الفصل 13 | من 43 فصل

رواية بين طيات الماضي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منة الله مجدي

المشاهدات
18
كلمة
3,065
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

بعد وقت قصير إنطلقا هي ومراد وسليم إلى المطار. جالت ببصرها في ربوع المكان ومن ثم تمتمت تسأل في دهشة: "هو إحنا مش هنركب القطر؟ ضحك سليم بخفة على دهشتها: "لا يا مليكة، قطر إيه، إحنا هنسافر بالطيارة." تطلعت ناحيته في ذعر ولكنها لم تتفوه بحرف كيلا يسخر منها.

حمل مراد الذي كان سعيداً للغاية باللعب مع والده وبفكرة الطائرة وصعدا سوياً على متنها. أما مليكة فكانت تجلس ترتعد بداخلها، فهي تكره الطائرات وتخاف منها بشدة، فما كان يمنع نزولها القاهرة بعد سفرها إسبانيا هو خوفها من الطائرات. لاحظ سليم شحوبها قليلاً وأيضاً خوفها البادي بسهولة على وجهها، فابتسم بسخرية: "متخافيش أوي كدة يا مليكة، مش هرميكي من الطيارة، ولو إن الفكرة عجبتني جداً."

ضيقت زرقاوتيها ورسمت ابتسامة صفراء على شفتيها. انفجر سليم ضاحكاً ما إن شاهدها. مليكة بتساؤل: "أصلاً هو إحنا إزاي ينفع نسافر للصعيد بطيارة وهتنزل فين يعني؟ مفيش شرطة مثلاً هتمانع؟ أو قانون كدا يعني؟ ابتسم سليم وتابع بأنفة وكبرياء غلفت نبرات صوته: "أكيد مش هتمنع من إني أستخدم حاجاتي، دا غير إني معايا ترخيص." هزت مليكة رأسها موافقة على حديثه ولم تعقب. فهو محق بالتأكيد، لن يمنع من استخدام ممتلكاته الخاصة.

بعد سويعات قليلة هبطت الطائرة في مطار الصعيد. كانت هناك سيارة فخمة في انتظارهم، يقف خارجها شاب يبدو على ملامحه اللطف في العقد الثالث من العمر، مقرب لسليم كثيراً كما عرفت هي فيما بعد. هبط سليم أولاً، فتهللت أسارير ياسر وذهب لاحتضان ابن عمه ورفيق طفولته وهو يتمتم بدفء: "مرحباً يا ولد العم، إتوحشناك يا سليم، كيفك وكيف أحوالك؟ ابتسم سليم وتابع:

"وإنت كمان واحشتني يا ياسر، والله أنا يا سيدي الحمد لله كويس. إنت إيه أخبارك وإيه اخبار عمتو وتيتا؟ أردف باسماً: "كلاتهم بخير يا سيدي ومتسنينك على أحر من الچمر. يلا بينا." تمتم سليم بهدوء عائداً للطيارة: "آه يلا، بس أصبر." صعد سليم درجتين من سلم الطائرة وأردف بهدوء حسدته عليه مليكة وبشدة: "إنزلي يا مليكة يلا." هبطت مليكة على استحياء تحمل مراد النائم بين ذراعها، الذي حمله منها سليم على الفور.

فأشار ناحية ذلك الرجل القابع أمام السيارة باسماً بفخر: "ياسر ابن عمي يا مليكة." فتح ياسر عيناه دهشة، فهو قد ظن أنها مزحة من قبل سليم وسأل بدهشة: "دي مرتك يا سليم؟ تابع سليم بفخر لم تصدقه مليكة بالمرة: "أيوة هي يا ياسر، مليكة مراتي ومراد ابني." أومأ برأسه في ترحيب وتابع باسماً: "كيفك يا مرت الغالي، نورتي البلد ومرحب بيكي بيناتنا." ابتسمت مليكة بخفوت وتابعت بخجل: "منورة بأهلها." تمتم ياسر مازحاً:

"يلا يا سليم، هم بينا لحسن لو إتاخرنا أكتر من إكده، الكبيرة هتبيتنا في الزريبة." صعدا سوياً إلى سيارة ياسر، بينما ياسر وسليم يتحدثان ويتضاحكان. ساروا بين الطرق الترابية المتعرجة والأراضي الزراعية الخلابة حتى وصلوا إلى منزل كبير فخم للغاية عتيق المظهر. وقعت عينا مليكة المضطربة على لافتة متوسطة الحجم من الرخام حفر عليها "قصر الغرباوي". فتح الباب أحد الرجال كبار السن يرافقه شاب في بدايات العقد الثاني، رحبا كثيراً بسليم.

دلت السيارة إلى القصر في هدوء. وبعد وقت قصير كانوا أمام البوابة الداخلية للقصر. دلف ياسر أولاً يتبعه سليم، خلفهما مليكة التي تحمل مراد الناعس بين ذراعها. رحب الجميع بسليم بحفاوة. فسألت عبير باسمة بعدما ضيقت عيناها توجساً: "مش تعرفنا على ضيوفك يا سليم يابني؟ أردف سليم بجمود: "دي مش ضيفة يا عمتو، مليكة مراتي ومراد ابني." تعالت شهقات الصدمة، يمكننا القول والفزع أيضاً. خبطت عبير على صدرها في صدمة وتمتمت بهستيرية:

"يادي الفضيحة... ميتي حوصل إكده يا سليم؟ شعرت مليكة بالألم مما تفوهت به عبير الآن. أحقاً أصبحت فضيحة؟ أغمضت عيناها تبتلع غصة ألم تكونت في حلقها وهي تستعد لمواجهة الأسوأ. تطلع مهران إلى شقيقته محذراً متمتماً في غضب: "إكتمي يا عبير، أحسنلك عاد." نظر إلى سليم يسأل في هدوء: "كيف يا ولدي؟ طالع شاهين تلك الواقفة أمامهم بازدراء شديد وتابع بتهكم: "وليه مجولتلناش عاد؟ رمقه سليم بنظرة تحذيرية لم يفهمها إلا هما الاثنان.

وتابع بهدوء وثبات: "أولاً يا جماعة، أنا متجوز مليكة بقالي خمس سنين، يعني الموضوع لسة مش جديد. ثانياً أنا وهي اتجوزنا بسرعة لأني خفت ترجع تاني إسبانيا فكان لازم أربطها جمبي. ولما كنا جايين نقولكوا اتشغلت بموضوع حازم الله يرحمه. وبعد كده هي بقت حامل وكانت ممنوعة من الحركة أصلاً. ولما جات الفرصة المناسبة أديني جبتها وجيت."

ساد الصمت أرجاء الغرفة الواسعة، أما مليكة فقد كانت الدهشة تعلو وجهها وبشدة على تعابير زوجها الهادئة. أحاطها سليم بذراعه وسارا سوياً وهو يتمتم بعدم اهتمام: "أنا رايح أشوف تيتا، عن إذنكوا." دلفوا سوياً إلى الداخل ومليكة تشعر بأنها تكاد تفقد وعيها إثر التوتر. ترى ستقول جدته هي الأخرى كلمات تؤلمها كعمته أم أنها سترفض مقابلتها من الأساس؟ كان من الحماقة أن تأتي إلى هنا بهذه الطريقة. تهللت أسارير خيرية ما إن شاهدت حفيدها،

فهتفت في سعادة: "سليم وحشتني يا ولد." توجه سليم ناحيتها وقبل يدها ورأسها وتابع في حبور: "وإنتِ كمان يا حبيبتي والله، عاملة إيه وإيه أخبار صحتك؟ أردفت باسمة في حبور: "زينة يا ولدي، نشكر الله." *** في الخارج. وقفت عبير تحدث زوجها وشقيقها في تلك المصيبة وهي تهتف في هلع: "هنجول إيه للناس عاد؟ هنجولهم سليم عمل زي أبوه و زي أمجد الراوي وجابلنا واحدة من البندر، لا وإيه عاد مخلف منها عيل؟ برقت عينا زوجها في

غضب وهو يهتف بها في حزم: "إكتمي يا ولية عاد، مش ناقصين ولولة حريم فاضية." أومأت برأسها بعدما وضعت يدها على فمها في غضب عارم. أردف مهران في هدوء وهو يهاتف زوجته: "وداد، خدي عبير وأطلعي فوق دلوجت." انصاعت وداد لأمر زوجها في هدوء، فأخذت عبير وصعدا معهما قمر. نظر شاهين بتمعن لشقيق زوجته وكبير العائلة بعد وفاة والد سليم رحمه الله: "عنديك حديت كتير يا مهران، جوله." أسبل مهران جفناه بهدوء بعدما زفر بقوة وتابع:

"إحنا مع نجيبش سيرة لحد باللي حصل واصل... ونخلي مرت سليم وابنه يحضروا حنة محروس ود ذكريا. وهناك لما الحريم يسألوا يبجوا حريماتنا يخبروهم باللي حصل. وإحنا نوبجي نجول إننا عاملين عشاء في الدوار لأجل وصول مرت سليم وده بالسلامة." ابتسم شاهين بفرحة، فالآن لن يضطروا لسماع الأقاويل في القرية بسبب فعلة سليم، ولكنه ما زال يتألم لأجل طفلته، فهو يعلم جيداً أنها تعشق سليم، ترى ما سيحل بها حين تعلم. ولكنه تابع بابتسامة:

"زين الحل ده يا خوي." مهران باسماً: "يوبجي على خيرة الله." *** في غرفة خيرية. تطلعت خيرية إلى مليكة بحب ومودة وتابعت بدهشة بعدما برقت عيناها باستنكار محبب: "إنتِ لساتك واجفة يا بنيتي، أجعدي عاد." ابتسمت لسليم وتابعت مازحة: "جول لمرتك تجعد يا سليم، إحنا مبنعذبوش حد." همت مليكة بالجلوس على كرسي في أحد أركان الغرفة، فأشارت لها خيرية بالجلوس جوارها. خيرية بحب: "تعالي يا حبيبتي هنيه چاري."

نهضت مليكة وسارت إليها في هدوء شديد. ابتسمت خيرية وتابعت بحب للمختبئ في أحضان تلك الفتاة: "لافيني الغالي ود الغالي." وضعته بين ذراعي خيرية التي ظلت تعوذه من أعين الحاسدين. خيرية: "ما شاء الله ولا قوة إلا بالله، كيف البدر المنور في ليلة تمامه، كيف أمه تمام." أشارت خيرية لمليكة بالجلوس جوارها على الفراش. أخذت خيرية تربت على يدها في حنو بالغ وهي ترحب بها بحرارة. كادت مليكة تبكي من فرط توترها ورقة كلمات هذه السيدة.

أردفت باسمة باعتذار: "أنا عاوزاكي اليومين الچايين متضايجيش من أيتها حاچة، إني عارفة إن لسان عبير بتي عاوز حشه، وإنها بترمي قوالح طوب من خشمها، بس هي طيبة وهتحبيها كمان، بس في الأول بس لحد ما يتعودوا عليكي وعلي وچودك بيناتهم. أعذريهم يا بنيتي، سليم اللي غلطان عاد، كان المفروض جالنا جبلها، بس خير اللي حصل حصل." أومات مليكة برأسها في هدوء موافقة لكلمات خيرية التي تعلم صحتها وبشدة.

نظرت خيرية لأعين مليكة بنظرة لم تفهمها الأخيرة بالمرة وتمتمت بصوت عميق: "عينك يا بنيتي مش غريبة عني واصل." سرت رجفة خفيفة في جسد مليكة لتلك النبرة الحنونة التي تتحدث بها تلك السيدة طيبة القلب. ولم تعلق. أخذوا يتسامرون ويتضاحكون قليلاً في عدة مواضيع. وبعد ساعة. ربتت خيرية على يد حفيدها بحب وطلبت منه في حبور أن يأخذ زوجته ويصعدا لغرفتهما، فقد كان طريقهما شاقاً ومرهقاً للغاية. وبالفعل صعدا سليم ومليكة إلى الغرفة.

وضعت مليكة مراد النائم على الفراش ونظرت لسليم فوجدته قد خلع جاكيت بدلته وألقاه على الأريكة. برقت عيناها وهي تسأله في هلع: "هو إنت بتعمل إيه؟ تمتم بإرهاق: "زي ما إنتِ شايفة، بغير هدومي." أجفلت لما يقوله وتابعت بتوتر: "أيوة منا شايفة، قصدي يعني ماتغيرها في أوضتك." زم شفتيه وتابع بضيق: "مهي دي أوضتي." ازدردت ريقها في اضطراب وتابعت تسأل في دهشة: "طيب وإحنا هننام فين؟ تمتم بحدة ضاغطاً على كل أحرفه: "هنا برضوا."

برقت عيناها هلعاً وصاحت بدهشة: "إيه... لا طبعاً." ترك ملابسه التي كان يحملها بيده بغضب على الفراش وزفر بقوة متمتماً بحنق، أجفلت هي على أثره: "مليكة، إحنا مش في بيتنا يعني مش هينفع هنا أقولهم شوفولي أوضة تانية علشان أنا ومراتي مبنامش في أوضة واحدة." تراقصت الكلمات على شفتيها تلعثماً وهي تهم بالاعتراض: "بس... استطرد حانقاً: "مبسش يا مليكة، نامي وإنتِ ساكتة، أنا تعبان جداً وعاوز أنام." تمتمت بخفوت:

"أنا هنام على الكنبة خلاص." أمسك سليم ذراعها بقسوة وحدق في عيناها بغضب أرعبها: "مليكة، متعصينيش، إنتِ هتنامي على السرير ومعايا." ثم تابع بسخرية: "ومتخافيش، إنتِ لو أخر ست في الدنيا مش هاجي جمبك." سيطرت بصعوبة على تلك الرجفة التي سرت في جسدها إثر نظراته الغاضبة التي أرعبتها حد الموت وتمتمت بعناد وغضب أيضاً: "وإنت لو أخر راجل في الدنيا يا سليم، أنا مش عاوزاك." تركها بتقزز وهو يتابع بازدراء ساخراً:

"كويس، حاجة متفقين عليها." دلفت مليكة المرحاض وقررت أن تأخذ حماماً دافئاً عساه يهدئ أعصابها المتوترة وجسدها المشدود. وبعد وقت قصير خرجت من المرحاض بعد أن ارتدت ثوباً قصيراً أحضرته للنوم. أخذت تلعن نفسها كثيراً، فهي اعتقدت أنها ستبيت في غرفة هي ومراد بعيداً عن سليم، لهذا أحضرت ثياباً عادية للنوم. وعندما وصلت إلى الفراش وجدت مراد يرقد في أحضان سليم، فابتسمت وزفرت بقوة. آه، كم يشبه ذلك العفريت الصغير.

دلفت إلى الفراش في هدوء كيلا تزعج نومهما. بعد وقت طويل استيقظ سليم من نومه على صوت بكاء خافت وشهقات مكتومة وبعض الهمهمات. في بادئ الأمر اعتقد أنه مراد، فاحتضنه وأخذ يربت على ظهره في حنو بالغ، ولكن لم يقل الصوت بل ازداد، ففتح عينيه في صعوبة محاولاً نفض النوم بعيداً، فوجد مراد هادئاً للغاية، وأن مليكة هي من تبكي. كانت نائمة في وضع الجنين كعادتها، يغطي وجهها الكثير من الدموع. تتناثر قطرات من العرق على جبينها ووجنتها.

تصرخ تارة بوالدها وتارة أخرى بوالدتها وتارة بعاصم. مليكة بألم: "بابا... لا بابا... متسبنيش." "عاصم... إستني... عاصم لا... ماما... شعر سليم بالغضب الشديد، ترى من هذا العاصم الذي تدعوه في أحلامها؟ آه على حواء تلك، ألا تخجل؟ ترقد بجوار زوجها وتحلم برجل آخر. زفر بعمق متمتماً في غضب: "اللعنة عليكي يا امرأة." أيقظها في غضب، فنهضت فزعة من نومها وجدت سليم يطالعها بغضب، وتكاد تقسم أن عيناه حمراوان مثل الدم. سليم بغضب:

"كنتي بتحلمي بمين يا مليكة؟ أردفت بنفس مثقلة وألم، ولا ضرار أيضاً من بعض الفزع من هيئته: "ببابا." نهض في غضب وجذبها من أعلى الفراش، جاراً إياها خلفه إلى حجرة الاستقبال الموجودة بالمندرة كيلا يوقظ مراد. تحدث بغضب وهو يضغط على كل حرف يخرج من فمه: "مليكة، كنتي بتحلمي بمين؟ أردفت بألم: "سليم، سيب إيدي." هتف بها بغضب هادر: "أقسم بالله هقطعهالك حالا إذا ما نطقتيش، كنتي بتحلمي بمين؟ تلعثمت الكلمات على شفتيها خوفاً

وأردفت بصدق: "والله كنت بحلم ببابا." جذبها سليم بعنف أكبر: "متكدبيش يا مليكة، إنتِ قولتي عاصم." حدقت به بدهشة وتابعت بتلقائية: "عاصم دا أخويا يا سليم." زاد سليم من الضغط على ذراع مليكة وتابع بغضب: "متعصبينيش يا مليكة، أنا مش أهبل، من إمتى وإنتِ عندك أخ أصلاً؟

تألمت مليكة من قبضته بشدة، ولكن ما آلمها أكثر هو نظرات الشك والإشمئزاز في عينيه. اجتاح قلبها المسكين غصة ألم قاتلة، ألا يكفيها ما تعيشه حتى ترى كل ذلك الإشمئزاز والكره في عينيه؟ ولكن يبدو أنكِ نسيتي طفلتي بأن الذي يفتش عن أخطائك... لن يجد سواها. فامتلأت عيناها بالدموع ولكنها تمتمت بثبات: "أنا مش بكدب يا سليم، وإنت لو مش حابب تصدق، متصدقش، بس عاصم دا يبقي أخويا. وبعدين إنت إيه... إنت إزاي فاكرني كدة؟ ضحك

سليم بسخرية مريرة وتابع: "أنا مش بتبلي عليكي يا مدام مليكة. يعني دا أكيد واحد من ضمن الرجالة الكتير اللي تعرفيهم، واللي مكنتيش عارفة مين أبو مراد بسببهم... يعني علاقتك الكتير دي أكيد صعب تنسيها، يعني علشان اتعودتي عليها." صرخت به مليكة بألم وحزن وهي تحدق فيه بتحدي يخبئ وراءه ألم قاتل، كاد يفتك بها، بل وبه أيضاً! مليكة: "أنا بكرهك يا سليم يا غرباوي، بكرهك."

شعر بغصة تجتاح قلبه المسكين ولكنه تطلع إليها بسخرية متناهية، ثم تركها وعاد مرة أخرى إلى فراشه يرقد جوار مراد صغيره العزيز. ظل ينظر إليه وهو يربت على رأسه في هدوء. ثم زفر بقوة: "إنتَ الحسنة الوحيدة لمليكة يا مراد." أما مليكة فإنهارت مكانها وأخذت تبكي بشدة. فقد كانت تتألم حقاً، ألا يكفيها ابتعاد والدها وشقيقها؟ لا بل أيضاً سليم يشك بها. هي من فعلت هذا بنفسها، لو أخبرته الحقيقة منذ اللحظة الأولى لكانت حياتهما أفضل.

تنهدت بعمق، فهي تعرف جيداً أن حياتها كانت ستكون أسوأ، لأنه من المؤكد كان سيأخذ منها مراد. فعلى الأقل هي الآن بجانب تلك الذكرى الوحيدة التي تبقت لها من عائلتها. قررت أن تنهض لأداء الصلاة عساها تجد عند الرحمن ما يريحها، ففي رحمة الله أبواب مجنحة، تؤوي القلوب التي عانت وتؤوينا. وهي تصيح داعية في جزع: "أنت تعلم كم أجاهد يا الله... وحدك تعلم ما بي من صراعات أنهكت روحي وأرهقتها...

ووحدك تعلم ما أخفي نفسي عنه ولا يزال يطاردني... اللهم حكمة... اللهم قوة... اللهم ثبات... انتحبت بقوة وهي تردد بعزتك رباه أجبر ما تحطم في دواخلي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...