وفجأة طعنها بالسكين الذي يحمله في يده واختفى مثلما جاء. خرجت منها صرخة ألم بعدما وضعت يدها على موضع الطعنة فوجدت الدماء تسيل منه بغزارة. جحظت عيناها هلعاً وهي تكاد تصاب بنوبة ذعر لخوفها من الدماء، ولكنها قررت الصمود وهي تتوسل عقلها بالتركيز فقط على ما يحدث لها الآن، حتى بدأت في إبعاد كل تلك الأفكار وغض بصرها عن كل تلك الدماء المتناثرة حولها في ثبات، وأخذت تدعو سليم في وهن وألم.
سمع سليم صرختها وشعر بحركة غريبة خلف الشجيرات. اتجه ببصره إلى مكان جلوسها فلم يجدها. اعتراه القلق فركض ناحيتها ليطمئن. وفجأة وجدها تسقط أرضاً في ألم. انتفض قلبه قبل جسده إثر رؤيته لدمائها الغزيرة تسيل من جسدها وثيابها التي تخضبت بالدماء، فركض ناحيتها محتضناً إياها قبل سقوطها واضعاً رأسها على قدمه وهو يضرب وجنتيها بلطف، هاتفاً بها في وله عاشق معذب عساها تستجيب. يصرخ قلبه هاتفاً
بوله: لن أسمح لكِ أن تنفصلي عني حتى لو أردتِ... أنتِ ملكي... كنتِ ضائعة مني وقد وجدتكِ... أريدكِ أن تبقي ملكي طويلاً... ملكي إلى الأبد. ولكن كل ما تسرب إلى لسانه من ذلك الحديث الطويل هو صراخه بهلع. سليم: مليكة مليكة ردي عليا. حاولت أخذ أنفاسها بقوة وهي تحاول تحريك شفتيها التي تخضبت بدمائها بصعوبة لتتحدث، ثم فقدت وعيها. ضمها سليم إلى جسده صارخاً بالأمن وطلب من أميرة أن تأخذ مراد إلى الأعلى كي لا يرى مليكة.
حمل هو مليكة وركض بها إلى سيارته بفزع، واضعاً جسدها الهزيل الملطخ بدمائها على المقعد إلى جانبه ممسكاً بيدها في قوة وحنان في آن واحد، هاتفاً بها في قلق. سليم: مليكة عاوزك تفتحي عيونك متغمضيش يا مليكة. كان يسمع فقط همهمات تأوهاتها فصرخ بها مرة أخرى بقلق قد بلغ منه مبلغه. كانت هي تجاهد حتى تبقي زرقاوتيها مفتوحتين ولكنها تشعر بأنهما ثقيلتان وكأن بهما رمل. فقدت الوعي تماماً وهدأت تأوهاتها فصرخ بها سليم بخوف كي لا تغلقهما.
وصلا إلى المستشفى بعد دقائق فحملها ودلف للداخل راكضاً وهو يصرخ بالجميع. سليم: دكتور بسرعة. حملتها منه الممرضات ودلفن إلى غرفة العمليات. *** خارج الغرفة. جلس سليم على أحد المقاعد الموجودة واضعاً رأسه بين يديه مفكراً، تراها ستفيق أم لا. هبط قلبه إلى قدميه حينما راودته فكرة أن تكون إصابتها شديدة الخطورة إلى الحد الذي لا تستفيق فيه. شعر بألم غريب يجتاح قلبه. هز رأسه بعنف، فهو لا يحبها... لا يحبها... لا يجب عليه ذلك.
بعد عدة ساعات. سمع أصوات حركة كثيرة وهرولة الممرضات وبعض الهرج والمرج. فهب واقفاً بهلع محاولاً أن يوقف إحداهن. صرخ بهلع. سليم: فيه إيه... مراتي إيه اللي بيحصلها جوة. فأخبرته الممرضة أن مليكة قد فقدت الكثير من الدماء ولا يجدون نفس فصيلتها. هتف برجاء. سليم: أنا O negative، خدوا كل اللي تحتاجوه بس المهم تفوق. تهللت أسارير الممرضة كثيراً وطلبت منه أن يأتي معها. وبالفعل دلف سليم إلى غرفة العمليات.
وضعوه على سرير يقابل سريرها ووصلوا بذراعه بعض الأنابيب لينقلوا لها الدم سريعاً. أخذ يتطلع إليها وهي مُنسدحة على الفراش في وداعة شديدة، لا حول لها ولا قوة، تشبه الملائكة كثيراً على الرغم من شحوب وجهها الشديد وشفتيها أيضاً، ولكن كل ذلك لم يخفِ جمالها. وبعد وقت قصير انتهت العملية. فطمئنه الطبيب كثيراً مُخبراً إياه أنها ستظل في العناية المركزة حتى تمر أول 48 ساعة لخطورة مكان الإصابة ثم تنقل بعد ذلك إلى غرفة عادية.
زفر سليم بأريحية فطلب منه الطبيب أن يستريح ويتناول بعض السوائل حتى يعوض ما تم أخذه. أومأ سليم برأسه ولم يعلق وجلس بجوارها حتى يكون بجوارها حين تستيقظ. سمعها تنادي باسمه تارة، وتارة باسم مراد، وتارة أخرى بوالدها ووالدتها، وتارة بذلك العاصم الذي لا يعرف حتى من هو. *** في قصر الغرباوية. وتحديداً في صحن القصر كان ياسر يقف مودعاً والدته وجدته وزوجته لرحيله للقاهرة كي يطمئن على زوجة ابن عمه. تمتمت قمر في لهفة.
قمر: خلي بالك من حالك بس وطمنا على مليكة الله يخليك أول ما توصل. أومأ ياسر برأسه متمتماً في هدوء. ياسر: إن شاء الله. هم ياسر بالرحيل فشعرت قمر بأن الدنيا تميد تحت قدميها وبتشوش في رؤيتها. فهتفت في صوت مضطرب متقطع. قمر: إلحقني يا ياسر. انتفض قلبه قبل جسده حينما سمع صيحة استنجادها واحتضنها قبل سقوطها أرضاً، ليصرخ منادياً باسمها ولكن... لا منادي.
اندفع الخفير عوض مستدعياً الطبيب ما إن صرخ فيه ياسر آمراً بذلك وهو يحمل قمر صاعداً الدرج في عجالة. اندفعتا خلفه الحاجة خيرية ووداد في وجل. وضعها ياسر على الفراش لاهثاً في وله حقيقي عليها، ينادي باسمها في فزع محاولاً إفاقتها لعلها تستجيب لندائه. وعندما لم يجد منها أي استجابة، اندفع محضراً عطره ثم وضع بعضاً منه على كف يديه وقربه من أنفاس قمر التي بدأت في الاستجابة لتهمهم في وهن محركة رأسها يمنة ويسرة في هدوء.
زفر بأريحية. في نفس اللحظة التي وصل فيها الطبيب على باب الحجرة. دخل ليفحص قمر فانسل هو من جوارها تاركاً والدته وجدته مع الطبيب. لم يستطع مداراة قلقه فوقف يدعو الله وهو يتحرك أمام الباب ذهاباً وإياباً. حتى انفتح باب الغرفة أخيراً على خروج الطبيب مصحوباً باندفاع مفاجئ لزغاريد أمه وابتسامة جدته. وقف تائهاً لا يعلم ماذا يحدث، كيف يبتسم ذلك الأحمق وحبة قلبه تعاني. ابتسم الطبيب وتمتم في حبور. الطبيب: مبروك يا ياسر بيه...
المدام حامل. تسمر ياسر للحظات مشدوهاً يحلق في الطبيب الذي اتسعت ابتسامته ونقل نظراته لوالدته التي أومات برأسها في ابتسامة يتبعها تأكيداً من جدته. ليهتف ياسر أخيراً. ياسر: إنت متأكد يا دكتور من حديثك ده. يضحك الطبيب بخفة وتابع مشاكسًا بمرح. الطبيب: على حسب معلوماتي الطبية المتواضعة جداً جداً فأقدر أكدلك كلامي ده. ابتسم ياسر بحرج وتابع معتذراً. ياسر: العفو يا دكتور مقصدييش كده.
ابتسم الطبيب بحبور وتابع مربتاً على كتف ياسر. الطبيب: أهم حاجة دلوقتي هي الراحة التامة للمدام وطبعاً مش هوصي الحاجة على التغذية الكويسة عشان الحمل وكده. هز ياسر رأسه مؤكداً وهو يطلب من عوض اصطحاب الطبيب للخارج دافلاً هو لغرفته مغلقاً الباب خلفه في سعادة. اقترب من قمر المنسدحة على الفراش في هدوء وانحنى مقبلاً جبهتها في محبة عارمة. فتحت قمر عيناها وهمست بحب. قمر: مبروك يا أبو عمار.
ضمها إليه في سرور بالغ وكأنه يضعها بداخل قلبه. فأغمضت هي عيناها تستنشق رائحته علها ترزق بطفل يشبهه في كل شيء كما تمنت دوماً. *** بعد عدة ساعات كان قد وصل القاهرة بعدما ترك زوجته على مضض لأجل سليم فهو يعلم مدى قلقه الآن، فهو قد رأى حب مليكة يطل من بين عينيه ولكنه يعلم ابن عمه ورفيقه جيداً فهو يعافر بقوة كيلا يظهر هذا الحب وهو حقاً لا يعرف لماذا. زفر بعمق وهو يتمتم بحنق.
ياسر: ياخرابي على المرار الطافح اللي إنت فيه يا ياسر. هما يتنيلوا يحبوا وإنت تتجندل على دماغ اللي خلفوك. *** وصل للمستشفى ليجد سليم قاعداً على أحد المقاعد عيناه خير دليل على عدم رؤيتها للنوم ولو لعدة دقائق حتى. ياسر: طمني يا واد عمي. هتف سليم بصوته العميق في وله وجزع. سليم: الدكتور بيقول إنها بقت كويسة بس هي لسة لحد دلوقتي مفاقتش. ربت ياسر على كتفه في إشفاق. ياسر: إن شاء الله خير يا خيي متجلجش. بس كيف دا حاصل...
وكيف حد يدخل القصر عندك من غير ماحد لا يحس ولا يدرا بيه. هتف سليم بحنق ودهشة. سليم: مش عارف يا ياسر وده اللي هيجنني، دخل إزاي وكان عاوز إيه مادام هو مش جاي للسرقة أصلاً. ربت على كتفيه في حنو وتابع بهدوء. ياسر: اصبر يا واد عمي لما مراتك تفوق ونبقى نسألوها يمكن اللي عمل كده جالها أي حاجة نعرف منها هو مين أو حتى كان جاي ليه. تمتم سليم بصبر. سليم: أديني مستني. تمتم ياسر بتوجس.
ياسر: في خبر كده أني عارف إنه مش وقته بس لازم تعرفه مش عارف أخبه عنيك عاد. زم سليم شفتيه وتابع بسخرية. سليم: خير في إيه تاني. ابتسم ياسر ملء شدقيه وتابع بفرحة. ياسر: لا دا خير وكل خير... جمر مرتي حامل. ابتسم سليم في حبور. سليم: مبروك يا ياسر ألف مبروك والله الواحد كان محتاج يسمع أخبار حلوة. تمتم ياسر بهدوء. ياسر: لسه أنا عارف قبل ما أجيك طوالي. ضيق سليم عيناه وتابع موبخاً.
سليم: وإيه اللي جابك يا ابني إنت كنت خليك جنب مراتك عشان تاخد بالك منها وتراعيها. استطرد موبخاً. ياسر: والله عيب اللي بتجوله ده. جمر وياتها أمي والحاجة خيرية والبلد كلها لو حبت بس إنتو هنية لحالكم يوبجي تسكت خالص. ولم يكد سليم أن يتحدث حتى سمعا صوت أنثوي يهتف في دهشة ممزوجة بالقلق. نورسين: أستاذ سليم. التفتا سوياً على وقع الصوت في هدوء بينما اقتربت منهم نورسين التي دب القلق لأوصالها تسأل عن سبب وجودهم.
رحب بها سليم بأدب. سليم: د. نورسين أهلاً وسهلاً مليكة تعبانة شوية. تابعت نورسين بقلق. نورسين: خير فيها إيه. قص عليها ما حدث باقتضاب يخبئ ورائه الكثير والكثير من الغضب. شهقت نورسين بفزع ثم حاولت الاستفسار عن سبب الحدوث فأخبرها سليم بعدم معرفته لأي شيء حتى الآن. تركتهم هي بعد الاستئذان لتطمئن على حالتها وتطمئنه قليلاً. وبالفعل بعد وقت قصير خرجت لتخبره بإفاقتها.
فهب سليم واقفاً هاتفاً بوله عاشق أضناه القلق واحترق بنيران الخوف من الفقد والفراق. سليم: أنا عاوز أتطمن عليها. تمتمت نورسين في هدوء تطمئنه وتخبره بألا يحدثها كثيراً كي لا تؤذي جرحها. أومأ سليم برأسه عدة مرات واتجه مندفعاً لغرفتها يسبقه قلقه وشوقه. وجدها منسدحة على الفراش في وداعة تبدو بوادر الألم على وجهها الذي أضحى شحوبه يماثل شحوب الموتى. جلس إلى جوارها ممسكاً بيدها في حنو بالغ يتنافى مع قسوته في الأيام السابقة.
كيف لا والحب النقي بداخله هو من يسكن الوحش الذي بداخله. همس برقة بالغة يعتريها قلق شديد سمح له بأن يطل من خضراوتيه. سليم: حمد لله على سلامتك. همست في وهن شديد يتخلله ألم تحاول جاهدة إخفاءه. مليكة: الله يسلمكم. مراد... مراد فين. أردف يطمئنها في حبور. سليم: متقلقيش مراد كويس. رفرفت بأهدابها بتلك الحركة الطفولية وكأنها تقول له حسناً ثم غابت عن الوعي مرة أخرى. هب سليم واقفاً في هلع وخرج مسرعاً ليحضر الطبيب.
سليم: د. نورسين مليكة... مليكة. هتفت نورسين بهلع. نورسين: مالها. هتف سليم بجزع. سليم: مش عارف أنا كنت بكلمها وفجأة لقيتها غمضت عيونها. ابتسمت نورسين في حبور. نورسين: متقلقش يا باشمهندس هي كويسة دا بس من البنج والعملية متخافش. زفر سليم بأريحية وأومأ برأسه بمعني حسناً. استأذنت نورسين ورحلت بعدما طلبت منهم إعلامها إذا احتاجوا لأي شيء. ابتسم ياسر مشاكسًا بعدما خبط على كتف سليم. ياسر: واه واه على زينة الرچال...
إيه مشندل حالك كده يا واد عمي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!