ركض عاصم وأمجد يحاولان البحث عنها ولكن بدون فائدة. فهما لا يعرفان حتى من هي أو لماذا توجد هنا. أهي إحدى موظفات أحد رجال الأعمال الموجودين؟ أو أنها تعمل لدى سليم في شركته الخاصة؟ أم تمتلك شركتها الخاصة أو حتى هي منظمة الحفل؟ لا يعرفون شيئًا. وبعد عدة ساعات من البحث، شعرت نورسين ببعض التوعك، فطلبت من عاصم العودة للمنزل. وبالفعل عادا وهو قلق للغاية على حالتها. فلأول مرة يراها شاحبة لتلك الدرجة. ***
في منزل ياسر بالقاهرة. دلفت قمر إلى غرفتها وهي تكاد تنفجر غضبًا من مزاحه مع بعض الفتيات ونظراته إليهن في الحفل. دلف ياسر خلفها بكل هدوء، فهو يعلم ما بها ولكنه يريد أن يغضبها قليلاً. ابتسم بمكر، ثم عادت ملامح الجمود إلى وجهه، متسائلاً بكل براءة وكأنه لا يعلم ما بها. ياسر: مالك يا جمر فيكي إيه؟ صاحت به بحنق غاضبة: قمر: كأنك مش عارف عاد. ابتسم بمكر ولكنه أخفاها سريعًا وتمتم بهدوء: ياسر: وأنا هعرف منين بس يا بت الحلال.
التفتت قمر ناحيته تطالعه في غضب وتحدثت بعصبية شديدة: قمر: لا والله أبداً، البيه بس قاعد عمال يبص لدي ويتحدث مع دي ويضحك لدي ويسيب دي تتمايع عليه، ومرته قاعدة جنبي كالجفة، لا عاملها حساب ولا اعتبار. دا أنتَ كان ناقص تجول جومي يا جمر أنا هعود مع واحدة منهم. لم يستطع ياسر أن يكمل في دور البريء، فابتسم بحنان وجذبها إلى أحضانه هامساً بصوته الأجش:
ياسر: واللي خلقني وخلقك يا جمر، كلهم ما يسووا شعرة من شعرك، واقفة على الأرض ما خلقتش اللي تغير منها يا ست البنات. ابتسمت قمر في حب ولكنها حاولت إخفائها وتحدثت بنبرة يشوبها الغضب الزائف: قمر: صدقتك أنا كده. فاستقام جذعه وتحدث بثقة: ياسر: لأ صدقتيني وقلبك عارف إن قلبي ما فيهوش غيرك، قاعدة فيه ومتربعة. ابتسمت بخجل واحتضنته بحب. فابتسم بمكر وتابع مشاكساً: ياسر: إلا بقول إيه، أنا عاوز أسلم على ولادي.
باغت بحملها فشهقت بفزع، هتف هو على أثره بحماس: ياسر: الله أكبر. هتفت به بدهشة: قمر: بتعمل إيه يا ياسر، نزلني عاد. ياسر: مرتي يا ناس، عاوز مرتي في كلمتين. ابتسمت في خجل ودفنت وجهها في صدره. ياسر: اللهم صلي على كامل النور، يا بركة دعاكي يا أم ياسر. *** في منزل سليم. في صباح اليوم التالي، استيقظا سوياً. كانت مليكة تشعر بألم شديد يعتري قلبها جراء ما حدث مع والدها بالأمس، وأيضًا بالخجل مما فعلته هي مع سليم.
ابتعدت مليكة عنه سريعًا ودلفت للمرحاض. زفر سليم بعمق، فهو قد استيقظ قبلها ولكنه لم يُرِد جعلها تشعر بالتوتر أو حتى الإحراج، وأردف متسائلاً: سليم: حكايتك إيه يا مليكة. نهض من الفراش وذهب لغرفته في هدوء. بعد عدة دقائق، كان الجميع يتناول الإفطار في الأسفل. لاحظ سليم شرودها، فقد كانت تطعم مراد بآلية شديدة، لا يسمع صوت ضحكاتها ومزاحها الذي يطربه كل صباح.
تنهد في عمق، فهو لا يحب أن يراها حزينة لهذه الدرجة، ولكنه لا يعرف ما حدث بالأمس، وقد عقد العزم ألا يسألها عن أي شيء حتى تخبره هي. كالعادة، حمل منها مراد ليلعب معه قليلاً في الحديقة حتى تتناول هي طعامها. فأخذ مراد وخرجا سوياً للعب، بينما يخطف إليها بعض النظرات بين الحين والآخر، فيجدها إما شاردة أو تمسح دمعة هاربة قد فرت من زرقاوتيها. شعر بغصة ألم تجتاح قلبه، كم يتمنى أن يأخذها بين ذراعيه ويخفف عنها قليلاً.
بعد عدة دقائق، خرجت إليهما مليكة. طأطأت رأسها في خجل وهمست بأسف أدمى قلبه: مليكة: أنا آسفة جدًا يا سليم على اللي حصل امبارح، وعاوزاك تعرف إني والله ما عملتش أي حاجة وحشة تضايقك، ومعملتش كده لأي سبب وحش. فشكراً جدًا لأنك استحملتني امبارح. لمس سليم نبرة الصدق في حديثها وشاهد كم الألم في عينيها، فقرر ألا يتفوه بأي شيء. أومأ رأسه في هدوء وودع مراد متوجهاً لعمله.
كان يقود سيارته وهو غارق في أفكاره وخواطره التي تزاحمت جميعها، تتصارع ولا فكاك منها. تُرى ماذا حدث مع صغيرته؟ ما الذي يؤلمها لهذه الدرجة؟ *** في غرفة مليكة. ذهب مراد لمدرسته، فظلت هي وحدها في المنزل. جلست على الأرض ضامة ركبتيها إلى صدرها قبالة المدفأة الحجرية القابعة في غرفتها، وهي تراقب تآكل الحطب ببطء. كل شيء هادئ من حولها يميل للذة السكون، عدا قلبها الكسير، فهو لا يزال يتخبط بين أضلعها كطفل جائع.
في لحظات السكون، تلجأ أرواحنا للعروج في عالم اللامحسوس. تستذكر كل ذكرى وردية لتصبح رفيقتنا في لحظات الوحدة، الضعف والإنكسار. ولكن ماذا إذا كانت كل أوراق ذاكرتنا سوداء؟ هل سنحرقها؟ أم هي التي ستحرقنا وجعاً وخيبة؟ مر شريط حياتها أمامها بسرعة، وكأن كل الذي استغرق أكثر من عشرين عامًا ليجري لم يكن سوى لحظات. نعم، غريبة هي الدنيا. منذ أن نولد نجاهد لأجلها، وفي النهاية نكتشف أننا كنا نسعى إلى اللاشيء.
انقضت كل تلك السنين كلمح البصر، والأسوأ من ذلك هو كل تلك الآلام المتراكمة على ضفاف قلبها اليانع. نندهش حينها كثيرًا، أيعقل أننا لم نكافأ بلحظة فرح واحدة؟ فنعود مرة أخرى وندرك أن لحظات الفرح كانت كثيرة. فذاك هو عدل الله، يقسم الفرح والحزن بالتساوي. ولكنها للأسف لا تترك انطباعًا لها عندما ترحل، على عكس الحزن، فل طالما كان هو سيد الموقف. يعرف جيدًا كيف يلتهم الفرح ويطغى عليه ليبقي هو ويتلاشى كل شيء عداه.
استرجعت أوراق ذاكرتها بهدوء، ليتها تستطيع إحراقها مثل هذا الخشب. ولكن أنى لها؟ فهي إن أحرقتها اليوم، ستعود لتنفض عنها الرماد غدًا. كمن أحيا بعد موته. *** نهضت قمر من نومها متأخرة بعض الشيء، وقررت المرور للاطمئنان على مليكة، ثم العروج على نورسين بعد ذلك، فكلاهما تركا الحفلة مبكرًا بسبب مرضهما.
وبالفعل، وصلت لمنزل مليكة التي رحبت بها بحرارة شديدة. وبعد القليل من الثرثرة، أخبرتها قمر أنها هي ونورسين قد رحلا مبكرًا بالأمس بسبب مرضهما. فاعتري مليكة القلق، فهي تتذكر جيدًا كيف شعرت بالتوعك مرة وهي معها عندما كانت في المستشفى بسبب إصابتها.
نعم، هي تعلم أنها طبيبة وبالتأكيد تعرف ماذا يجب عليها فعله، ولكنها تشعر بالقلق، فهي قد أحبت هاتان الفتاتان للغاية واعتبرتهما شقيقتيها اللتين أرسلهما الله ليعوضاها عن شقيقتها تاليا. هاتفت سليم لتأخذ منه الإذن في الذهاب، وبالفعل ارتدت ثيابها وتوجها سوياً للمشفى التي تعمل بها نورسين. فأدخلتهما الممرضة لغرفتها، ولكنهما سمعاها تتحدث بالهاتف.
نورسين: أنا عارفة إنه مينفعش أستنى أكتر من كده يا دكتور، وإن حالتي خطيرة، بس مش هينفع أعمل أي حاجة دلوقتي، فعاوزة حضرتك بس تجددلي الدواء لحد ما أظبط أموري. صمتت هنية تستمع لحديث الطبيب، ثم فجأة هتفت به بقلق: نورسين: لالا يا دكتور، مينفعش، مش عاوزة جوزي والولاد يعرفوا أي حاجة، وأنا بإذن الله هتصرف قريب. وبعد عدة دقائق، أغلقت هاتفها فوجدت قمر ومليكة يحدقان بها في هلع.
سقط الهاتف من يدها من هول المفاجأة. لم تحتج للتفكير كثيرًا، فمن الجلي تمامًا أنهما قد سمعاها. سمعت مليكة تهتف في قلق: مليكة: فيه إيه يا نورسين وإيه اللي سمعناه ده؟ زاغت ببصرها بعيدًا عنهما تجوب به أرجاء الغرفة توترًا. قمر: فيه إيه يا بت الناس عاد، ما تخبرينا متجلجيناش أكتر من كده. تمتمت نورسين بصوت مضطرب متلعثم: نورسين: هاه... لا... لا مفيش حاجة.
توجهت مليكة ناحيتها وأجلستها على الأريكة الجلدية الموجودة بالغرفة، وجلست الفتاتان بجوارها. ثم هتفت بها بحزم: مليكة: إحنا سمعنا كل حاجة يا نورسين، فمن فضلك متحاوليش تخبي، قوليلينا فيكي إيه على طول. أخفضت نورسين رأسها خجلًا وهمست في خفوت: نورسين: أنا تعبانة. هتفت قمر بنفاذ صبر سببه القلق: قمر: أيوه ما ده سمعناه... خبرينا بقى فيكي إيه. تابعت نورسين بصوت يقطر شجنًا: نورسين: الدكتور بيقول إن قلبي ضعيف ومش هيستحمل.
شهقت مليكة وقمر في هلع، ثم هتفت قمر في جزع: قمر: طيب ما تسافري... أيوه سافري بلاد برة أمريكا ولا أي مكان، الدكاترة هناك شاطرين واصل وهيعالجوكي زين. تابعت نورسين بألم: نورسين: مش عاوزة حد يعرف إني تعبانة. الولاد لو عرفوا مش عارفة إيه اللي هيحصلهم، وعاصم... عاصم ممكن يروح فيها. تألمت بشدة لدي ذكرها اسم شقيقها أمامها، ولكنها سرعان ما نفضت أفكارها وصاحت بها في غضب: مليكة: مشوفتش أبدًا حد بالغباء ده!
لما يعرفوا إنك تعبانة وتروحي تتعالجي وتخفي هيفرحوا، إنما إنتي مفكرتيش في رد فعلهم لما يعرفوا إن خلاص الأمل أمهم ضيعتوا بغبائها وخلاص كام يوم وتسيبهم. جفلت نورسين حينما أدركت صحة كلماتها. نورسين: كل ما أجي أقول مبعرفش. أشارت قمر لمليكة كي تهدأ قليلاً، فصاحت بها مليكة بحنق: مليكة: لا مش ههدي يا قمر علشان نور متخلفة وعاوزة اللي يفوقها. زفرت مليكة بغضب وأشاحت وجهها بعيدًا. فأردفت قمر بهدوء:
قمر: مليكة عندها حق يا نور، فكري في أولادك اللي لسه صغيرين، هيعملوا إيه وهيعيشوا إزاي من غيرك. هتفت بها مليكة بأمل: مليكة: أقولك، كلمي الدكتور خليه يشوف لك متبرع بره البلد، وأنا اللي هسافر معاكي، وأبقى قوليلهم في البيت مسافرة علشان مؤتمر ولا أي حاجة من بتاعة الدكاترة دي. تهللت أسارير قمر وهتفت في حماس: قمر: فكرة زينة واصل، وعيالك متخافيش عليهم، أنا هشيلهم جوة عيني الاتنين.
وبالفعل، هاتفت نورسين طبيبها واتفق معها على البحث عن متبرع في أسرع وقت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!