ولا أمن عمايلك معايا."
كانت محقة للحد الذي جعله يعنف نفسه بشدة، هاي ما ارتكبه من حماقات بحقها، لذا قال بلهجة تحمل الألم والندم معًا: "حقك عليا." تفاجأت من كلمته التي لم تكن تتوقعها، وزاد اندهاشها حين رأت نظراته التي كانت حانية بدرجة لم تعهدها منه، مما جعل الخوف يتسرب إلى قلبها، فتراجعت عنه قائلة: "هروح أجيب الكالونيا." أوشكت على المغادرة، فـ أوقفتها يده التي امتدت تمسك برسغها مرة أخرى، وهو يقول بلهفة غير مسبوقة منه: "بتهربي مني ليه؟
تضاعف ارتباكها حين أجابته: "وأنا ههرب منك ليه؟ شعر بتهوره، فقال مصححًا الأوضاع: "أنا أقصد إني عايزكِ ما تكونيش شايلة مني بسبب اللي حصل قبل كده. يعني نتعامل عادي." "منتعاملش أصلًا يكون أحسن." هكذا خرجت الكلمات منها باندفاع، مما جعله يكظم غيظه بصعوبة منها ومن نفسه، فصاح غاضبًا: "هو أحسن فعلًا.. غوري من وشي." أنهى جملته وعاود إدراجه للداخل، فخرجت كلماتها حانقة: "جاك غوري ياخدك."
في الداخل قام صفوت بحمل سهام التي علقت بين النوم واليقظة، فلم تعد تدرك ما يحدث حولها، وقال معتذرًا: "أنا آسف يا جماعة. سهام أصلها تعبانة شوية. وإحنا لازم نمشي." "طب مش تستنوا اللول لما تفوق وتشوف حلا زمانها نازلة دلوقتي." هكذا تحدثت تهاني، فقال صفوت بحرج: "وقت تاني يا حاجة. الحالة دي لما بتجيلها بتقعد فترة على ما تفوق. وإن شاء الله حلا ليها زيارة تانية قريب أوي. عن إذنكم." "إذنك معاك يا سيادة اللوا.. شرفت ونورت."
هكذا تحدث عبد الحميد، فشكره صفوت الذي حمل زوجته ليضعها في السيارة التي استقلها وغادر مسرعًا. "كله من البجرة اللي جوه دي.. الغبية دي معدتش تخدم هنا واصل." هكذا تحدث عبد الحميد غاضبًا، فصاح عمار مستنكرًا تحامله عليها: "إيه يا جدي اللي بتقوله ده؟ هي كانت عملت إيه؟ ولا القهوة هي اللي خلتها غميت يعني؟ تدخلت تهاني في الحديث قائلة:
"عمار عنده حق. الست يا حبيبة عيني حالتها متسرش من يوم ما ضاعت بتها منها.. دي كانت مبتخرجش واصل. أنا حتى مصدقتش لما شفتها داخلة معاه من الباب." "الله يصبرهم.. وأنت تعال ورايا." هكذا وجه حديثه إلى عمار، الذي كانت عينيه تنظران إلى الخلف، عله يلمحها بأحد الزوايا، ولكنها لم تظهر. يعلم بأن ما يحدث درب من دروب الجنون، فشعوره بها غريب يوازي غرابة تصرفاته بقربها، وإن لم ينتبه فسيغرق في الوحل أكثر. ***
الأمان يعني عينيك التي أسرتني وانتشلتني من بحور الظلام إلى نور أضاء عتمتي وبدل عالمي الرمادي إلى آخر مزدهر، فاندثرت سحبي وانقشعت غيمات الحزن بداخلي وأضحى كوني صافيًا وسماؤه متلألئة بنور وجودك. "وأنت شايف إيه يا متر؟ "والله يا سالم بيه أنا حاسس إن الولد ده مظلوم. وكمان اختفاء أهل البنت بالطريقة دي خصوصًا بعد ما وعدتهم إنك هتبنيها وتتكفل بيهم يؤكد لي إن فيه حاجة مش مظبوطة." زفر سالم أنفاسه العالقة بصدره دفعة
واحدة قبل أن يقول بفظاظة: "عايزك تجيبهملي من تحت الأرض. وكمان عايزك تتولى الدفاع عن عدي. أنا زيك متأكد إنه معملش كده." "اللي تشوفه يا سالم بيه. طب هتعمل إيه في الموضوع التاني يعني هتسيب الأمور كده؟ "خليه يفكر إنه مغفلني ويلعب براحته. أنا عارف هضربه فين وإمتا.. وعمومًا أنا نازل القاهرة النهارده عشان أحضر التحقيق بتاع عدي، وهناك نتكلم."
أنهى حديثه تزامنًا مع دخول فرح الغرفة وهي تحمل كوب القهوة وتتوجه إليه، فأغلق الهاتف يناظرها بتوعد تجلى في نبرته حين قال: "متفكريش إنك كده بتثبتيني؟ اتسعت ابتسامتها وقالت برقة: "أبدًا أبدًا، هو حد يقدر يثبت سالم بيه الوزان." "للأسف بقى فيه." وضعت قدح القهوة أمامه وهي تقول برقة: "عملتهالك بإيدي على فكرة."
كانت ملامحها مختلفة كليًا عما سبق، تضيئها بهجة أضافت جمالًا أخاذًا على تقاسيمها، وأيضًا لمعة عينيها التي تشع كما لو أنها طفلة في الثامنة عشر من عمرها، إضافة إلى بسمتها الخلابة التي أسرتْه، فأصيب بلعنة الاشتهاء التي جعلته يشير برأسه إليها حتى تأتي إليه، فقالت بدلال: "معلش يا سالم ورايا حاجات كتير مع ماما أمينة. فهضطر أسيبك بقى." بلهجة خشنة تحمل طابع التهديد والعبث معًا أجابها: "فرح أحسن لك تعالي. متخلينيش أقوم لك."
"لا وعلى إيه متتعبش نفسك." هكذا تحدثت وهي تخطو بدلال إلى حيث يجلس، وما أن وصلت إلى مرمى يديه حتى جذبها بقوة لتسقط بين ذراعيه التي أسرتها، فأطلقت ضحكة خافتة حين سمعته يقول: "بقي بتلاعبيني؟ ومش هامك حاجة ولا خايفة من العواقب." بسمة جذابة زينت ملامحها حين أجابت بتحدي: "تؤ تؤ. مش خايفة لا." كانت تتحداه وهي تعلم كم يثيره هذا، فاقترب منها حتى تلامست أنوفهم وقال بعينين تشعان بنظرات متوعدة تشبه لهجته حين قال:
"ده أنتِ قلبك مات بقى؟ تفاجأ حين قالت بخفوت: "بالعكس. أنا محسيتش إن قلبي عايش غير معاك." نجحت في تسديد سهم قاتل إلى قلبه، الذي انتفض جراء إجابتها التي ضربت ثباته في مقتل، فانهار أمامها وخرج صوته أجشًا حين قال: "أنتِ عارفة عواقب اللي بتعمليه ده؟ "إيًا كانت العواقب أنا في أمان وأنا معاك."
إن بحث داخله لمائة عام فلم يجد كلمات تعبر عن مدى عشقه لتلك المرأة، وهل يفلح الحديث في سرد تلك المشاعر الهائلة التي فاض بها قلبه في حضرة وجودها؟
اشتد حصاره لها يقربها منه بقوة، بينما أظلمت عيناه برغبة حارقة ولدها عشقًا جارفًا خلق لها وبها، صار يبثها إياه بضراوة، وبالمقابل لم تبخل عليه بعشقها الذي جعلها تطوق عنقه بقوة، وكأنه طوق نجاتها في هذه الحياة، فلم تدري أنها بفعلتها تلك ما زادته إلا جنونًا بها، فأخذ يعمق قربهما أكثر، بينما يديه تمارس فنون العبث والعشق فوق ساحة جسدها المستسلم لـ طوفانه الجارف. وفي حين أن القلوب لم ترتوي بعد، كان لـ رئتيهما رأي آخر، فقد كان كلًا منهما يتعلق بالآخر بصورة كبيرة تحول بين وصول ذرات الأكسجين إلى الرئتين التي هلكت بفعل ذلك العشق الضاري، فما أن تركها حتى صارت تلهث بقوة وصدرها يعلو ويهبط بعنف، حتى كادت ضلوعها أن تتحطم.
فـ أسندت رأسها على صدره الذي كان أكثر من مرحب بوجودها، وبعد أن هدأ كليهما، حتى خرج صوته عابثًا: "مش هنجمد بقى شوية؟ رفعت رأسها تطالعه بعدم تصديق، بينما تعثرت الكلمات على شفتيها حين قالت: "أنت مفتري على فكرة." خرجت منه ضحكة صاخبة كانت أكثر من رائعة، اتبعها قائلًا بخشونة: "آدي آخرة الطبطبة.. بطلع مفتري في الآخر." تحدثت بعدم تصديق: "فين الطبطبة دي معلش." أجابتها يديه التي أخذت تتجول على ظهرها تدغدغها، بينما أكدت شفتيه
حديثهما حين قال بعبث: "مانا بطبطب أهوة." "سالم متهزرش بجد على فكرة." هكذا تحدثت وهي تحاول تفادي أفعاله العابثة، فتابع بأمر: "على ما أرجع من السفر تكوني شفتي لك حل في موضوع إنك بتغيري ده، وإلا الناس هتسمع بينا كل ليلة." تجاهلت وقاحته، وقد دق قلبها حين سمعت حديثه عن السفر، فـ تبدلت ضحكتها إلى وجوم حين قالت: "سفر إيه يا سالم؟ كوب وجهها بين كفوفه بحنان انبعث من عينيه وتجلى في نبرته حين قال:
"مش عايز أشوف الحزن ملون ملامحك كده تاني. عايز أشوف ضحكتك الحلوة دائمًا. هي اللي بتنورلي حياتي." "ضحكتي دي أنا كنت نسيتها من زمان. أنت اللي رجعت رسمتها على وشي تاني." هكذا تحدثت بحزن آلمه، ولكنه حاول تجاهله مرتديًا قناع الجمود على ملامحه، وفي نبرته حين قال: "أنا رايح يومين القاهرة في شغل يا فرح. الموضوع مش مستاهل كل ده." اغتاظت من جموده وقالت بانفعال: "يعني أنا بأفور مثلًا؟
وبعدين هو أنا مش زيي زي أي عروسة من حقي عريسي يفضل جنبي؟ اقترب واضعًا قبلة قوية على إحدى وجنتيها قبل أن يقول بخشونة: "بخصوص السؤال الأول فـ آه أنتِ مأفورة شوية، وبخصوص السؤال الثاني فـ أنا اللي ليا حق عندك وهاخده قريب أوي. أخلص بس من كل الدربكة دي وأفضالك." لم يعجبها حديثه، فحاولت الإفلات من بين يديه وهي تقول بغضب: "أنا هروح أشوف اللي ورايا." لم يدعها تفلت منه، بل شدد على خصرها أكثر وهو يقول بفظاظة:
"لما ميعجبكيش الكلام ناقشيني بلاش تجري مني، عشان لما أجيبك هزعلك." تحدته قائلة: "متدارش." "بلاش تتحديني يا فرح." "هات أخرك يا عيون فرح." ابتسم على شقاوتها ودلالها، وهي تردد إحدى كلماته المستفزة، فابتسم قائلًا: "آهي عيونك الحلوة دي اللي بتشفع لك عندي." ابتسمت على غزله الرقيق وقالت برجاء: "خلي بالك من نفسك ومتتأخرش عليا." "مقدرش أتأخر عنك."
غلفت عينيها طبقة كرستالية من الدموع، فقام بتقريبها إليه مفرقًا قبلات رقيقة فوق عينيها، بينما احتضنتها يديه بحنان، كان كالبلسم الذي داوى جراحها ورَمّم خدوش روحها. *** في الخارج كانت جالسة تتشاجر مع أنفاسها تارة، وتعنف نفسها تارة أخرى، فلم تلحظ تلك التي جلست إلى جوارها قائلة بابتسامة هادئة: "قد كده متضايقة؟
تنبهت سما إلى جنة التي جلست بجوارها، ولكنها من فرط غضبها لم تلحظ ذلك ولم تعرف كيف تجيبها، فهي تشعر بالخجل منها كثيرًا، فأخفضت رأسها، بينما تحدثت جنة بخفوت: "إحنا لسه متخاصمين؟ يعني لسه شيفاني عدوتك بردو؟ "أنتِ عمرك ما كنتِ عدوتي يا جنة.. أنا اللي كنت غبية في وقت من الأوقات. بس اطمني دلوقتي فوقت وعقلت." هكذا تحدثت سما بحزن، شاركتها به جنة التي قالت: "كلنا بييجي علينا وقت نبقى أغبية. المهم إننا نلحق نفسنا."
"عندك حق.. أنا مدينة لكِ باعتذار." قاطعتها جنة بحزم: "إنسي. ولا أي اعتذارات. إحنا أصحاب والصحاب مفيش بينهم الكلام ده. صح ولا أنا غلطانة؟ نظرت سما إليها بعينين مغرورقتين بالدموع، وأومأت برأسها بالإيجاب، فامتدت يد جنة تمسك بيدها وتشُد فوقها، فقالت سما بتأثر: "أنتِ وفرح كويسين أوي في زمن مبقاش فيه حد كويس." "أنتِ كمان كويسة يا سما.. وإلا مكنتيش هتعترفي بغلطك و تكوني عايزة تعتذري عنه." "تفتكري أنا فعلًا حد كويس؟
يعني أستاهل إني أعيش حياة حلوة زي كل الناس؟ أستاهل ألاقي حد يحبني بجد؟ كان استفهامًا مؤلمًا من شخص اعتاد على النبذ طوال حياته، وألا يجد شخصًا يحارب من أجله حتى في أحلك لحظاته، لم يجد عناق واحد يخفف عنه وطأة أحزانه، وقد تألمت جنة لحديثها، فقالت مشددة على حروفها: "طبعًا تستاهلي. تستاهلي كده وأكتر كمان.. وبعدين أنتِ إزاي مش شايفة كل الحب اللي حواليكِ ده؟ "تقصدي إيه؟ استفهمت سما، فقالت جنة بنفاذ صبر:
"معقول يا بنتي. ده مروان…" "هالو جيرلز. القطتين الحلوين بيعملوا إيه وجايبين في سيرة مروان ليه ياللي تتشكي في لسانك أنتِ وهي." قاطع حديثها قدوم مروان الذي تدخل في الوقت المناسب من وجهة نظره، وقد ألقى نظرة متوعدة إلى جنة التي كانت على وشك إفشاء سره، فأغتاظت منه قائلة: "بنقول إن لسانك طويل ومبيقولش غير الهيافات، إنما الحاجات المهمة لأ."
تفهم مقصدها، فأرسل نظرات تحذيرية وقام بالمسح على ذقنه في حركة توعد، فهمتها جنة، ولكنها لم تبالِ، فقال بتقريع: "والله ده لساني وأنا حر فيه. أقول اللي أنا عايزه. أنتِ مالك أنتِ." تحدته قائلة: "وأنا برضه حرة أقول اللي أنا عايزاه." أخذ ينظر حوله وهو يقول بتوعد: "كان فيه فاس هنا راح فين؟ "عايز الفاس تعمل بيه إيه؟ "هفتح دماغ حد غايظني." هكذا أجابها بحنق، فقالت جنة بتهديد: "الفاس ده اللي سليم هيقطع بيه رقبتك لو جيت جمبي."
جاء صوتًا مستمتعًا خلفهم: "وسليم جاي عشان ينفذ وهيبقى يوم المنى بصراحة. من زمان عايز أخلص منه." تحدث مروان بامتعاض: "أهو جه بقرعته يقرفنا. أنت بتشم اسمك من على بعد. ولا هي تماحيك؟ "أنا هتمحك فيك أنت ليه إن شاء الله؟ "عشان مروان ده سكرة العيلة واللي مخلي للبيت طعم." استفزه حين كرر حديث جنة في الداخل، فقام سليم بإغلاق عينيه بقوة حتى لا يحطم أسنانه، فقالت جنة في محاولة لتهدئة الموقف:
"كنت بجاملك. على فكرة وغيرت رأيي.. دمك يلطش." ناظرها مروان بسخرية قبل أن يلتفت إلى سما قائلًا بعبث: "يرضيكِ تقولي عليا دمي يطلش. عاجبك الكلام ده وأنتِ حلوة كده؟ غمرها الخجل من حديثه الصريح وتغزله بها، فتدخل سليم قائلًا بحدة: "أنت هتعاكسها قدامي يا حيوان؟ صاح مروان مستنكرًا: "وأنت مالك يا عم أنت؟ مانت معاك موزتك عايز منها إيه؟ "عمتك موصياني عليها." صاح مروان مغتاظًا: "الله يخربيتها. قرفاني في كل حتة."
"سما.. متقولش كده على ماما." "اسكتي أنتِ أنا اللي عارف مصلحتك." هكذا تحدث مروان، فقالت جنة بنفاذ صبر: "أنا هطلع أنام عشان تعبت من المناهدة." "خديني معاكِ يا جنة." هكذا قالت سما، فصاح مروان مندهشًا: "خديني معاكِ يا جنة! خدي يا بت هنا." نهره سليم قائلًا: "عاجبك كده؟ أهم طفشوا مننا بسببك." التفت مروان يناظره بحنق تجلى في نبرته حين قال: "والله قرعتك دي هي اللي جايبالنا الفقر." صاح سليم مهددًا:
"والله لو جبت سيرة قرعتي تاني لـ هكون مخلص عليك." أوشك مروان على الحديث، ولكنه تفاجئ حين سمع صوت سما تصرخ في أحدهم: "أنت إيه اللي جابك هنا؟ تحدث ناجي برجاء: "سما. أنا أبوكي. حد يكلم أبوه كده؟ "أبويا اللي بسببه عشنا عمرنا كله ضهرنا مكسور وحاطين راسنا في الرمل." "كذب! كل اللي بيتقال عليا ده كذب. صدقيني." "ابعد عني. مش عايزة أشوف وشك تاني."
قالت جملتها وانطلقت إلى الداخل باكية، وخلفها جنة، مرورًا بكلًا من سليم ومروان، الذي انطلق تجاه ناجي وقام بإمساكه من تلابيبه وهو يقول بغضب: "عملتلها إيه يا حيوان أنت؟ ناجي بانفعال وهو يحاول تخليص نفسه من بين براثن مروان: "وأنت مالك دي بنتي وأنا حر فيها." "بنتك بتكرهك ومش عايزة تشوف وشك." هنا تدخل سليم لفض الشجار قبل أن يشتعل أكثر وهو يقول بصرامة: "امشي من هنا يا ناجي يا وزان قبل ما أدفنك مكانك."
خلّص ناجي نفسه من بين يد مروان بمساعدة سليم وهو يقول بغضب: "أنا لا جايلك ولا جايله." "يبقى جاي لقضاك برجليك." هكذا صدح صوت سالم من خلفهم وهو يتقدم إلى حيث يقف الثلاثة، فقال ناجي بسماجة: "لا جيتلك عشان سمعت إنك بتدور عليا." "لو بدور عليك كان زمانك تحت رجليا من زمان." "الزمن اتغير يا سالم." "والأخطاء اتضاعفت مع الزمن يا ناجي. عشان كده خلي بالك العقاب هيبقى أشد من زمان." "ماظنش.. أصل اللي اتلسع زمان اتعلم الدرس كويس."
"لو اتعلم الدرس كويس مكنش جه برجله. لسه يلزمه درس كمان عشان يفكر ألف مرة قبل ما يهوب ناحية ولاد الوزان تاني." "مانا منهم.. أنت نسيت ولا إيه؟ "كنت منهم. دلوقتي لو دقيت على باب أي حد فيهم هيقرف يدخلك بيته. كبيره يرميلك عضمة تعض فيها." نجح في التحقير منه وإصابته سهم إهانته في مقتل، فقال بوعيد: "ماشي يا سالم. بس خليك فاكر إني جيتلك لحد عندك وأنت هنتني في بيتك. والإهانة مردودة وكله سلف ودين."
"الكلام ده للرجالة. أنت ملكش فيه. يلا وريني عرض كتافك." غادر ناجي، فصاح مروان بانفعال: "راجل قذر واقف يهددنا في وسط بيتنا مفكرنا ممكن نخاف منه." تحدث سالم بغموض: "بس إحنا لأول مرة لازم نخاف منه. المرادي أنا مش مطمن له." *** عشقًا جارفًا يتملكني نحوك، فلا أنا بقادر على تجاهله أو حتى الثبات أمامه. كل ما يسعني حياله هو أن أنجرف معه إلى حيث يأخذني طوفانه. فإما الاحتراق بين أحضان عشقك؟ أو الهلاك شوقًا بنيران بُعدِك.
فـ يا فاتنة احتلت القلب وأسرته. رفقًا بفؤاد ما ذاق يومًا الهوى ولا عرف لوعته. فليسعد قلبي معكِ ولتهنئ روحي إلى جوارك. وليسلم قدرًا أهداك لي قسرًا رغمًا عن عنادي وعنادك. فما كان العشق يومًا أمرًا يمكن تجاوزه، وليست قلوبنا رهن قراري أو قرارك.
خرجت من المرحاض فوجدته أمامها يغلق باب الغرفة خلفه، فقد كان عائدًا للتو، فتوقفت أمامه لثوانٍ لا تعلم ماذا عليها أن تقول، فعزمت على الصمت وتجاهلته متوجهة إلى غرفة الملابس، وحين مرت به امتدت يديه توقفها، وجاء صوته ليخترق قلبها، وخاصةً ذلك الرجاء الخافت به، حين قال: "هو إحنا متخاصمين ولا إيه؟ تحمحمت بخفوت قبل أن تقول: "لا… ليه بتقول كده؟ جذبها لتقف أمامه قبل أن يقول بلهجة معاتبة:
"طول اليوم بتهربي مني.. أنا عملت حاجة ضايقتك؟ هل تخبره بأن كل أفعاله ترضيها على نحو مخيف! تجعلها تحلق في السماء من فرط السعادة، ثم تعود مصطدمة بالأرض مرة أخرى حين تتذكر أحد ذكرياتها السيئة، ويتسلل الخوف إلى قلبها مرة ثانية من أن يغمره ظلام قدرها، ولكنها اكتفت بإجابة مختصرة: "لا." أخرج زفرة قوية تحكي مقدار غضبه الذي يحاول التحكم به، فجاء صوته فظًا حين سألها: "طب تعبانة؟ حاسة بحاجة؟ إجابته باختصار
تعلم أنه سيشعل فتيل غضبه: "لا." تركتها يديه بغتة قبل أن يقول بجفاء: "تمام. تصبحي على خير." قال جملته متوجهًا إلى الحمام، تاركًا إياها خلفه لتنخرط في نوبة بكاء عنيفة، فهي عالقة في مأزق بين خوفها وذكرياتها السيئة، وبين عشق كبير خلق بقلبها له، والأصعب من ذلك أنها بكل مرة تريد الاقتراب منه تشعر بشيء ما يمنعها، وتتوقف الكلمات على أعتاب شفتيها. على الرغم من أنها أحيانًا تشعر بأنها ممتلئة بحديث لا تعرف كيف تصيغه؟
تريد الصراخ وإخراج ما بجوفها حتى يرتاح قلبها ولو ثوانٍ، ولكن لا تستطيع.. فتلجأ إلى مرارة الصمت الذي قد يقتلها يومًا. انتهت من تبديل ملابسها وذهبت لتطمئن على صغيرها، فتفاجئت به يحمله بين يديه ويحادثه بحنو: "عامل إيه يا بطل؟ وحشتني. طول اليوم مشغول عنك. بس معلش. أصل عندنا حد متعب هنا. معذبني ومبيسمعش كلامي." أطلق زفرة قوية قبل أن يتابع بحرقة: "معرفش ده عشان عارف إنه بحبه ولا عشان فعلًا كاره وجودي جنبه؟ غامت
عيناه بألم قبل أن يتابع: "بحاول أقنع نفسي. إنه كل ده خوف أو قلق. أو حتى بسبب الضغط اللي بتمر بيه. بس بيني وبينك قلبي واجعني أوي. حاسس إني يائس لأول مرة في حياتي.. مش قادر أحط احتمال تالت للي بيحصل عشان مش هقدر أتحمل حياتي من غيرها." أرجع رأسه للخلف قبل أن يضيف: "عمك مش بس بيحب يا محمود. ده بيعشق التراب اللي هي بتمشي عليه." "وهي كمان على فكرة."
هكذا صدح صوتها المعذب بخفوت من خلفه، مما جعله يتراجع للخلف يناظرها بتّ أعين لونتها حمرة قانية، لأول مرة لم تكن بفعل الغضب بل بفعل الألم الذي لم تعد تتحمله جفونه، فسقط على هيئة عبرات غافلته وانبثقت، وكان جسده أراد التخفيف عنه حتى لا ينفجر قلبه من شدة الألم. "بتقولي إيه؟
هكذا استفهم بلهفة، فـ تجاهلت سؤاله فهي لا تعلم كيف خرجت الكلمات من بين شفتيها، وتقدمت خطوتين لتقوم بالاقتراب من محمود، واضعة قبلة حانية فوق جبينه، ولكنها لم تروِ ظمأ قلبها، فقامت بحمله وضمته بقوة إلى صدرها، فبدا وكأنه شعر بها، فأخذ يركل بقدميه فرحًا بقدومها. كانت لحظة خاصة بينها وبين طفلها، لذا تحرك ينوي الخروج من الغرفة، فسمعها تقول لطفلها: "أنت بتخلف وعودك على فكرة.. مش قولتلي هتعلم الصبر عشانك؟ فين بقى؟
زهقت من أولها كده."
التفت إليها بلهفة، فوجدها تنظر إلى صغيرها وتحادثه، بينما كان الحديث موجه إليه، فزفر بقوة متوجهًا إلى الخارج، يجذب أحد الأغطية كما هي العادة، وقام بوضعه على الأرضية استعدادًا للنوم، فـ لمحها قادمة من غرفة محمود التي تعتبر جزءًا من جناحيهما، فتجاهل وجودها وقام بالتسطح على الغطاء واضعًا إحدى ذراعيه فوق رأسه، فأخذت تناظره و بداخلها رغبة ملحة في عدم تركه يغفو وهو غاضب منها، ولكنها لم تجد بداخلها أي شيء قد تحادثه به، فاخترق تفكيرها
صوته الآمر حين قال: "لو خلصتي ياريت تطفي النور عشان ننام." "أنت عايز تنام؟ هكذا تحدثت بنبرة خافتة، فجاءها صوته الفظ حين قال: "آيو." زفرت بيأس قائلة: "طيب. تصبح على خير." لم يجيبها فقد كان غاضبًا منها، فهو قد سمعها حين أكدت على عشقها له، ولكنه حين سألها تجاهلت سؤاله، وقد أغضبه ذلك، حتى وإن قرر التحمل لأجلها، فقد بلغ الغضب ذروته، يريد هدنة مع نفسه للقتال من جديد.
يأست من إجابته وتحركت من مكانها تنوي إغلاق الضوء، وما أن أغلقته عائدة إلى مخدعها حتى ارتطمت ساقها بالطاولة، فصرخت متألمة، فاخترق صراخها قلبه الذي هب من مكانه بلمح البصر، وقام بإسنادها وهو يقول بلهفة: "حصل إيه؟ "رجلي اتخبطت في الترابيزة."
قالتها بلهجة متألمة، بينما أسندت جبهتها فوق موضع نبضه الذي كان يدق بعنف تأثرًا بقربها، فحاوطتها يديه بقوة وجذبها لتجلس على السرير، وتفاجأ بعبراتها التي بللت صدره، فامتدت يديه تحيط بوجهها، يرفعه ناظرًا إليه بعشق خالطه الألم الذي تجلى في نبرته حين قال: "بتعيطي ليه؟ "عشان أنت زعلان مني." هكذا أجابته بنبرة رقيقة، فنظر إلى الجهة الأخرى مطلقًا زفرة قوية، قبل أن يعيد أنظاره إليها وهو يقول بيأس: "بتعملي فيا كده ليه يا جنة؟
ليه مُصرة تعذبيني؟ اخفضت رأسها وهي تهمس: "أنا آسفة." اقترب واضعًا قبلة حارقة فوق جبهتها، قبل أن يقول بنبرة خشنة: "أنا اللي آسف.. حقك عليا." لامس أسفه قلبها بقوة، فبالرغم من كل أفعالها وخوفها، يعتذر هو! لم تستطع أن تمنع يديها من أن تحيط بخصره وهي تقول برجاء: "متسبنيش يا سليم. أرجوك أوعى تسبني."
تفاجأ من فعلتها التي أيقظت جيوش شوقه الضارية، وقد أصبح الأمر خطرًا للغاية، فقد أوشكت الأمور أن تنفلت أمام قربها المهلك لثباته، فـ تحمحم بخشونة قبل أن يقول: "أنا عمري ما أسيبك أبدًا.. يالا عشان تنامي أنتِ تعبتي أوي النهارده." عاندته يديها التي تمسكت بخصره بقوة، تجلت في نبرتها حين كررت جملتها التي كان لها معانٍ أعمق مما تبدو: "متسبنيش يا سليم." شعر بالقلق عليها، وقام بالتشديد من احتضانها أكثر وهو يقول بلهفة:
"حبيبي. أنا جنبك. خايفة من إيه؟ "خايفة أقوم في يوم ألاقيك زهقت مني ومشيت." هكذا تحدثت بخفوت، فانفلتت ضحكة خافتة من بين شفتيه، قبل أن يقول بمزاح: "أزهق من مين؟ ده أنا بقوم في الليلة خمسين مرة أتأكد إنك نايمة قدامي ومعايا في أوضة واحدة." رفعت رأسها تطالعه بحب، لأول مرة تفصح عنه شفتيها: "بكون حاسة بيك. وأول ما تغمض عينيك بفضل أبصلك وأحمد ربنا عليك كتير أوي." "جنة." همس باسمها غير مصدقًا لما تفوهت به، فـ
باغتته حين همست بخفوت: "بحبك يا سليم." كان اعترافًا رائعًا بالحب لم يتوقعه أبدًا، بل لم يكن يتخيله حتى بأحلامه. ولكن أصبح الوضع هكذا أشد خطورة. فـ تلاحقت أنفاسه التي كانت حارقة من شدة النيران التي تعصف بقلبه وسائر جسده، فـ بلل حلقه قبل أن يتحدث بصوت أجش: "جنة أنتِ عارفة
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!