بقوة على أن أتحرك لن أهزم بسهولة، لن أترك قلبي يقيدني، السيطرة بعقلي وإرادتي. حملت "مى" حقيبتها الكبيرة بعد أن وضعت بها الأوراق والأغراض الخاصة بابن السيدة "فادية"، وانطلقت في طريقها بحثاً عن مكان آمن تخبئ به تلك الأمانة الثقيلة بعيداً عن أيدي "عادل" و"بدوي".
احتارت كثيراً ولم يتفتق ذهنها لمكان آمن تضعهم به، اتجهت نحو بيت "رضوى" صديقتها لتتفكر معاً لإيجاد مكان مناسب لذلك، وربما تستطيع تخبئتها عندها حتى تتوصل لمكان أكثر أماناً. *** بأحد المناطق الشعبية البسيطة. وقفت "مى" أمام بيت صديقتها "رضوى"، ذلك البيت المملوك لعائلتها بأكمله، تطلعت لهذا البيت المكون من طابقين قبل أن تنادي صديقتها "رضوى" كما اعتادت ندائها حين مرورها بها. "رضوى"..... "رضووووى".....
لحظات بسيطة فصلت بين نداء "مى" وخروج "رضوى" من الشرفة لرؤية من ينادي باسمها. "مى"..... !!! ثواني نازلة لك. أسرعت "رضوى" لمقابلة صديقتها التي وقفت بتشتت أمام باب البيت الخشبي. مى: "رضوى" أنا كنت عايزاكي في موضوع مهم. تعجبت "رضوى" لتلك الجدية التي تعتلي نبرة "مى" لأول مرة. رضوى: وواقفه على الباب كده ليه؟ تعالي تعالي.
صعدت "مى" برفقة رضوى للدور العلوي، ثم دخلتا غرفة "رضوى" الخاصة حين سردت "مى" ما حدث مباشرة على صديقتها بدون مقدمات. بذهول تام لما ألقته "مى" على مسامعها، لتردف باندهاش عظيم. رضوى: معقولة دي!!!! أنا من الأول مش مرتاحة لـ"عادل" ده، صدقتيني!!! لم تنكر "مى" إحساس "رضوى" الدائم بعدم الراحة والاطمئنان لـ"عادل" مطلقاً منذ الوهلة الأولى، لكنها شعرت بغبائها وسذاجتها لتصديقها الأعمى له.
مى: أنا مش عارفة إزاي يا "رضوى" كنت مصدقاه للدرجة دي؟؟؟ رضوى: والله أنا حاسة زي ما أكون بسمع حدوتة ولا بتفرج على فيلم، دي حاجة متتصدقش. زفرت "مى" بضيق فشعورها أعظم من ذلك بكثير. مى: إنتي حاسة كده وأنا بس بحكي لك، أمال أنا بقى اللي شفت كل ده بعيني. رفعت "رضوى" ساقيها بأريحية شديدة لتعقدهما متربعة فوق أريكتها الصغيرة. رضوى: بس بجد ولا الأفلام، خصوصاً موضوع "أسامة" ابن طنط "فادية" ده. تأثرت "مى" للغاية وهي تردف.
مى: أه فعلاً والله يا "رضوى"، ماما "فادية" صعبانة عليا أوي. عشان كده أنا عايزة أرد لها الجميل ومخليش "عادل" و"بدوي" يسرقوها كده. رضوى: وناوية تعملي إيه؟ مطت "مى" شفتيها وهي ترفع من كتفيها للأعلى ثم أهدلتهما مرة أخرى بمعنى لا أدري، مستأنفة. مى: مش عارفة لسه. بس مؤقتاً كده، أنا عايزة أشيل الورق والحاجات اللي معايا دي في مكان أمان. رفعت "رضوى" إبهامها متفكرة بطفولية وهي تضرب به وجنتها. رضوى: تشيلهم فين؟ فين؟؟
مى: فكري معايا. تحركت "مى" داخل الغرفة تفكر بتمعن بمكان آمن، لتقطع تحركاتها الغرفة يميناً ويساراً حتى وقفت أمام مكتب "رضوى" الخشبي، تضيق من عينيها وهي تمسك بتلك النظارة الطبية التي لفتت نظرها للغاية، لتتساءل باندهاش. مى: إيه النظارة العجيبة دي؟ أنا أول مرة أشوفها عندك، دي شكلها صعب خالص.
قلبتها "مى" بين كفيها متعجبة من شكلها الغليظ وعدساتها السميكة للغاية، حتى كادت ترسم دوائر متداخلة بتلك العدسة القديمة للغاية، حين أجابتها "رضوى". رضوى: دي بتاعة جدي الله يرحمه. كنت مطلعة شوية حاجات كده وعايزة أشيل الكركبة اللي عندي، لو عاجباكي خديها. أرجعت "مى" جزعها للخلف قليلاً معاتبة "رضوى" بنبرة مازحة على طبعها الغريب بالتخلص من كل شيء حولها.
مى: إنتي مش هتتخلصي بقى من العادة الغريبة اللي عندك دي، وتبطلي ترمي كل حاجة حواليكي مهما كانت مهمة لمجرد إنك تنظفي. بإبتسامتها المميزة أجابتها "رضوى". رضوى: أديكي قلتي، عادتي بقى ولا حشتريها. كان طبع "مى" مختلفاً تماماً عن "رضوى"، فهي تحب الاحتفاظ بالأشياء القديمة والنادرة، وهي بالفعل تملك مقتنيات عتيقة قيمة للغاية لما تراه فيها من قيمة فنية عالية. أردفت "مى" وهي تفتح حقيبتها وتضع بها تلك النظارة قائلة بمزاح.
مى: هاتيها، هاتيها، يمكن تنفع في مقلب ولا حاجة. أغلقت سحاب حقيبتها وهي ما زالت متحيرة وقد توقف ذهنها عن الوصول لحل لتخبئة تلك الحقيبة، حين هتفت بها "رضوى" بحماس شديد. رضوى: لقيتها!!! انتبهت لها "مى" متعجبة من هذا الحماس الذي لا تدرك سببه. مى: لقيتي إيه؟؟ رفعت "رضوى" حاجبيها وارتسم على وجهها غبطة كطفلة وجدت حلاً بفكرة لا مثيل لها. رضوى: عارفة الأوضة الصغيرة اللي تحت اللي محطوط فيها العدادات دي؟
ممكن نخبيها هناك. دي على طول مقفولة بالبوابة الحديد وعليها قفل كمان، محدش بيدخل هناك إلا بابا، وإنتي واثقة في بابا وعارفاه كويس. هي بالفعل فكرة رائعة، فهذا البيت لهم وحدهم ولن يقتحم أحدهم هذا المكان أو يخطر على بال "عادل" أو "بدوي" مطلقاً، لتومئ بالموافقة بحماس يماثل صديقتها. مى: حلوة أوي الفكرة دي، وأهو مكان كويس لحد ما أفكر هعمل إيه.
رضوى: حضري إنتي الأوراق والحاجات كلها اللي في شنطتك وأنا هروح أجيب المفتاح وننزل نخبيهم على طول. مى: تمام. أخرجت "مى" الأوراق والصور والسلسال الخاص بابن السيدة "فادية"، لتضعهم بأحد الحقائب البلاستيكية استعداداً لتخبئتهم، لتبقى حقيبتها فارغة حتى لا يشك أحدهم بالحقيبة ويفتحها بدافع الفضول. ألقت نظرة على تلك الصور لهذا الطفل الصغير بتأثر شديد قائلة بتمني. مى: يا رب ترجع لوالدتها، دي ست طيبة وتستاهل كل خير.
ثم أكملت بتعجب هزلي كطريقتها بالحديث المازح دوماً. مى: بس سبحان الله الطفل ده شكله حلو أوي وملامحه مختلفة عن ماما "فادية"، لازم طالع شبه باباه. أحكمت "مى" غلق الحقيبة البلاستيكية حين دنت منها "رضوى" حاملة صندوق خشبي متوسط الحجم. رضوى: هاتيهم هنا بقى ونقفل عليهم بالقفل ده وحيبقوا كده في أمان.
وضعت "مى" تلك الأغراض بهذا الصندوق وأغلقوه بإحكام بوضع قفل كبير يغلقه تماماً، قبل أن تحمله "رضوى" لتضعه بالغرفة السفلية كما اتفقت مع "مى". بعد أن انتهتا من تخبئته جيداً، نظرت "مى" نحو صديقتها متسائلة. مى: أكيد يا "رضوى" المكان هنا أمان صح؟ رضوى: متقلقيش، بابا بس اللي بيدخل هنا يطمن إن كل حاجة تمام وخلاص. مى: طيب أسيبك أنا بقى وأرجع الفيلا عشان أشوف هنعمل إيه تاني. رفعت "مى" سبابتها تنبه "رضوى" باتخاذ حذرها التام.
مى: "رضوى"، متجيبيش سيرة لأي حد بموضوع الورق والكلام اللي قلتهولك ده. لقد حملتها تلك الأمانة ولن تخون ثقتها مطلقاً، لترفع "رضوى" كفها بثقة تامة. رضوى: متخافيش يا "مى" مش محتاجة توصية. بعد مرور ساعات هذا اليوم الطويل، عادت "مى" لبيت السيدة "فادية" لتتحصل على بعض الراحة والنوم، فقد شغل تفكيرها كثيراً بأحداث يومها الأخيرة. *** في صباح اليوم التالي.
كروتين يومي اعتادت عليه "مى"، فبعد استيقاظها وتبديل ملابسها الخاصة بالنوم، وقد ارتدت تلك الملابس التي تشعر بالراحة لارتدائها، فمن طبعها أن ترتدي بنطالها الجينز وكنزة قطنية تسهل لها الحركة بتلقائية، حملت حقيبتها فوق كتفها ومرت بالسيدة "فادية" بذات التوقيت الذي تمرها به كل صباح. وقفت "مى" بباب غرفة السيدة "فادية" طارقة إياه بشقاوتها وابتسامتها العريضة قائلة. مى: صباح الخير.
السيدة فاديه: صباح الخير يا حبيبتي، تعالي عاوزاكي. دلفت "مى" إلى الداخل وأغلقت الباب من خلفها ملبية طلب تلك السيدة الطيبة. مى: عاملة إيه النهارده؟ السيده فاديه: الحمد لله، ها قوللي خبيتي الورق والصور زي ما قلتلك؟ جلست "مى" بطرف الفراش بمقابلة السيدة "فادية" لتجيبها باطمئنان. مى: أيوه يا ماما متقلقيش خالص من الموضوع ده، إنتي نويتي تعملي إيه مع "عادل" و"بدوي"؟
السيده فاديه: أنا كلمت أستاذ "منصور" المحامي عشان يعرف هو يتصرف معاهم. وضعت حقيبتها مرة أخرى فوق كتفها لتنهض من جلستها قائلة. مى: كويس أوي، أنا هروح الشركة، مش هتأخر يا ماما. السيده فاديه: طيب يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك. مى: سلام. السيده فاديه: مع السلامة.
خرجت "مى" من غرفة السيدة "فادية" وأغلقت الباب من خلفها واتجهت نحو السلم المؤدي للدور السفلي بخطواتها المتعجلة، حين فوجئت بتلك العينان القاسيتان يرمقانها بغضب، لتتسع عيناها بصدمة قائلة. مى: إنت؟؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!