شعرت بذراعيه وهي تقاومه لتفلت منه ويهتف بها في اعتذار وندم بالغ. سليم: أنا آسف. آسف. هزت رأسها وخدها يؤلمها. ضحكت بسخرية ممزوجة بالقهر. مليكة: لأ، إنت مش آسف يا سليم. حاول أن يلمس كتفها ليهدأها، فنفضت كتفيها وابتعدت عنه خطوة وتابعت في حنق. مليكة: سيبني لو سمحت. تحدث بصوت عميق تخنقه المشاعر. سليم: لأ يا مليكة، إنتِ كنتي بتقولي حاجات كتير جداً مش مظبوطة، ومكنش قدامي غير الطريقة دي علشان أسكتك بيها.
ابتسم ابتسامة جانبية غلى لها الدم في عروقها حتى سمعته يتحدث. سليم: هي مكنتش الطريقة الوحيدة، أه، بس أعتقد إنك كنتي هتكريهي التانية أكتر بكتير جداً. أردفت تسأل بعدم فهم. مليكة: طريقة... طريقة إيه؟ اتسعت ابتسامته بتمهل خطف قلبها. سليم: أكيد إنتِ تعرفي إني لو كنت... لو بوستك دلوقتي كنتي هتسكتي برضوا، بس أعتقد إن في حالتنا دي كانت هتنيل الدنيا أكتر. ازداد احمرار وجنتيها على احمرارهما من الصفعة، وابتعدت بعينيها عنه خجلاً.
فأردف هو محاولاً تخفيف حدة الجو بينهما. سليم: ابتسمي يا مليكة، ابتسامة واحدة ليا. بلاش ليا، على الأقل علشانك إنتِ... إنتِ أجمل من إنك تضايقي. مسحت مليكة دموعها التي كانت دموع صدمة أكثر منها ألم. مليكة: أنا آسفة، أنا مش في الطبيعي، هستيرية كده. ابتسم سليم في مكر. سليم: وأنا في الطبيعي بختار الطريقة التانية. ابتسمت في خجل، فتابع هو بجدية.
سليم: اللي مريتي بيه في الفترة اللي فاتت مكنش سهل، علشان كده مش من المفروض إنك تكتمي جواكي كده. أعطاها إحدى ابتسامته الرائعة وهو يتحدث. سليم: ودلوقتي بقى يلا علشان نروح نبوس مراد ونقوله تصبح على خير. أومأت برأسها موافقة وعدلت حجابها وقالت بصوت مختنق. مليكة: شكلي بشع أكيد. عمد بيديه القويتين إلى وجهها ليمسح لها دموعها، وبشكل غريب وجدت لمسته لذيذة. فأردف باسماً. سليم: إنتِ حلوة في كل أحوالك يا مليكة.
ابتسم بمرارة وهو يتحدث. سليم: مستغربة من كلامي صح؟ حدقت به في دهشة. مليكة: أنا ليه؟ أردف هو بسهولة. سليم: إنتِ عاملة زي الألغاز المعقدة بالظبط، في لحظة بفتكر نفسي عرفت حلك وعرفت إنتِ إيه بالظبط... وفي لحظة تانية بلاقي نفسي مضطر أراجع كل اللي كونته عنك... إنتِ إيه يا مليكة؟ إنتِ بريئة وساذجة ولا ست ليكي خبرات وتجارب؟ لم تتفوه مليكة بحرف، بل تطلعت إليه بعينين صادقتين ومعذبتين أيضاً.
شاهدت وجهه يتصلب من جديد وعادت البرودة إلى عينيه، حتى أنها كرهتها. كيف يمكنه أن يتحول إلى قاسي وبارد ومؤلم لهذه الدرجة؟ وتساءلت في دهشة ممزوجة بالمرارة. مليكة: كيف تتحول نظراته بتلك السرعة؟ أردف هو بصوت أجش. سليم: لو كنتي جاهزة يلا علشان نروح نشوف مراد ونطلع لسلمي، لأنه مينفعش نسيبها كل ده. مليكة: حاضر، يلا بينا. وتوجها سوياً إلى غرفة مراد الذي كان في غاية السعادة، وخصوصاً عندما شاهد دادي المحبوب.
فترك أميرة المربية وركض نحوه. شاهدت مليكة كيف تتبدل ملامح سليم بجواره. كيف يصبح ذلك الأب الرائع الحنون؟ جثى على ركبتيه ليحمله وأخذ يلعبان سوياً. كانت رؤية مراد بهذه السعادة كفيلة بأن تجعل مليكة تتحمل ألم وقهر وظلم العالم أجمع. يال للسخرية، فمن يراهم هكذا يظن أنهم عائلة رائعة سعيدة... وكم سيكون مخطئاً. وقفت تتذكر نفسها حينما كانت صغيرة، كيف كانت تركض ناحية والدها حين عودته من العمل...
وكيف كان يحبها والدها ويدللها، وحتى شقيقها الذي لم يكن يختلف عن والدها كثيراً. تنهدت في ألم وشوق وعادت إلى أرض الواقع. فأردفت بهدوء. مليكة: سليم، معلش أنا هسيبكوا دلوقتي وأروح ألبس علشان ننزل على العشاء. أومأ برأسه في هدوء. سليم: تمام، بس متتأخريش. أومأت مليكة برأسها، ثم قبلت مراد وتوجهت إلى غرفتها. قررت مليكة أن تظهر بأبهى حلة، فهي لن تترك الفرصة لتلك السلمي أن تتفوق عليها.
اختارت واحداً من أجمل الفساتين التي كانت ترتديها أثناء عملها كعارضة، وكان من بين القليل الذي لم تبيعه. كان فستاناً باللون البنفسجي القاتم يصل حتى ركبتيها بأكمام طويلة ولكنه عاري الأكتاف. يضم انحنائات خصرها النحيل ويبرز معالم جسدها. عقصت شعرها في كعكة غير مهندمة فأخرجت منها بعض الخصلات العشوائية على وجهها.
وارتدت حذاء خفيف للمنزل مزركش بالورود بدرجات البنفسجي، ووضعت أحمر شفاه قاتم بلون الفستان مما أبرز معالمها، ورشت بضع رشات من عطرها المفضل. لقد كان حقاً هذا الفستان يناسبها، فهو يظهر لون بشرتها البيضاء وعينيها التي اتخذت من البحر لونه، وأيضاً شعرها الناري الذي ورثتهم عن والدتها رحمها الله. هبطت إلى الأسفل في هدوء. كانا سلمي وسليم مستغرقين في الحديث حينما دلفت إلى حجرة الاستقبال.
تسللت رائحة عطرها القوية الرائعة إلى أنف سليم. فالتف برأسه ووقف في حركة سريعة وعيناه تتجولان بذهول فوق جسدها. كانت المرة الأولى التي يعترف بها بطريقة ما بأنها تجذبه. نعم، لقد أخبرها من قبل، ولكنه قالها بطريقة باردة. أما تلك النظرة في عينيه الآن، فهي نظرة رجل لامرأة يجدها مرغوبة. هو لا يستطيع أن ينكر أبداً أنها فتاة صوّر الله لحظها ليهتك أستار القلوب به عمداً.
تسللت لثغرها ابتسامة ثقة بعدما استقام جزعها في غرور، وأردفت باسمة بأدب. مليكة: آسفة جداً لو كنت اتأخرت عليكوا. تقدم منها سليم وهو يجذبها بين ذراعيه ليطبع قبلة هادئة على وجنتها. سليم: اعذريني يا سلمي، بس لازم أقول لمراتي إنها حلوة جداً. ابتسمت سلمي بسخرية. سلمي: أكيد طبعاً، ليك حق. تابع هو بهدوء. سليم: مليكة، خليكي مع سلمي لحد ما أروح أعمل مكالمة مهمة، مش هتأخر.
نظرت مليكة إلى سلمي بعدما خرج سليم وسألت في هدوء محاولة تكوين أي حديث كصاحبة المنزل. مليكة: ها، إيه أخبار شغلك؟ سلمي: كويس، حتى لو مكنش ماشي حاله أوي، بس أهو أحسن من القعدة في البيت... أصل قعدة البيت بتخنقني. رمقتها بإزدراء واضح وأردفت بإستهزاء وهي تضع قدماً على أخرى في غرور. سلمي: عارفة، أنا مش متخيلالك في دور الأم وربة الأسرة والكلام ده. مش عارفة أفكر فيكي كده خالص. رفعت مليكة حاجبها بتحدي وتابعت بنزق. مليكة: بجد؟
مكنتش أعرف إنك بتفكري فيا أصلاً. تابعت سلمي بوقاحة جفلت لها مليكة. سلمي: الحقيقة لأ، بس اندهشت لما شوفتك هنا. وأكيد سليم مش هيخلي مراته تشتغل. أكيد كنتي تعرفي حازم، كان وسيم أوي وبتاع ستات جداً... بس مش زي سليم. سليم غيره خالص، يعني سليم ده مثال كده للرجولة، ميكس فظيع من الراجل الشرقي الصعيدي والراجل الإسباني، ولو إن الاتنين ميختلفوش عن بعض كتير. أردفت مليكة بثبات حاولت جاهدة ألا يسيطر عليها غضبها.
مليكة: اللي إنتِ بتتكلمي عنه ده يا سلمي، يبقى جوزي. تابعت سلمي بتحدي. سلمي: أه، أكيد عارفة، بس ده مينفعوش إنه يشوف ستات جميلة. ابتسمت مليكة ساخرة. مليكة: لسة زي ما إنتِ متواضعة جداً يا سلمي. عارفة إنتِ بالتواضع اللي عندك ده هتنجحي في مهن تانية كتير أكتر من الأزياء. ابتسمت سلمي بخبث.
سلمي: أكيد مش ناوية أفضل عارضة كده على طول يا مليكة. أنا هبقى ذكية زيك وأدور لنفسي على راجل غني أتجوزه. بالمناسبة صحيح، اتقابلتوا إمتى وفين؟ يعني إنتِ لا بتحضري حفلات بتاعتنا ولا بتخرجي خروجاتنا. لقيتيه إزاي؟ اعتدلت مليكة في جلستها وأردفت باسمة بثقة. مليكة: مش أنا اللي دورت، هو اللي لقاني. رفعت سلمي حاجبها متسائلة في هدوء. سلمي: بجد؟ وبقالكوا قد إيه متجوزين؟ رد عليها سليم وهو يدخل إلى الغرفة.
سليم: من فترة مش طويلة أوي، مش كده يا حبيبتي؟ وابتسم لها، فاحمرت خجلاً إثر نظراته المتفحصة، وحاولت أن تبادله الابتسامة. مليكة: صح يا سليم. تعلم مليكة تماماً أن تمثيل الحب أمام الناس هو من شروطهما، ولكنها أحست بالتوتر لتمثيلها هذا الدور وخصوصاً أمام سلمي، نافذة البصر. سألت كي تخفف توترها. مليكة: مراد كان نايم لما نزلت هنا؟ بدت على وجهه ابتسامته الرائعة تلك، الإبتسامة التي لا تظهر إلا حينما يفكر بمراد.
سليم: أيوة يا حبيبتي، وكان جميل زي مامته بالظبط. مليكة بخجل: شكراً. سليم: أنا مبقولش غير الحقيقة يا حبيبتي. تقدم لإصطحاب زوجته. سليم: مش يلا علشان العشاء بقى ولا إيه؟ الفتاتان: يلا. تشبثت مليكة بذراع سليم وسارت سلمي الحانقة أمامهما. بعد تناول العشاء، دلفا سليم وسلمي إلى غرفة المكتب ليناقشا بعض أمور العمل على حد قول سليم. أما هي، فاعتذرت وصعدت لغرفتها.
بدلت ملابسها وأخذت تتقلب على فراشها كأنها تتقلب على الجمر محاولة في النوم. عندما سمعت محرك سيارة سليم. إنها الواحدة الآن، لقد مضت ساعتان منذ خرج ليوصل سلمي إلى منزلها. لا يلزمها الكثير من الوقت لمعرفة ماذا حدث في هذا الوقت. نهضت غاضبة من نومتها. فجلست على الفراش وأنزلت قدميها إلى الأرض تتلمس بهما السجادة السميكة الموضوعة أسفل فراشها. ثم هتفت غاضبة لنفسها.
مليكة: لأ، أنا لا يمكن أسمح باللي بيحصل ده. أنا لا يمكن أسمح لأي حد إنه يقول متجوز وسايب مراته علشان يروح لواحدة تانية. نهضت غاضبة عندما سمعت خطواته الخافتة الثابتة في الغرفة المجاورة. من شدة غضبها لم تطرق الباب، لم تتذكر ثياب نومها الرقيقة للغاية، فكان غضبها قد وصل مبلغه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!