"منار" تقلب صفحات مذكرتها دون علم بما يدور من مكيدة مدبرة للخمس فتيات. من هذه الأفعى السامة التي جلبتهم لجحر الآثام. لم ترَ ولم تسمع إلى صوت "سامي" الذي يحاكي "مروة" من الطرقة، متجسسًا عليهم بأعين فاجرة. "حلو دول، قدميلهم العصير وزودي الجرعة عشان دول كتير ونضمن إن ما حدش يصحى قبل ما نخلص. واحدة واحدة." هتفت الأخرى: "ماشي، بس تديني الفيديو بتاعي بعد ما تاخد اللي انت عايزه."
ابتسم ابتسامة لعوب وهدر: "لاااا، الأول تساعديني." بهتت من مفاجأته، فكلما وصلت معه لمرحلة صعدها لأخرى دون مقدمات. لم تعرف كيف تتخلص منه، حتى بعدما أقنعت زميلاتها بالحضور معها إلى هنا. اعتقدت أن هنا نهاية المطاف، لكنها لم تحسب حسابًا أن لا عهد لخائن. عقدت حاجبيها بتساؤل: "إيه؟ يعني أنا مش هروح بعد ما أديهم العصير؟ أمسك أسفل ذقنها بنعومة زائفة، ثم اشتدت يده شيئًا فشيئًا حتى أحكم قبضته على فكها،
وهو يقول: "أومال انتي فاكرة أنا هقدر على كل دول لوحدي؟ تأوهت بصوت مكتوم، فدفعها أمرًا: "يلا روحي اديهم العصير." ذهبت مجبورة لإعطائهم ما أمر به. وقعت في شراكه وما عاد ينفع الندم. توجهت صوبهم وقدمت لهم بالترتيب كاسات العصير المشبعة بأقراص المنوم. شعورهم بالحرارة في هذا اليوم المشمس جعلهم يرتشفون بنهم دون تردد أو رفض. تناقلت "مروة" بينهم وتعجلت لتنهي الأمر، ليغفو جميعًا في وقت واحد.
في نهاية الصف، كانت "منار" التي وصلت إليها لتوي. قدمت لها آخر كأس والتقطته هي دون أن ترفع نظرها إليها. أمسكت به وهي تقلب صفحات الكتاب، لكنها لم ترتشف قدرًا كبيرًا. وضعته أمامها وانشغلت بالقراءة بتركيز. نظرت "مروة" إلى باقي زميلاتها ولاحظت ذهابهم في النعاس، وازدادت توترًا من بقاء "منار" مستيقظة. فهتفت بارتباك: "كملي العصير يا منار." ردت عليها دون أن تحيد نظرها عن ما بيدها: "دلوقتي."
رأت "مروة" من خلفها "سامي" يحثها بنظره من الطرقة الموازية على إقناعها، فتشدقت بإصرار وهي تقدم الكأس من جديد: "لازم تشربي دلوقتي." نبرتها التي يظهر بها الارتباك وإصرارها على هذا جعلها تنتبه وترفع وجهها إليها فورًا. عندما تطلعت إليها ولاحظت الارتباك الشديد الذي يظهر جليًا على وجهها، ضيقت عينيها لمحاولة سبت أغوارها. وشيء ما دفعها للنظر حولها، لكن سرعان ما اتسعت عيناها لما رأته من نوم الفتيات الجماعي بحالة غير مرتبة.
نهضت على الفور، وتأهب "سامي" من خلفها لأي حركة مفاجئة ممكن أن تدمر خطته بالكامل. لذا لو وصل به الحال لقتلها لن يتردد. بالأسفل، وصل "شريف" أسفل البناية بسيارته، يحدق بالأعلى وهو يسأل المراقب المسؤول: "طلعوا يا ابني." أجاب المراقب: "أيوا يا أفندم، بقالهم ربع ساعة. نقتحم دلوقتي؟ هتف دون أن يحيد نظره عن البناية: "شويه كدا عشان ياخدوا راحتهم ويبقوا متلبسين."
كان ينتظر وما يعرف أن الانتظار أكثر من ذلك سيقضي عليه الوقت الآن. حاد كالسيف سيقطع أربا محبوبته، وسيكون شاهدًا على ذلك. في مكتب "ريان"، أمسك هاتفًا بضجر. فقد بلغ منه الشوق ونازعته نفسه في "تمار" التي باتت بعيدة عن عينه وعن يده. المكالمات متقطعة وغير منتظمة. فاق احتماله وتصرفات والدها تثير ريبته. قرر دون تردد الاتصال بها عبر الإنترنت، فأرسل إليها رسالة عبر أحد التطبيقات بجملة قصيرة تبدي غضبه: "تمار انتي فين؟
في ثوانٍ ردت عليه بصورة في أحد المطاعم وهي تجلس بسعادة إلى جوار والدها، والابتسامة تزين وجهها. كان بحاجة لرؤيتها حتى ولو عبر شاشة زجاجية متجسدة بشكل وهمي لا يشفي صدره ولا يروي ظمأ روحه منها. لكن ما حيلة المضر إلا الرضاء بالقليل.
نبث فمه بابتسامة. دفعها قلبه إلى موقعها دون شعوره. النظر إليها سر بهجة روحه. صدفة سيئة جعلت عينه تلاحظ نظرة والدها الشامتة وابتسامته المنتصرة الصفراء. اختفت ابتسامته وجز على أسنانه وزاد انفعاله، وضغط زر الاتصال ليسمع صوتها ويطمئن في الحال. "أيوا." لم يسمع سوى هذه الكلمة، وانفجر هو بكل ما يخنقه ويضيق روحه: "انتي شبه مش بتكلميني؟ وكل ما أتصل أنا تبعتيلي صورة مكان؟ لدرجادى مبسوطة من غيري؟
وقع في الفخ الذي نصبه إليه "رأفت"، نجح في إلهائها وتركه يصب غضبه عليها. وابتعد. التفتت "تمار" حولها ووجهها مصفر، حتى لا يلاحظ والدها ما يحدث. اذدرت ريقها وردت عليه: "لا طبعًا، بس أنا فعلاً ما بفضاش. وزي ما انت عارف أنا مش بتفسح، أنا بجيب اللي ناقصني." لم تهدأ غضبه، بل زاد وظهر في نبرته المحتدة وهو يقول: "ومين قالك إني مش قادر أجيبلك كل اللي ناقصك ويكفيكي؟ قولت قبل كده، أنا مش عايز حاجة، أنا عايزك انتي."
تفهمت غضبه وعصبيته وما سببه، فهتفت بلطف: "أنا عارفة يا حبيبي، بس إحنا لازم نستحمل الفترة دي. إحنا ما صدقنا إن بابا وافق." نفخ بضيق واستاء أكثر وهو يقول: "بابا، والنبي انتي داخلة عليكي التمثيلية دي، ده بيعذبنا." رفعت وجهها نحو صوت والدها الذي أشار إليها من بعيد إلى أحد المواصلات ليركبا ويغادروا المكان. توترت من الشد والجذب الذي تعيشه، لكن يجب عليها تهدئة الغاضب الذي يبدو أنه سيحرق المدينة بأكملها إن لم يطمئن.
فهتفت: "اطمني، انت هتفضل في قلبي." أردفت بتسرع من كثرة إلحاح والدها من بعيد لتعجل كي لا يفوتهم المواصلة: "أنا لازم أقفل دلوقتي وأوعدك هكلمك تاني." انتفض في مجلسه وهو يقول: "تقفلي؟ إحنا لحقنا نتكلم؟ هدرت آسفة وهي تتقدم نحو والدها: "آسفة يا حبيبي، أوعدك إني هكلمك بالليل." تشنج من سرعتها وضاق صدره أكثر عندما سمع صوت والدها يهدر: "يلا يا تمار، العربية هتفوتنا."
أغلقت الخط على هذا. ولكم "ريان" مكتبه. ينجح والدها دوماً في إغضابه دون أن يحتك به بشكل مباشر.
"مكة" خرجت من عملها واستقلت أحد المواصلات العامة ذات الكراسي الكثيرة. جلست بجوار الشباك تطالع الطريق دون نظر، يسيطر عليها الشرود. إلى جوارها كانت تسير سيارة لم تلاحظها بلا أساس، لكن من بداخلها كان يقصدها. لم يستطع "إلياس" الانتظار. خرج من مكتب اللواء إليها ليتابعها. اشتاقت عينه إليها. طالعها بشغف واشتياق. لم تلاحظ عينه الراصدة لها، لكنه كان مفتونًا بها وكأنها آخر النساء على وجه الأرض.
التهم ملامحها وكل تفصيلها بعينه حتى نسي نفسه وحالته. فأسفًا عليه حتى في شرودها تفتنه. وكيف يخبّرها بطريقة منمقة أنها بداخله رغم المسافات والبعد وقلة الكلام وازدحام الأمور السيئة. كيف يخبّرها أنها ثابتة بقلبه مهما حدث. قطع تأمله تحرك الشاحنة، فتبعها. الليلة لابد أن يلتقي بها، لابد أن يسمع صوتها ويروي ظمأه منها الذي طال شهورًا. فالصبر انتهى، وبدأ النعيم.
في مكتب "عدي"، خرج فورًا من مكتبه بعد خروج عزيز. خرج كالريح العاصفة. توجه إلى مكتب "مرام وليندا" وصاح باليندا: "غلي كل المواعيد." التفت إلى "مرام" وأمرها: "وانتِ تعالي معايا." انتفضت من مكانها وزاغ بصرها بقلق من غضبه المفاجئ. لم يكن أمامها خيار سوى الركض ورائه. بصعوبة لحقت به عند باب المصعد. سألته بقلق بالغ: "إيه؟ هو أنا عملت حاجة؟
لم يجيبها. فتح لها الباب وحسها بنظراته على الدخول. دخلت معه وهي ترتجف، وبدأت بالضغط على أطراف أصابعها. لم ينظر إليها، ولم يفكر ماذا سيفعل بها. يود الآن إبعادها عن نظر العالم أو دسها في قلبه. خرج من المبنى ومازالت هي خلفه. وقف "الحارس" الذي يتهلل برؤيته وقال: "أهلًا يا سعادة الباشا، ما شفتكش الصبح." سرعان ما اختفى حنق "عدي" ورسم على وجهه ابتسامة بشوشة: "إزيك يا راجل يا طيب؟ أجاب "إسماعيل": "بخير، طالما شوفتك."
رمى ببصره باتجاه "مرام" وأردف: "وشوفت السنيورة. الله يباركلك يا باشا. الصراحة تحط على الجرح يطيب. ربنا يسعدكم انتوا الاتنين." وكأن اليوم هو يوم الإشارة لـ"عدي" ألا يتركها. اتسعت ابتسامته وهتف برضاء: "أهو عشان الدعوة الحلوة دي. جهز نفسك عشان تطلع الحج السنة دي." فرغ فم "إسماعيل" ورجع خطواتان للخلف ليتأكد مما سمع، وكرر بذهول: "بتكلم جد؟ أومأ "عدي" وهتف بثقة: "طبعًا جد الجد."
ابتهج قلب "مرام" من تصرفه النبيل، خارق بكل معنى الكلمة في نثر السعادة بين الناس ومد يد العون. لم تقابل شخصًا مثله في هذا الزمان. أسرع الرجل ليميل إلى يده ليقبلها قائلاً: "إيدك أبوسها يا باشا." سرعان ما سحب "عدي" يده ويمنعه: "إيه اللي بتعملوا دا يا حج إسماعيل؟ عيب." ما كان من الرجل إلا أن رفع يده إلى السماء ودعا بكل صدق وإخلاص: "ربنا يرضى عليك ويسعدك ويصلح حالك ويفرح قلبك."
ربت "عدي" على كتفه بحنو ورحل عنه باتجاه سيارته. بلغ "مرام" دون أن يلتف: "خلصي مشوار عم إسماعيل. طبعًا من غير ما بابا ياخد خبر." فتح لها الباب لتدلف إلى جواره دون أن تفهم سبب ضيقه أو حتى إلى أين تذهب. دار حول سيارته ودخل إلى جوارها يدير المحرك وانطلق. لدى "منار"، الصدمة كانت كلمة قليلة أمام ما اتضح أمامها من فخ. زاغ بصرها وارتجفت فجأة. وبذعر شديد سألت "منار": "إيه؟ إيه اللي حصلهم؟ رفعت "مروة" كفيها أمام
كتفيها قائلة بذعر مماثل: "أنا ما أعرفش حاجة، أنا ما عملتش حاجة." لم يتوانى "سامي" عن الدخول المفاجئ والقبض على رسغيها وجذبهم خلف ظهرها عنوة. صرخت من مفاجأته. وعندما أصبحت مقيدة من قبل شخص لا تعرفه، ازدادت رعبًا وانفلتت أعصابها. تلوت يمينًا ويسارًا لمحاولة التخلص من يده. وفجأة توقفت عن كل هذا عندما سمعت همساته في أذنها بكلمات مقتضبة جعلت جسدها يتصلب بالكامل.
لم تستطع حتى الرمش، إلا عندما دوى صوت اقتحام وطرق عالٍ من جهة الباب. لم يعطِ فرصة لأحد بإدراكه، لأنه جاء فجأة وكما جاء فجأة انتهى بسرعة. اقتحم كلا من "شريف" و"ماجد" الشقة يلوحون بأسلحتهم في تحذير شديد الخطورة: "اثبت مكانك وإلا هضرب بالنار." "شريف" لم يحدد في الوهلة الأولى ماهيتها، ظن أنه يتخيل. نظر إليه "ماجد" وتساءل بدهشة: "المدام بتعمل إيه هنا يا شريف؟
لم يكن لديه إجابة، بل إنه لم يسمعه من الأساس. نظر إليها وبادلته النظر. كانت تود أن تهرول وتبكي في أحضانه وتتوسله للرحيل، لكن قدمها عجزت تمامًا عن الاستجابة لهذا الشعور. آلمه وجودها في هذه الشقة المشبوهة، وآلمه رؤيتها بين يد هذا القذر الذي كاد أن ينساه في غمار صدمته. كل شيء حدث سريعًا، لكن خطوته الغاضبة كانت أسرع في نزعها من بين يده. وأقرب شيء ليده كان تلابيبها، فجذبها إليه بعنف شديد.
رؤية عينيه في هذا التوقيت كانت أشبه بالنظر للجحيم. زمجر وهو يسحق الكلمات بين أسنانه بصوت منخفض: "إيه اللي جابك هنا؟ ألجم غضبه المفاجئ فاها. ومن جهة أخرى تعاملت باقي الفرقة في تمشيط الشقة والقبض على المتهمين. قاطعه "ماجد" الذي شعر بهذا التوتر وقدر جيدًا الصدمة التي هاجمتهم معًا: "شريف خد منار والمتهمين للقسم واحنا هنجيب الإسعاف وناخد البنات."
كان بحاجة ماسة للتوجيه. أمسك رسغها ولملم أغراضها من المكان والتي يحفظها كباطن يده. لم يسمح بتركها، وهي لم تحاول الإفلات، فأعصابها بعد تلاحق الأحداث باتت مفككة. نزل عبر الدرج وانتظر بجلد حتى يصل إلى سيارته وينفجر ببركان أسئلته التي يخشى إجابتها. أغلق عليها السيارة ودار ليلحق بها في الجهة الأخرى وهو يتابع خروج كلا من "سامي ومروة" من المبنى تحت الحراسة المشددة لتوجه نحو القسم معه، والتي بالطبع ستوازي سيارته.
أخيرًا دخل سيارته وأشعل المحرك، واشتعلت نيرانه من هذه الطعنة التي أتته من قريب وأصابت موطن قلبه: "إيه وداكِ هناك؟ لم يسعها الحكي بما حدث. مسحت على جبهتها وهي ترد عليه لاهثة من فقد السيطرة على أعصابها: "مش وقته، المهم إنك جيت ولحقتني." التفت نحوها وصاح بإصرار وغضب وتلاحقت أسئلته: "أومال وقته إمتى؟ ولحقتك إزاي؟ انتي مفكرة إني جيتلك مخصوص؟ هدرت بتأثر وهي تنظر باتجاهه: "يعني انت ما جيتليش مخصوص؟
لم تخفِ تعبيره الساخط الهزئي في آن واحد وهو يتشدق: "انتي كدا هبلة رسمي." أردف بتعصب: "أنا لازم أتصرف في المصيبة دي." لطالما اطمأنت لتصرفه، لكن هذه المرة كل شيء يبعث للقلق. لذا سألته: "هتصرف في إيه؟ لم تحيد نظرتها عنه وهو يقود بجنون حتى تحصل على إجابتها. حتى زمجرا بشراسة: "انتي ممسوكة في شقة مشبوهة يا حلوة... انتي جبتيلي العار." مسح وجهه بغضب وتركها فمها مفرغ وعقلها الذي حتى اللحظة لم يستوعب ما يحدث. وجدت
نفسها تعترف رغما عنها: "أنا كنت رايحة أذاكر معاهم." لم يهدأ بعد هذا الاعتراف، بل ازداد شراسة وهو يزأر: "ما قولتيليش ليه؟ بتمشي من غير إذني ليه؟ ردت عليه بضيق من إلحاح أسئلته المنهكة ودون حتى أن تستوعب سبب غضبه صاحت: "أنا مش لازم أقولك على كل حاجة." ازداد انفعاله وصرخ بها: "وأنا بالنسبالك إيه إن شاء الله، لما تمرمطي سمعتي وكرامتي في الأرض؟ هتفت دون وعي: "وأنا عملت إيه غلط؟ روحت ذاكرت مع أصحابي."
أمسكت رأسها وقد بدأت تشعر بصداع ينقر رأسها دون هدى. لاحظ هو ذلك فألجم غضبه ريثما يصل وسيكشف لها ما تسببت به دون حرج أو مراعاة لمشاعرها. لكن كلما جال في رأسه أن فكرة التريس في الصعود للشقة كانت فكرته، وأن بسببها كانت ستحدث كارثة، يزداد اشتعالًا ونفورًا وجسده بالكامل ينتفض. يعرفها ولا يشك بها، بل يخشى عليها من سذاجتها التي أدرجتها في هذا الفخ اللعين.
في شقة ابراهيم السباعي، مكة أزاحت الباب لتجده يقف نصب عينيها بكامل هيئته وهيبته التي ترجف القلوب. ازدرت ريقها. ما كانت تتوقع رؤيته بعد هذه المدة، وأيضًا هنا في منزلها. ثوانٍ حتى جمعت ما تبعثر من قواها وهتفت بتقطع: "أ ن... إنت... لم يجيبها "إلياس"، ظل يثبت نظراته الجامدة والتي تمتلئ بالغموض والإصرار، مما بعث في نفسها الريبة. فسألته بقلق: "جاي ليه؟ أفلت سؤالًا باقتضاب لكنه شديد اللهجة: "أبوكي فين؟
دق قلبها بعنف لذكرى اسمه وخشيت أن يكون السبب وراء زيارته المفاجئة الاعتقال أو حتى التحقيق الذي اعتادت عليه من زمن. لكن تحديدًا بعد كل ما مر عليهم في الأشهر الأخيرة بات والدها غير متحمل كل هذا الضغط. انفرج فمها وهي تقول: "عايزة ليه؟ رفع أحد حاجبيه وسأل بغطرسة: "انتي هتحققي معايا ولا إيه؟ ازداد القلق بداخلها فترجته بنبرة متعجلة: "أرجوك بلاش بالله عليك. لو في حاجة خدني أنا مكانه، بابا تعبان ومش حمل بهدلة."
وتحت وطأة الهلع من صمته والغموض المسيطر على سبب هذه الزيارة، وجدت نفسها تستأنف كي تقنعه: "أنا والله من يوم اللي حصل وأنا ماشية جنب الحيط. والله المدير بتاعي بيضايق عليا وبيضغطني في الشغل عشان يعرف السبب لرجوعي الشغل ويعرف الموضوع من أوله. والله ما بفتح، بقى أنا خلاص حرمت." استمع لها دون أن يبدي أي تفاعل معها، حتى قاطعها عن ما تقوله وهدر بضيق: "هتدخليني ولا هفضل واقف كتير على الباب؟
لم تجد مفرًا وفقدت الأمل في إنصاته لها. يبدو أنه لن يتراجع مهما أقسمت وبررت. خطت للخلف لتسمح له بالمرور وهي تلوح بيدها دون حديث. تعرف أن أباها يقرأ القرآن في إحدى الغرف، لذا انطلقت نحوها لتنقر عدة نقرات قبل أن تنظم أنفاسها وتعيد إليها الاتزان. سمح والدها لها بأن قال: "تعالي." وقفت أمامه وعلى وجهها أثر تفاعلات الصدمة لتقول بحزن: "في واحد بره عايزك." ضم هو الآخر حاجبيه باستنكار وتساءل: "مين ده؟!
أثارت الصمت، لم تستطع أن تخبره بحقيقته. لن تتحمل رؤيته يسقط من جديد. لكن والدها حسم الأمر وهو يطوي كتاب الله بين يديه قائلًا بهدوء: "خليه يتفضل." استدارت لتخرج عن الغرفة بخطوات بطيئة لتجده قد لحق بها خلف الباب. لم يكن بيدها شيء تقدمه سوى رجاء. هدرت به بنبرة توسل: "بابا تعبان ومركب دعامة قلب والانفعال وحش عليه. أرجوك يعني ترأف به."
مط شفاه بابتسامة لم تصل لقلبه. يتضح عليه مجاراتها فقط دون شعور أو حتى نية للتنفيذ. تجاوزها ليدخل إليه. وبرغم أن "إبراهيم" لم يتعرف عليه أو سبق له معرفته، إلا أنه استقبله ببشاشة وهو يقول: "أهلًا وسهلًا. اتفضل يا ابني." صافحه "إلياس" قائلًا ببرود: "يزيد فضلك يا حاج." وجلس حيث أشار له ليفتح "إبراهيم" حديثه بـ: "والله يا ابني شكلك ابن حلال. مع إني أول مرة أشوفك. خير؟ أجابه دون مقدمات وبجمود قاسٍ كأنه
مخدر لا يشعر بما يقول: "أنا جاي أطلب إيد بنتك مكة." تراجع "إبراهيم" برأسه للخلف ليسمح باستيعاب ما قاله، مندهشًا من طريقة عرضه وكذلك جرأته الغير طبيعية في طرح أمر كهذا دون أهل أو حتى مقدمات. في غرفة مكة، حاولت تنظيم أنفاسها وهي تضغط بباطن يدها على صدرها. هذا أزعج أختها التي انتظرت بقلق هذه المدة لمعرفة سبب انسحاب الدم من وجهها وحالتها السيئة، لتصيح بفزع خشية من أن تسقط في إغماء كالسابق: "مالك يا مكة؟ في إيه؟
وبصعوبة جديدة وجدت مخرجًا لكلمة واحدة قالتها بمجهود صعب: "موجود هنا." ثم عادت تنظم أنفاسها. لم تفهم "مرام" فهرولت لتقدم لها الماء. يبدو أنها ستمكث مدة حتى تخرج منها بتفسير واضح. بين إبراهيم وإلياس، ضبط "إبراهيم" أعصابه وهو يرد عليه بهدوء: "والله يا ابني مكة متقدم لها واحد وخلاص قراية فتحتها قريب." بتر "إلياس" جملته بنبرة صارمة تبعث الريبة: "كامل عبد الحميد الجزوي أو الشيخ كامل عزو، مش هو دا. أحب أبشرك إنه هيتحبس."
ضم حاجبيه "إبراهيم" وهتف مستنكرًا: "انت مين؟ أجابه "إلياس" دون تردد وبتفاخر شديد: "إلياس النشامى، مقدم في قوات مكافحة الإرهاب." وما إن كشف هويته حتى تبخر الود الذي كنه "إبراهيم" إليه. وعلى فجأة وجد نفسه لا يطيق مشاركته نفس الهواء. أصبحت جلسته غير محببة، فهو بينه وبين الشرطة عداوة تراكمت حتى نفرت قلبه مما يتعلق بها. لذا هدر بتعجل: "ما عنديش بنات للجواز."
هذا لم يكن ينتظره "إلياس"، لكنه لديه أساليب كثيرة للإقناع. وإن لم تفلح، فهو ماهر في الإجبار. أجاب متعصبًا: "بقولك هيتحبس." ازداد تعند "إبراهيم" معه بعدما اكتشف تهديده المبطن وهتف: "هستناه يخرج. ده نصيبها."
عقل "إلياس" يرفض نوعية إبراهيم بطبيعة عمله وما يعانيه بسبب كل من أمسك كتاب الله وفسره لصالحه، وأخرج منه شرعًا يحلل ويحرم به على هواه. لذا يرى أن الشدة هي التي يستحقها كل هؤلاء دون تمييز. واعتبر في ربط مصير ابنته بمعتقل قد لا يخرج أبدًا من السجن ودفن شبابها في انتظار مجهول عنف ضدها. فصاح باعتراض على عقليته: "هو إيه اللي نصيبها؟ انت عايز تدفنها بالحيا؟ طيب ما أنا قدامك أهو وبطلب إيدها وانت لسه قايل إنك ارتحتلي."
تهجم وجه "إبراهيم" من انفعاله. قد أثرى فكرته عن كل الضباط الذي أصبح بينهم عداوة بسبب كثرة الظلم والتعسف الذي تعرض له دون داعٍ، سوى لأنه مدير جمعية خيرية وإمام جامع ذو لحية طويلة، وفقدان ابنه الأكبر علي بيدهم، وخاصة ما فعله الضابط الأخير. شوه ما تبقى لديه من إجلال لهذا الكيان المهيب. نهض من مكانه وأجابه بحده: "ما عنديش بنات للجواز." لم ينهض "إلياس" من مكانه وسأله بحنق: "مش الدين بتاعكم بيأمركم تسألواهم موافقين ولا لأ؟
رمقه "إبراهيم" شزرًا وهدر بغضب: "الدين مش بتاعنا، الدين كله لله." مازال يعامله "إلياس" على أنه إرهابي متنكر في عباءة الإسلام. و"إبراهيم" يعامله على أنه عسكري ظالم مستبد لا يعرف عن دينه شيئًا. كلاهما يرى الآخر بوجهة نظر قصيرة وخاطئة خلفتها نماذج سيئة من الجهتين. واسترسل لينهي جلسته: "طلبك مرفوض." أصر "إلياس" على وجهة نظره ومال بجسده نحو الطاولة ليرفع كفيه ويلطم عليها بباطن يده هادرًا بعنف: "أنا ميت على الطلب دا."
بدأ يغضب "إبراهيم" حقًا من معاملته وتهوره في الحديث ومحاولة إجباره الواضحة في القبول. وإن بقيت ابنته عزباء طول عمرها لن يزوجها لهذه النوعية من البشر التي قاس ويلات العذاب على أيديهم. أفلت زمام غضبه هو الآخر وأجاب بغضب: "اتفضل من غير مطرود." لم يتزحزح "إلياس" من مكانه. تراجع للخلف ليسند ظهره إلى الأريكة ليوحي له أن لديه سلطة ونفوذ أقوى من قبوله أو رفضه في منزله. هذه القوة لم يأتي بها معه، بل هي هنا تحت سقف منزله.
هتف بهدوء وتحدي: "طيب نسألها." أوشك "إبراهيم" أن يفقد عقله من تصرفاته الوقحة، فصاح متعصبًا: "نسأل مين؟ البنت واتخطبت. اتفضل حضرتك، مالكش نصيب." ركز عينه الحادة في عين "إبراهيم" وصاح بصوت جهور ينادي: "مــــكــــه،" اتسعت عين "إبراهيم" من جرأة فعلته. هذا تعدٍ واضح على حرمة منزله واندفع يسأله بحدة: "إيه اللي بتعمله دا؟ امشِ من هنا." كرر إلياس ندائه دون اكتراث بصوت أعلى: "مــــــــــــكـــــــــــــه."
انتفضت المدعوة من مكانها وساقته قدمها دون تردد للندائه. ولم يرد زئير الغول الممتلئ بالضيق. دخلت دون إذن، فأشار إليها والدها وهتف بتوتر: "اخرجي يا مكة يا بنتي." عينها كانت عينه، تخشى تنفيذ أمره فتغضبه. فهمت من الوهلة الأولى تحذيره الذي أرسله إليها بنظرته الحادة. تسمرت مكانها لتستقبل الكارثة التي أحدثت كل هذه الفوضى التي استمعت إليها دون توضيح. لم يطل "إلياس"
عليها وهتف بشيء من اللين: "أنا طلبت إيدك من أبوكي بس هو مش موافق. فاقترحت عليه نسألك." ابتسم لها بإستمتاع وأردف: "موافقة تجوزيني؟
وكأنما نُقلت إلى القطب الجنوبي وكل ما يحيط بها أصبح ثلجًا يجمد قلبها ويضيق أنفاسها. لو في وقت آخر لرحبت به، لكن الآن بات كل شيء مستحيل. "إلياس" بالنسبة لها كان حلمًا صعب المنال، وعندما أصبح أمامها حالت بينهم الظروف والمعادلات المعقدة. كانت تنتظره ليختطفها من أحلامها لواقع أشبه بالأساطير والحكايات. كريشة خفيفة تطاير خلف هذا الفارس المغوار، وآتى الفارس بعدما أصبح وزنها أثقل من وزن الحصان.
كرر سؤاله بتعجل حيث أنه يعرفها جيدًا. هي مندفعة أكثر من هذا الصمت الذي تعتنقه. ربما تكون خجلة، لكن لا وقت للخجل الآن، فأبيها متربص مثله تمامًا لمعرفة الإجابة. حثها بعينيه وجز على أسنانه وهو يهدر: "قولي موافقة ولا لاء." أرخت نظراتها عنه ورغما عنها أجابت بحزن واستسلام: "لاء." أثلجت صدر والدها الذي كاد يغلي من هذا الكائن المتطفل وصاح به بكبرياء: "اتفضل حضرتك، أظن كفاية كدا."
لم يترك له مجالًا للاستيعاب ما قالته هذه المجنونة التي ظهرت له من العدم وأرغمته على العيش في أحلامها لدرجة أنه بات هو الآخر يحلم بها. تعشم كثيرًا بأنها لن تخذله، لكن ما أصعب العشم إن خاب. نهض من مكانه مزمجرًا بحدة: "بقى كدا، طيب استعدي للي جاي وأوعدك إنك مش هتشوفيه حتى في أحلامك، لأنك مش هتعرفي تغمضي عينك من أساسه."
انطلق من جوارها بعدما رجته نبرته التوعدية وعصفت بكل قواها تشعر بالسؤ قادم كغيمة متلبدة تحمل في طياتها شرًا من العذاب بما لا يحمد عقباه. بلا شك أغضبته، وغضب الغول مخيف، غول يــجذبه نحوها شــئ خـــرافى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!