تقدم سليم ناحيتها وهو يحمل مراد وبجانبه تلك المرأة. كبّت مليكة شهقة بعدما تعرفت إلى وجه تلك الشقراء الجميلة سلمي. اتسعت عينا سلمي بدهشة حينما رأت مليكة، التي أخذت تدعو الله داخلها أن يمرر هذه الزيارة على خير وألا ينكشف سرها. برقت عينا سلمي بينما تتمتم بدهشة: مليكة! إزيك يا حبيبتي؟ وبتعملي إيه هنا؟ أطرقت مليكة مفكرة لوهلة ثم تابعت متسائلة بعدما رفعت حاجبها بمكر: إنتِ أكيد مش مربية أمير سليم الصغنن؟
احمر وجه مليكة بقوة، فهي وسلمي لم تكونا صديقتين، بل كانت سلمي صديقة تاليا في مجال عرض الأزياء. ودائماً ما كانت مليكة تحذر تاليا منها، فهي فتاة لاذعة متقلبة، إلا حينما تكون في صحبة رجل وسيم. ردت مليكة بهدوء وهي تنظر بحدة إلى زوجها: لا يا سلمي، أنا مش المربية ولا حاجة. توقف سليم عن ملاعبة مراد وأخذ ينظر إليهما. تابع بمليكة بنبرة خُيل لها أنها نبرة فخر، ولكن سرعان ما غيرت رأيها: لا يا سلمي، مليكة تبقي مراتي وأم مراد.
تساءلت سلمي بدهشة: مراتك؟ مليكة تبقي مراتك؟ إنت قولت إنك فعلاً اتجوزت بس مش مليكة، ومن الواضح يعني من عمر مراد إنكوا تعرفوا بعض من مدة... علشان كدة اختفيتي يا مليكة؟ حدق بها سليم مستغرباً وأردف متسائلاً في دهشة: إنتو تعرفوا بعض منين؟ استراحت سلمي في جلستها وكأنها تستخف بمنافستها مليكة وبشدة، وتابعت باسمة بمكر: حكاية طويلة أوي يا سليم. وضع سليم مراد على قدميه وتابع باسماً باهتمام: أحب أسمعها جداً.
ابتسمت مليكة بتوتر لإحدى الخادمات التي جاءت حاملة صينية عليها ثلاث أكواب من العصير. فأعطاها سليم مراد: خدي مراد معاكي يا أميرة، وشوية وهنحصلك. جلس هو بعدما أعطى الأكواب للسيدتين: هاه، قوليلي يا سلمي تعرفوا بعض منين؟ ارتشفت سلمي قليلاً من كوبها ثم تابعت باسمة: إزاي متعرفش وأنا ومراتك كنا شغالين في مجال واحد على الأقل من وقت طويل... إنت متعرفش إنك اتجوزت واحدة من أشهر العارضات ولا إيه؟ ضحكت بصخب ثم أضافت بمكر:
أنا طبعاً مش عارفة أشكرك إزاي، المنافسة كدة قلت كتير. رد سليم من دواعي اللباقة: لالا، إنتِ مينفعش تخافي من المنافسة، إنتِ جميلة طبعاً. كادت مليكة أن تنفجر غضباً من كلام زوجها، وزمت بشفتيها في استهجان متبرمة بغضب: لا، حنين أوي مع كل الستات وعندي أنا بتقلب. أردف سليم باسماً بأدب: طبعاً يا سلمي، إنتِ هتتعشي معانا. أردفت سلمي باسمة بانتصار خفي شعرت به في عينيها: شكراً يا سليم، بس مش عاوزة أكون متطفلة وتقيلة عليكوا.
ثم أردفت باسمة بمكر: لو بس مليكة معندهاش مانع، فأنا هاخد منك جوزك الحلو دا شوية. استفاقت مليكة من خيالها التي تخنق فيه سلمي بيديها الاثنتين على لهجتها الوقحة. هي صحيح قد تكون موجودة في هذا المنزل رغماً عنها، ولكنها لن تبدو أبداً كالغبية. ثم أردفت متسائلة في ضيق بعدما نفخت أوداجها بطفولية: ياترى سلمي بالنسبالك إيه يا سليم؟
ولو فعلاً زي ما أنا حاسة، فمش من حقك أبداً تجيبها البيت. زيارة حبيباتك البيت مكنش جزء من اتفاقنا ولا عمره هيكون. قررت مليكة الرد. فابتسمت بأدب: أكيد لا يا سلمي، إنتِ منورانا. أومأت سلمي برأسها في مجاملة بينما ترتشف من مشروبها، الذي سرعان ما وضعته جانباً وأردفت في تعاطف مبتذل: صحيح يا مليكة، البقاء لله. مجتش فرصة أعزيكي في تاليا. اتضايقت أوي لما عرفت.
شعرت مليكة بغصة في قلبها إثر تذكرها شقيقتها الراحلة، حتى تكون ستاراً من الدموع أمام زرقاويتيها. "آه يا شقيقتي وجعي بك... مثل وجعي على ضفاف النيل... مثل نزف الشام على الثرى... مثل دمع بيروت على أهلها... مثل وجع يتيم لا يعرف إلا الأنين بيوم العيد. ولكن ما يمني قلبي ويصبر نفسي هو أن الوداع لا يقع إلا لمن يعشق بعينيه، أما ذلك الذي يحب بروحه وقلبه فلا ثمة انفصال أبداً." تابعت مليكة لتزيد ألمها بأسى:
تاليا كانت واحدة من أجمل البنات اللي عرفتهم. أفزعت مليكة حينما تذكرت سليم ونظرت ناحيته بتوتر، فسلمي لا تعرف مطلقاً خطورة الموقف الذي تخوض فيه. ثم أردفت في اضطراب جلي تماماً: الله يرحمها. وحاولت تغيير الموضوع بسرعة: أنا شفت صورك اللي نزلت وإنتِ في باريس، كانت حلوة جداً بجد... المصور كان آدم مش كدا؟ تجاوبت سلمي مع الإعجاب بشدة:
أيوة، هو كان المفروض تاليا هي اللي تصور السيشن دي، بس اعتذرت في اللحظة الأخيرة، أعتقد لأنها تعبت. كان سليم يراقبهما بعدم فهم، وتقلبت مليكة في مقعدها قلقاً. وأومأت برأسها في هدوء وهي تتمتم بتوتر: صح. اعتدلت مليكة في مقعدها، فتابعت سلمي متسائلة: أنا عرفت إنها تعبانة، بس مكنتش أعرف من إيه.
علمت مليكة أن وجهها شحب، ولكنها لم تستطع أن تخفي حزنها. فقد مر وقت طويل حقاً، ولكن الذكرى لا تزال تؤلمها، ولم يتجرأ أي أحد أن يسألها كيف ماتت تاليا. أخذت تشرح مقطوعة الأنفاس: كانت... كانت تعبانة قبل ما تموت بكام شهر. سلمي: أيوة منا عرفت، بس إيه سبب تعبها يعني؟ حاولت مليكة التفتيش عن عذر مناسب كي لا تنكشف. وهنا تدخل سليم لإنقاذها دون أن يدري، فاعتذر بأدب:
معلش يا بيسان، أعذرينا دقايق. هنروح نطمن على مراد وننيمه ونرجعلك تاني. ابتسمت سلمي في أدب بعدما أومأت برأسها: أكيد، اتفضلوا طبعاً. سحب سليم مليكة من يدها بقوة وهو يقودها إلى الداخل، ولكنه أدخلها غرفة نومه بدلاً من غرفتها. قال وعيناه تبرقان: من تاليا دي؟ مليكة: دي... دي... دي كانت واحدة صاحبتي. وهنا سأل سليم في اضطراب: وكنتوا قريبين زي ما أنا فهمت؟ أومأت مليكة برأسها وتابعت بتبرم واضح: أيوة بالظبط... كويس كدة.
سليم: لا مش كويس، حازم كان يعرف بنت اسمها تاليا وكانت عارضة أزياء برضوا. حدقت به مليكة بفزع. إذن لقد ذكر حازم اسم شقيقتها، لذلك عليها أن تكون أكثر حذراً أو ستقع بنفسها عما قريب. صمت هنيهة ثم نظر إليها باشمئزاز: إيه، كنتوا بتبدلوا الرجالة مع بعض؟
ثارت زرقاوتيها شجناً كمتوسط عروس البحر في ليالي الشتاء الحزينة، ثم تابعت بحزن تخلله غصة ألم اعترت قلبها، ولكنها لم تستطع تحديد السبب تحديداً، أ من كلماته أم إثر ذكرى شقيقتها الراحلة. مليكة: أكيد لا طبعاً. فعلاً، حازم وتاليا كانا مرتبطين لفترة، بس سابها وأنا معرفتش غير لما اتجوزت حازم. حاولت تغير الموضوع فتذكرت سلمي وغلي الدم في عروقها، فصاحت به غاضبة: ياريت بقي حضرتك تقولي إيه اللي جاب البتاعة دي، أقصد سلمي، هنا...
ولا إنت عادة بتستقبل عشيقاتك هنا؟ صمتت هنيهة وهي تراقب نفور العرق النابض الموجود بجبهته، ثم تابعت صائحة بغضب: لو دي من عاداتك، فإنت لازم تغيرها وتبقي تقابلهم في أي حتة... علشان إذا كنت إنت مبتهتمش لرأي الخدم، فأنا بهتم وجداً كمان. الصمت الذي ساد كاد يحطم الأعصاب. ظنت مليكة أن سليم لم يسمعها في بادئ الأمر، ولكن ازدياد النبض فوق أوداجه دليل على سماعه التام لها. ازداد توترها بازدياد الصمت.
وأخيراً قرر سليم قطعه، فهتف سائلاً بعدما ارتفع حاجبه بدهشة: إنتِ فاكرة إنها عشيقتي؟ صاحت بغضب حاولت السيطرة عليه: مش محتاجة يعني يا سليم بيه، علاقتكوا واضحة وجداً كمان. هي مكنتش تعرف إني مراتك، فأكيد مكنتش جاية تشوفني. أردفت بسخرية خرجت منها إرادياً: نحمد ربنا إنها عارفة أصلاً إنك متجوز. ازداد غضبها، فاحمر وجهها وارتفع صوتها وهي تحدثه: ولا كانت فاكرة إننا المربية كمان. ابتسم سليم ابتسامة ارتفع لها وجيفها بعنف...
ابتسامة كادت تنسيها كل شيء، وأردف في هدوء: مش غريب على فكرة، دا شيء متوقع... إنتِ فعلاً شكلك زي المربية العذراء. صاحت به بغضب: نعم؟ أردف هو ببراءة كادت تدق عنقه لأجلها: دي كانت رواية لكاتب اسكوتلاندي. كادت مليكة أن تنفجر غضباً لهدوئه وأسلوبه غير المبالي، فأردف هو باسماً: ستات كتير يعتبروا اللي قالته دا مجاملة حلوة يا مليكة. صاحت بغضب وهي تضغط على كل حرف تخرجه:
أنا مش زي كل الستات، وكلامها دا مكانش مجاملة بالمرة، دي كانت قاصدة، وقاصدة جداً كمان. ضحكتها البريئة مدخلتش عليا، أنا أعرفها من زمان بالقدر الكافي اللي يخليني أقول إن كل كلامها دا كانت عاوزة بيه تطلعني واحدة قليلة، ونجحت الحقيقة. ابتسم سليم ابتسامة خفية، ولكنه سرعان ما سيطر عليها وتابع بجدية: مفيش داعي إنك تحسي إنك كدة، ومتقلقيش، أنا عارف بيسان كويس، بس دا ميسمحلكيش تقولي إنها عشيقتي، هي كانت صاحبة حازم.
اتسعت حدقتاها وصاحت بدهشة: واحد تانية؟ أومأ سليم بأسى: للأسف. أردفت غاضبة: ودلوقتي صاحبتك إنت مش كدا؟ صاح بها سليم بغضب ونفاذ صبر: وقت موت حازم هي كانت في ألمانيا ولسة راجعة... فجتلي الشركة تعزيني، وملقتش غير إني أعزمها على العشا، ولما جت طلعتوا تعرفوا بعض. تمتمت مليكة متصلبة: أنا مش محتاجة شرح. كل اللي بقولهولك عشقيقاتك ميجوش هنا، على الأقل علشان شكلي قدام الناس اللي هنا. تقدم منها سليم في خطوة مهددة وهتف بغضب:
قولتلك سلمي مش عشيقتي، وياريت تكوني مؤدبة أكتر من كدا مع ضيفة في بيتك. صرخت به في عنف: دا مش بيتي يا سليم، أنا بس مسموحلي أقعد فيه. هدأت نبرتها حينما رأت نظراته المخيفة وتابعت في هدوء: عمتاً أمرك يا سليم بيه، أنا هتحمل فكرة وجودها هنا علشان دا مش بيتي، وهعاملها في حدود الضيافة، لكن متطلبش مني إني أحبها، لأني آسفة مش هقدر... لأني مبحبش بيسان ومش هحبها أبداً. زم شقتاه بنفاد صبر وأردف بحنق: بلاش شغل عيال يا مليكة.
اتسعت حدقتاها بعدما ارتفع إحدى حاجبيها وتمتمت بغضب: أنا عيلة بقي؟ شعرت وكأن ضغط كل الفترة المنصرمة وكلماته لها، وغضبها من تلك سلمي، وحزنها لفراق تاليا، وحزنها لفقد والدها وشقيقها، أو حتى غضبها، لا تعرف قد تجمع وانفجر الآن كل ذلك. فصاحت بحنق:
متفتكرش إني هبلة ومش عارفة إنك مش طايقني في بيتك ومستحملني بس علشان مراد. أنا عارفة إنك شايف إني واحدة مش تمام، يعني ست زيي وعندها ولد ومش عارفة مين باباه. متفتكرش يا أستاذ سليم إني حابة الحياة هنا، لا أنا بكرهها وبكرهها جداً كمان. اختنق صوتها بالبكاء وتماسك زوجها بكبرياء. أخذ ينظر إلى رأسها المنحني ثم قال بهدوء: إنتِ كنتي عارفة إن دا هيبقي الوضع من الأول. أردفت باختناق: أه، دلوقتي أنا اللي غلطانة كمان.
مش كفاية كدا بقي ولا إيه... كفاية، أنا تعبت بجد. كادت أن تكمل ما بدأته... كادت أن تعترف بكل شيء، ولكن تلاشى صوتها عندما تهاوت يده لتصفعها، فارتفعت يدها إلى وجهها تلقائياً وحدقت فيه مذعورة ودموع الألم تندفع من عينيها. سمعته يتمتم بضع كلمات بالإسبانية، ولكنها لم تكن تسمعه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!