الفصل 21 | من 43 فصل

رواية بين طيات الماضي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منة الله مجدي

المشاهدات
22
كلمة
1,763
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 49%
حجم الخط: 18

فتحت مليكة عيناها بوهن تشعر بجفاف قاتل في حلقها وظمأ يكاد يخنقها. جالت ببصرها في ربوع الغرفة حتى رأته. سليم كان نائماً في هدوء على أحد المقاعد بجوارها، يستند بنصفه العلوي على الفراش. خفق قلبها بعنف إثر رؤيته بتلك الهيئة. يرقد مسالماً كطفل صغير. تمنت من كل قلبها لو أن بقاءه هنا يكون بدافع الحب وليس شفقة أو حتى واجب أو أي شيء آخر. حب، وله وقلق فقط هكذا.

ولكن تلك ليست شيمة، أو يمكننا القول أنها ليست شيمة معها هي على الأخص. تألم قلبها بشدة لتلك الخاطرة التي مرت ببالها، ولكنها نفضت رأسها في هدوء وهي تمد يدها لتلتقط كوب الماء الموضوع بجوارها بعدما قررت نسيان كل شيء والاستمتاع باللحظة. فتح سليم عينيه بذعر حينما سمع صوت تأوهها الذي خرج من شفتيها بألم حينما ضغطت بيدها على موضع الجرح دون أن تقصد، متخللاً قلبه لينتفض من مكانه.

وقف يحاول أن يلملم شتات نفسه مستوعباً ما يحدث حوله. انفرجت شفتيه بصوت رخيم إثر نومه. سليم: انتِ كويسة يا مليكة؟ أومأت برأسها في ألم متمتمة في أسف. مليكة: آسفة عشان صحيتك... أنا بس كنت عايزة أشرب. انتفض قلبه قبل جسده لنبرتها، وما هي إلا لحظات حتى امتدت يده للكوب بجواره ووضع الماصة عند شفتيها، ولا تزال يده تمسك بالكوب.

اقتربت هي ببطء وأخذت ترتشف الماء بروية تروي به ظمأها، بينما وقف هو يطالعها بألم، فبالتأكيد أنه هو السبب في ما جرى لها الآن. لم يتركها تشرب الكثير طبقاً لتعليمات الطبيب. فأبعد الكوب واضعاً إياه على الطاولة بجوارها. واتجه جالساً على المقعد المقابل لفراشها. رمقها بهدوء ثم أردف سائلاً. سليم: فاكرة أي حاجة؟ طالعته بعدم فهم. فلاحظت أصابعه القابضة على يد المقعد حتى ابيضت مفاصله. سليم: الحيوان ده مقالش أي حاجة؟

تمتمت مليكة بخفوت. مليكة: سألني إن كنت مراتك ولا لأ... وأنا قلت أه. بعد كده... بعد كده محستش غير بوجع وعرفت إنه ضربني بالسكينة. سمعته يتمتم بغضب ببعض الشتائم بالإسبانية، بينما تشتد قبضتاه أكثر وأكثر على يد المقعد حتى شعرت بأنه كاد أن يكسرهما. وما هي عدة دقائق حتى هب واقفاً كمن لدغته عقرب واقترب منها، فانكمشت هي على نفسها في الفراش بينما ارتفع رجيفها خوفاً من هيئته.

ولكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح حينما انفرجت شفتيه عن نبرة رخيمة تمتم بها بكبرياء سلبها أنفاسها. سليم: أنا آسف... آسف جداً يا مليكة لأني مقدرتش أحميكي، بس أوعدك إني هجيب لك حقك. همت بالتحدث، فاوقفها بإشارة من يده. سليم: أنا عارف إن أي كلام دلوقتي ملوش لازمة، بس لازم تعرفي إني مش هسيب الحيوان اللي عمل كده أبداً. ثم تركها... تركها وذهب وكأنه لم يكن من الأساس. تركها ورحل في هدوء. لم يعطها حتى الفرصة لإخباره بمدى حماقته.

كيف لم يستطع حمايتها وهو فارسها الوحيد وبطلها الشجاع. أنها تفتخر بكونها امرأته، ولتكن أكثر دقة بأنها زوجته. دلفت بعده نورسين وظلت بجوارها بضع الوقت. تسألها عما حدث وتحكي لها كيف كان سليم قلقاً ومذعوراً في اليومين السابقين. ابتسمت بداخلها. نعم ابتسمت وبقوة. كيف لا وهي تسمع الآن ما يطرب الأنثى بداخلها، ولولا هذا الجرح اللعين الذي يعيق حركتها وبشدة لكانت رقصت فرحاً.

هي فقط تتذكر بعضاً من صراخه يومها وبضع كلمات حثيثة سمعتها أثناء غيبوبتها في السيارة في طريقهم لهنا. *** في الخارج. جلسا ياسر وسليم في الكافتيريا الموجودة بالمستشفى. فأخبره ياسر عما تنوي جدته بإيجاز. هتف سليم بدهشة. سليم: يعني انت عايز تقولي إن الغرباوية هيوافقوا؟ أردف ياسر بقلق. ياسر: أنا مش خايف غير من عيلة عمك سليمان. دول اللي واخدين الموضوع على صدرهم أوي. أردف سليم ساخراً. سليم: بيحبوا الخير زي عنيهم.

استطرد ياسر بجدية. ياسر: سِتّك كانت عايزاك تبقي موجود. رفع سليم كتفيه بقلة حيلة وهو يجوب ببصره في ربوع المكان، ثم استطرد بأسى. سليم: والله كان نفسي بس أديك شايف. أومأ ياسر برأسه بتفهم. ياسر: ربنا يشفيها ويكون في عونك. أنا لازم أسافر البلد على بالليل بالكتير عشان نشوف هنعمل إيه بالظبط مع بقيت الغرباوية. ابتسم سليم. سليم: إن شاء الله خير متقلقش... انتوا بس خليكوا حازمين من الأول عشان ميسوقوش فيها.

وخصوصاً إن ده الحق، ولو حصل أي حاجة كلمني وأنا هكون عندك فوراً. أومأ ياسر برأسه في هدوء. ياسر: ربك يسترها. *** ما هي إلا بضع أيام حتى خرجت مليكة من المستشفى مع تعليمات الطبيب لها بالراحة التامة والإقلال من الحركة قدر المستطاع. عادت إلى المنزل وسليم بجوارها، فرأت مراد يركض ناحيتهما بسعادة بالغة، فهو قد اشتاق لوالديه اللذان سافرا لأمر ضروري لهذا لم يستطيعا أخذه كما أخبره سليم.

همت بحمله ولكن سليم أخذه منها بسبب جرحها، يداعبه ويؤرجحه ويستمع إلى حكاياته المثيرة مع أميرة المربية. *** في الصعيد. هاتف مهران جميع رجال الغرباوية بالحضور للدوار الكبير بعد بضع ساعات. وبالفعل ما هي إلا ساعات قليلة حتى دلف رجال الغرباوية الواحد تلو الآخر للدوار. وبالخارج يقف أهالي الكفر تعلوهم الدهشة ويحملهم القلق ويضعهم في توجس. ترى ما سبب هذا الاجتماع؟

أ هو خير أم أنها ستكون بداية النيران التي ستستعر في النجع حتى تحيله إلى رماد؟ وبعد عدة ساعات أخرى من النقاش والمناورات، حتى أنها وصلت للمشادات الكلامية في بعض الأحيان. أذعن أعتى الرجال لكلمات سليم التي قصها عليهم في الهاتف. كيف لا وهو كبيرهم الذي يحترمونه ويقدرونه على الرغم من صغر سنه. فله الكثير والكثير من الأفضال على الكبير منهم قبل الصغير. انقضى الأمر وأُعلن عن انعقاد عشاء كبير لعائلة الراوي بقصر الغرباوية الكبير.

*** بعد مرور يومان. بعد صلاة الظهر. وقفت ثلاث سيارات تخص عائلة الراوي أمام قصر الغرباوية الذي اصطف حوله أهالي النجع في توجس. فقد دخلت السيدات ومعهن الأطفال داخل المنازل والمحلات وأُغلقت الأبواب والنوافذ جيداً، بينما وقفن يسترقن السمع يدعون بداخلهم أن يمر هذا اليوم على خير. أما الرجال فوقفوا في قارعة الطريق في قلق يتساءلون بريبة. ترى ما سر تلك الزيارة؟ أ ستشتعل نيران الحرب بين العائلتين مرة أخرى؟

هل ستخلد تلك الليلة في ذكرى الجميع ولن يقدر أحد على نسيانها؟ أ ستكون هي بداية النيران التي ستستعر في أرجاء النجع حتى تحيله هشيماً تذروه الرياح؟ أم ستكون بداية لفجر جديد بين عائلتي الراوي والغرباوية وتكون تلك هي بداية جمعهم سوياً كالسابق؟ لا أحد يعرف. هبط من السيارة الأولى. أمجد الراوي ومعه زوجته نورهان. بينما هبط من السيارة الأخرى حسام الراوي ومعه والداه قدري الراوي وسمية الراوي. أما السيارة الثالثة فركض منها الأطفال

-أيهم وجوري -لجديهما. بينما هبطا عاصم ونورسين اللذان حضرا في الصباح الباكر. وقف الرجال يراقبون ماذا سيحدث بالتحديد. بينما حبست النساء أنفاسهن يتضرعن للمولي. حتى شاهدا مهران وبجواره شاهين وياسر يخرجون لاستقبال ضيوفهم بترحاب شديد. فتنفس الكل الصعداء وعاد صراخ الأطفال يملأ المكان وخرجت النساء وتوجه الرجال لما كانوا يفعلونه.

دلف الرجال ليجلسوا في صحن القصر يتبادلون الأحاديث كلاً منهم في تحفز للآخر على أتم استعداد لبداية الحرب، ولكن مهران وياسر بحكمتهما استطاعا السيطرة على مجرى الحديث وتحويله للمجال العملي والودي أكثر. بينما اتجهت النساء للمقعد الكبير في الجزء الغربي من القصر بصحبة خيرية ووداد وقمر اللاتي عرفن جيداً كيف يسيطرن على الوضع بحكمة. فقد كانت خيرية تراقب ابنتها عبير في تحفز لتقطع عليها أي فرصة لنشب الخلافات.

هي تعرفها وتعرف مدى شعورها بالضيق. أما نورهان وبثينة فقد كانتا تشعران وبشدة بتلك الأجواء المشحونة، وخصوصاً نورهان فهي جالسة الآن مع غريمتها تتشاركان نفس الأريكة، وها هي تجلس بأريحية شديدة على عكس عبير تماماً. التي أخذت تطالعها بنظرات نارية تنم عما يعتمر جوفها. كيف يتوقع منها أولئك القوم أنها ستجلس في غرفة واحدة مع غريمتها بكل هدوء؟ لا ليست حتى نفس الغرفة بل أنها تشاركها الأريكة، تشاركها الهواء الموجود في الغرفة.

ولكن يجب عليها... يجب عليها التحلي بكل مخزونها من الهدوء لأن أي تصرف خاطئ يصدر منها الليلة سيقيم بحور من الدماء لن تنتهي حتى أبد الآبدين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...