عاد سليم ومليكة إلى المنزل بعد وقت قصير. وظلت بين ذراعيه حتى بعد أن غفت. هو يعلم كم تتألم. يعلم ما هو شعورها تحديداً. رأى نظرات القهر القابعة في عينيها. شعر بقلبها يصرخ ألماً بين ضلوعها. كان يعلم أن هذه ستكون النتيجة، ولكن ما حدث هو الأفضل الآن. ستتقبل وجودها ولو قليلاً. *** في الصباح، استيقظ عاصم مسروراً يزف ذلك النبأ العظيم لجميع أفراد العائلة التي استقبلته بسعادة. فهذا ما كانوا يحتاجونه الآن، خبر سعيد كهذا. ***
في قصر الغرباوي، ارتدت مليكة ثيابها محاربة ذلك الشعور بالكسل الذي راح يهاجمها منذ الصباح. وهبطت لتساعد قمر ووداد وفاطمة في تحضير الطعام. وحينما هبطت للأسفل لم تر شاهين بين الرجال. زمت شفتاها في حيرة واتجهت للمطبخ. ثم سألت قمر بخفوت بعدما ألقت تحية الصباح على الجميع: مليكة: فين عمو شاهين؟ أنا مشفتهوش. تمتمت قمر بأسى: قمر: هتلاقيه في الإسطبل قاعد هناك من صباحية ربنا. وضعت الطبق من يدها وهي تتمتم في اضطراب:
مليكة: أنا هروح أشوف مراد. أومأ الجميع برأسهم في هدوء. فتوجهت هي للإسطبل في هدوء، الذي وصلت إليه بسهولة مع إرشادات عم مسعد. دَلفت للداخل وهي تدعو الله أن تمر تلك الزيارة على خير ومن دون أي مشاكل. رأت شاهين يجلس في خنوع وانكسار لم تعتد رؤيته به أبداً. للحقيقة، لن تكذب، هي أحبت هذا الشاهين أكثر من المتعجرف الآخر، ولكن هذا يمزق قلبها. تقدمت منه تسير في هدوء. نظفت حلقها وتمتمت في هدوء: مليكة: حضرتك هنا والفطار خلاص اتحط.
رمقها بشزر متبرماً. فجلست هي بتوجس متمتمة في هدوء وجدية: مليكة: من غير ما تقول حاجة، أنا عارفة إن حضرتك بتكرهني وشايف إني وش نحس على العيلة وبتتمنى موتي في أقرب وقت. برقت عيناه بضيق على حماقة تلك الفتاة وعجرفتها. هي لا تفرق معه من الأساس، ولكن كل ما يؤلمه هو طفلته التي ماتت دون رعايته. فاطمة التي حتى الآن لا يستطيع تقبل مفارقتها. زوجته عبير التي أحبها بل وعشقها.
يتذكر جيداً كم كان فرحاً حينما علم أنهم وافقوا على عرضه للزواج. يتذكر مقابلتهما الأولى. فرحته وقتها. ماذا ارتدت، عماذا تحدثا، كل شيء. والآن لا يستطيع حتى تصديق ما فعلته. تمتمت مليكة بحبور: مليكة: أنا عارفة إن الموضوع صعب ومش سهل وإن حضرتك مش قادر تصدق. بس الحقيقة مش على حضرتك بس، ده على العيلة كلها. أنا بس عايزة أقول لحضرتك إن فاطمة بنتك قبل أي حد ومحدش يقدر ياخد منك الحق ده أو حتى ينكر الحقيقة دي. تمتم بحرد:
شاهين: أبوكي خدها. تمتمت هي بحبور: مليكة: ولا حتى بابا. برقت عيناه غاضباً: مليكة: والله العظيم ولا حتى بابا يقدر ياخد منك الحقيقة دي. فاطمة بنت حضرتك. بنت شاهين الغرباوي قبل ما تكون بنت أمجد الراوي. فاطمة هتفضل هنا معاك لحد ما حضرتك بنفسك اللي تزفها لعريسها. أما مريم الله يرحمها فهي تذكرتك للجنة. والله العظيم طنط نورهان كانت بتربيها أحسن تربية.
ودلوقتي حضرتك لازم تنسى الماضي وتفكر في المستقبل حتى عشان فاطمة ونانا خيرية. عمتو عبير غلطت أه، فعلاً غلطت وغلطها لا يغتفر فعلاً ولازم تتعاقب. بس بعد دا كله أكيد هيجي وقت وتسامحوها عشان هي بنتهم ومراتك اللي إنت بتحبها. برقت عيناه بدهشة لعجرفتها، كيف تتحدث بكل تلك الثقة. مليكة: مستغربش، أنا أصلي كنت بشوف بصاتك ليها. حضرتك بتبصلها زي ما بابا كان بيبص لماما تمام. علشان كده بقول لحضرتك الكلام ده. وقفت في هدوء وأردفت:
مليكة: أنا كل اللي عندي قلته ولازم أمشي بقى عشان عمتو وداد هتقتلني عشان سايبنهم في المطبخ لوحدهم. عن إذن حضرتك. تركته متوجهة إلى الفتيات، بينما وقف سليم يراقبها باسمًا. حقاً لا يدري كيف لم ير كل تلك البراءة والجمال من قبل. كيف صدق أن تلك الفتاة امرأة مجربة ولها خبرات. كم كان أحمق. دَلفت للقصر، بعدها دلف هو لاصطحاب عمه لتناول الإفطار. *** عادت فاطمة قبل الإفطار لمنزل الغرباوية بناءً على مكالمة مليكة.
قبلت يد شاهين كعادتها وجلست في مكانها. أما خيرية فأصرت عليها مليكة وفاطمة أن تخرج لتناول الطعام معهم بالخارج. وبالفعل قد وافقت بعد محاولات مستميتة. ظلت الأوضاع متوترة قليلاً في المنزل، ولكن قد فعل الأطفال أفاعيلهم بهذا الصدد. فـ سرعان ما رسموا البسمة على وجوه الجميع واستطاعوا إغلاق المواضيع القديمة على الأقل إلى الآن. ***
بعد مرور ثلاثة أيام على عودة سليم ومراد ومليكة للمنزل، حضرت عائشة وندي تصحبان عبد الرحمن لتوديع مليكة لسفرها لماليزيا. ليدير محمد أحد فروع مصانع سليم القابعة هناك. احتضنت الفتاتان بعضهما بفرح. تمتمت عائشة بسعادة: عائشة: حمد الله على سلامتك يا ميكو. إنتِ مش هتتخيلي أنا كان إيه رد فعلي لما قولتيلي يا طنط. ضحكت مليكة وتمتمت في اضطراب متوجسة: مليكة: أنا عايزة أقولك على حاجة. اعتدلت عائشة بجدية وتمتمت في توجس:
عائشة: إسترها يا ستير. إفحميني. هم سليم الذي حضر منذ قليل بالدخول، ولكنه استدار ما إن سمع صوت عائشة بالداخل. ولكنه سمع ما جعله يتسمر مكانه. تمتمت مليكة في خجل: مليكة: أنا مكنتش فاقدة الذاكرة أصلاً زي ما قولتي. أنا... أنا كنت... كنت بمثل عليكوا. برقت عينا عائشة بعدما شهقت بدهشة: عائشة: إيه؟ أومأت مليكة رأسها بخزي متمتمة بخجل: مليكة: أنا عملت كده عشان سليم.
إنتِ عارفة وأنا في الغيبوبة شوفت مامته وماما وتاليا وهي قالت لي خليكي جمب سليم. سليم طيب. نهرتها عائشة بغضب: عائشة: تقومي تكدبي عليه يا مليكة. إنتِ مشوفتيهوش كان عامل إزاي ولا حالته كانت إزاي؟ تمتمت مليكة بضيق امتزج بالخزي من فعلتها: مليكة: أنا عارفة إني غلطانة. وعارفة إنه مكنش ينفع أعمل كده. بس هو ده اللي لقيته قدامي. كان لازم أعمل كده. هزت عائشة رأسها برفض: عائشة: لا يا مليكة مكنش ينفع خالص. أنا مش معاكي.
احتضنتها مليكة وكأنها تطلب مسامحتها: مليكة: خلاص بقى. أنا أصلاً ضميري بيأنبني خلقة. تمتمت عائشة تسأل في توجس: عائشة: طبعاً سليم ميعرفش حاجة؟ طأطأت مليكة برأسها في خجل وهمست في خفوت: مليكة: لا. ضربت عائشة كفها بعدم تصديق متمتمة بحرد: عائشة: إنتِ لازم تقوليله. برقت عيناه دهشة. شعر بألم يعتصر قلبه. وهنا رحل. لم يستطع الانتظار أكثر لسماع تلك الترهات التي تتفوه بها زوجته. نعم خدعته لأنه أحمق.
كيف لم يفكر أنها خدعته آلاف المرات في السابق؟ لما لا تستطيع خداعه الآن؟ كيف صدقها؟ سمع عقله يوبخ قلبه بسخرية قتلته في الصميم. تلك التي وثقت بها. تلك التي أحببتها خدعتك بكل سهولة ولم يرف لها جفن حتى. أردفت مليكة بأسى: مليكة: هقوله والله هقوله بس أنا خايفة. أنا بحبه أوي يا عائشة. بحبه حتى أكتر من نفسي. عشان كده عملت كده. كان لازم أعرف هو بيحبني ليا أنا. علشان مليكة. ولا شفقة عشان مراد.
عارفة يا عائشة أنا عمري ما حبيت حد أد كده. ولا كنت أتخيل إني أحب حد كده. حنين بشكل. عارفة يوم ما قابلت مرات بابا كنت قايلاله إني هخلص وأرجع البيت لقيته مستنيني. ولما سألته قالي قولت هتحتاجيني. بيحس بيا قبل ما أفتح بوقي حتى. بيخاف عليا بشكل مش طبيعي. طالعتها عائشة باسمة وتمتمت في حبور: عائشة: وأنا متأكدة إنه بيحبك أكتر مما تتخيلي. حتى أصلك مشوفتيش شكله يومها. أنا كنت حاسة إنه مش معانا أصلاً.
حسيت إن قلبه وقف ساعة لما الدكتور ربنا لا يعيدها يارب قال إن قلبك وقف. كوبت وجهها بيدها وأردفت بحنو: عائشة: عشان كده إنتِ لازم تصارحيه بالحقيقة. وأنا متأكدة إنه لما يعرف منك إنتِ هيسامحك. *** في قصر الغرباوي، جلسا حسام وقدري ومعهما أمجد أمام مهران وياسر وشاهين يطلبان فاطمة من والدها شاهين كما قال أمجد. وافق الجميع مرحبين بتلك الزيجة وبشدة على أن يعقد كتب الكتاب وبعده الزفاف بأسبوع واحد. ***
مر اليوم ولم يحضر سليم أو حتى يجيب على اتصالاتها. ولكن في الساعة التاسعة مساءً هاتفها أحد من مكتبه مخبراً إياها بسفره المفاجئ لأمريكا. تألم قلبها وبشدة لما لم يتكبد عناء إعلامها حتى. لما رحل من دون إخبارها. ألا يهتم لقلقها حتى. *** في أحد المنازل الهادئة، انتهى سليم من تكسير معظم الزجاج المتواجد في المنزل وجلس أمام النافذة لا يكاد يصدق أن مليكة قد فعلت به هذا. كيف لها أن تتمكن من خداعه. كيف تمكنت من فعل هذا.
ألم تشفق على حالته. ألم تشعر بقلقه. كيف يمكنها أن تفعل به هذا. *** في الصباح، استيقظت مليكة مرهقة للغاية تشعر بغثيان مريع حتى أنها لم تستطع تناول طعامها. فقط اكتفت بإطعام مراد. هاتفها فاطمة وأخبرتها بكل التفاصيل وبما حدث. وهي لا تكاد تصدق أنها بعد وقت قصير ستصبح زوجة من تمناه قلبها. تمتمت بسعادة: فاطمة: قدامك 10 أيام وآجي لكِ هنيه إنتِ ومراد. كتب الكتاب بعد 15 يوم. ابتسمت مليكة بسعادة: مليكة: بإذن الله يا طمطم.
أول ما سليم يرجع هقوله إن شاء الله. تناولت قمر الهاتف وتمتمت في إصرار: قمر: متجيش يا أختي ياسر هييجي يجيب سليم متخافيش. ضحكت بخفة بينما داهمها ذلك الشعور بالدوار مرة أخرى. قمر: أباي! رحتي فين؟ تمتمت مليكة بتيه: مليكة: معاكي أهو. ضحكت قمر وتمتمت باسمة: قمر: إني هقفل دلوقتي عشان عمار وأمل عاملين دوشة. ضحكت مليكة بسعادة: مليكة: بوسيهملي لحد ما أجي.
وضعت الهاتف من يدها وتهالكت على أقرب مقعد بسبب ذلك الدوار الأرعن الذي يهاجمها بشدة. تقدمت منها ناهد تسأل في قلق: ناهد: إنتِ كويسة يا حبيبتي. أردفت مليكة بوهن: مليكة: مش عارفة يا دادة. حاسة إني دايخة أوي من الصبح. تسرب القلق لناهد وتمتمت تسأل في توجس: ناهد: تكونش الأنيميا رجعتلك تاني. زمت مليكة شفتاها كعلامة على عدم معرفتها: مليكة: والله ما عارفة. ممكن. هبت واقفة على قدماها: مليكة: أنا هطلع أنام فوق ش...
لم تكمل كلماتها حتى باغتها الدوار مرة أخرى. ولكن هذه المرة أقوى بكثير حتى شعرت بالأرض تميد تحت قدماها ورؤيتها تشوشت. ساقطة على أحد المقاعد. صرخت ناهد بهلع هاتفة ببعض الخدم ليحملوا معها مليكة للأعلى: ناهد: أميرة اطلبي الدكتور أحمد فوراً. وبعد وقت قصير هتف الطبيب بسعادة: الطبيب: مبروك يا مدام مليكة. إنتِ حامل. تهللت أساريرها بسعادة بينما ارتفعت زغاريد الخدم بهذا الخبر المدهش.
خرج الطبيب فنهضت هي فرحة تبحث عن هاتفها لتخبر سليم ولكن دون جدوى. لم يجب على مكالمتها كالعادة. طلبت منها ناهد أن تستريح وألا تجهد نفسها كثيراً. *** في قصر الراوي، وقف حسام يهاتف فاطمة بسعادة لا يكاد يصدق أن زفافهما سيعقد بعد خمسة عشر يوماً. وأخيراً ستصبح محبوبته في عقر داره. أخيراً سيتشاركا حياتهما بسعادة دون خوف أو حتى قلق. *** في المساء، كانت تجلس في الشرفة ترتدي قميصه تطالع الهاتف في قلق. لما لا يرد على مكالماتها.
كيف حتى لم يهاتف مراد يطمئن عليه. حتى غفت مكانها. بعد عدة ساعات، استيقظت على صوت بوق سيارته يشق سكون الليل. ابتسمت بسعادة ناهضة راكضة لأسفل في حماس تتشوق لرؤيته. حينما تخبره بحملها. دلف للداخل كالإعصار تماماً. شاهدها أمامه ترتدي قميصه فضحك بسخرية عارمة. تمتمت بسعادة: مليكة: حمد الله على سلامتك. ابتسم بسخرية: سليم: الله يسلمك. سألت مليكة في عتاب: مليكة: كلمتك كتير أوي مرديتش عليا. تمتم هو بلا اهتمام: سليم: كنت مشغول.
ألمها رده ولكنها قررت معاتبته في وقت آخر. فـ بالتأكيد هو مرهق الآن. سألته في حبور: مليكة: أحضرلك عشا؟ تمتم هو بحرد: سليم: لا. أنا عايزك في حاجة أهم. جذبها من يدها بقوة صاعداً بها ناحية الغرفة. فتح الباب بغضب دافعاً إياها للداخل بقوة. تأوهت بألم وهي تدلك يديها إثر قبضته: مليكة: في إيه يا سليم؟ أغلق الباب جيداً وصرخ بها بحرد: سليم: مخبية عني إيه يا مليكة؟
برقت عيناها قلقاً وفركت يديها توتراً بينما جالت ببصرها في ربوع الغرفة خوفاً: مليكة: هاه... يعني... يعني إيه؟ ضحك بسخرية وهو يتمتم بحرد مطالعاً فيها بازدراء: سليم: مكنتش أتوقع إني أقولك إنتِ كده. بس للأسف مبتعرفيش تكدبي. ابتسمت بتوتر: مليكة: أه... أنا... رفع يده كعلامة لإسكاتها: سليم: لا أقولك أنا. خلي المغفل اللي ضحكتي عليه هو اللي يقولك إيه اللي إنتِ مخبياه. تمتمت بخوف: مليكة: سليم أنا... هتف بها كارهاً بألم:
سليم: يا ترى هتكدبي تاني وتقولي إيه المرة دي. أنا عرفت كل حاجة يا هانم. عرفت إن حضرتك مكنتيش فاقدة الذاكرة. التفت يطالعها بعينان احترقا ألماً وغضباً: سليم: جالك قلب يا مليكة تكدبي علينا كلنا. هونت عليكي. طيب بلاش أنا وباباكي مصعبش عليكي. عاصم طيب مفكرتيش هتبقى حالته إزاي لما تبقي أخته ومراته الاتنين تعبانين في أكتر وقت هو محتاج الدعم فيه. هتفت به بتوسل: مليكة: ممكن تسمعني. صرخ بها بصوته الجهوري غاضباً:
سليم: مش عايز أسمع صوتك أصلاً. أنا جيت بس عشان مراد. هو الحاجة اللي ربطاني بيكي. ذلك كان السهم الذي اخترق قلبها ليقضي نحبه. ولكن ماذا عن الحب الذي بينهم. ماذا عن كلماته التي لا طالما أمطر بها قلبها في الآونة الأخيرة. كيف يمكنه أن يقول لها هكذا بكل هدوء. نعم هي أخطأت، ولكنه آلمها حد الموت. أ بعد كل هذا مراد فقط ما يربطهم. رفعت رأسها في كبرياء وتمتمت بجمود: مليكة: شكراً. ثم تركته وذهبت باكية لغرفة مراد.
أغلقت الباب خلفها ووقف تمسد على بطنها باكية. كيف لا يفكر بعقله الأرعن هذا أن ما فعلته هو فقط لحبها له. كيف يمكنه التفوه بتلك الكلمات.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!