أُقيمت الحفلة وأُعد كل شيء. كان كل شيء رائعاً كما هي عادة حفلات شركة الغرباوي. كل شيء راقٍ وفخم للغاية. حضرها لفيف من كبار رجال الأعمال والمستثمرين المصريين، وحتى الأجانب أيضاً. والأهم من ذلك، كل أفراد أسرة أمجد الراوي وبعضاً من أفراد عائلة الغرباوي. على أحد الطاولات، هتفت قمر بسعادة تهنئ سليم وياسر والفتيات على نجاح الصفقة، داعية لهم بأن يزيد الله نجاحهم ويحفظ مجهوداتهم. فأمن الجميع خلفها.
ومن ثم تركهما سليم ومعه ياسر للتحدث مع أحد الأشخاص. حضرت نورسين وتوجهت لطاولة الفتيات اللتان رحبا بها للغاية، فقد تقربن كثيراً من بعضهن خلال الفترة الماضية. وبعد قليل من الثرثرة على ملابس بعض النساء الموجودات وتصرفاتهن، لاحظت مليكة أن قمر تكاد تنفجر غضباً من تصرفات ياسر ومزاحه مع الفتيات. فضحكت بأسي، فهي أكثر من يعلم شعورها. وتابعت مازحة: مليكة: خليكي هنا يا قمر مع نوري وهروح أجيبلكوا حاجة تشربوها. نفخت
قمر وجنتيها هاتفة بغضب: قمر: ماشي أديني جاعدة أهه. هروح فين يعني؟ عاد. أومأت مليكة برأسها باسمة في حبور وتوجهت لإحدى البارات الموجودة لتحضر لها بعض العصير لتهدأ قليلاً، ولكنها شاهدته. نعم، شاهدته.
ظلت تهز رأسها غير مصدقة لما ترى، فخُيل لها في بادئ الأمر أنه خيال من ذلك القلب الأرعن. ولكن ما أكد ظنونها هو رؤيتها لياسر يقف معه. شاهدته وتعرفت إليه بسهولة. وكيف لا تتعرف على ذلك الوجه الذي لن تنساه مادامت على قيد الحياة. ذاك الذي لطالما كان مصدر سعادتها وأمانها. ولكن اختلف كل ذلك الآن. فأصبح هو سبب شقائها وعذابها. أصبح هو سبب موت والدتها وحتى شقيقتها وحالتها الآن مع زوجها.
بدأت تشعر بالخطر الداهم الذي يحلق بها، وارتفع رجيفها بشدة كالإنذار. وبدأت أجراس الخطر تنطلق في عقلها تحثها على الهرب فوراً. حاولت الهرب، فهي تعلم أنه إن شاهدها سيتعرف عليها وبسهولة، فهي تشبه والدتها إلى حد مرعب. ولكن قد فات الأوان الآن، فقد شاهدها أمجد، لا بل استطاع التعرف عليها أيضاً.
وقف مدهوشاً يفتح عينيه ويغلقهما عدة مرات حتى يتأكد مما يرى. وما إن تأكد حتى جذب عاصم من يده وسار خلفها بسرعة، فقد بدأت في العدو هاربة مبتعدة عنه، فهي لن تقدر على المواجهة. لا تستطيع. انقبضت رئتاها وهي تخرج لحديقة هذا المكان الواسع. لا ذرة هواء حولها لتساعدها على التنفس. اختنقت وآلمها صدرها وأخذت تحاول التنفس بصعوبة. استندت على شجرة ما تقوي نفسها. والدها هنا. نعم، إنه هنا الآن. دهش عاصم مما يفعله والده،
فهتف يسأل في دهشة: عاصم: في إيه يا بابا؟ هتف به أمجد بلهفة بعدما اغرورقت عيناه بالدموع: أمجد: أختك... أختك يا عاصم... أختك هنا. مليكة هنا أنا متأكد. أوقف عاصم والده ومن ثم تابع شاعراً بالأسى على حالة والده: عاصم: ومليكة إيه اللي هيجيبها هنا بس يا بابا؟ أشار أمجد ناحيتها بلهفة: أمجد: أهي هي اللي بتجري هناك دي. روح إلحقها يا عاصم. هم عاصم بالاعتراض، فقاطعه أمجد برجاء متوسلاً: أمجد: علشان خاطري يا ابني.
لمست نبرة والده قلبه، فتركه وبدأ بالركض للخارج، فهو أسرع من والده كثيراً. وأخيراً استطاع الإمساك بها، فأمسك بيدها التي ارتجفت إثر لمسته. فقد أيقنت الآن بأنه لا يوجد مفر. حان وقت المواجهة وهي لن تهرب. سار أمجد في خطوات مسرعة ليستطيع اللحاق بابنته وابنه يسبقه، قلبه الذي أخذ يحلق من فرط سعادته بلقاء طفلته الغائبة. وقف أمامها يتطلع إليها بشوق وحب بالغين، هاتفا بلهفة وبصوت متقطع يتخلله الدموع:
أمجد: مليكة، انتِ مليكة بنتي. تطلعت إليه بجمود كالصخر، فهي لن تحن. لن تميل إليه. وكيف تحن وهو من تركها هي ووالدتها دون حتى أن يفكر بهما. تركهما ولم يتعاطف مع بكائها ولا نحيبها ولا تشبثها بثيابه ولا بدموعها. استقام جزعها وشبكت يديها أمام صدرها متحدثة بكلمات تقطر جموداً وقسوة: مليكة: أفندم حضرتك مين؟ هتف بها بحنان وشوق كل تلك السنوات: أمجد: أنا أمجد... أبوكي... أبوكي يا مليكة... أنا... أنا بابا يا حبيبتي.
هم بإحتضانها، فعادت هي خطوتين للوراء واضعة يدها أمامها لمنعه. ومن ثم صاحت به بغضب حنق وحزن امتلأ به صدرها وحُبست به روحها كل تلك الأعوام. بغضب أطفأ لمعة عيناها: مليكة: بابي... بابي مش موجود. بابي مات من 20 سنة. ضحكت بسخرية يتقطر منها قهراً كوى قلب ذلك الأب المعذب بفراق ابنته وتمزق شمل عائلته: مليكة: بابي مات لما سابني أنا ومامي وأختي.
تألم أمجد لحديث ابنته، فهو يعلم أنها محقة. يعلم أنه هو من تركها وتخلى عنها. يعلم جيداً مدى حماقته، ولكنه أدرك الآن مدى خطأه وهو الآن على أتم الاستعداد كي يعوض عن خطأه. فهمس بخفوت امتزج به الحزن مطأطأً رأسه خزياً: أمجد: يا بنتي أنا... صرخت به غاضبة بحدة:
مليكة: متقولش يا بنتي. أنا مش بنتك. بنتك اللي سيبتها من غير ما تفكر يا ترى هتعمل إيه من غيرك. بنتك اللي قعدت تتحايل عليك وتعيط علشان متسبهاش انت وعاصم وتمشوا وبرضوا مشيت. تابعت بصراخ باكية: تعرف إيه عنها...
هاه رد عليا تعرف إيه. تعرف إن ماما تعبت بعد ما انت مشيت وكانت بتموت علشان بتحبك وانت اتخليت عنها. وبناتك كانوا سامعين بودانهم قرايبنا وهم بيتفقوا هيعملوا فينا إيه لو ماما ماتت. اللي يقولوا هياخدوا واحدة فينا بس واللي يقولوا يودونا ملجأ. تعرف إيه عننا انت. تعرف اتبهدلنا قد إيه وحصل فينا إيه. تعرف بنتك دي كانت بتنام كل يوم وهي خايفة تقوم الصبح تلاقي نفسها في بيت تاني غير بيتها وفرقوها عن أختها. تعرف إن بنتك دي اتبهدلت
واشتغلت من وهي في إعدادي علشان ميطلبوش من حد حاجة. تعرف إن مامي ماتت من قهرتها وحزنها. وبناتك بقوا يتامى ولوحدهم في وسط الدنيا اللي مبترحمش ضعيف وابوهم واخوهم عايشين. تعرف إن بنتك تاليا ماتت. بنتك ماتت وهي ملحقتش تستمتع بحياتها. ماتت وهي لسة بتبدأ حياتها. ماتوا قبل ما أعرف أعوضهم عن البهدلة والحوجة ووجع القلب. ماتت قبل ما أعرف أداوي قهرها. ماتت وسابتني لوحدي هي كمان. حتى هي الدنيا استكترها عليا.
بدت الصدمة جلية على ملامح أمجد وشعر بغصة في قلبه، فلم يكن يعرف بأن لديه طفلة أخرى والآن فقدها كما فقد شقيقتها الأخرى أيضاً. أيكون هذا عقاب المولى على كسرة قلب تلك الفتاة التي أحبته وضحت بكل شيء لتكن معه. تابعت مليكة بألم: مليكة: ماتت وهي لسة بتبدأ حياتها من جديد. ماتت بعيد عني. أظلمت عيناها وصرخت به بألم يكسر قلبها قبل أن يكسره: مليكة: انت اللي موتها يا أمجد يا راوي. انت اللي قتلتها زي ما قتلت أمي. صاح بها عاصم بخزي:
عاصم: يا مليكة اسمعي. التفتت إليه صائحة به بكل غضب وقسوة: مليكة: وانت... يا عاصم يا خوي... يا راجلنا يا كبير... مجيناش على بالك ثانية مفكرتش فينا طيب مقلقتش علينا. صرخت فيهما باكية: مليكة: هاه ردوا عليا مفكرتوش في مرة كدا إننا ممكن نكون موتنا مثلاً أو محتاجين لكوا. وانت يا بابي بلاش إحنا... بلاش ولادك مش انت كنت بتحب مامي أوي موحشتكش محسيتش في مرة إنك نفسك تشوفها أو تتكلم معاها حتى. طأطأ أمجد وعاصم رأسيهما خجلاً،
فصرخت هي بغضب اجتاحه حزم: مليكة: بنتكم ماتت زي أختها وأمها بالظبط. انسوني وكأنكم مشوفتونيش. تركتهم وركضت إلى سليم الذي كان يبحث عنها بعينيه فوجدها تركض ناحيته. هتف بها بقلق ما إن شاهدها تبكي راكضة إليه بتلك الهيئة: سليم: مليكة انتِ كويسة. نست وقتها كل شيء. نست أنه يكرهها ويعتبرها سيئة. نست أنه قد طلب منها الابتعاد عنه وعدم الاقتراب أبداً. وارتمت في أحضانه تتشبث به بقوة وأخذت تبكي.
احتضنها سليم بقوة مربتاً على رأسها في رقة بالغة وهمس بها بحنان يعتريه القلق: سليم: اهدي يا مليكة... في إيه... إيه اللي حصل. همست به في خفوت متوسلة: مليكة: سليم ممكن نمشي من هنا... عاوزة أرجع البيت. ممكن. تابع بقلق: سليم: حاضر بس فهميني فيكي إيه. أردفت متوسلة في ألم: مليكة: عاوزة أروح. أحضر سيارته وأخذها وذهبا بعدما اعتذر من ياسر، عاصم -الذي لاحظ تغيره -والجميع متعللاً بأن مليكة مريضة قليلاً.
ظلت تبكي طوال الطريق، فتركها سليم ولم يتفوه بحرف. وصلًا إلى المنزل، فصعدت إلى غرفتها فوراً دون التفوه بحرف. ارتمت على فراشها وهي تبكي في حرقة وقهر. بعد وقت قصير صعد إليها سليم ليفهم ماذا حدث ولما تبكي بشدة هكذا. طرق الباب ففتحت مليكة وهي تنظر أرضاً. فهمس بها بهدوء بعد أن رأى أنها مازالت بثياب الحفل، فقط أطلقت لشعرها العنان من أثر حجابها فعلم أنها كانت تبكي. فسألها بهدوء: سليم: مليكة انتِ كويسة. أومأت برأسها في هدوء.
تابع هو بقلق: سليم: ممكن أفهم إيه اللي حصل في الحفلة وخلاكي تطلبي إننا نمشي بسرعة كدة. بدأت دموع مليكة في الانهمار مرة أخرى ولم تتفوه بحرف. فأردف بحنان مهدئاً: سليم: مليكة اهدي كفاية عياط وقوليلي في إيه. كانت نبرة الحنان التي كست صوته في تلك اللحظة مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، فارتتمت بين ذراعيه باكية بقوة وارتفعت شهقاتها وأخذ جسدها الصغير في الارتعاد.
زفر سليم بعمق واحتضنها بدوره هامساً بحنان بصوته الأجش عله يهدئ من روعها قليلاً: سليم: اهدي يا مليكة اهدي. همست بتوسل ورجاء يقطر من صوتها كاد يحطم قلبه: مليكة: سليم أنا عارفة إنك بتكرهني ومبتحبنيش وعارفة إنك عاوزني أمشي من كل حياتك خالص بس لو سمحت علشان خاطري. ثم هزت رأسها يمنة ويسرة متابعة بتوسل أكبر: لا لا أقولك علشان خاطر مراد متسألنيش أي حاجة أحضني... أحضني جامد وبس ومتسبنيش ممكن.
ودت لو تصرخ به بتوسل أكثر وتخبره وقتها بأنها لا تريد اتساع الأرض. فقط كل ما تريده هو ضيق حضنه. تنهد بعمق واحتضنها بقوة، كأنها قطة صغيرة خائفة. كانت ناعمة وهشة. أيقظت بداخله كل غريزة الرجال لحمايتها. احتضنها بشدة لتشعر بكفيه تمر على ظهرها. دفء بحر صدره الواسع أيقظ كل نيرانها على رجل تخلى عنها تاركاً إياها يتيمة في مواجهة حياة قاسية.
شعر بازدياد شهقاتها فاحتضنها ثانية بقوة أكبر يركنها إلى صدره الدافئ راغباً في محو كل آلامها التي لا يعرف سببها. حاولت الهدوء فتمسكت بقميصه بكلتا يديها تحاول منع دموعها من الانهمار بصعوبة لكنها لم تستطع فانفجرت لتغرق وجهها وتعالت شهقات بكائها وهي تغرق وجهها بصدره. بكت كثيراً جداً. بكت كل ما كبتته بقلبها طوال حياتها. بكت احتياجها وخوفها. بكت حبها وكرهها وغضبها.
بقيت تبكي وقتاً طويلاً وهو يحتضنها بكل صبر سامحاً لها بإغراق قميصه الأبيض بدموعها السخية.
يغرق يديه في بحر شعرها الهائج يتنفس رائحتها من غير أن يمنع نفسه. يعلم أنه حقير لاستغلالها هكذا ولكن رائحتها تجذبه. تجذبه تماماً كما تجذب النيران البعوض دون إرادة منه. عطرها مسكر ودافئ مثلها. كانت المسك. وكأنها تتفنن في فتنته حتى وبدون قصد. جسدها الضعيف يطلب حمايته. لا يعرف لماذا تفعل به هكذا. لماذا توقظ بداخله نمراً بقي حبيساً لسنوات لبرودة احتلت كيانه. ما الذي جعلها تجعله يعيش نشوة تسكره وهو يغمض عينيه يستقبلها بشوق دون أن يزعجه هذا كعادته عندما ترمي امرأة بنفسها عليه. ولكن فتاته مختلفة، هي لم ترمي بنفسها عليه إنما فقط نزلت دموعها ليعرض هو حضنه لها مجاناً وهو شاكراً لها أيضاً.
ربت على خصلاتها الناعمة هامساً برقة في صمت بصوت لم يصلها: إهدي... إهدي يا جنتي وناري. إهدي يا نعيمي وعذابي. ظلا على هذا الوضع فترة من الزمن هدأت خلالها شهقاتها العالية وتحولت لمجرد نهنهات خافت تخرج منها بين الفينة والأخرى. فقادها للفراش كي تخلد إلى النوم. تمسكت به أكثر ودفنت رأسها في صدره وكأنها تحاول أن تختبئ عن العالم أجمع. فهمست بألم بين بكائها وهي ترجوه بعينيها: مليكة: سليم متسبنيش. نظر إليها وكان بداخله حرب.
صمت لبرهة ثم حملها في هدوء بين ذراعيه ونام بها على الفراش. شد عليهما الغطاء جاذباً إياها بين ذراعيه. مسح وجهها في حب وحنان وطبع قبلة حانية على رأسها: سليم: ششششش خلاص انسى كل حاجة ونامي. أنا معاكي أهو. رفعت يدها لتحيط خصره وتقربه منها أكثر لتستشعر الأمان الذي يعطيه لها دائماً على الرغم من كل ما يحدث بينهما إلا أنه مصدر أمانها. ظلت متشبثة به هكذا طوال الليل لم تتحرك ولو لثانية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!