أنهت إعداد الحساء وصعدت لغرفته مرة أخرى بعدما تركت مراد مع ناهد. وضعته على الطاولة القريبة من الفراش ووضعت رأسه في حجرها، وهي تمسح على جبهته برقة بالغة، شاعرة بأنها قد امتلكت الدنيا بين يديها. تنهدت بعمق وهي تنظر إليه في وجل. كيف استطاع أن يكسب قلبها الذي أقسمت ألا تعطي مفتاحه لأحد من أبناء آدم؟ كيف استطاع أن يتوغل بين طيات روحها، في ثنايا عقلها بهذه الدرجة؟ مسحت على شعره في حنو وقلبها يهاتف قلبه:
"لقد كنتَ أنت محبوبي آخر الأبواب، وآخر السبل وآخر مركب للنجاة وكل الغرق." تنهدت بعمق وهي تدعو الله أن يشفيه سريعاً، وأخذت تطعمه الحساء في رقة بالغة. وبعد أن انتهت من إطعامه، بللت قطعة قماش قطنية ووضعتها على جبهته كي تخفض من درجة حرارته قليلاً. وفجأة سمعت هاتفها يرن. فأزالت عنه قطعة القماش تلك بعدما دثرته جيداً بالغطاء وخرجت لتجيب عن هاتفها. وما إن فتحت الخط حتى سمعت نورسين تصيح من الهاتف بذعر. نورسين: بابا...
بابا يا مليكة. صاحت بها مليكة تحاول تهدئتها والسيطرة على نوبة الذعر التي تواجهها. مليكة: نورسين اهدئي، أنا مش فاهمة منك حاجة، في إيه؟ تابعت نورسين بإضطراب واضح. نورسين: بابا يا مليكة... بابا أمجد. صرخت مليكة بهلع. لم تجد حتى عقلها كي يمنعها، فهو أيضاً كان قلقاً على والدها. مليكة: بابا... ماله؟ نورسين: بابا تعبان يا مليكة... تعبان أوي. سقط الهاتف من مليكة وركضت تلتقط مفاتيح سيارتها راكضة للخارج.
اصطدمت بها ناهد خارجاً فسألتها في قلق. ناهد: مالك يا بنتي رايحة فين كده؟ أردفت مليكة لاهثة باضطراب. مليكة: بصي يا دادة، سليم أمانتك، متسيبيهوش لحد ما أجي. ثم انطلقت في سيارتها ناحية منزل نورسين وهي تفكر.
لا، لن يموت. لن تسمح له بالموت أبداً، ليس الآن. لن تسمح له بالموت قبل أن تخبره بكلمات والدتها الأخيرة. لن تسمح له بالرحيل قبل أن تسمح لنفسها بقول تلك الكلمات التي اختزنتها طوال تلك السنوات. لن تتركه يموت قبل أن تبكي على صدره، قبل أن تلومه. تخبره بأنها غاضبة منه بشدة لتركها. الآن فقط اعترفت أنها كانت تنتظر رؤيته مرة أخرى، بل كانت مشتاقة إليه بشدة.
لم تعرف حتى كيف وصلت لمنزل نورسين سليمة، فقد كادت أن تقوم بمئات الحوادث في الطريق. ركضت للداخل تصرخ مستدعية نورسين في فزع. التي وجدتها جالسة في حجرة الاستقبال. أمسكتها مليكة من كتفيها وهزتها وهي تصيح بها في فزع. مليكة: مينفعش يموت، سامعاني؟ مش قبل ما أعاتبه. مش هيموت ويسيبني دلوقتي. كادت أن تنهار حتى وجدت والدها يمسك بها في حنان بالغ، متابعاً بتأثر بالغ. أبوكي أهو قدامك، اعملي فيه اللي انتِ عاوزاه.
ارتفعت شهقاتها وهي تدفن نفسها بين ذراعيه تبكي وتنتحب. بكت كل أيام حرمانها، حزنها وشقائها. بكت أيام وحدتها، بكت يُتمها، بكت فقدان والدتها وشقيقتها. بكت حتى جفت دموعها. بكت حتى ارتوى قلبها. حتى التأمت جروح روحها الغائرة. بكت حتى طوت تلك الصفحة السوداء من حياتها وللأبد. هدأت تماماً بين ذراعي والدها حتى استفاقت. استفاقت لنفسها فنهضت واقفة تطالعه في دهشة. مليكة: انتَ... انتَ كويس؟
ضيقت عيناها وهي تلتفت ناحية نورسين التي أخفضت بصرها سريعاً عن نظراته المتسائلة. فهتفت غاضبة. مليكة: نورسين ا... قاطعها عاصم الذي وقف يطالع شقيقته باسماً. عاصم: أنا اللي قولتلها يا مليكة. توجهت ناحية شقيقها وأخذت تدفعه للخلف في غضب. صاب كل غضبها عليه. لم تكن تعلم وقتها أهى تعنفه لأجل تركه لها أم لأجل حالتها في الطريق إلى المنزل. وفجأة احتضنها عاصم ليهدئها بين ذراعيه وسمح لها أن تبكي كيفما تشاء.
وهي حقيقة لم تدخر جهدها، فبعدما ظنت أن دموعها قد جفت، عاودت البكاء أكثر من ذي قبل. فحين يأتي الأمر للبكاء عزيزي، لن تجد أفضل من حواء. بعد بضع ساعات من لوم مليكة وعتابها وحتى بكاؤها، جلسا سوياً في حديقة الفيلا. سأل أمجد في حيرة. أمجد: أنا اللي عاوز أفهمه، اتجوزتي سليم إزاي؟ قصت عليه مليكة تلك الحكاية التي قصها سليم على عائلته. إنهما تقابلا في أحد المؤتمرات وتزوجا ومراد طفلهم، ولم تخبر أي أحد حقيقة مراد.
سأل عاصم في لهفة. عاصم: طيب وتاليا يا مليكة؟ نقلت أنظارها إلى قسمات وجه والدها التي ظهر عليها الشوق والجزع بقوة. أطرقت مفكرة لوهلة تنظم كذبة ما لتخبرهم بها. مليكة: أنا هقولكوا بس محدش يعرف باللي هقوله ده. أومأ الكل عدة مرات برأسهم موافقين. مليكة: تاليا اتجوزت حازم أخو سليم وماتت هي والبيبي وهي بتولد. أغمضت عينيها بتأثر شديد لتذكرها مظهر شقيقتها، ثم تابعت بجدية.
بس محدش من أهل حازم كان يعرف غير سليم، لأنه كان خاطب بنوتة في البلد وكان مستني الوقت المناسب علشان يفسخ خطوبته منها ويعلن جوازه بتاليا. أومأ أمجد برأسه في حزن وأردف عاصم في أسى بعدما غطى عسليتاه ستار من العبرات. عاصم: الله يرحمها. أخرجت مليكة هاتفها كي ترى والدها وشقيقها صورة لتاليا. ذرف والدها الكثير من العبرات، فنهضت مليكة لتحتضنه مخففة عنه ذلك الشعور البغيض الذي يعتريه الآن. الشعور بالذنب الذي يكاد يقتله.
الشعور بالألم يجثم على روحه، يكبلها، يمزق قلبه ليحطمه لأشلاء متناثرة. وكيف لا، فهي طفلته التي لم يراها، لم يعرف عن وجودها، لم يحتضنها، لم يخبرها كم هي طفلة رائعة. لم يحظَ بفرصته ليراها عروساً جميلة، ليسلمها لذلك الفارس المنتظر الذي سيختطفها منه. ولكن في تلك اللحظة، قد عزم العقد على تعويض مليكة. نعم، سيعوضها. سيعطيها كل الحنان والحب الذي حرمت منه كل تلك الفترة. عادت مليكة إلى منزلها بعد قضاء عدة ساعات في منزل والدها.
عادت إنسانة أخرى. عادت إنسانة تمتلك هوية. أصبح لها عائلة مرة أخرى. ازدادت قوةً على قوتها التي اكتسبتها من حياتها المستقلة. قابلتها ناهد القلقة على الباب. وحينما شاهدتها أردفت بهلع. ناهد: كنتي فين يا بنتي؟ قلقتيني عليكي وموبايلك مفصول. انتِ كويسة؟ احتضنتها مليكة بحبور لتهدئ من روعها. مليكة: أنا كويسة يا حبيبتي، بس كنت في مشوار مهم وأسفة علشان قلقتك. ثم سألتها على سليم، طمأنتها ناهد كثيراً على حالته.
فتوجهت لغرفته لتقضي بجواره كل الليل بعد تبديل ثيابها والإطمئنان على مراد. في صباح اليوم التالي. هاتفتها خيرية لتبارك لها مقابلة والدها وشقيقها. فذهلت مليكة بعدما سألت في توجس. مليكة: انتِ عرفتي إزاي يا نانا؟ تابعت خيرية باسمة بثقة. خيرية: واه، هو أبوكي مخبركيش ولا إيه؟ أبوكي وأبو سليم كانوا صحاب أكتر من الأخوات، يعني أني اللي مربية أبوكي وهو جالي بعد ما عرف طوالي.
وبعدين، مجاصيصي البيض دول مش بالساهل كده يا بنيتي. أني كنت حاسة من لما شوفتك إني أعرفك. عينيكي مكانتش غريبة واصل. ابتسمت مليكة في حبور وهمت بالتحدث حتى أردفت خيرية. خيرية: طبعاً سليم ميعرفش أي حاجة لسه. أردفت مليكة بإضطراب متوجسة. مليكة: أيوة يا نانا، أنا لسه مقولتلهوش وهو ميعرفش حاجة. أردفت خيرية بهدوء لتطمئنها. خيرية: وأني معرفتش حاجة من الأصل، متجلجيش يا بنيتي. بس لازم تجوليله في أجرب فرصة.
تنهدت مليكة بعمق وهي تردد. مليكة: حاضر... هقوله. بعد عدة ساعات، حضرت مليكة إفطار سليم ودلفت له لتطعمه في هدوء. فقد انخفضت درجة حرارته عن الأمس بعض الشيء، ولكنه لا يزال لا يشعر بها. فقد كان أحياناً يفتح عينيه قليلاً ليطالها بنظرات غريبة عنها. خُيل لها أنه حب، ثم يغمض عينيه مرة أخرى دون أن يتفوه بحرف. وأحياناً أخرى يهمهم بكلمات غير مفهومة. مليكة... مراد... حازم... مينفعش... بحبها... كدابة.
ولكنها لم تفهم أي شيء مما يقصد. حتى بدأ في استعادة وعيه بعد مرور بضع أيام. فقرر الإذعان لمليكة بعدم الذهاب للشركة ومباشرة عمله من المنزل حتى يستعيد عافيته. فهاتفاته خيرية لتطمئن عليه. وبعد السلامات، أردفت هي توصيه على مليكة. خيرية: خليك أمانها يا ولدي. أردف سليم بعدم فهم مازحاً. سليم: قصدك إيه يا حاجة عاد؟ أردفت هي بثبات. خيرية: أمانها يا ولدي. عارف يعني إيه أمان للست؟
يعني لما تيجي تطلب منك طلب تطلبه وهي مش خايفة مهما كانت هيفته. يعني لما تجولك علشان خاطري تكون خابرة إنها ورطتك لأنك مش هترفض طلبها. يعني لما تغلط يا ولدي تحكيلك انتَ أول واحد مش خوف، لع حب وأمان. ولما تعمل حاجة جديدة تاخد رأيك فيها وهي واثقة إنك مش هتبخل عليها بيه. يعني متتألتش عليها لو اتخنقت شوية. ولا هتشمت فيها لو فشلت في حاجة. يعني تكون أول واحد بترفع ثقتها في حالها ومتحسش بوجودها إلا معاك انتَ وبس مش العكس.
يعني لما تنام وهي قاعدة من التعب، تبجي واثقة إنك هتغطيها. إنك هتسكت الكل عشان هي ترتاح علشان راحتها تهمك. يعني لما تتعب، تبجى عارفة إن حضنك مفتوحالها. وإنك وقت أزمتها هتجف جنبها حتى لو كنت واخد على خاطرك منها. يعني تلاقيك لما تحتاج تشوفك. يعني لما أني ولا عمتك ولا أي مخلوق نسألوك مراتك عاملة إيه معاك، تجولنا الحمد لله مبسوطين حتى لو فيه مشاكل بينكم وبين بعض.
يعني يا ولدي تبجي صاحبها قبل حبيبها وحبيبها قبل جوزها وجوزها قبل ما تكون أبو ولادها. تكون سندها، ظهرها اللي بتتحامى فيه. وقبل كل دول، أبوها. أبوها اللي متخافش ولا تتكسف منه. صدقني يا ولدي، دي اللي بتدور عليها أي حرمة في الدنيا، واللي لما تلاقيها بتبيع الدنيا كلها عشانه. لما تلاقيها مش هتنكد عليك، مش هتنام كل يوم ودموعها على خدها، مش هتكره الجواز وأنها ست. لع والله يا ولدي وشها هينور كل يوم عن اليوم اللي قبله.
هتمشي تتفاخر بيك وتجول: يا ريت كل الرجالة جوزي مكنش هيبقي فيه حرمة حزينة واصل. خليك أمانها يا ولدي، هتكون سندك طول العمر. فهمتني عاد ولا لأ؟ لمست كلمات جدته شغاف قلبه وحركت آخر جزء كان يعاند من الانجراف في تيار حبه لمليكة. ولكنه أردف مازحاً. سليم: واه يا حاجة، من ميتي وانتِ بتجولي شعر؟ أردفت خيرية باسمة بأسى. خيرية: ده مش شعر يا ولدي، ده اللي سيدي وسيد البلد كلها. جدك الله يرحمه علمهولي طول عمره معايا كده.
خدني وأنا بت 15، رباني على يده. كان أبويا قبل أي حاجة تانية. عمره ما جالي كلمة شينة واصل. حبه كان زي الزرعة الصغيرة جوه قلبي اللي كانت بتكبر كل يوم. كان بيسقيها حب واهتمام وأمان. فهمت قصدي يا ولدي؟ أردف سليم باسماً بسهادة. سليم: فهمت يا حبيبتي، فهمتك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!