في قصر أمجد الراوي في الحديقة هتف أمجد بلهفة يسأل ابنه إن كان قد وجد شقيقته أم لا. هز عاصم رأسه نافياً بأسي. عاصم: لا يا بابا مش لاقيها. والمشكلة إني مش عارف حتي إن كانت لسة بإسمها ولا غيرته. مش عارف كانت في الحفلة بصفتها إيه. ودا اللي مدوخني. حتي ملقتهاش صورة واحدة في الحفلة ليها. أومأ أمجد رأسه بحزن. وكيف لا يحزن؟
فهو أب قد مزق الشوق قلبه إرباً على طفلته، وليس هذا فقط ما يؤلمه، بل ما يؤلمه حد الموت هو فقده لطفلته الأخرى دون حتى أن يمتع عينيه برؤيتها. لم يشاهدها أو حتى يضمها بين ذراعيه. لم يستطع سماعها تناديه بأسمى صفات العالم "أبي". لم يستطع أن يراها تكبر أمامه. حتى لم يودع جثمانها. لم يودعها.
نهض من مكانه متوجهاً لغرفته يدعو الله أن يجد طفلته كي يعوضها عن حبه وحنانه الذي حرمت منه، كي يمني روحه بقربها، كي يعوض هذا القلب بوجودها. فقط يتمنى أن يجدها وأن تسامحه كي يغدقها بحنانه وحبه وعطفه. سيعوضها عن كل ما مرت به في حياتها. فقط يتمنى من الله استجابة دعاء هذا الشيخ. تحقيق أمنية هذا العجوز. ********************** في قصر سليم الغرباوي
عاد سليم من عمله يحمل صندوقاً خشبياً مزخرفاً بفخامة، وعلبة من القطيفة الحمراء، وصندوقاً ورقياً يحوي بداخله لعبة لمراد الذي فرح بها كثيراً. اتفق سليم مع طفله أن يراقبا له المكان حتى يستطيع وضع تلك الهدايا في غرفة مليكة. وبالفعل استغلا فرصة انشغال مليكة بتحضير المائدة ووضعاهما سوياً، ثم هبطا لتناول العشاء وكأن شيئاً لم يكن.
أدرك سليم أنها أصبحت أفضل حالاً من الصباح، لأنها بدأت تأكل وتمزح مع مراد كعادتها، فتنفس بسعادة وعلا وجيفه طرباً وفرحاً بضحكاتها. وبعد انتهاء العشاء جلس يلعب هو ومراد في حديقة القصر، بينما صعدت هي لغرفتها كي تهاتف عائشة، حتى شاهدت ذلك الصندوق المزخرف الموضوع على فراشها تعتليه تلك العلبة القطيفة. رفعت حاجبها بدهشة وتقدمت بخطى متوجسة ناحية فراشها.
التقطت العلبة القطيفة أولاً وفتحتها، فوجدت بداخلها عقداً من الذهب. أُخذت بروعته، كان عبارة عن تاج ملكي وكل ركن فيه مطعم بماسة بيضاء صغيرة مما أعطاه مظهراً رائعاً. تسللت ابتسامة صغيرة إلى كرزتيها، ونحت العلبة من يدها جانباً، فاتحة ذلك الصندوق الخشبي الذي أثار فضولها منذ الوهلة الأولى. خرجت منها شهقة سعادة عندما فتحته، فقد كان عامراً بكل أنواع الشيكولاتة التي يمكنها أن تتخيلها.
أخرجت واحدة لتأكلها وهمت أن تغلق الصندوق حتى شاهدت ورقة علقت بداخل الصندوق. التقطتها في دهشة بعدما وضعت الصندوق جانباً. وأخذت تقرأ الموجود بصوت مرتفع نسبياً. "بيقولوا إن الشيكولاتة أحسن علاج لكل المشاكل. فكلي وانسى أي حاجة مضايقاكي علشان مينفعش حد يضايقك غيري."
برقت عيناها حتى كادت أن تخرج من محجريها بدهشة، فعمدت بيدها تغلق فمها الذي فُتِحَ دهشةً، وارتسم على ثغرها ابتسامة متنامية حتى تحولت لضحكات فرحة تخرج من أعماق قلبها. ابتلعت الشيكولاتة التي كانت تأكلها واحتضنت الورقة وهي تدور. أ حقاً من أرسلها هو سليم؟ نعم، ومن غير حبيبها ذلك المغرور؟
ولكنها تعشقه. نعم هي تعشقه وبجنون. تخيلته يقف أمامها بقوامه الجذاب يطالعه بابتسامة حنونة كتلك الابتسامة التي تفقدها لبها. تأسر حواسها بعيداً. يحدث أحياناً أن يرى القلب قبل العين. فالقلب والعين في الهوى سوياً على حد تعبير قاضي الغرام. شعرت مليكة كما لو أن قلبها بلغ حنجرتها.
كانت تشعر بأنها ممتلئة بالحب. ولكن ليس كأي حب. نعم ممتلئة بذاك الحب الذي لكثرة ما تعشق به يجعلك تشعر بالكره تجاه الحبيب. ذلك الحب الذي يستنزف فيك كل مشاعرك وسنين عمرك وأغلى ما تمنيت. كان ذلك شعورها تماماً. فقد امتلأ قلبها بالحب والكره معاً. فعلى الرغم من عشقها اللامتناهي لسليم هي تكره قسوته وبرودته. تكره غضبه الهادر المخيف. أ ولم أخبركم أن قلب المرأة خلق من المحبة والكره والقساوة معاً. ***********************
ابتسم هو إثر رؤيتها بكل ذلك الفرح بعدما خبط كفه بكف مراد الذي استعر حماساً لإسعاد والدته. فاليوم قد تعلم ذلك الشيطان أول درس من دروس الحياة بأن الذي زرعته في روح كل شخص حتماً سينبت. ولتعلم يا بني أن كل حي على هذه الأرض يحدثك ويقول لك كل ما تزرعه تحصده. فلا تزرع سوى الحب. ********************** صعد عاصم إلى غرفته بعد عدة ساعات، كان أنهى فيهم بعض الأعمال العالقة، يتمزق ألماً على شقيقته.
وجد نورسين جالسة في الشرفة تطالع هاتفها. دلف في هدوء متوجهاً ناحيتها. فباغتها محتضناً إياها من الخلف. شهقت في هلع. نورسين: حد يعمل كدة يا عاصم، خضتني. ابتسم هو مقبلاً جبهتها في حنان معتذراً منها. أدركت نورسين أن به خطباً ما، ويبدو أنه أمر يؤرق باله كثيراً. فأحاطت عنقه بذراعيها تسأله في دلال عن خطبه. زفر عاصم بعمق وتابع بضيق. عاصم: تعبان يا نوري، ادعيلي كتير أوي. تغيرت ملامحها للجدية، فقد تأكدت من ظنونها.
فأجلسته في هدوء وجلست أرضاً قبالته ممسكة بيده. نورسين: في إيه يا حبيبي. احتضن يدها بيداه وتابع بحنان. عاصم: ادعيلي يا نوري كتير أوي، ادعيلي وبس دلوقتي. همت بالجلوس جواره، فوضعت هاتفها على الطاولة الصغيرة المقابلة لهم. فجاء أضاءت شاشته بصورة شخص ما. لفت انتباه عاصم صوت الإشعارات، فتوجه ببصره تلقائياً ناحيته وشاهدها. نعم إنها هي. أمسك هاتفها بجزع. يحدق فيه بأمل. متسائلاً في دهشة. عاصم: مين دي يا نوري؟ مين البنت دي؟
تعرفيها؟ زَمت نورسين شفتيها دهشة لرد فعل عاصم. وتابعت بتلقائية. نورسين: دي مليكة. مرات سليم. سليم زين الغرباوي. برقت عيناه دهشة، بينما ارتفع وجيفه بسعادة وهب واقفاً محتضناً إياها بسعادة. أما هي فقد كانت تحدق به مشدوهة، غير مدركة ما يحدث. نورسين: في إيه؟ هتف عاصم بسعادة. عاصم: لقيتها. لقيتها. وهم بالركض، فأمسكت بذراعه وتمتمت في حزم. نورسين: في إيه يا عاصم ولقيت مين؟
احتضن عاصم وجهها بيده طابعاً قبلة فرحة على شفتيها متمتماً بسعادة. عاصم: لقيت أختي يا نوري. لقيتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!