استيقظت صباحاً تشعر بوهن قاتل، وذلك الغثيان القاتل الذي لم يتركها للحظة منذ اليوم الأول. مر الآن 10 أيام على تلك الليلة اللعينة التي عرف فيها سليم كل الحقيقة. وراحت تتساءل إن كانت ستقضي كل أشهر حملها على تلك الحالة أم ماذا. ارتدت ثيابها في وهن، ووقفت تساعد مراد في ارتداء ثيابه هو الآخر. تتمنى لو تراه اليوم، فذلك القلب الأرعن يتمزق ألماً للفراق، يتخبط شوقاً بين أضلعها.
فهي منذ ذلك اليوم لا تراه، يستيقظ صباحاً قبلها ويأتي للمنزل بعد نومهم فلا تراه. لا يعطيها حتى الفرصة كي تناقشه وتخبره بأسبابها، فقد كان الخصم والقاضي معاً. أصدر الحكم وقرر معاقبتها دون حتى أن يتنازل عن كبريائه اللعين ويستمع لها. هي تعلم أنها أخطأت، ولكن كان يجب عليه سماعها قبل أن يلقي بكلماته التي تركت قلبها هشيمًا تذروه الرياح. وقفت تطالع هيئتها بألم، تتساءل متى الخلاص من كل ذلك.
متى ستتهنى برغد العيش مع الوحيد الذي غرقت عشقاً فيه. ضحكت بقهر وهي تفكر في حالتها، فهي ما زالت تمضي، تمضي رغم وفرة الحزن وتعب الخطوة وتمزق الطرق المؤدية للخلاص. تمضي في غمرة كل هذا التيه، وتتساءل كيف عساها تنجو بالقليل الباقي منها. سمعت طرقاً على الباب قطع عليها تفكيرها، تبعه دخول ناهد. شاهدت ملامح وجهها المشرقة وهي تخبرها بأن سليم بالأسفل.
مليكة تعلم جيداً أنها ليست حمقاء، بالتأكيد هي تشعر بذلك الجو المشحون بينهم، ولكنها لم تتحدث، بل اكتفت بمؤازرتها في صمت. تمتمت مليكة تسأل في دهشة: مليكة: سليم... غريبة يعني. أردفت ناهد باسمة: ناهد: النهاردة معندوش شغل بدري، هو قال كده. رسمت مليكة ابتسامة زائفة على ثغرها وهي تخبر مراد في سعادة بأن والده في الأسفل. بينما تمتمت ناهد في قلق:
ناهد: أنا عملت لك البيض اللي بتحبه بالجبنة الرومي وعملت لك لبن بالشيكولاتة، ولازم تاكلهم. أنت بقالك 9 أيام عايشة على الشوربة، وده مينفعش يا حبيبتي. تمتمت مليكة بضيق: مليكة: والله يا دادة مش قادرة، الأكل كله بقى بيقرفني. ابتسمت ناهد ومسحت على رأسها: ناهد: علشان في الأول بس يا حبيبتي، لازم بس تغصبي على نفسك في الأول علشان الحلوة تطلع صحتها كويسة وعلشانك كمان والأنيميا.
أومأت مليكة بهدوء، بينما تبتسم على تعبيرات مراد المتحمسة بشدة، ثم انطلقا سوياً للأسفل، بينما ناهد وقفت تدعو لهما بصلاح الحال. دلفا سوياً لغرفة السفرة، فركض مراد لوالده، بينما هي جلست في هدوء على أحد المقاعد بعيداً عنه. توجه إليها مراد ليطعمه كالعادة، بينما هي لم تستطع حتى أن تأكل بضع لقيمات بسبب ذلك الغثيان. لاحظ شحوبها واصفرار لونها، فاعتصر قلبه ألماً عليها، فهي حتى في أسوأ حالاتها لم تكن بذلك الضعف.
كاد أن يسألها عن حالها، ولكن كبرياؤه الأرعن منعه. فتمتم في ثبات دون حتى أن يطالعها: سليم: اجهزوا علشان المفروض نسافر كلنا النهاردة بالليل. أومأت هي برأسها في هدوء وهي تتألم، فهو حتى لم يكلف نفسه عناء إلقاء نظرة عليها. ألم يحبها؟ هل ما قاله لها في تلك الليلة هي حقيقة شعوره نحوها؟ شعرت بألم يعتصر قلبها وثقل خانق يجثم على روحها.
شعرت بستار العبرات يحجب عنها الرؤية، فنهضت قبل أن تعاودها تلك الرغبة بالبكاء وتفقد ما تبقى لها من ماء وجه. همت بأخذ مراد، فأعترض هو طالباً منها تركه قليلاً. شعرت بالدوار قليلاً، فهب هو واقفاً يطالعها بقلق، ممسكاً بذراعها يهتف بها بوله: سليم: مليكة... إنتِ كويسة. تمتمت هي في هدوء: مليكة: أنا تمام، دوخت شوية بس مفيش حاجة. اعتدلت وتركته وانصرفت لغرفتها. تألم بشدة لعنادهما، ولكنه قرر أن يسمعها.
يجب عليه ذلك، فهذا من أقل حقوقها، أقل حقوقها عليه أن يسمعها. تذكر كم آلمها بكلماته. هو يعلم جيداً تخوفها في الماضي من أن يكون بقاؤه معها فقط لأجل مراد، وهو كالأحمق استغل هذا الأمر اللعين ليضايقها، وهو يعلم جيداً تأثيره عليها. *** في قصر الغرباوي. هتفت قمر بضيق: قمر: ما الفستان زين ومفيهوش حاجة خالص أهه. هتف بها غاضباً: ياسر: يا جمر هي كلمة ومعنديش غيرها، أني جولت لأ يعني. لأ... الفستان عريان قوي مش هتلبسيه. وضعت
يدها بخصرها وتمتمت بإصرار: قمر: وإيه فيها الجعدة كلها حريم، ودي فرح مفيهاش حاجة يعني. تمتم ياسر بحدة: ياسر: لأ فيها يا جمر، إنتِ اتجننتي عاد. جسمك باين قوي في الفستان ده. طالعته بتحدي مصرة: قمر: أني هلبس ده يعني هلبس ده يا ياسر. وبعدين مش انت اللي جايبهولي. تنهد بعمق يطالعها في حنق، يحاول جاهداً أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم كيلا يتعاركا، حتى سمعها تسأل بغضب: قمر: إيه هتاكلني إياك. ابتسم بحب هاتفاً بمشاكسة:
ياسر: أباه... أكلك ومأكولكيش ليه يا ملبن إنتِ. ضحكت بخفة، بينما تنفس هو الصعداء وضمها لذراعيه بحب، موبخاً إياها بلطف: ياسر: بغير عليكي يا حبة قلبي... بغير لما واحدة تبصلك كده ولا كده. آه أني اللي جايبه بس جايبهولك تلبسيه ليا وبس... لياسر بس مش لكل حريم البلد عاد. ضحكت بخجل وهي تتمسح به بغنج ودلال محبب: قمر: طيب وهلبس إيه بقى دلوقت. تمتم هو باسماً بحبور:
ياسر: وهي دي حاجة تفوتني برضك. هناك عندك في الدولاب هتلاقي علبة فيها كل حاجة. ابتسمت بسعادة وهي تتمتم بدلال سلبه عقله: قمر: ومقولتش ليه من قبل سابق ووفرت علينا كل ده. ضحك مقبلاً إياها في شوق: ياسر: لأ مهو أصل مصائب قوم عند قوم فوائد. شهقت به هلعاً وهو يحملها مباغتة: ياسر: كان نفسي أشوف الفستان عليكي بس يلا خليها بالليل. برقت عيناها دهشة وهي تطالعه بخجل: قمر: هو لسه فيه بالليل عاد. تمتم هو بثقة:
ياسر: أُمال دا أني مسرب أكمل وعمار التنين علشان بالليل دي. *** في قصر الراوي. عاصم: نوري يا نوري يلا علشان هنتأخر على سليم ومليكة. دلف يبحث عنها حينما لم يأتيه رد، فوجدها جالسة أمام البراد تحتضن علبة كبيرة من الشيكولاتة تأكلها بنهم في استمتاع شديد. ابتسم بداخله بحب على تلك الطفلة التي وقع لها.
هو يعلم جيداً أنها منذ بضع أيام تشتهي أشياء غريبة في أوقات أغرب، ولكن الحمد لله هذه المرة تشتهي فقط الشيكولاتة وهذا أمر يمكن تدبره. برقت عيناه بدهشة وهي يهتف بها: عاصم: نورسين. لم ترفع رأسها ناحيته حتى، بل أجابته مهمهمة بكلمات لم يفهمها. ابتسم بخفة وتوجه ناحيتها بحبور، جالساً بجوارها في هدوء. طالعته نورسين بهدوء، ومن ثم قدمت له العلبة: نورسين: شيكولاتة؟!
ابتسم هو بمكر، بينما يطالع تلك الشيكولاتة التي لطخت بها فمها، ومال عليها يلثم ثغرها، ينهل منه حلاوة بنهم مستمتعاً. ابتعد عنها لاهثاً يتمتم في استمتاع حقيقي: عاصم: دي أحلى. ابتسمت بخجل وهي تتمتم بتيه، فهتف هو ضاحكاً: عاصم: لسة هتقعدي وتقولي أصل وبس، يلا ياختي علشان منتأخرش على الناس. *** وصلا مراد ومليكة بصحبة سليم أولاً، وبعد وقت قصير حضرا أيهم وجوري بصحبة نورسين وعاصم. أخذ الأطفال في اللعب، بينما جلس الأربعة سوياً.
سألت نورسين بقلق: نورسين: مليكة إنتِ كويسة. ابتسمت مليكة التي بدأت تشعر ببعض التوعك: مليكة: آه يا حبيبتي. هتف عاصم بجدية مصطنعة وهو يرمق سليم بنظرات شذرة محذرة: عاصم: أوعي يكون سليم مزعلك. التقطت نظراتهما سوياً، ممتلئة بالألم، الشوق والعتاب أيضاً، قبل أن تتمتم هي باسمة: مليكة: سليم... هو في زيه في الدنيا. ابتسم عاصم غامزاً سليم: عاصم: هنيالك يا عم.
ضحك سليم ضحكة لم تصل لعيناه بألم جاهد لإخفائه جراء تأنيب الضمير الذي يشعر به. شعرت هي بالغثيان وبعض التوعك، ولكنها أرجعت الأمر للطيران، فهي لا تزال تكرهه. ما هي إلا بضع دقائق حتى توجهت مسرعة للمرحاض لترمي بنفسها على المغسلة بألم، تفرغ كل ما بمعدتها التي هي فارغة بالأصل. وبعد وقت طويل قضته تحاول السيطرة على ذلك الغثيان المريع، خرجت تجر قدميها بتعب شديد، تجابه الدوار اللعين الذي يعصف بها، فتفاجأت به أمامها.
قفزت من الرعب وهي تراه يتأملها باهتمام. تمتمت تسأله بوهن: مليكة: في حاجة. لم يبدِ اهتماماً لسؤالها، بل كان مشغولاً بتأمل وجهها الشاحب وملامحها المتعبة وعينيها الغائمتين بقلق. امتد كف يداه يتلمس وجنتيها، هاتفاً بقلق: سليم: إنتِ كويسة. عادت خطوة للخلف تبتعد عن ذلك الفخ إثر لمسته، وتمسكت بمقبض الباب في ألم، متمتمة بتيه: مليكة: آه. اهتزت الطائرة قليلاً، فازدادت اضطراباً على اضطرابها.
شعرت بقدماها مثل القطن، فطوق خصرها يثبتها جيداً بمحاذاة صدره، يتمتم بقلق: سليم: إنتِ تعبانة يا مليكة. وحده الله يعلم كم جاهدت لتبقى عيناها مفتوحتين. يعلم كم حاولت أن تبقى بوعيها، ولكن فجأة أغمضت عيناها بعدما ارتخى جسدها بين ذراعيه، ليعلن ذلك استسلامها للظلام. *** في أحد المنازل. صرخت عبير بقهر رافضة كل ما يحدث. فاطمة ستتزوج، طفلتها ستتزوج وهي تُركت منفية في هذا المنزل اللعين وهؤلاء الرجال يمنعونها من الخروج.
ذلك الشهر لم يكن كافياً لها، بل زاد من ثورة غضبها ونيران الحقد التي تستعر بقلبها حتى أصبح رماداً. لا يجب أن تتركهم، لن تفعل. لقد تمادى ذلك الأمجد كثيراً، فأعلنت والدتها خبر وفاتها وتخلى عنها ذلك الأحمق شاهين، وحتى شقيقها قد أدار لها وجهه ورحل. لن تتركه لا هو ولا تلك العينة مليكة، فهي السبب، هي السبب في كل ذلك. *** جلسا قمر وفاطمة يعدان بعض الأشياء اللازمة للحفل الذي سيقام بدءاً من الغد، ويبقى حتى يوم الزفاف.
من أروع العادات والتقاليد المتواجدة في ذلك المكان الرائع أن تقام الاحتفالات لعدة أيام بدون انقطاع، حتى تلك الليلة التي تزف بها العروس لمنزل زوجها في موكب مهيب يترأسه والدها بكل فخر واعتزاز. فرت دمعة هاربة من عينيها إثر تذكرها والداها. هي تشتاق بشدة لوالدتها عبير، تتمنى لو كانت بجوارها الآن. ضغطت قمر على كتفيها بحنان وهي تمسح على رأسها بلطف. التفت فاطمة باكية، فأحتضنتها قمر تربت على رأسها بحنو:
قمر: أني عارفة إنها وحشاكي، وأني هكلم ياسر الليلة يكلم عمي مهران ويروحوا يجيبوها علشان تيجي جنبك. احتضنتها فاطمة بألم وهي تتمتم بضياع: فاطمة: على جد ما أني فرحانة علشان هتجوز حسام، على جد ما أني حزينة وضايعة. لسه لحد دلوقتي مش قادرة أصدق إن شاهين ميجيش أبويا ولا عبير تيجي أمي. مش قادرة أستوعب، حاسة إني بحلم بكابوس. احتضنتها قمر بألم، وهي تتساءل ماذا ستفعلين يا صغيرتي حينما تعرفين كل الحقيقة. *** في الطائرة.
حملها بهلع متوجهاً بها للغرفة الموجودة بالطائرة. وضعها على الفراش برفق وقلبه يبكي وجعاً على حالتها. عذراً طفلتي، لقد نشأ ذلك القلب على الهيبة. ضحك بقهر وهو يردد بلهجته الصعيدية التي لا طالما عشقتها طفلته: "اتربيت على الهيبة والحب بجهامة". ظل جوارها حتى بدأت تستعيد وعيها بهدوء وروية. فتحت عيناها بقلق تطالعه بدهشة. اعتدلت جالسة بهدوء كي لا تزيد من بشاعة ذلك الدوار. أسندها هو بيده في رفق: مليكة: سليم!!
أحضر هو طاولة صغيرة وضع عليها بعض أصناف الطعام التي يعلم أنها تعشقها، ووضعها على قدميها، متمتماً بقلق: سليم: لازم تاكلي... إنتِ بشكلك دا مش هتقدري تمشي خطوتين. إنتِ مفطرتيش الصبح. ضحكت بسخرية امتزجت بقهر وهي تحاول جاهدة أن تسيطر على ستار العبرات الذي يتكون بعينيها. هذا هو سليم، لن يتغير. هو وكبرياؤه، تباً لهما سوياً، فهتفت به حانقة: مليكة: متخافش يا سليم بيه...
أنا كويسة وهقدر أمشي، أوعدك مش هخليك تشيلني تاني. ومتقلقش مش هشيلك همي، أنا منسيتش إننا كل اللي بيربطنا مراد وبس. مزقت كلماتها قلبه، ولكن عقله تخيل أنه يصفعها كي تترك التراهات التي تتفوه بها. أ بعد كل هذا هي الغاضبة منه. ارتسمت تعبيرات غريبة على وجهه، ولكنه أردف بثبات مضيقاً عينيه بتحدي: سليم: اللي عندي قولته، مش هتتحركي من هنا إلا وإنتِ مخلصة الصينية دي. عقدت ذراعيها أمام صدرها بحرد: مليكة: لا شكراً مش عايزة أكل.
هي لم تكن تعانده، ولكن رائحة الطعام تزيد شعورها بالغثيان أكثر فأكثر. تمتم بلا مبالاة وهو يجلس على الفراش في هدوء: سليم: إنتِ حرة... خلينا بقى قاعدين للصبح. توسلته بعينان دامعتان: مليكة: سليم الله يخليك شيل الأكل ده من هنا. طالعها بدهشة وهو يتساءل ما بها تلك الحمقاء، هذا طعامها المفضل. سأل في دهشة: سليم: فيكي إيه أنا مش فاهم... أنا جايب لك الأكل اللي بتحبيه مش عايزة تاكليه ليه.
أتاها شعور قوي بالغثيان، فوضعت يديها على فمها مزيحة الأغطية وهرولت راكضة للمرحاض. ألقت بنفسها على المغسلة بألم، تشعر بأنها ستفارق الحياة في أي لحظة من كثرة ما تقيأت. وبخت نفسها على حماقتها، إنه طفل سليم، فماذا تتوقع منه غير ذلك. أسندها سليم بقلق وهو يهتف بها بوله: سليم: لأ إنتِ مش كويسة أبداً... إنتِ لازم تروحي لدكتور. صرخت به بحرد: مليكة: كله بسببك إنت. برقت عيناه دهشة وهو يطالعها بعدم فهم: سليم: يعني إيه.
صرخت به مليكة حانقة: مليكة: هتتوقع إيه من ابنك يعني دا أقل حاجة. ضحكت بسخرية بعدما هبطت دموعها: مليكة: هذا الشبل من ذاك الأسد. وهنا فقد شعوره بأي شيء غيرها. هنا لم يعد يسمع أو يشعر بأي شيء. هي قالت طفله... نعم سمعها بوضوح. برقت عيناه يسأل في دهشة يطالعها بتوجس: سليم: اب... ابني. هتفت به حانقة زامة شفتيها بنزق: مليكة: إنت مبتتفرجش على أفلام... آه معلش نسيت سليم بيه أكيد معندوش وقت. قلبت عينيها بنزق وهي تتمتم بحرد:
مليكة: لا مش ابنك... جايباه من السوبر ماركت. وكأنه قد أفاق من غيبوبته، أضاء وجهه وتهللت أساريره باسماً بسعادة، محتضناً إياها بقوة. شعر بتصلبها في أول الأمر، ولكنه لم يبدِ اهتماماً. حتى شعر بها تلين تحت يديه منغمسة بين ذراعيه، تتلمس الأمان. لم يبعدها عنه إلا حينما سمع نحيبها وشعر بارتعادة جسدها تحت يديه. أجلسها على الفراش برقة، حتى سمع طرقات على الباب: عاصم: سليم... مليكة كويسة. اعتصر قبضته بحنق وهو يتمتم غاضباً:
سليم: أخوكي دا فصيل. ضحكت بخفة وهي تنهره بلطف محذرة: مليكة: متقولش على أخويا كده. جففت دموعها، بينما ذهب هو ليفتح الباب ليدلف عاصم قلقاً: عاصم: المضيفة قالتلي إنها تعبت. ابتسمت وهي تنهض واقفة تتمتم باسمة في حبور: مليكة: أنا حامل. برقت عينا عاصم بدهشة باسماً، بينما ركضت نورسين التي حضرت لتوه تحتضنها بحماس، تهتف بسعادة: نورسين: هنولد سوا. ضحكت مليكة وهي تتمتم بحماس: مليكة: أينعم. *** في المساء.
في المندرة، تلك الغرفة التي امتلأت بالذكريات، منها الجيد ومنها السيئ لمليكة. كانوا قد وصلوا قبل ساعات، قد علم فيها الجميع بخبر حمل مليكة، الذي زاد المنزل سروراً على سروره، حتى واهتم بها الجميع اهتماماً بالغاً. فحرصت خيرية على أن تطعمها بنفسها، وحتى الطعام قد حضرته وداد بسعادة بمساعدة الفتيات قمر وفاطمة. جلس هو على المقعد أمام الفراش: سليم: اتفضلي بقى قوليلي كل اللي عندك. تسائلت مليكة في ألم:
مليكة: وده يا ترى علشان عرفت إني حامل وإن خلاص بقى حاجة تانية تربطنا ببعض غير مراد. تمتم هو بحرد، وها هو الآن على أعتاب إلقاء نصفيه الصعيدي والإسباني في عرض الحائط لأجل تلك المرأة التي وقع لها من النظرة الأولى. وكأنها جنية ما أسرته بتعويذة ما منذ نظرته الأولى وكانت عيناها في ذلك الفخ. سليم: إنتِ عارفة يا مليكة إني حبيتك من أول لحظة وإن كلامي ده كان في لحظة غضب. جففت دموعها التي هبطت بألم، وأردفت بوجيعة:
مليكة: ما دام قولتها يبقى بتفكر فيها يا سليم. تنهد بعمق وهو يغلق عينيه بقوة كيلا يرتكب أي حماقات: سليم: طيب اسمعي بقى علشان الكلام ده مش هتسمعيه تاني...
حطي نفسك مكاني تخيلي كم القلق والخوف حتى الرعب اللي كنت حاسس بيه. تخيلي يا مليكة البنت الواحدة اللي حبيتها وما صدقت أني فهمت كل حاجة وجيت وكنت ناوي أبدأ معاها من جديد تبقي مش فكراني ونرجع تاني لنقطة الصفر. تخيلي كده معايا لما تحسي إنك بعد ما لقيتي كل حاجة ترجع كل حاجة تروح من إيدك وترجعي تاني زي الأول. ترجعي تاني تايهة وخايفة ولوحدك هيبقي إيه موقفك. طيب هتحسي بإيه ساعتها.
خفق قلبها بعنف من كلماته، والتي تعلم هي جيداً كم هو من الصعب عليه أن يتفوه بها أمامها، حتى بعد كل تلك الأشواط التي قطعوها في علاقتهما سوياً، فهي تعلم أنه من النوع الكتوم الذي يعبر فقط عن حبه بأفعاله. هتفت به في هدوء مقررة وأخيراً التنازل عن طباعها النارية: مليكة: عارفة يا سليم... بس إنت دوست على أكتر حتة بتوجعني. إنت عارف قد إيه الموضوع ده بيخوفني. هم بالحديث فتابعت هي بهدوء وندم:
مليكة: أنا عارفة إني غلطت بس مكنش قدامي غير كده، كان لازم أعمل كده على الأقل علشان أتأكد إنت بتحبني ليا أنا ولا إنت معايا علشان مراد بس. عارفة إنه كان ممكن يكون فيه 100 طريقة غيرها. بس أنا معرفتش أعمل غير... أنا عملت كده علشان بحبك يا سليم... بحبك وكنت خايفة.
عارفة إني اتصرفت بغباء بس إنت أول راجل في حياتي. أول راجل يدخل حياتي. أول راجل يعمل كده في مشاعري، يلخبطها ويعرف يقلب قلبي ضدي. إنت أول راجل أحس كده ناحيته، علشان كده معرفتش أتصرف. نسي كل شيء بعد ما تفوهت به من كلمات. نسي غضبه، حنقه بعد ذلك الاعتراف الفريد من نوعه حقيقة. نهض طابعاً قبلة حانية بين عينيها محتضناً إياها بحنو متمتماً بندم: سليم: أنا آسف... آسف والله آسف.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!